الطاقة تسمح ل13 شركة وقود للبيع بالسعر التجاري    شبكة الصحفيين تدين ما حدث للصحفي بجريدة الصيحة محمد جادين    مفاوضات سودانية غير رسمية مع "الحلو" الثلاثاء    من الذي طبّعَ أولاً ؟! .. بقلم: صباح محمد الحسن    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    التطبيع سرا .. ووهم السراب ووصمة عار .. أجندة انتخابية وغياب المنظور الإستراتيجي .. بقلم: د. إبراهيم الصديق على    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    الهلال والمريخ يصطدمان في ديربي حسم الدوري    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان حول بشريات رفع العقوبات الامريكية و نذر التطبيع مع اسرائيل    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قُوَى التغيير: وَضْع كُلِّ البَيْض فِي سَلَّة البَيَان "456"!
نشر في الراكوبة يوم 21 - 12 - 2015


مُقدِّمة:
بادئ ذي بدء، على الرَّغم من وَهَن الحِرَاك السياسي وسط القُوَى السياسيَّة المُعارضة المُتزامِن مع عجز السُّلطة الحاكمة عن الوُصول إلى تسوياتٍ سياسيَّة وطنيَّة، سلماً أم حرباً، شهدنا ومضاتٍ سياسيَّة تلوحُ بين الفَيْنَة والأخرى وَسَط ظلام "الإرهاق الخلاَّق" للطرفين. ومِن ضِمنِ هذه المُبادرات، تصاعُد خُطُوات المُبادرات الإقليميَّة والدوليَّة في الشُهُور الماضية، والتي تمثلت في السَّعي الحثيث.. أولاً، إلى تعبيد الطريق نحو جمع الفُرَقَاء السُّودانيين في عواصم أفريقيَّة، وأوربيَّة.. وثانياً، لدعمها من خلال خريطة طريق بشأن إحداث الحُلول السلميَّة المُتَّفق عليها.
ومِمَّا لا شكَّ فيه، أن كل هذه المُبادرات أثمرت بعض التقدُّم في خُصوص كسر حاجز التواصُل التفاوُضي بين الأطراف المتصارعة، إلاَّ أنها ما تزال بعيدةً في إحراز نجاحاتٍ ملموسة. ومهما يكُن، فإن الوضع الذي ترزح فيه بلادنا يتطلَّب السَّيْرَ نحو الحوار بين كافة مُكوِّناتها السياسيَّة والاجتماعيَّة، إذا وضعنا في الاعتبار ظروف الانقسامات، وعوامل العجز العُضوي العميقة في إظهار البدائل السياسيَّة المأمولة، والتي تعاني منها التنظيمات والأحزاب السياسيَّة المُؤثرة والناشطة في المشهد السياسي.
نوَّهتُ في صدر مقالٍ سابق، وجَّهتُهُ إلى قُوى التغيير، أنه في وقتٍ تتسارعُ فيه الخُطى المحليَّة، والإقليميَّة، والدوليَّة، لمعالجة التركة المُثقلة لبلادنا، غَدَا الحِوَار بين المُكوِّنات السُّودانيَّة أمراً لافتاً للنظر، وجالباً للاهتمام. وكَمَا ظللتُ أشدِّدُ في كُلِّ كتاباتي السابقة، فإنَّ الحِوَار، بكُلِّ مدلولاته المَعرِفِيَّة، والمُجتمعيَّة، هُو سبيلُنا الوحيد لتجنُّب تمزُّق البلاد، وأقصر الطُرُق نحو السلام، والاستقرار، وبناء دولة المُواطنة السُّودانيَّة. فلا عَجَبَ، أن تستجيب فصائِلَ مُقدَّرة من قُوى المُعارضة، المدنيَّة والمُسلَّحة، لدعوة وزارة الخارجيَّة الألمانيَّة، وتشُدَّ رِحَالِهَا إلى "برلين" للحِوَار، والتفاكُر حول السُبُل الكفيلة للخروج بالبلاد من أزمتها. لا عِلمَ لي بتفاصيل المُبادَرَة الألمانيَّة، ولكني لا أظنُّها ستتجاوز مرجِعِيَّات التفاوُض وآليَّتها مَع حَمَلة السِّلاح، سواءً في دارفور أو منطقتي جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، ومحاولة ربطِها وضمان انسِجَامِها مع مبادرة الحِوَار الوَطَنِي "الوثبة".
تهدِفُ هذه المُساهَمَة المُتواضِعَة إلى إثارة النقاش حول مواضيع التفاوُض والحِوار من منظورٍ مختلف، يضعطريقةتفكيرالنظام "الخصم" فيالحُسبان،ويسعى إلى تقديم قراءة نقدِيَّة تساعد قُوى التغيير، خاصَّة التي تتخذ مِن العَمَلِ المُسلَّح أداةً رئيسة للتحوُّل، في فهم الواقع بشكلٍ موضوعي.. ولا أمَلُّ التكرار، إذ تمثل التسوية السياسيَّة الشامِلَة السيناريو الوحيد الذي مِن شأنه أن يُنقِذَ البلاد مِن الانزلاق إلى الفوضى، ويَحُول دون انهيار الدَّولة، ويُحافظ على وحدة أراضي السُّودان.
أولاً: البيان 456:
1- مِن مُتابعتي المُنتظمة للمواثيق والبيانات والتصريحات الصَّادِرَة عن قُوى المُعارضة، غير المُنضوية في الحِوَار الوَطنِي، والمُوقَّعة على "نِدَاء السُّودان"، خاصَّة "الجبهة الثوريَّة"، إنها تضع كل البَيْضِ في سَلَّة بيان (Communiqué)مجلس السِّلم والأمنالأفريقي رقم 456، وهُو البيان الصَّادر عن اجتماع المجلس رقم 456، بتاريخ 12 سبتمبر 2014،والذي جاءالدَّعمالكامللهفي صدر مقرَّرات لقاء قُوى "نداء السُّودان" في برلين في 27 فبراير 2015، وذلك،حيث اعتمد البيان عدداًمن الخُطُوات لتُمكِّن الآليَّة الأفريقيَّة رفيع لمُستوى، بقيادة الرئيس ثابو امبيكي، مِنبذل عملٍ مُنسَّق ومُرَكَّز بغَرَض دَعم الجُهود التي تقوم بها القُوى السياسيَّة والمُجتمعيَّة السُّودانيَّة لمُجابهة القضايا التي تُواجه بلادهم، وتتلخَّص هذه الخُطوات في مُفاوضاتٍ حول وقف العَدَائِيَّات، مِمَّا يُفضِي مُباشرة إلى ترتيباتٍ أمنيَّة شاملة، بين الحكومة والحركة الشعبيَّة-شمال، والحركات الدارفُورِيَّة المُسلَّحة، كُلٍ على حِدَه، على أن تتمَّ بالتزامُن والتنسيق بينهُما. ويقترح البيان اجتماعاً تحضيرياً، فيمَقَرّ الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، يجمع كُل القُوى السِّياسيَّة لمُناقشة المسائلالإجرائيَّة المُتَّصلة بانعقاد الحِوَار الوطني في الخرطوم. ومِن جِهَةٍ أخرى، يطلب المجلس مِن الحُكومة اتخاذ بعض التدابير الضروريَّة لتهيئة البيئة المُناسبة للشُروع في الحِوَار الوطني.
2- فيما أرى،حقيقة، إنالبيان456يُثيرُإشكاليَّةفيحَدِّذاته..
فالمَجلِسليستلهولايةأوسُلطةعلىحكومةالسُّودان،أوأيدولةأخرىفيهذاالصَّدَد،حتىيضمنالالتزامبتنفيذ
مطلوباتالبيان،بلإنسُلطتُهُالوحيدةهيفيإقناعالأطراف،خاصَّةالحُكومة.وفيالواقع،إنحُكومةالسُّودانعُضوٌكامِلفيالمجلس،والذيفيجَوهَرِهِ"نادٍللدُّول"،يَميلُعادةللوقوفبجانبالحُكوماتوليسمعالمُتمرِّدين.لاعَجَبَ،فالبيانينتقيالكلماتالدبلوماسيَّة
ولايَقوَىإلاَّعلىأن"يُشجِّعالحُكومةلتسريعجهودهانحوتنفيذإجراءاتبِنَاءُالثِقَةالمُتَّفقعليها».
علىسبيلالمثال:إطلاقُسَرَاحالمُعتَقَلِين،كفالةالحُريَّاتالعامَّة،ونزاهةواستقلالالقَضَاء..الخ،فإن لمتستجِبالحُكومةوتلتزمبتنفيذمستحقاتتهيئةالمناخالتيوافقعليهاالمؤتمرالوطنيض
منخارطةطريقآليَّة(7+7)المُجازةمنقِبَلالجمعيَّةالعموميَّةللأحزابالمُحاورة،برئاسةالرئيسالبشيرنفسه،فكيفسيخضعالنظاملبيانمجلسلسِّموالأمنالأفريقي؟!
3- فيالواقع،بينما
شجِّعالبيانالشُروعفيتنفيذخُطواتبناءالثقةهذه،إلاأنهلميضعهاكاشتر
اطاتٍواجبةلانعقادالحِوَارالوَطني،كمايعتقدخطأًكثيرون،وهذاماوضَّحَهُرئيسالآليَّة
الأفريقيَّةبنفسه،فيمخاطبةٍمكتوبةوجَّههاإلىكُلِّالقياداتالمُوقعةلوثيقة أديس أبابا (4 ديسمبر 2014)،ذكرفي أحد فقراتها بالحرف : «إن بيان الاتحادالأفريقي - مجلس السِّلم والأمن الأفريقي،في 12 سبتمبر 2014، لم يقُلأواستلزمأنإجراءاتبناءالثقة،المذكورةفيالفقرة (15)،هي، أويجب أن تكونشروطاً مُسبَقةلعقدالحوارالوطني».
4- إذن،علىالمجلسأولاًأنيتحصَّلعلىالضَّوْءِالأخضرمنالحُكومة،وأنيضمن مُوافقتهاعلى "خارطةالطريق" المطروحةومُستحقاتهاقبلتحريكهذهالخُطُوات علىأرضالواقع. وثمَّةعيبٌآخرفيالبيان 456،هُوغُمُوضِه،أوبالأحرى صَمْتِهِفيمايتَّصِلبكيفيَّةمناقشةالقَضَايَاالسياسيَّةالهامَّةالأخرىفيالمُفاوضات معحركاتدارفورالمُسلَّحة،حتىلوكانمنالمُتوقعأنيتمقُبُولوثيقةالدَّوحة كمَرجِعِيَّةللتفاوُض.
وبالتالي،فحصرجدولأعمالوأجندةالمُفاوضاتفيبندٍ واحد،وهُووقفالعَدَائِيَّات،بدونأنيُصاحِبهأيتفسيرأوحتىمجرَّدالإشارةإلى وثيقةالدَّوحة،جعلالبيانمفتوحاًوقابلاًللتأويل، أوالتفسيرالخاطئ. لاغُرُوَّ، فحتى
"المجموعةالسُّودانيَّة للدِّيمُقراطيَّة أولاً"(SDFG)،التيتُعَرِّفَنفسهاكمُؤسَّسة فكريَّة think-tank،لمتَسْلَمْمِنالقراءةالخاطئةلمُقترحالاجتماعالتحضيريفي أديسأبابا،فاعتبرتهبمثابةبديلٍلمَسَارِمُبادرة
الحِوَارالوَطني. كذلك،أساءت المجموعةفَهْمَ "تزامُنِ"المُفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبيَّة، من ناحية، والحركاتالدارفوريَّة،مِنناحيةأخرى،والذيأكَّدعليهالبيان 456،علىأنها تعنيدمجالمسارين
"دارفور والمنطقتين في عمليَّة واحدة". أنظربيانالمجموعة، باللغةالإنجليزية (اجتماع برلين:
ماذا على المحك؟ 25/2/2015م).
ثانياً:
1- الهدفُ النهائي للبيان 456، هُو الإعداد وتسهيل مشاركة فصائل "الجبهة الثوريَّة" في جلسات الحِوَار الوطني "الوثبة"، الذي أطلقه رئيس الجُمهُوريَّة في يناير 2014، والتي من المُقرَّر انعقادها في الخرطوم. ومن أجل تحقيق الهدف، فقد صَادَقَ مجلس السِّلمِ والأمن الأفريقي على خُطوَتَيْن، هُما تحديداً:
‌أ- تنظيم اجتماعٍ تحضيريٍ في المَقَرِّ الرَّئيس للاتِّحاد الأفريقي بأديس أبابا، لمناقشة المسائل الإجرائيَّة المُتعلِّقة بانعقاد مُؤتمر الحِوَار الوطني المُقترح،
‌ب- وقفُ الحرب في دارفور، وفي جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، على حدٍ سواء.
2- مع ذلك، فإنَّ الطريقة التي طُرح بها الموضوع، من قبل بعض قيادات الجبهة الثوريَّة وطرقِهِم بشدَّة على الاجتماع المُقترح في أديس أبابا، تُوحي وكأنَّ مجلس السِّلم والأمن الأفريقي قَصَدَ ترتيب الخُطُوات لتبدأ أولاً بعقد الاجتماع التمهيدي لكُلِّ أصحاب المصلحة في أديس أبابا، وذلك قبل إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، أو علي الأقل وقف العدائيات.
3- في رأيي، هذا تفسيرٌ غير صحيح.. ففي الواقع، هذه القراءة التي تشترك في تبنِّيها العديد من الجهات، أغفلت تسَلسُلَ الخُطوات المُصمَّم بعناية، مَا مِن شأنه أن يَسمَحَ في نهاية المطاف بمُشاركة "الجبهة الثوريَّة" في الحِوَار الوطني في الخرطوم، جنباً إلى جنبٍ مع البقيَّة مِن أصحاب المصلحة والقوى السياسيَّة. وأنا أميلُ إلى الاعتقاد بأن مجلس السِّلم والأمن الأفريقي لم يكُن ليتقدَّم ب"خارطة الطريق" المُضمَّنة في البيان، والتي تميل نحو النهج الشامل للتسوية السياسيَّة، إن لم يطرح الرئيس مبادرته للحِوَار الوطني. في الواقع، فإنَّ مباركة المجتمع الإقليمي والدَّولي للمُبادرة دفعت كل من الرئيس امبيكي، ومُخدِّمِهِ (المجلس الأفريقي) لوضع "خُطَّة عمل" تجسَّدت في البيان 456، تكون مستساغة للنظام الحاكم، من جهة، بينما تكون جذَّابة لقُوى المُعارضة، سواءً العسكريَّة أو المدنيَّة، مِن جِهةٍ أخرى.
4- هكذا، فإن ترتيب التدابير التي اقترحها المجلس، والمنصوص عليها في البيان، جاء متسلسلاً بطريقةٍ واضحةٍ، تبدأ بالمُفاوضات المُنفصلة، ولو كانت متزامنة، على وقف الأعمال العدائيَّة، مِمَّا يقود على الفور إلى اتفاقٍ شاملٍ للترتيبات الأمنيَّة في دارفور والمنطقتين، على حدٍ سَوَاء. يَحسَبُ المجلس هذه الخُطوة بمثابة تمهيد الطريق لاجتماع كل الفُرَقَاء وأصحاب المصلحة التحضيري المُقترح في أديس أبابا. ومِن ثمَّ، ففي الوقت الذي سيتم فيه عقد الاجتماع، سيكون حينها قد تمَّ التوصُّل إلى قسطٍ من بناء الثقة المُتبادلة بين الأطراف المُتنازِعَة، والى إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار. وتكتمل بهذه الخطوة، في نهاية المطاف (نظرياً طبعاً)، عمليَّة التحضير لعقد الحِوَار الوطني الدستوري في الخرطوم. ولقطع الشكِّ باليقين في هذه النقطة، ينُصُّ البيان في الفقرة (iv) على: «توفير الضمانات اللازمة للحَرَكَاتِ المُسلَّحة للمُشاركة بحُريَّة في الحِوَارِ الوَطَنِي، حالما أُبرِمَت اتفاقيَّاتٍ شاملة لوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنيَّة».
5- حتى الفقرة الأخيرة من ديباجة إطار "النصِّ المُتَّفق عليه"Agreed Text (مشروع 30 أبريل 2014) بين الحكومة والحركة الشعبيَّة - شمال، يضع: «عقد اجتماع في أديس أبابا، تحت رعاية الآليَّة الأفريقيَّة، لمجموعة مُمثِّلة من أصحاب المصلحة السودانيَّة للتشاوُر حول القضايا الإجرائيَّة للحِوَار الوَطَنِي»، وذلك كخُطوة أخيرة في ترتيب الأولويات. فبحسب التسَلسُل، يلتئِمَ هذا الاجتماع في أعقاب «"المفاوضات المُتزامنة" لإنهاء الحرب في المنطقتين ودارفور»، أي المفاوضات بشأن وقف الأعمال العدائيَّة مِمَّا يُؤدِّي إلى ترتيباتٍ أمنيَّة شاملة. هذا، وقبل كل شيء، فقد ظلت قيادة الحركة نفسها تردِّد دائماً، بمختلف البيانات والتصريحات الصادرة عنها، أن المَدخَلَ الصَّحيح للحِوَار القومِي الدستوري يكمُن في وقف الحرب أولاً.
6- هكذا، لا أعتقدُ شخصياً أنَّ بمقدور الرئيس امبيكي إحضار المؤتمر الوطني إلى طاولة الاجتماع المُقترح انعقاده في أديس أبابا، لكُلِّ الآراء وأصحاب المصلحة، من دون ضمان موافقة البشير أولاً. وفي الواقع، لم يكُن د. غندور - على الإطلاق - في موقفٍ يُمكِّنَهُ من التوقيع على "النصِّ المُتَّفق عليه" (مشروع 30 أبريل 2014) في جولة المفاوضات الأخيرة، والذي أشار في ديباجته إلى اجتماع أديس أبابا التمهيدي. وذلك بعدما انتقد الرئيس بشدَّة، في خطابٍ مُتلفز ومنقول على الهواء مباشرة (23 ديسمبر 2014)، فكرة الاجتماع المُقترح، كما رفض بقوَّة المُشاركة في أي اجتماعٍ يُعقَدُ خارج البلاد. تعرَّض السيِّد الإمام الصَّادق للاعتقال والمعاملة المُتعسِّفة من قِبَلِ النظام، والذي ظلَّ يُثابر في دعوته للحِوَار معه، ما أكسبه عداء قُوى عديدة، كما أدخله في معارك حتى مع قيادات حزبه. ومع ذلك، فقد مثلت القفزة المُفاجئة للسيِّد الإمام الصَّادق المهدي من قارب حِوَار "الوثبة" ضربةً شخصيَّة قويَّة إلى الرئيس، الذي، وفقاً لمصادر موثوقٍ بها، أبدى غضباً شديداً تجاه السيِّد الإمام، والذي فيما يبدو رفض لقاء الرئيس وتعذَّر بسفره للقاهرة، ومن ثمَّ غادر إلى باريس حيث التقى قيادات الجبهة الثوريَّة. هكذا، وإلحاقاً للإساءة بالأذى، تمَّ التوقيع على "إعلان باريس"، وتَبِعَه الاتفاق مع المتمردين، أو بعبارة أخرى أعداء الدولة، في مُخيِّلة الرئيس.
7- لذلك، لا أميلُ إلى الاعتقاد بأنَّ البشير سيسمح ل"حزبه" بالاجتماع مع خُصُومِه السِّياسيِّين خارج السُّودان، دون إحراز تقدُّمٍ ملموسٍ في المُفاوضات الرامية للتوصُّل إلى اتفاقٍ شاملٍ لوقف إطلاق النار. وفي تقديري، أن الرئيس لن يطيق مشاهدة السيِّد الإمام وهو يضع يده في يد "المُتمرِّدين"، ويتبادل معهم الابتسمات، حول طاولةٍ واحدة. وذلك، بالطبع ما لم يرجع الإمام إلى حظيرة الحوار، ويصل إلى فهمٍ مشترك مع المؤتمر الوطني، ويعود إلى البلاد. فيجب أن يكون مطار الخرطوم هُو ميناء مغادرة رحلة السيِّد الإمام إلي أديس أبابا. فالرئيس يرى أن الإمام قد اختطف مبادرته للحِوَار الوطني "الوثبة"، وظلَّ يدعو لعَزْلِهِ من قيادة آليَّة الحِوَار الوطني لصالح شخصيَّة وطنيَّة تَحظَى بالتوافُق. بصراحةٍ، أنا لا أعتقدُ أنَّ أيَّ رئيسٍ في وضع البشير سيقبل أن يُسَلِّم السُّلطة طواعية وينزوي بعيداً عن الأحداث في هذه المرحلة الحَرِجَة من التطوُّر السياسي في البلاد. إلى جانب ذلك، فهناك بعض الأحزاب السياسيَّة الأخرى، ولا سيَّما المؤتمر الشعبي، تقف ضدَّ فكرة أي اجتماع يتم خارج السُّودان، بحُجَّة إمكانيَّة التدخُّل الأجنبي في القضايا الوطنيَّة.
ثالثاً:
على قَدَم المُساواة، حَمَّلَت الحركات الدارفوريَّة المُسلَّحة بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي 456 ما لا يحمِلَهُ. فسواءٌ عن عَمْدٍ أم بغيرِ قَصْد، أساءت هذه الحركات، وبعض المُراقبين، فَهْمَ مغزى اختيار المجلس لأديس أبابا كمِنبَرٍ لعقد المُحادثات. فتعني هذه الخُطوة، في رأيهم، تجاوُز اتفاق الدَّوحة نهائياً، على أن تبدأ المُفاوضات من نقطة الصِّفر، على أساس إطارٍ مرجعيٍ جديد يجُبَّ وثيقة الدَّوحة، وأيضاً أن تستضيفها أديس أبابا بدلاً عن الدَّوحة. وهذا، من وجهة نظري، فهمٌ غير صحيح. فالبيان 456 واضحٌ جداً حول هذه المواضيع، ولم يُشِرْ مِن بعيدٍ أو قريب، ولو تلميحاً، إلى أيٍ من هذه الافتراضات. فالبند الرئيس في جدول الأعمال للاجتماع المُقترح في أديس أبابا، هُو، بحدِّ نصِّ البيان، «المفاوضات بشأن وقف الأعمال العدائيَّة، مِمَّا يقود على الفور إلى اتفاق الترتيبات الأمنيَّة الشاملة»، في دارفور، والنيل الأزرق وجنوب كُردُفان، على أن تتم بطريقة "متزامنة". وهكذا، لم يكُن وفد الحُكومة مستعداً للتفاوُض حول أيٍ من القضايا الأساسيَّة الأخرى، بفَهْمِ انه قد سَبَقَ مناقشتها وحَسْمِهَا في وثيقة اتفاق الدَّوحة. ويتَّسم البيان بنقطة ضعفٍ أخرى رئيسيَّة، هي عدم وضوح النهج الذي ستتبعه الوساطة في إقناع الحركات بقبول التفاوُض فقط على وقف الأعمال العدائيَّة، والتوصُّل لاتفاقٍ للترتيبات الأمنيَّة الشاملة، بينما البيان صامتٌ تماماً عن كيفيَّة مناقشة بقيَّة الأجندة الموضوعيَّة الأخرى.
رابعاً:
خلاصة الأمر، إن بيان مجلس السِّلم والأمن الأفريقي 456، لا يعني، بأي شكلٍ من الأشكال، أنَّ المجلس يدعم تصوُّر المعارضة، المُسلَّحة والمدنيَّة، للتغيير والانتقال كامل الدَّسم تحت قيادة "شخصيَّة وطنيَّة توافُقيَّة"، واستبعاد الرئيس البشير. وفي هذا الخُصوص، فقد جَرَت أحداثٌ عديدة في الآونة الأخيرة والتي، إلى حدٍ كبير، تصُبَّ في صالح النظام، وان اتخذ بعضها شكل رسائل غير مباشرة، مُوجَّهة من المجتمع الدولي للمعارضة المسلَّحة والمدنيَّة:
1- في اتساقٍ مع مواقفهم السابقة التي وجَّهوا فيها انتقاداتٍ لاذعةٍ للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، وعزمهم على الوقوف ضدَّ أي محاولة لإزالة رئيسٍ منتخب مِن على سُدَّة الحُكم، اعتَمَدَ القادة الأفارقة قراراً يدعو لإلغاء إحالة مجلس الأمن الدولي لقضيَّة دارفور إلى المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، وعبَّروا بشدة عن دعمهم لإنشاء المحكمة الأفريقيَّة لحُقوق الإنسان والشعب.
2- استقبلت الخرطوم رئيس جنوب أفريقيا، بوزنها السياسي في القارَّة، في 31 يناير 2015، في زيارة وديَّة تستغرق يومين، للمرَّة الأولى منذ توليه منصبه. يبدو أن جاكوب زُوما قد تراجع عن موقفه السابق، بعد انتخابه رئيساً في عام 2009، عندما صرَّح علي الهواء بأن البشير غير مُرحَّب به في جنوب أفريقيا، وحذَّر من أنه سيتعرَّض للاعتقال امتثالاً لأمر القبض الصَّادر ضدَّه من المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة. ومِمَّا لا شكَّ فيه، أن رئيس جنوب أفريقيا يُدرك جيداً تعقيدات المشهد السياسي الرَّاهن في السُّودان، من خلال الرئيس السَّابق ثابو امبيكي، الوسيط وراعي الحوار.
3- أكَّدت اتفاقيَّة المبادئ، التي تسعى مجموعة ال"إيغاد" لفرضها على الأطراف المتصارعة في جنوب السُّودان، على أن يظلَّ سَلفا كِير رئيساً لحكومة الوحدة الوطنيَّة الانتقاليَّة، باعتباره "مبدأ لا يجوز انتهاكه" non violating principle.. وبالتالي، لن يجد مطلب المُعارضة، لرئيسٍ توافُقِيْ تؤولُ إليه إدارة المرحلة الانتقاليَّة في السُّودان، وبالتالي، أذُناً صاغية من القادة الأفارقة. ولنتأمَّل في مَن هُو رئيس الدورة الحاليَّة للاتحاد الأفريقي!
4- قبل كل شيء:
- دَعَت واشنطن وزير الخارجيَّة، علي كرتي، ومساعد رئيس الجمهوريَّة، د. إبراهيم غندور، من أجل "إطلاعِهِمَا رسمياً، وبشكلٍ مباشر" موقف الإدارة الأمريكيَّة حول عددٍ من القضايا الهامَّة المُتعلقة بالعلاقات الثُنائِيَّة بين البلدين. وقالت المُتحدِّث باسم وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة، ماري هارف للصَّحفِيِّين: «هذه الزيارة، وكذلك المناقشات مع وزير الخارجيَّة، كرتي، هي استمرارٌ للحوار، الذي استمرَّ لفترةٍ طويلة، حول عددٍ من القضايا بين حكومة الولايات المتحدة وحكومة السُّودان. وهو جزءٌ من عمليَّة التواصُل بيننا، حيث أننا نثير كُلِّ القضايا المُقلِقَة».
- ليس ذلك فحَسْبْ، بل أعلنت وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة، مكتب وزارة الخزانة لمراقبة الأصول الأجنبيَّة (OFAC)، في 17 فبراير الماضي، رُفِعَت بموجبه العُقوبات المفروضة على التكنولوجيا الرقميَّة إلى السُّودان، وبذلك سَمَحَت بتصدير وإعادة تصدير الأجهزة الشخصيَّة للاتصالات والبرمجيَّات، وكذلك الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك الهواتف الذكيَّة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.
- إضافة إلى لذلك، كانت زيارة نائب مساعد وزير خارجيَّة الولايات المتحدة، مكتب الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان والعمل للسُّودان في الأسبوع الثالث من فبراير.
- إن سقوط نظام الإنقاذ، بحُكم ما يترتَّب عليه من تداعياتٍ أمنيَّة، لا يصُب في المصلحة الوطنيَّة للولايات المتحدة، كما أنَّ القوى الإقليميَّة والغربيَّة لا تدعم هدف الإسقاط. فالولايات المتحدة، والعديد من اللاعبين الدوليِّين الفاعلين، يبدون أكثر اهتماماً بالاستقرار والأمن الإقليميَّين على حساب الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان في السُّودان. وهكذا، فإن مصدر القلق الرئيس للولايات المتحدة الآن، هُو التطرُّف الإسلامي من "بوكو حرام" إلى تنظيم الدولة الإسلاميَّة "داعش" و"الشباب" الصومالي، وخِشيَتِهِم من أن يتعرَّض السُّودان للانهيار، مِمَّا يخلق فراغاً كبيراً يمتد من غرب إلى شرق أفريقيا، ولن يملأ هذا الفراغ إلا المتطرِّفين والإرهابيِّين. هذا، وبالطبع، بالإضافة إلى قلقهم المُتزايد من الأوضاع المُتدهوِرة في جنوب السُّودان، وعدم قُدرتِهِم على فعل أي شيء لإنقاذ البلاد من الانزلاق في الهاوية.
- تتضح هذه الرؤية في اقتباسٍ مُطوَّل من مقالٍ للمُحلِّل السياسي، أليكس دي وال، في مجلة World Politics، (2 مارس 2015)بأن: «أولويَّة واشنطن في منطقة شمال وشرق أفريقيا هي الاستقرار، ويبدو أن وزارة الخارجيَّة مفتونة بمهارات السُّودان المُؤكَّدة في صمود الدولة وقُدرتها على البقاء في خِضَمِّ الاضطراب والتطرُّف الذي تشهده المنطقة، في حين تُبدِي وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع إعجابها ببراعة أجهزة الاستخبارات السودانيَّة في إدارة المجموعات "المتطرِّفة"، والتي استحال ترويضها في أماكن أخري. فقد كانت هناك مقاومة مألوفة في واشنطن لأي تقارُبٍ مُحتَمَل مع السُّودان، وذلك بالتركيز على الأدلَّة الأخيرة عن انتهاكات حُقوق الإنسان في دارفور. لكن تظلَّ رسالة الخرطوم، بأنها قوَّة يُعتَدُّ بها من أجل الاستقرار في الشرق الأوسط، تجد بشكلٍ واضح آذاناً صاغية. فمثلما أوقفت المُدَّعِيَة العامَّة للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة أي إجراءاتٍ إضافيَّة بشأن ملف دارفور، فإن الولايات المتحدة تضع على الرفِّ بهدوء أي خُططٍ تهدف لمزيدٍ من عزل السُّودان».
- هذا أيضاً ما أكَّده الناشط الأمريكي، إريك ريفز، في شهادته المكتوبة إلى لجنة حقوق الإنسان بالكونجرس الأمريكي، في 4 مارس الجاري، حول الأوضاع الحاليَّة في السُّودان، بقوله: «إن إدارة أوباما تسعي بإتباعها لسياسة "فك دارفور" عن بقيَّة الأجندة، أن تُطلِقَ يد النظام ليفعل ما يشاء في الإقليم، طالما ذلك لا يؤثر علي القضيَّة الإستراتيجيَّة الهامَّة الوحيدة: القلق من الإرهاب واستخبارات مكافحة الإرهاب، من جانب الولايات المتحدة، ورغبة الخرطوم في إعادة التأهيل والقبول في المجتمع الدولي، ورفع العقوبات الاقتصاديَّة».
- مع وضع هذه المخاوف في الاعتبار، تسعى الإدارة الأمريكيَّة لتغيير النظام بطريقة من شأنها أن تخلق قدراً من التحوُّل الديمقراطي، مع توسيع هامش الحريَّات العامَّة، وخاصَّة حرية التعبير والتنظيم، والتوصُّل لتسويةٍ سِلمِيَّة للصِّراع السياسي والنزاع المُسلَّح، وذلك تمهيداً لانتخاباتٍ نزيهة وشفَّافة. كما أن التنسيق في هذا الشأن بين أمريكا وألمانيا، والتي دَعَت جميع الأطراف المُتنازِعَة إلى برلين (25-26 فبراير 2015) لا يُمكن أن تُخطِئه عين. حقاً، فقد هَمَسَ دونالد بوث، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، لمصدرٍ موثوق بقنواتِهِم للتواصُل مع حكومة السُّودان، تقتصر فقط على ثابو امبيكي والألمان. ويهدف الألمان من جمع كُلِّ الفُرقاء إلى تقريب وجهات النظر بينها حول سُبُلِ حَلِّ الأزمة السودانيَّة، وإيجاد وسيلة لتليين شروط وثيقة "نِدَاء السُّودان"، كما أنها دعوة لفتح الطريق للتواصُل بين المؤتمر الوطني وفصائل المعارضة المدنيَّة والمُسلَّحة.
5- زيارة نائب الرئيس لأوغندا والاستقبال الحار للمُضيف، بما في ذلك اجتماع الرئيس موسيفيني، من الأحداث التي أرسلت إشاراتٍ غير مُطمئِنَةٍ للجالية السودانيَّة في كمبالا.
6- بعد سنواتٍ من الفُتُور الملحوظ في العلاقات الثنائيَّة، تمَّ تمديد دعوة مفاجئة للرئيس البشير لزيارة دولة الإمارات العربيَّة المتحدة لمدَّة خمسة أيام، بدأت في 21 فبراير 2015. ويرى "أليكس دي وال" أنه بالرغم من أن زيارة الرئيس البشير لدولة الإمارات العربيَّة المتحدة ركَّزت على المواضيع التجاريَّة، إلا أنها أيضاً أشارت إلى الجُهود الجارية لتحقيق التوازُن السياسي في علاقة البلدين.
7- وتشهد العلاقات مع مصر تطوُّرٌ لا يمكن إغفاله في مجالاتٍ عديدة، وتُبشِّر بفكِّ عُزلة السُّودان من محيطه العربي، وإشراكه في مواجهة خطر تمدُّد التطرُّف من قِبَلِ جماعاتٍ إرهابيَّة، مثال "داعش" و"بوكو حرام".
8- وفي تطوُّرٍ لافِت، بدأت، في 15 فبراير بالخرطوم، الاجتماعات المشتركة بين حكومة السُّودان والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، للاتفاق حول مرجعيَّات فريق العمل المُشترك، المُناط به الإعداد العملي لإستراتيجيَّة خروج البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لدارفور "يوناميد". كما أفاد، لاحقاً، تقريرٌ للأمين العام للأمم المتحدة، قدَّمه لمجلس الأمن في 6 مارس الجاري، بأن المنظمة الدوليَّة تضع "خارطة طريق" لإعداد انسحابٍ تدريجي لقُوَّتها المشتركة مع الاتحاد الأفريقي في دارفور ونقل بعض مهامِّها إلى الحكومة السودانية وفريقٌ مُصغَّر من الأمم المتحدة مقرُّه السُّودان.
9- وفى سياق الانفراجات التي بَدَت على سطح العلاقة ما بين المجتمع الدولي والحكومة السودانيَّة، حفظت المُدَّعيَة العامة للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة التحقيق في جرائم حرب دارفور لعدم تحرُّك مجلس الأمن للضغط من أجل تنفيذ أوامر القبض الصادرة من المحكمة.
10- وتجدُرُ الإشارة إلى ورقة قدَّمها الأمين العام للحركة الشعبيَّة - شمال لمعهد أبحاث السلام - أوسلو، في 8 يناير 2015، أقرَّ فيها بأنه: «في ضوء الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي، نتيجة لعوامِلَ كثيرة، تستفيد الحكومة السودانيَّة من غياب الإرادة السياسيَّة الدوليَّة، بالإضافة إلى التحديَّات الجسيمة لحالة عدم الاستقرار في الدول المجاورة للسُّودان».
خامساً:
1- أميلُ إلى الاعتقاد بأن العقبة الرئيس أمام التوصُّل إلى اتفاقٍ بين الحكومة والحركة الشعبيَّة-شمال، هي خلافُ طرفي التفاوُض على كُلٍ مِن المَدَى والنتيجة المتوقعة، أو بعبارة أخرى "المُحصِّلة النهائيَّة" للمُفاوضات (أو الحِوَار الوطني). ففي حين تدعو الحركة الشعبيَّة-شمال إلى إدراج القضايا الدستوريَّة القوميَّة في جدول الأعمال، تُصِر الحكومة على تقييد المُفاوضات وحَصرِهَا في قضايا المنطقتين فحَسْب. لذلك، حَسِبتُ أن على النظام إظهار جِديَّته بشأن مبادرة الحِوَار الوطني، التي أطلقها رئيس الحزب ورئيس الدولة بنفسه، في 27 يناير 2014، وذلك بتقديم تصوُّرٍ واضح للحِوَار وللمُحصِّلة النهائيَّة المتوقعة منه.
2- في هذا الصَّدَد، أرى أنَّ أمر الحِوَار الوطني لا يستقيم ولن تقود نتائجه إلى توافُقٍ وطنيٍ حول كيف ننتقل بالبلاد إلى مستقبلٍ أفضل، إلاَّ إذا اتفقت كافة القُوى السياسيَّة وقوى المجتمع الحيَّة على مدى (scope) "التغيير" المطلوب في البنية/البِنيَات السياسيَّة والمُؤسَّسيَّة للدولة السودانيَّة بعد أكثر من رُبع قرنٍ مِن الزمان مِن حُكم الحزب الواحد. فمِن الواضِح أن المؤتمر الوطني، من جهة، وبقيَّة القوى السياسيَّة، من جهة أخرى، لا يَقرأون مِن نفس الصَّفحة فيما يتَّصِل بالنتائج والمُخرَجَات المُتوقعة من الحِوَار. فبعض قُوى المعارضة، ولو بدرجاتٍ متفاوتة، تسعى إلى إقامة نظامٍ جديد، فيما تتطلع قُوى أخرى إلى وضعٍ وترتيباتٍ انتقاليَّة كاملة الدَّسَم، تُفضِي إلي تفكيك النظام السياسي برُمَّته، على شاكلة الأوضاع الانتقاليَّة التي تنتجها الانتفاضات والثورات الشعبيَّة. وعليه، كنتُ دوماً أطرح على نفسي، وعلى آخرين، سوء الظِلِّ يُؤرِّقني لفترة طويلة: «إن كان الانتقال المُكتمل الأركان خياراً ليس على قدرٍ راجحٍ من الواقعيَّة السياسيَّة، بحسب دُفُوعَات المؤتمر الوطني الموضوعيَّة والذاتيَّة، فما هُو تصوُّر الحزب الحاكم لطبيعة ومدى التغيير الناجم عن مداولات الحِوَار الوطني، حتى ولو وافقت كل القوى السياسيَّة على المُشاركة فيها؟!».
3- لم أجد الإجابة لهذا السؤال في حوارٍ متواصِلٍ مع صديقٍ قيادي كبير في المؤتمر الوطني.. ففي رأيه، ويشاركه عديدون، أنه: «ليس من المُناسب استباق الحوار بأي تصوُّراتٍ، أو إجراءاتٍ، يمكن أن تكون من المُخرجات». ومع ذلك، لم يطُل انتظاري حتى جاءت الإجابة علي السؤال، عملياً، من خلال الكشف عن خُطة المُؤتمر الوطني المُعدَّة سلفاً لضمان قيام الانتخابات المُقبِلة في أبريل الجاري، وفرضها سياسياً كأمرٍ واقع. ويبدو أن هدف الحزب الحاكم من مبادرة الحِوَار، هو الوصُول إلى الانتخابات العامَّة، بحيث يكون المُؤتمر الوطني هو الفائز بأغلبيَّة مريحة، في نهاية المطاف. مِمَّا لا شكَّ فيه، أن هذه ظلت إستراتيجيَّة المُؤتمر الوطني، تقريباً منذ أن حلَّت رسمياً نهاية الفترة الانتقاليَّة المُترتبة على اتفاقيَّة السلام الشامل في يوليو 2011. وقد تحدَّث إليَّ هاتفياً مصدرٌ موثوقٌ به للغاية من الخُرطوم، في فبراير 2013، مباشرة بعد نشر مقالي "الكرة في ملعب الرئيس"، والذي اقترحتُ فيه انتقالٌ سِلمِي، يقوم على برنامج تتوافق عليه كافة القوى السياسيَّة والمجتمعيَّة، على أن يقوده الرئيس نفسه. أبلغني المصدر أن الرئيس قد قراً المقال على الصُحُف. وتتلخص القصَّة في أن أحد المُقرَّبين للرئيس قد قال، مازحاً، له: «يبدو أنه حتى الشيوعيين من أمثال الواثق كمير يُقدِّمون اقتراحاتٍ لكيفيَّة الخروج من الأزمة السياسيَّة، فماذا لديك من مبادرة؟».. فأجابه الرئيس: «قرأتُ بالفعل المقال المعني، ولكن مبادرتي، هي: الانتخابات»!
4- تتبنى مختلف الوثائق والبيانات الصادرة عن "الجبهة الثوريَّة"، وتصريحات قيادتها، و"إعلان باريس"، و"نِدَاء السُّودان"، خيارين لتحقيق التغيير المطلوب: (أ) إما تفكيك النظام الحاكم من خلال حلٍ سياسيٍ شامل، "الحِوَار القومي الدُستُوري".. (ب) إسقاطه من خلال الانتفاضة الشعبيَّة أو العمل المُسلَّح، أو الاثنين معاً.
5- الشروط المطلوب الإيفاء بها لتحقيق التسوية السياسيَّة، من قِبَلِ قُوى المعارضة تدعو النظام الحاكم لتقديم تنازُلات تُفضِي في نهاية الأمر إلى تفكيك النظام نفسه. وهكذا، فالمعارضة تطلب انتقالاً كامِلَ الدَّسم، بما في ذلك تشكيل حكومة انتقاليَّة مكتملة الأركان. وفي ضوء التحليل السابق، لا أعتقد أن مثل هذا الاقتراح، ولا سيَّما طريقة تقديمه، سيُصادف هوىً لدى النظام، وخاصَّة الدعوة ل"رئيسٍ توافُقِي" لقيادة المرحلة الانتقاليَّة المُقترحة. ففي نظر حزب المُؤتمر الوطني، ما طرحته المعارضة من خيارين لحَلِّ أزمة البلاد لا يعدو في حقيقة الأمر أن يكون خياراً واحداً، لا غير، هو: "تفكيك النظام" (اسم الدَّلع لإسقاطه)، إما طوعاً أو كرهاً. ولا أظن أن أي نظامٍ سياسي، لم يَزَل على سُدَّة الحُكم، سيقبل توقيع شهادة وفاته حول طاولة الحوار، أو المفاوضات، ويَقنَعَ بتسليم السُّلطة لمعارضيه، هكذا، على طبقٍ من فضَّة.
سادساً:
تحتاج العديد من الأسئلة الهامَّة والقضايا الرئيسيَّة إلى إجاباتٍ ومعالجاتٍ موضوعيَّة في سياق عمليَّة رسم الطريق إلى الأمام، بشكلٍ صحيح:
1- شَهِدَ السُّودان في تاريخه المُعاصِر نمطين، أو نوعين من الانتقال، وأربَعُ حالات انتقاليَّة. تشكل النمط الأوَّل من الانتقال على مبدأ حق تقرير المصير. ففي الحالة الأولى تمَّ نقل البلاد من الاستعمار إلى الاستقلال (اتفاق الحُكم الذاتي في عام 1953).. وفي الحالة الثانية، الانتقال من سودانٍ واحد إلى سودانَيْن (اتفاقية السلام الشامل، يوليو 2011).. أما النمط الثاني، فيتمثل في الانتقال من الحُكم العسكري أو حُكم الحزب الواحد إلى النظام البرلماني التعدُّدي، سواءً في عام 1964 أو 1985. ومن الواضح أن الأوضاع الحاليَّة في السُّودان لا تَتَّسِق مع طبيعة النمط الأوَّل من الانتقال السياسي. وبالمثل، فعلى الرغم من أن المشهد السياسي مشحونٌ بالتناقُضات ويُعاني من احتقان واستقطاب حادين، إلا أن النظام ما زال مُمسِكاً بالسُّلطة ومهيمناً على مُؤسَّسات الدولة في البلاد، ولو بَدَت عليه علامات الضَّعف والإرهاق والشقاق. ففي كلٍ من 1964 و1985، ترتب الانتقال بناءً على انتفاضة شعبيَّة أشعلتها وشاركت فيها قطاعاتٍ واسعة من الشعب السُّوداني، وباركتها جبهة مُوحَّدة للقُوى السياسيَّة، وأمسَكَ الجيش بزِمَامِ الأمور، مِمَّا مكَّن هذه القوى من فرض حزمة ترتيباتهم الانتقاليَّة المُتفق عليها. وتمَّت إزاحة الحزب الحاكم عن سُدَّة السُّلطة في الحالتين، المجلس العسكري للفريق إبراهيم عبُّود، والاتحاد الاشتراكي لنميري، على التوالي. أما في الظروف الراهنة والحاليَّة، تمُرُّ بالبلاد تجربة مُختلفة تماماً عن ما حدث في 1964 و1985، حيث الحزب الحاكم لا يزال مُتمترساً في السُّلطة، مِمَّا يجعل إملاء شروط المعارضة وتصوُّرها للانتقال مسعىً غير واقعي سياسياً.
2- يُشكِّل أيضاً إقصاء الرئيس من العمليَّة الانتقاليَّة وحِرمَانِهِ من قيادة الفترة الانتقاليَّة، في بحثٍ عقيمٍ عن شخصيَّة وطنيَّة "توافقيَّة"، عقبة رئيسة أخرى تقف في طريق تحقيق تغيير حقيقي وسلمي (وقد اقترح السيِّد الإمام آليَّة لاختيار هذه الشخصيَّة). وعلى وجه الخصوص، ففي حالتي الانتقال السابقتين في 1964 و1985، تمَّت بالفعل الإطاحة بالرئيسين، عبود ثمَّ نميري، في حين أنه هذه المرَّة يظل الرئيس موجوداً على رأس السلطة. وفي الحالة الماثلة أمامنا، بينما يلوحُ في الأفُق تهديد المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، إضافة إلى كون أن الرئيس هو المُبادِر بالحِوَار الوطني، فإنه من غير المُرجَّح، ان لم يكُن من المستحيل، تنحِّي الرئيس وإخلائه مقعده لصالح شخصٍ آخر. وكأنه تأكيداً لذلك، في مقابلة مع شبكة ‘سكاي نيوز عربيَّة'، 24 فبراير، كان رأي الرئيس، في معرض ردِّه على سؤالٍ عن الأوضاع في سوريا، أنَّ الرئيس الأسد، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من انتفاضة شعبيَّة ومُسلَّحة ضدَّه، هو جزءٌ من الحَلِّ، ولا يمكن استبعاده من أي تسوية سياسيَّة، «وإلاَّ فسوف يظلَّ يقاتل حتى النهاية». بل، تعهَّد البشير بنفسه في خطابه بمناسبة تدشين حملته الانتخابيَّة بولاية الجزيرة، 26 فبراير، على أنه لن يرحل إلاَّ إذا قرَّر الشعب ذلك عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة، والتي إذا فاز فيها سيتنحى في 2020. وربَّما، كان موضوع التعامُل مع المحكمة الجنائيَّة هو أحد الدوافع الكامن وراء الإسراع بالتعديلات الدستوريَّة الأخيرة، الهادفة إلى تركيز سُلطة الدولة في يد الرئيس، والذي أراد بحسمه لصراعات مراكز القوى في حزبه أن يكون في قلب أي تسوية سياسيَّة محتملة. وتلك رسالة واضحة إلى المعارضة والمجتمع الدولي، وفحواها: ألاَّ صفقة أو مساومة تاريخيَّة يمكن إعداد طبخها من وراء ظهر الرئيس.
3- بينما تنفُض الحركات الدَّرافوريَّة يدها عن اتفاقيَّة الدَّوحة، أيضاً، فخطابُ قيادات الحركة الشعبيَّة–شمال يكاد يخلو من مجرَّد الإشارة إلى المُفاوضات المقرَّرة حول المنطقتين، جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، تحت وساطة الآليَّة الأفريقيَّة رفيعة المستوى (AUHIP). هذا الإغفال يطرح سؤالاً هاماً: هل لدى الحركة الشعبيَّة-شمال إستراتيجيَّة واضحة للتوفيق بين التزام الحركة بالمُفاوضات (المدعومة إقليمياً ودولياً) من جهة، مع السعي للحِوَار "القومي الدُستوري"؟! من جهة ثانية، أو بمعنى أخر، هل غَسَلَت الحركة الشعبيَّة–شمال يديها من المُفاوضات، وبذلك قرَّرت ترك الأمر معلقاً حتى تتم تسوية القضايا القوميَّة الدستوريَّة تماماً؟! وبنفس القدر، فإذا أصرَّ النظام على المُضِيِّ قُدُماً في طريق الانتخابات، هل يُمثل التمسُّك بهذا الموقف الضربة القاضيَّة للحِوَار الوطني؟! أي وقف الحوار نهائياً في أعقاب الانتخابات، وإفراز واقعٍ سياسيٍ جديد، ليُصبح إسقاط النظام هو الهدف المرجو؟!
4- وكأنه رداً على السؤال، رجَّح الأمين العام للحركة الشعبية-شمال عزوفهم عن استئناف المفاوضات مع الحكومة في ظِلِّ إصرار المؤتمر الوطني على المُضِي قُدُماً في الانتخابات، بل أضاف: «سنفكر في الاتجاه لاستخدام قرارات مجلس الأمن لرفض التفاوُض مع النظام بوصفه غير شرعي ورئيسه مطلوب للجنائية». (صحيفة التغيير الإلكترونية، 5 مارس 2015). ومن ناحية أخرى، أعلن عن أن المعارضة سوف ترفع يدها عن "الحِوَار القومِي الدُستوري" حال قيام الانتخابات في 13 ابريل، وحينها فسوف تتجه المعارضة كلية إلى إسقاط النظام عبر انتفاضة شعبيَّة سلميَّة واسعة، على حدِّ تعبيره. فهل حقاً ستمضي الحركة في الانسحاب من طاولة المُفاوضات، المدعومة إقليمياً ودولياً، أم أنَّ الحركة ستتمسَّك بالتفاوض والحِوَار حتى النهاية، في استرشادٍ بنهج وممارسة الحركة الشعبيَّة لسِلاح التفاوُض مع جميع حُكومات الأمر الواقع بين 1983 و1989؟!
5- يثور هُنا سؤالٌ بالغ الأهميَّة: في ظِلِّ الواقع الداخلي والإقليمي الراهن، والتوازُن الحالي للقُوى السياسيَّة والمُجتمعيَّة في البلاد، ما هو الهدف النهائي من النضال المسلح؟! وبشكلٍ أكثر تحديداً، ما هو احتمال تحقيق نَصْرٌ حاسم ضدَّ القوَّات الحكوميَّة، أو ترجيح الوضع العسكري السائد لصالح الحركات المُسلَّحة، وما هو الأفق الزمني لهذا الاحتمال؟! لا بُدَّ من التفكير المتأني والجاد في هذه الأسئلة.. إنَّ السُّودانيين العاديين والمُواطنين البُسطاء، لا سيَّما في المناطق المتأثرة بالحرب، هُم وقود الحرب وضحايا النزاع المُسلَّح طويل الأمد. فالعديد من السُّودانيين المهمومين والمُهتمِّين بالشأن الوطني، يميلون للاعتقاد بأن الحركة الشعبيَّة-شمال، فضلاً عن المُكوِّنات الأخرى ل"الجبهة الثوريَّة" تماطل عمداً في مُداولات المُفاوضات، التي لن تحقق إلا بضعة مكاسب متواضعة، مقارنة بما منحته نيفاشا للحركة الأم، بينما عينها علي الحِرَاك الداخلي المُحتدم، لعلَّ تحالُفِهَا مع القُوى السياسيَّة والمجتمعيَّة يُؤتي ثماره فتهُبَّ الانتفاضة ويسقُطَ النظام، بينما لا يزال السِّلاح في مُتناول اليد، مِمَّا يسمح بمساحة أكبر للمُساومة على نصيبٍ اكبر في حصَّة السُّلطة قد لا تطالها على مائدة التفاوض. وبالطبع، وهذا أيضاً ينطبق على المؤتمر الوطني والذي يُشكِّل تشبُّثه بمواقف تفاوُضِيَّة عالية السُقوفِ عقبةً رئيس في طريق التوصُّل الي اتفاق طالما ان تكلفة استمرار الحرب يدفع ثمنها المُواطن السُّوداني البسيط، خاصَّة في المناطق التي يدور فيها القتال.
6- وفي هذا الصَّدد، لعلَّ الخلاف الاستراتيجي بين طرفي التفاوُض فيما يتصل بالتسوية السياسية الشاملة، عبر الحوار القومي الدستوري، من جهة، والتوصُّل لاتفاق حول الترتيبات الأمنيَّة الشاملة، من جهة أخرى، هو ما دفع رئيس الآليَّة الأفريقيَّة رفيعة المستوى لتوجيه مذكرة ضافية إلى رئيسَي وفدي المفاوضات. عبر ثابو امبيكي في الوثيقة عن قلقه بخصوص تطاوُل أمد المفاوضات وصعوبة انعقاد الجولة القادمة في حال لم يأتِ الطرفان بإجاباتٍ شافية تفيد بإمكانيَّة توصُّلهما إلى اتفاقٍ بشأن تداعيات هذا الخلاف الاستراتيجي وطرق ووسائل معالجة ما ينطوي علي هذا التناقض الجوهري.
1. ومع أن البيان 456 لا يعد إجراءات بِناء الثقة شروطاً مُسبَقَة لبدء الحِوَار الوطني، إلاَّ أن المؤتمر الوطني مُلزمٌ سياسياً وأخلاقياً بتهيئة المناخ لقيام انتخابات حرَّة ونزيهة. فهذه ليست باشتراطاتٍ، وإنما استحقاقات دستوريَّة، مثلها مثل الانتخابات، والتي، للمُفارقة، يتخذها الحزب الحاكم ذريعة لتجاهل ورفض كل دعوات المعرضة المدنية والمسلحة المطالبة بتأجيلها، فهل هو الكيل بمعيارين؟!ولعل ترحيب القطاع السياسي للمؤتمر الوطني بمخرجات إعلان برلين يدفع بالحرب الحاكم للمضي خطوة أخري في طريق تنفيذ إجراءات وتدابير بناء الثقة المتفق عليها والمصادقة عليها من قبل الحزب نفسه.
رؤى ختاميَّة:
في تقديري أنَّ هناك حاجة مُلِحَّة لإعداد وتفصيل:
1- اقتراحٌ يُفصِّل السِّمَات الرئيسة وطبيعة الانتقال المُتوخَّى، وتحديد أهدافه ووظائفه بدقة، والأهم من ذلك، توضيح وضع المُؤتمر الوطني، الحزب الحاكم، ونصيبه في السُّلطة الانتقاليَّة، ومواقعه في هياكل الانتقال. إنمُخطَّط ونموذج تجربتي الانتقال في 1964 و1985 غير قابلٍ للتطبيق في الظروف الحاليَّة. فهناك حاجة لوضع خُطة عقلانيَّة، تنسجم مع هذه الظروف المختلفة عن سابقتها في أكتوبر وأبريل، ورسم تصوُّرٍ للإصلاحات قابل للتحقيق، أو إعادة هيكلة مُؤسَّسات الدولة، خصوصاً وأن هذه المُؤسَّسات ظلت تحت الهيمنة لحزبيَّة المُطلقة لأكثر من رُبع قرنٍ من الزمان. ومع ذلك، فانه لا يصح سياسياً أن يقوم فصيل بعينه، وبمفرده، بصياغة هذا الاقتراح، بل ينبغي أن يكون نتاجاً لمُشاوراتٍ مُكثَّفة وعميقة بين الحُلفاء في "الجبهةالثوريَّة" وقوى "نِدَاءالسُّودان"،والشُركاء الآخرين، وصولاً إلى موقفٍمُوحَّد واقتراح واحد. ولا شك، أن مثل هذا الطرح يحث المجتمع الدولى للتعاطي الإيجابي، مع مطالب قوى المعارضة، ويحفزه على ممارسة الضغط على النظام للإيفاء بمستحقات تهيئة المناخ للحوار الوطني.
2- اقتراحٌ مُفصَّل لمُخاطبة ومعالجة قضايا المنطقتين، جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، يتجاوز "المشورةالشعبيَّة"، والتي فقدت جدواها نتيجة لظروف موضوعيَّة ذاتيَّة مقبولة، ويمكن تفهُّمها، وذلك بتقديم مشاريع مقترحاتٍ أكثر تحديداً حول تقاسُم الموارد والسُّلطة، وعلى أساس مبدأ "التمييزالإيجابي"، بحُكم ما عانته هذه المناطق وأهلها من أهوال الحرب، وترتيباتٍ أمنيَّة مُحكَمَة وملموسة في "المنطقتين". وتشمل الاهتمامات والهُموم الخاصَّة بعامَّة المُواطنين في جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، حقوق المواطنة المتساوية، والحُكم الرَّاشد، والحُدود، والأرض، واللغات، والتنوُّع الثقافي والديني، والهُويَّة، وجميع الظواهر المترتبة علي استمرار الحرب، مثل النزوح واللجوء. مثل هذا الاقتراح، يجب أن تسبقه مشاورات على نطاقٍ واسع مع جميع أصحاب المصلحة، داخل وخارج الحركة الشعبيَّة–شمال. وسيساعد التوافُق على هذا المشروع في وضعحدٍ للجَدَل المُتداوَل هذهالأيَّام حول مفهوم "الحكمالذاتي"، وبالتالي تجنُّب إرساء علاقاتٍ دُستوريَّة غيرمتكافئة asymmetricalفيمختلف الأجزاء من البلاد. فترسيخمثلهذهالعلاقاتيُغريبتفجُّرنزاعاتٍ جديدة في مناطق أخرى من السُّودان، والمطالبة بوضعٍ دُستوريٍ خاص يُميِّز هذه المناطق عن غيرها في إطار الحُكم اللامركزي الفدرالي. ويمكن الاستفادة من تجارب الدُّول التي تطبِّق نظامٌ فدرالي، تتساوى الوحدات المُكوِّنة له في وضعها الدُستوري، ومع ذلك تعتمد مبدأ الأفضليَّة لمجموعاتٍ مُهمَّشة أو مُضطهدة ثقافياً أو عرقياً.
[email protected]
تورونتو: مارس 2015


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.