كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يا لحزني عليك ياسودان ... فالكارثة أكبر من نظام فاشل فاسد وقاتل؟

أصدقكم القول بأننى رجل متفائل بطبعى. ورغم تردى الأوضاع بدرجة قلت فيها سابقا أنه "لو طرح عطاء لأ قدر وأكفأ مقاولى العالم وأنيط بهم أن يدمروا بلدا، ما أستطاعوا أن يخربوا جميع أوجه الحياة فيه؛ ولو بجزء ضئيل من القدر الذى نجح فيه هذا النظام". ورغما عن كل ذلك ظل يحدونى أمل فى أن ينهض الوطن من كبوته، ويتعافى من مرضه بعد أن يفيق "الصفوة" و "النخبة" من شرودهم الذهنى، وهروبهم من التفكر فى واقع الأحوال فى البلاد والعباد؛ حتى يروا بإم أعينهم أن الوطن جريح، وأهله مكسورى الخاطر، ممزقى الكرامة. فيعملوا على إستنهاض الأمة وتضميد الجراح. ولكن مع عميق الأسف مازال أكثرهم لا ينظرون للأمور إلا من منطلق ذواتهم ودوافع نزواتهم. ويبدوا أنهم غارقون فى هروب عقلى تعتورهم عقدة مارى أنطوانيت ملكة فرنسا التى قالت حينما علمت بأن الشعب لا يجد الخبز، "لماذا لا يأكلون كيكا".
وقد تضخم حزنى وأنا أتأمل تلك المقولة عند قراءتى لما نما إلى علمى التسليع البذخى للمرأة لو تم ذلك الزواج أو لم يتم. فرأيت فى ذلك خيطا متصلا بما سبق وأشرت إليه من فساد عقول وأنحطاط أفعال. فقد تأكد لى تماما أن كثيرا من أدعياء الصفوية و "نخبة البلد" وقيادات مواقعها هم أكثر كارثية على الوطن من زبانية نظام نزق. وهذا موضوع كنت قد طرقته منذ أربعة أعوام، وإعدت التنبية إلية مرات عديدات، فى كتاباتى ومحاضراتى وندواتى. ولكن يبدو أن الأمر صار كما فى أبيات الشاعر (التى إختلف مؤرخو الأدب فى نسبتها):
لقد أسمعت اذ ناديت حياً....ولكن لا حياة لمن تنادي
وناراً لو نفخت فيها أضاءت...ولكن أنت تنفخ في رماد
وقد أسهبت فى هذا الأمر مرات أخرى حين ظل مأفون مأجور أجنبى يكيل الإساءآت والإهانات والإزدراء لجماهير وإدارة نادى رياضى، بل وكل الشعب السودانى، وحين تمادى فى إستهتاره؛ بل وتعمد إخراج الفريق، الذى أغدق عليه، من واحدة من أهم المنافسات يوم كان قاب قوسين أو أدنى من التقدم الكاسح فيها. و كأنما أرادت المأساة أن تكرر نفسها. ففجأة وجدت نفسى أمام متاهة ضياع لا متناهية الخواء العدمى وأنا أقرأ:
"الكاردينال يفجر قنبلة الموسم ويقترب من التعاقد مع البرازيلي رونالدينهو...[وأيضا].. نجح رئيس نادي الهلال اشرف الكاردينال في إبرام أكبر صفقة في تاريخ الأندية السودانية عندما استطاع إقناع نجم الدوري البرازيلي ولاعب فلامنجو السابق (مانقو سانتوس) باللعب في صفوف الهلال .
وبحسب ما نقلت صحيفة قوون الرياضية السودانية و التي تابعت الخبر من مدينة (باهيا) البرازيلية فان رئيس نادي الهلال الكاردينال قد حسم صفقة إنتقال اللاعب بعد مفاوضات طويلة.
حيث وافق اللاعب علي التعاقد مع النادي الازرق في صفقة تاريخية"
وأضاف خبر آخر، أخذ يعمل كالمنشار فى عقلى، بأنه:
"فعلا تم التعاقد مع كابتن منتخب مالي و كابتن منتخب إثيوبيا...و حارس الكاميرون و لاعب فرنسي الجنسية...وبشر بقدوم اللاعب البرازيلي عبر الخطوط القطرية ...وتعاقد مع المدرب البلجيكي و مع مدرب أحمال و مدرب لياقة فرنسيين"
فأسقط فى يدى، وغمت نفسى، وأنا أسائلها: كم من الملايين قد صرفت على هذا البذخ المحبط؟ كم مدرسة كان يمكن لهذه الملايين أن تفتح وتؤسس وتوفر المعدوم من الكتب؟ كم من الأطفال كانوا سيسعدون بمستقبل باهر؟ كم من مريض لا يجد الدواء كان سيتعافى؟ ماذا سيستفيد الشعب السودانى أو الوطن من هذا الإسفاف؟ أى إستثمار للمستقبل هذا؟ أم هو تخدير مقصود لصرف الأنظار عن المآسى العدمية التى تعيشها الأمة، ويعانى منها السواد الأعظم من الشعب؟ هل هو هروب أولئك النفر القابعين فى أبراجهم العاجية؛ لا يهمهم من أمر الشعب والوطن شئ؟ أم هو تخدير لوعيهم وقد إستمرأوا العيش فى تلك الأوهام بصفويتهم وإنجازاتهم التى لا تتعدى أطراف أنوفهم؟
فيستمر مسلل الحلول المستوردة بإستجلاب لاعبين بملايين الدولارات، فى بلد يموت أهله بالجوع والمرض ونقص الغذاء والدواء، وهذه فى حد ذاتها جريمة لا تغتفر. وهى تأكيد لأنانية "النخبة" أو "الصفوة" التى تصطاد عصفورين بذاك الحجر الواحد فمن جهة يستمتعون بلعب المستوردين من المحترفين وهم جزلون فى أبراجهم العاجية ووجابتهم المجلوبة بالطائرة من إيطاليا، ويتباهون بأنهم محققو نصرهم أو مانعو هزيمتهم. وما دروا بأن سقوطهم ذاك بجلب هؤلا اللاعبين هو التردى الذى ما بعدة سقوط، والفشل الذى مابعدة هزيمة.
وغرضهم الثانى هو إلهاء الجماهير بإنتصارات مضروبة وسياسة إنصرافية لإغراق الجماهير فى دوامة المباريات والإستعداد لها والرد والذهاب والإياب. فتنشغل أذهان الجماهير باللاعبين الجدد وإنجازاتهم وترقبهم وإستعداداتهم – وفى بعض الحالات زواجهم ووفياتهم. فيتم الإلتهاء عن التفكر فى مشاكل الحياة اليومية وشظف العيش ومرض الزوجة والأولاد. فبدلا من المطالبة بالعدل والحقوق، يضيع الوقت فى النقاش حول المباريات، والإستعداد لها ومسارها وألإنتصارات فيها؛ أو الهزيمة التى سببها الحكم، أو سوء الطالع، أو الإثين معا. فهل هناك سياسة إنصرافية أنجع من ذلك؟
وكنت قد أشرت من قبل إلى أن النظام المسيطر اليوم ، كأغلب النظم القمعية والدكتاتورية، يستغل الرياضة والفنون كإستراتيجيات إنصرافية تلهى الجماهير عن مايدور من إحباط وفساد وظلم. فتساءلت، "بالله قولوا لى : أى حكومة هذا حال أطفالها تصرف الملايين فى السماح بإستيراد اللاعبين وتضيع وقت المسئولين فى أعلى قمة السلطة للعمل كأجاويد لحل مشاكل داخلية فى الأندية الرياضية التى لا يعيرونها أى إهتمام حقيقى؛ ولاممارسة، ولا حتى هواية مشاهدة عبر تاريخهم منذ أيام الدراسة. فسقت خبرا مفاده أن المسؤول على أعلى قمة المسئوليه الذى لا يعير ملايين الأطفال المتضورين جوعا وجماهير الشعب التى تموت عوزا ومرضا، يخصص وقته ومكتبه لحل مشكلة لاعب... لاعب! يا ألطاف الله!:
"مكتب مساعد رئيس الجمهورية يتدخل لحل مشكلة هيثم مصطفى
.. اجري مكتب مساعد رئيس الجمهوريه نافع على نافع اتصالات واسعه مساء امس الاربعاء بغرض حل مشكل الكابتن هيثم مصطفي مع رئيس نادي الهلال,,وقاد مساعد الرئيس مبادره لحل المشكل نهائيا بالاستماع الي كل الاطراف وتم اختيار فاطمه الصادق من جانب الكابتن هيثم مصطفي وعمار الزبير والرشيد علي عمر,,فيما تم اختيار معتصم محمود وحاتم عثمان ونزار عوض مالك من طرف البرير ومن المتوقع ان يجلس مساعد الرئيس مع كل الاطراف يوم السبت ,,ويختتم اللقاءات بلقاء بين البرنس والبرير بالقصر الجمهوري هذا وقد تم اخطار كل الاطراف بمافيها رئيس الهلال والكابتن والمجموعه التي تم اختيارها"
يا لوجعتك يا سودان!!! "فالظلم تمدد -- ما أجدى جهد بالحقل أو القفر". وفوق كل ذلك الظلم تظل الملايين من العملات الصعبة التى يكدح في إنتاجها الغلابة تبعثر فى ما لا ينفع -- بأى زاوية نظرت. تبدد فى منتجعات سويسرا، وعقارات الدوحة ودبى، إستثمارات فى ماليزيا، وإستيراد للمحترفين من اللاعبين! والكادحون المعدمون يسيرون خطى قدرهم يوما بعد يوم: يطقون الهشاب، يزرعون الحبوب والبقول، ويقضون أيامهم لاهثين خلف المواشى، فى حر قائظ وأراض قاحلة جدباء، وماء شحيح. ويظلون يحلمون بغد أفضل مع شروق كل فجر ومغيب كل مغرب. ورغما عن ذلك يظل أغلب النساء والأطفال والرجال من عامة الشعب، وفى أطراف البلاد المختلفة يئنون من الجوع، ويتساقطون من العطش، ويتلاشون من المرض، ويحتضرون من الأوبئة، ويبادون بالحروب والتدمير. حتى بلغت نسبة الفقر فى السودان أقصى مداها إلى درجة أن صنف السودان كأسوأ بلاد العالم فقرا، وظلما، ومرضا، وفى ذيل قائمة البلاد المنهارة. وأنعدمت الخدمات الأساسية الضرورية، حتى عزت شربة الماء، وكسرة الخبز، وعلاج أمراض قضى عليها العالم منذ سنين طالت.
فمتى يفيق أمثال هؤلاء الذين يهدرون أموال البلاد والعباد؟ متى تصحو ضمائرهم حتى يروا حقيقة الإنهيار فى كل جوانب الحياة فى سودان كان فى مقدمة الأمم، وطليعة آمال إفريقيا؟ ومتى ترتفع الأصوات، التى تظل تمجدهم، بدلا عن أن تنبههم إلى فداحة فعلهم وجريمة سعيهم؟
لا يظنن أحد أننى أعارض الرياضة أو كرة القدم. كلا فقد مارست الرياضة جل صباى وشبابى، ولعبت لفريق من الدرجة الأولى، وكنت كابتنا لفريق جامعة الخرطوم، ومازلت أستمتع بمشاهدة المباريات، وأنتشى للعلبة الحلوة. فالرياضة لها دور هام فى بناء الشخصية ،وتثبيت العزيمة، ورفع الثقتة بالنفس، والإيمان بإمكانية المستحيل -- مهما كانت العقبات والصعاب؛ وعدم الإستسلام لليأس. تماما كأن يكون فريقك مهزوما بهدفين ولم يتبق من نهاية المباراة سوى أربع دقائق، فتعمل على تغيير النتيجة ويخرج فريقك منتصرا بثلاثة أهداف مقابل ذينك الهدفين. وهو نفس الإحساس بالمسئولية والشعور المحفز للواجب تجاه أولئك البسطاء المعوزين من أهلنا فى أصقاع أرضنا الطيبة، الذين سعدت بصحبتهم فى كل شبر من أرض الوطن حينما كان واحدا. فلا أملك غير أن أقارن بين أحوالهم وهذا الفجور فى البذخ التفاخرى الأجوف. فهل من بديل غير أن أعارض مثل هذا الإنحطاط فى تبذير الأموال خارج البلاد فيما لا يعود لا على البلاد ولا أهلها بأى خير؟ فحتى مستوى كرة القدم السودانية قد ظل فى تدنى وإنحطاط لم تشهد البلاد مثيله! وسيظل هذا السقوط ،كما فى كل جوانب الحياة إلى أن يقيض الله لهذا الشعب مخرجا من هذا الماخور العقلى.
أليس من الأجدر إستثمار مثل تلك الملايين فى لاعبين سودانين؟ أو تأهيل مدربين كالمستوردين ليسدوا مكانهم ويعدوا بدل الواحد خمسين؟ أليس أجدى قيام فريق الهلال، بدلا عن أهدار هذه الملايين عبثا، بإنشاء أكاديمية رياضية لإعداد أبطال المستقبل منذ نوعمة أظفارهم مع حصولهم على درجة من العلم عالية؟ أليس من الممكن أن تخرج مثل هذه الأكاديمية فائضا من اللاعبين يمكن أن يتعاقد بعضهم عالميا؟ الا يكون مثل هذا النهج هو إستثمار مادى وعينى ومعنوى عظيم للبلاد؟
ألم يكن الأجدى إستثمار كل تلك الملايين التى تصرف على اللاعبين الأجانب فى التعليم أو العلاج أو محاربة سوء التغذية والمرض والفقر التى تفتك بملايين الأطفال والنساء فى أصقاع البلاد المختلفة. أو حتى إستخدامها فى بناء فرق للشباب لتفريخ نجوم جدد وزيادة كفاءة اللاعبيين السودانيين الحاليين ورفع ثقتهم بأنفسهم حتى يبدعوا ويزيلوا عنا كل هذه التراكمات من الهزائم المتوالية والفشل والإحباط فى كل مباراة لفرق أنديتنا وفريقنا القومى فى كل منافسة إقليمية أو دولية. ومثل هذا المنحى فى تأهيل اللاعبين وزيادة كفاءتهم وبناء لاعبين جدد يوطد الثقة بالنفس والسعى إلى الإبداع والولاء للوطن وينهى للأبد كون فرقنا بلا إستثاء "ملطشة" لكل غريم.
وما دمنا فى سيرة تفضيل الحلول المستوردة، يجب علينا أن نتقصى بداية هذا السقوط الذى طرأ بإستقدام المدربين الأجانب الذين لا ولاء لهم لا للاعبين ولا للفرق ولا للبلد. وظل النخبة القابضون على زمام الإدارات يغيرون ويبدلون فى المدربين ويتدخلون فى إختصاصاتهم؛ مما أحدث هزة كبيرة فى نفوس اللاعبين؛ الذين إختلطت عليهم الأمور بإختلاف فلسفات وخلفيات وتكتيكات وإسترايجات كل مدرب أجنبى. ولم يع الناس أن الكأس القارى الوحيد الذى أحرزناه طوال تاريخنا الكروى كان يوم أوكلنا أمر فريقنا القومى لمدرب وطنى غيور على البلاد، محب لإخوته المواطنين. ونشهد له بالتفانى. ألا رحم الله عبدالفتاح حمد، الذى نفخر بأننا تدربنا على يده ولمسنا فنه وحزقه وحبه وإخلاصه لهذا الوطن وترابه ولاعبيه وشعبه. جزاه الله عنا وعن الوطن خيرا، ووسع رقدته، وطيب قبره وأسكنه فسيح جناته يوم الوقوف الأعظم.
ونفس دعواتنا للرعيل الأول من المدربين الوطنين الأفذاذ الذين كانوا مثالا للتواضع والذكاء؛ وعلمونا معنى الإخلاص والولاء والتفانى والرجولة والأداء الجماعى. فأين للسودان اليوم كفاءآت كالمرحومين الصبى والسد العالى وأطال الله عمر الدكتور كمال شداد وأستاذنا المايسترو يوسف مرحوم. فقد تتلمذنا على أياديهم بفريق الجامعة التى لم يقهر يومها؛ وكمال شداد والسد العالى بفريق التحرير، الذى أتى بالمعجزات فى ذلك الزمان. فخير ما وهبونا كان معرفة وإتقان فن قراءة الخصم وتحركه وحسن التصرف فى كل موقف، وهو ما ينقص لاعبينا اليوم. أفلم يأت اليوم الذى يرد فيه الإعتبار لأولئك العمالقة، إعترافا بجمائلهم و ليكون ذلك حافزا على البذل والعطاء وتتبع خطاهم لمن يأتى بعدهم من المدربين الوطنيين؟
ويجب أن نرى الجانب الأدهى فى أمر إستجلاب اللاعبين الأجانب على حقيقته؛ فهو تأكيد للفشل النفسى، والإحباط المعنوى، وفقدان الثقة فى الذات وفى اللاعب السودانى والفرق السودانية. فإذا فشل الهلال فى هزيمة المريخ مثلا سعى لإستجلاب لاعبين نيجيرين، وإن أخفق المريخ فى الإنتصار على غريمه التاريخى إستجلب لاعبا هرما يعاملهم وجماهيرهم بإحتقار وإزدراء. وخير دليل على تجذر هذه الحالة المرضية النفسية هى يأس الجماهير من إنتصار فريقها على الفرق الأخرى، فتختفى وطنيتهم حين لقاء فريق غريمهم مع فريق أجنبى، فيبالغون فى تشجيع الفريق الأجنبى ضد الفريق السودانى. ولسان حال لا وعيهم يقول، كما فى نزق جهالة الطفولة: "إن إحنا ماقدرنا عليكم، بنجيب ليكم البغلبكم ". فبالله عليكم هل هناك إحباط نفسى وفقدان للثقة بالذات أكثر من هذا؟ حتى أن هزيمة الغريم يمكن حلها بالإستيراد – لأننا أفشل من أن ننتصر على عجزنا النفسى!"
وهذا دليل آخر على أحد أعراض مرض خطير؛ ألا وهو الإستقطاب الحاد الذى أصاب مجتمعنا. وهو مرض لم يبدأ مع هذا النظام الظالم ، والذى هو نفسه نتيجة له، وإنما هذا النظام القمعى القاهر لكل تطلع مشروع هو واحد من أهم أسباب تفاقم الإستقطاب وتجذره؛ حتى صرنا نحسم كل خلافاتنا بالعنف؛ سواء كان ذلك فى حروب الأقاليم، أو مبارايات كرة القدم. فقولوا لى بربكم كيف يمكن للاعب السودانى، بعد كل هذا، أن يشعر بالثقة فى النفس أو القيمة الإنسانية والمادية وهو يرى أن هؤلاء اللاعبين المستوردين يمنحون ملايين الدولارات وهو يعيش فى بيت إيجار تهدمت جدرانه، وأنهار مرحاضه ولايستطيع إعالة أمه التى كبرت إو زوجته التى مرضت -- إن كان فى إمكانه الزواج أصلا. بل ويودع بعضهم السجون لعجزهم عن دفع مستحقات ضرورية واجبة عليهم. فكيف يكون حاله وهو يرى بنو جلدته وإخوته فى الوطن والمصير يساندون الأجنبى ضده ويستقوون به عليه؟
ولكنه عمى البصيرة، وأنانية الماسكين على زمام الأمور فى أكثر المواقع والمرافق والأندية والتنظيمات وأوجه الحياة فى جوانب المجتمع المختلفة. تماما كما حين تصرف الملايين فى إحتفالات بأعياد العلم فى الوقت الذى لا يجد فيه التلاميذ كتابا أو كراسا أو مقعدا، ناهيك عن وجبة إفطار تقيم أودهم وتدعم تحصيلهم. فيا لبؤسنا إن قبلنا بمثل هذا الغثاء. هذا التفاخر والإبتذال الأجوف الذى يحفز عروس مثلا على أن يحملها رجال كما فى أيام الرق، أو تلك التى يستوردون لها فيلا لتزف به. أو أولئك الذين يستأجرون طائرات لنقل ضيوف حفلات أعراسهم إلى روما ولندن، ويسكنونهم أفخم الفنادق. أو ما تداولته مؤخرا وسائك التواصل الإجتماعى والصحف والإذاعات العربية والعالمية. فيا لسقوطنا، وشعبنا ينام أغلبه وبطونهم خاوية، ينامون وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. فحقا إنها "تفاهة أدعياء الصفوية والنخبوية".
وبعد كل هذا يجيئك من يبشر ببله متمكن بإمكانية فوز كاسح للهلال أو المريخ؛ وهما مصدر أذى كرة القدم والرياضة فى هذه البلاد الطيب أهلها. حتى صار فريقنا القومى كسيحا معطوبا، لا يقدر على شئ. وسيظل هكذا كسيحا، ذليلا ومكتسحا من كل فرق أفقر دول العالم وأكثرها تخلفا؛ فقد فقناهم فى التخلف والفقر والتدنى. وسيستمر هبوط مستوى كرة القدم وتتابع الهزائم فى كل منافسة ومباراة، حتى تتغير العقلية المتسيدة المسيطرة بإستثمار فى مستقبل البلاد فى كل أوجه الحياة بما فيها الرياضية.
ألا ترون أن هولاء الحفنة ممن يسمون أنفسهم ب"الصفوة" أو "النخبة" التى تتحكم فى إدارة هذه الأندية، كأقرانهم فى مواقع القيادة الأخرى، يؤكدون كل يوم أنهم ينحدرون إلى درك سحيق ويجرون حاضرنا ومستقبلنا إلى هوات مابعدها إنحطاط فى كل مرافق الحياة – حتى الرياضية؟ فكيف لأمة أن تنهض وحكومتها فاشلة فى كل شئ إلا فى إزهاق الأروح البريئة، والقابضون على زمام مرافقها العامة نزقون مبذرون لا يعنيهم من أمرالشعب شئ؟
أفيقوا هداكم الله. إن لم يكن من أجل الوطن، فمن أجل المستقبل لأجيالنا اللاحقة، عافاهم الله مما أبتلاكم به.
ولك الله ياوطنى...!
البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد أستاذ جامعى متقاعد وخبير إنمائى عالمى
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.