ولاية الخرطوم: صدور قرارين باعفاء مدير الإدارة العامة للنقل وتعيين آخر    وزير الخارجية: الرفع من قائمة الإرهاب إنتصار في معركة إعادة الكرامة .. وملف المدمرة كول قد تم طيه تماماَ    توضيح من الناطق الرسمي باسم حركة/ جيش تحرير السودان    يوميات محبوس (7) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    تحرير الوقود من مافيا الوقود قبل الحديث عن تحرير أسعار الوقود .. بقلم: الهادي هباني    العَمْرَةْ، النَّفْضَةْ وتغيير المكنة أو قَلْبَهَا جاز .. بقلم: فيصل بسمة    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    المريخ يتصدر بعد تعثر الهلال.. والأبيض والأمل يضمنان الكونفيدرالية    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    عن القصائد المُنفرجة والمُنبهجة بمناسبة المولد النبوي الشريف .. بقلم: د. خالد محمد فرح    ضيق الايدولوجيا وسعة البدائل .. بقلم: د. هشام مكي حنفي    من كره لقاء الشارع كره الشارع بقاءه في منصبه!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    مؤشرات بداية عصر ظهور الإرادة الشعبية العربية .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    تقرير البيئة نحو اقتصاد أخضر مكسى بلون السندس تزفه أنغام السلام للأمام .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فضيلة التجاوز والنسيان في تصريحات السجاد وعرمان
نشر في الراكوبة يوم 30 - 08 - 2016

ربما يكون تصريح السيد ياسر عرمان في مستهل المفاوضات باديس ابابا والذي يضع فيه الاسلاميين في مرتبة واحدة مجاف للحقيقة ان لم يكن يفتقر لابسط الوان الانصاف . ومع ذلك فإن تصريح عرمان يحمل في تضاعيفه دلالات عظمي لا يمكن اغفالها او تجاهلها ذلك انه يعتمد موقفا شاملا نحو تجريم الاسلاميين كافة بمختلف طوائفهم وتياراتهم بدون التبصر في الحادثات التي جعلت طرفا من الاسلاميين، يتمثل في المؤتمر الشعبي ومنسوبيه، يمدون ايديهم لمصافحة الحركة الشعبية في اوج عنفوان العداء للحركة في وقت كان مجرد التفكير في الجلوس للتفاوض مع الحركة او الاجتهاد في التوصل لتسوية سلمية مع قادتها يعد خطيئة كبري ان لم يكن خيانة عظمي في حق الوطن والامة ؟!!.
وليس ثمة شك في ان خطوة جريئة كهذه ، رغم ما جرته علي الشعبي وزعيمه الدكتور الترابي من ثمن باهظ سجنا وحظرا وملاحقة وتشريدا ، هي التي اسهمت بحق في شق حاجز الصمت وكسر الجمود الذي وسم مجمل المشهد السياسي منذ ما قبل استقلال السودان.ولا ريب ان تلك المبادرة الجريئة التي لم يتاملها التاريخ المعاصر جيدا في غمرة المدافعة السياسية بين الوطني والشعبي قد اسهمت بلا منازع في التعجيل بالدفع بمسارات التسوية السلمية علي كافة الاصعدة لقضية الحرب في السودان آنذاك.
دافع الغيرة السياسية وحده لا الحرص علي قضية السلام او المنافحة عن حرمات الوطن هو الذي دفع باهل الحكم لمناهضة تلك الخطوة الهائلة حيث اقاموا الدنيا ولم يقعدوها وقتذاك ، وفي الواقع لم يكن المناوئون للترابي من داخل الصف الاسلامي الذي تفرق ايدي سبأ ليرضون للترابي ان ينعم بجني ثمار المبادرة الجريئة لاحلال السلام في الجنوب ناهيك عن اقوام أخر، وهكذا لم يكن مستغربا أن يهرع ذات القوم، بعد ان الفراغ من انجاز غزوتهم ضد الشعبي ومنسوبيه، نحو قرنق لانفاذ ذات المبادرة التي انكروا علي الترابي القيام بها حتي اذا ما نجح الامر وحل السلام نسبوه لانفسهم وانكروا فضل من بادر بالدعوة اليه بادئ الامر ؟! .
هذا الضرب من السلوك غير الاخلاقي ، ان لم نقل الانتهازي، ليس بجديد في تطورات المشهد السياسي المعاصر، فهذا النمط من السلوك غير الرشيد هو الذي اودي باول اتفاقية للتسوية السلمية افلحت الانقاذ في انجازها في اطار (استراتيجية السلام من الداخل) عبر الاتفاقية التي عرفت باسم (اتفاقية الخرطوم للسلام ) . وفي واقع الامر ان القائمين علي ادارة هذه المشاهد التامرية في مختلف حقب الانقاذ واطوارها المتعاقبة ربما ظل امرهم خافيا علي الكثيرين ، سيما وأن الالمام بتفاصيل هذا المشهد الملتبس قد لا يبدو يسيرا للوهلة الاولي ، في ظل غياب المعلومات الكاملة التي واكبت المشهد السياسي فيما قبل حقبة المفاصلة وماتلاها من احداث . بيد ان هذه الوقائع ما كان لها ان تغيب عن فطنة سياسي متابع لادق تفاصيل السياسة في مقام السيد عرمان خاصة وانه اختار لنفسه اتباع نهج المعارضة المسلحة ضد مجمل الاوضاع السياسية في الداخل مما يحتم عليه استكشاف ميدان المعارك التي يخوضها حربا او سلماً .
ومع ذلك فهل يكون الموقف الصائب يا تري، ونحن نحمل لواء اسناد الحوار بما يفرضه علينا من التزام صارم بموقف الحياد ، ان نحمل علي السيد عرمان ، او نتمادي في خوض معركة ضده جراء اول تصريح ناقد يصدر عنه في اطار العملية التفاوضية باديس ابابا ؟!!. وتكمن الاجابة في تقديري المتواضع في القول بلا ، وانما يكون المسلك الامثل في حالتنا هذه هو التحاور مع ياسر، واقناعه بالانخراط والتفاعل مع تيار السلام ، واستمالته الي كفة المدافعين الحقيقيين عن حقوق الانسان بالبلاد، ونسيان او تجاوز ما بدر عنه من شطط يتمثل في الحكم علي الاسلاميين بمختلف احزابهم بالجرم وعدم توخي الدقة في التمييز بين المحسن منهم والمسيئ ؟!!.
وايا كانت دوافع استثارة عمار تجاه عرمان سواء اعتمد الاخير منهج خاطئ يقوم علي تعميم الجرم علي طوائف الاسلاميين كافة بلا تمييز منذ قيام الانقاذ الي يومنا هذا ، او جراء اتخاذ عرمان موقفا اميل الي الحياد بازاء المظالم التي ارتكبت في ملف حقوق الانسان علي مستوي الممارسات والقوانين والتشريعات في الوقت الذي كان يشغل فيه موقعا متنفذا في قمة السلطة في حقبة ما بعد نيفاشا فان هذا لا يصلح مسوغا لتطوير موقف مضاد تجاه عرمان والاعراب عنه في هذا التوقيت بالذات في اوج احتدام عملية التفاوض.
وصحيح ان الكثيرون قد طوروا موقفا مضادا تجاه الحركة الشعبية وحلفائها، حيث كان يؤمل ان تلعب الحركة دورا مشرفا يحتسبه لهم التاريخ في الارتقاء بملف حقوق الانسان المتردي في البلاد، بيد انهم اثروا ان يقدموا رضاء المؤتمر الوطني والفئة الحاكمة ابان فترة حكمهم المشترك علي قضية تعزيز كرامة الانسان السوداني . ومن اكبر مظاهر ممالأة الحركة الشعبية للمؤتمر الوطني مساندة الكتلة البرلمانية للحركة لمسودة قانون الامن الذي ما كان له ان يجاز وقتها لولا دعم الحركة ومساندتها لهذا القانةن الشائه الذي اسهم من بعد في تسبيب ظلامات مؤلمة حاقت بطوائف من امة السودان. وهكذا تسببت الحركة الشعبية، وعرمان احد قادتها، في خذلان جماهير الشعب التي لم تتردد بدورها في تحميل الحركة الشعبية مسئولية ما جري من انتهاكات بحكم الشراكة الاصيلة التي ربطت الحركة الشعبية بالمؤتمر الوطني علي مستوي استصدار التشريعات التي تحكم اداء الاجهزة الامنية في البلاد .
وقد ظل هذا الموقف الملتبس من قبل الحركة الشعبية تجاه قضايا الحريات وحقوق الانسان ماضيا الي ان جاء وقت انقلبت فيه الاجهزة الامنية ومن خلفها الة القمع الحكومي في نهاية المطاف علي الحركة الشعبية وحلفائها انفسهم ليصبحوا في بؤرة الاستهداف . ولم يشفع للحركة كونها تشغل مواقع رفيعة في الدولة واجهزتها التشريعية والامنية، ويشمل ذلك ولا يقتصر علي رئاسة جهاز الامن بالانابة، في ان تكون عرضة لصنوف القهر والتضييق مما اضطر الحركة الشعبية في نهاية المطاف الي ايثار المباعدة ان لم تكن المفاصلة في خطوة لا تختلف كثيرا عن موقف مشار وتعبان دينق وصحبهما الذين اثروا السلامة ومعاودة الالتحاق بالتمرد بعد اذ شهدوا بام اعينهم اجهاض اتفاقية الخرطوم للسلام ، حتي لو كانت هذه الخطوة تمثل ثمنا باهظا واليما يجعلهم يقعون تحت رحمة قرنق من جديد.
وليس ثمة شك في ان سجل الحركة الشعبية بعيد اتفاقية نيفاشا وما لازمه من اخفاق واضح في لعب دور مأمول لترسيخ قضايا الحريات والديموقراطية وتعزيز حقوق الانسان لهو امر يستحق الوقوف عنده طويلا استخلاصا للعظات واستلهاما للعبرر المترتبة عليه من قبل الحركة الشعبية قبل غيرها من الجماعات. ونحن نقول بذلك ليس من باب التجريم وانما لحث الحركة الشعبية قطاع الشمال لابداء الجدية والحرص اللازمين لاستثمار فرص جديدة ينبغي اغتنامها اذا ما ارادت الحركة بالفعل تحسين صورتها فيما يلي سجل حقوق الانسان سيما وأن مآلات التسوية السلمية المرتقبة ربما تفضي بدفع قطاع الشمال ، حال نجاح فرص التسوية السلمية، الي شغل مواقع متنفذة في قلب السلطة في المستقبل المنظور.
وبرغم التصريحات انفة الذكر التي صدرت عن عرمان مما افضي الي صدور ردود افعال غضبي في الاتجاه المضاد من قبل عمار ، الا انه ينبغي الا يغيب عن اذهاننا جميعا بان المتنفذين في قمة السلطة حاليا سواء كانوا في مؤسسة رئاسة الجمهورية او المؤتمر الوطني لا يعرف لهم فضل في الوفاء بالعهود التي قطعوه اعلي انفسهم باتباع خطة الحركة الاسلامية بالانتقال من مرحلة شرعية الانقاذ في طورها الاول الي مرحلة التحول الديمقراطي في اجل معلوم متفق عليه . وفيما يبدو ان اصابع الاتهام ما زالت مشرعة في وجه هؤلاء باعتبار كونهم تسببوا في الاخلال بمواثيق الدولة المرعية في الحكم الرشيد وحكم القانون وكفالة حقوق الانسان علي خلفية شرعية ثورية منتهية الصلاحية الامر الذي جعل منهم اداة نشطة غير متعقلة في العسف بالمناوئين في الراي والبطش والتنكيل بسائر فئات الشعب، ويشمل ذلك ولا يقتصر علي اخوتهم الذين كانوا معهم بالامس في خندق واحد، مما افضي لانشطار المؤتمر الوطني الي مؤتمرين وطني وشعبي ابان ما عرف بفترة المفاصلة وما تلتها من احداث جسام شهدت انتهاكات غير مسبوقة في مضمار حقوق الانسان.
وبرغم ذلك كله فقد اثرت الاطراف المتنازعة العمل علي نسيان، ان لم نقل تجاوز ، المرارات والمظالم المتراكمة التي واكبت الحقبة المنصرمة من عمر الانقاذ والجلوس في اطار حوار وطني جامع املا في ايجاد مخرج سلمي يضع حدا للازمة المستحكمة التي تأخذ برقاب العباد والبلاد. وقد شجع علي سريان هذا النهج التصالحي ارادة ماضية للمرحوم الترابي عليه رحمة الله في كظم الغيظ وايثار العفو، والتسامي فوق الوان الاذي وصنوف الابتلاء التي حاقت به علي نحو خاص وامتدت لتشمل العديد من رموز الاحزاب والجماعلات والافراد ، يقابلها من طرف الحكم نوايا معلنه بالامتثال لدواعي الحوار من قبل السيد رئيس والمؤتمر الوطني وهي لم تزل بعد في محك الاختبار ونرجو لها ان تكون صادقة في نهاية المطاف وان تثمر وفاقا مستداما وسلاما متراضيا عليه بين سائر الفرقاء ... واذا كان الامر كذلك فلم نستثني عرمان او نحمل عليه وحده فالرجل لم يتجاوز في موقفه، علي اسوأ الفروض، مرحلة اطلاق تصريحات جري تصنيفها في خانة العدائية، متناسين أن الدولة بمؤسساتها السيادية والتنفيذية والامنيةقد اقدمت من قبل علي ممارسة افظع الوان الانتهاكات والخروقات الجسيمة في حق الانسان السوداني بدون ان تاخذها شفقة بالكثير من رموز البلاد وقادتها، ولم توفر اجراءات الدولة القسرية في اعقاب المفاصة حتي زعيم الحركة الاسلامية الشيخ الترابي عليه رحمة الله الذي خضع لسنوات من السجن المتطاول ليصبح السجين السياسي الاكثر شهرة والاشد تعرضا للابتلاء في تاريخ السودان الحديث.
ومما يجعل تصريحات عمار اميل الي عدم التوفيق في توقيت اصدارها انتصريحاته تجئ في وقت تصوب فيه الدولة الرسمية سهامها نحو ذات الرجل وتتهمه بتعويق الحوار في مستهل جلسات الحوار والتفاوض باديس ابابا، مما يجعل تصريحات عمار كانها تتماهي، من غير ان يحتسب ، مع احد اطراف النزاع الا وهو الجانب الحكومي علي حساب الطرف الاخر وهو الحركة الشعبيةقطاع الشمال ، في حين ان الموقف الذي اختاره تيار اسناد الحوار يتاسس علي التزام جانب الحياد والاجتهاد في لعب دور نشط في الدعوة والحث والمناصرة للتوفيق بين الفرقاء والعمل تذويب الفوارق والخلافات التي تنشأ بينهم الي اقصي قدر ممكن بمعزل عن وسائل الاعلام .
ثم ان نشوء الخلافات وتباعد المواقف يبدو امرا طبيعيا وليس بمستغرب سيما بعد التوقيع علي خارطة الطريق والسعي لموائمة تفاصيلها لكي تتسق مع الاتفاقيات السابقة التي انجزها الطرفان خلال الثلاث سنوات الماضيات ، وهو امر يستلزم تطوير قدرة اعظم علي الصبر والاحتمال لاطروحات الطرف الاخر في التفاوض اكثر من كونه يستلزم المسارعة الي اطلاق التصريحات النارية عند اول منعطف خلافي تجاه احد الاطراف المتحاورة . ومعلوم بالضرورة ان الخلافات البائنة بين اطراف التفاوض لا يمكن لعقدتها ان تحل هكذا بين غمضة عين وانتباهتها او بين يوم وليلة، ذلك ان الخلافات تحمل في تضاعيفها كل عوامل شيطنة التفاصيل ؟!!
ثم ان علي الذين ينكرون التفاوض مع عرمان ويكادون يخرجونه عن الملة ويحملون عليه في اول بادرة تعثر في المفاوضات ان يستحضروا منهج الرسول محمد (ص) عليه وسلم في صلح الحديبية وهو يحتمل شروطا قاسية استنكرت علي النبي محمد (ص) مجرد وضع صفته الشريفه علي وثيقة الحديبية ، وان يستخلصوا من ذلك كله منهج الاسلام الحق في التفاوض وتسوية المنازعات سلميا وهو منهج عظيم الفائدة علي مر الازمان.
وطالما كان المسعي قائماُ علي نحو موصول لانفاذ رسالة اسناد الحوار فينبغي ان نطور قدرة هائلة علي امتصاص الصدمات واحتمال التصريحات المستفزة من هذا الطرف او ذاك من الفرقاء سواء كانوا في الحكم او المعارضات السلمية او المسلحة او قطاع الشمال ، وان لم نفعل ذلك فاننا نكون طرفا مباشرا في نقض رسالة اسناد الحوار، واجهاض ما بنيناه في الحقبة الماضية من غير ان نحتسب وفوق هذا وذاك، فاننا نجعل من انفسنا سببا مباشرا لهزيمة الدور الحيادي الذي ارتضيناه لانفسنا تحت مسمي اسناد الحوار.
ويبقي التحدي الماثل امامنا في هذه اللحظة ونحن نتصدي بعزيمة واقتدار لدعم الحوار وتعزيزه من اجل التوصل الي مشروع حل شامل نطمع في تحقيقه جميعا ان نتحلي بضبط النفس وان ننأي بانفسنا عن اللجوء الي تصريحات لا تتسم بالحصافة سيما اذا كانت تحمل توقيع عموم الاسلاميين بلا تفوي يذكر. ومع كامل احترامنا وتقديرنا لحسن نوايا السجاد ووفده المصاحب وتثميننا لمواقفهم في دعم الحوار واسناد عثراته ، الا انه ينبغي ان نعلن بوضوح ان زمن التفويضات قد آل الي زوال، وطالما كان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فليس من الحكمة منح تفويض لاحد للحديث باسم عامة الاسلاميين مهما علا شانه بدون تفويض معلوم وفق اسس مرعية تحظي باعتراف الجميع.
ومن جهة أخري فليس ثمة شك في ان الثقة المفرطة التي تم منحها طوعا واختيار للعديد من رموز الحركة الاسلامية وقادتها لم تقابل بما تستحقه من شفافية ومحاسبية وشوري محققه، لا بل اسهمت ظاهرة التفويض المطلق للاسف الشديد مع غياب عوامل الضبط والمحاسبة في تكريس ابشع الوان الدكتاتورية والتسلط والانفراد بالراي مما افرز نتائج كارثية علي مستوي الحكم والممارسة . وهنا يتجلي الكم الكبير من التجاوزات والتفلتات والاخطاء الفادحة التي وقعت بوطئتها الثقيلة لا علي عموم الاسلاميين فحسب وانما علي الامة السودانية جمعاء تحت مظلة الثقة استنادا الي تفويض متوهم زعمه هؤلاء القادة المفترضون لانفسهم وهم يروحون جيئة وذهابا ليتقولوا علي الترابي ما لم يقله، في حين ان الترابي من اقوالهم ومزاعمهم براء .
وفي واقع الامر ان كثير من الاخطاء الجسام ما كان لها ان تحدث منذ قيام الانقاذ الي يومنا هذا فيما لو تم اعمال مبادئ الشفافية والمحاسبية والتقويم لسائر الممارسات والتجارب والانشطة التي اقدم عليها متنفذو الانقاذ علي المستوي المحلي والاقليمي والدولي . ولهذا لم يكن مستغربا ان تشهد تجربةالانقاذ الماثلة امامنا الوانا من الفشل الذريع والاخفاق الشنيع في ادارة اهم الملفات واكثرها خطورة. ولو تم اعمال مبدأ المحاسبة الفورية لما تسني لبعض كبار قادة الانقاذ ان يتسنموا سدة الحكم لحقب متطاولة وهم يحملون تفويضات عصية علي المراجعة، ولما اتيح لهم ان يرتكبوا ظلامات لاحصر لها في حق انفسهم وحق مواطنيهم غير متحسبين لتبعات جسام يمكن ان تلحق بالامة السودانية جراء أفعالهم الطائشة وتجاوزاتهم الرعناء ؟!! .
ولعل تكشف مشهد ما كان خافيا في اعقاب المفاصة قد اوضح بجلاء وقائع في غاية الشذوذ والغرابة، فاذا بذات القوم الذين زعموا ان لهم قربي من الترابي ياتمرون بامره ويصدرون باسمه هم اول من يهرع الي معسكر السلطةالمناوئة لخطته طمعا في ذهب معاوية ومغانمه بعد اذ بدلوا اثواب الثعابين وسارعوا الي ارتداء اثواب الحملان. وقد مضي هؤلاء القوم في ركاب السلطة او علي الاصح تحريفا لمسارها لتعويق مسار التحول الديمقراطي الذي ما كان له ان يتاخر اكثر من اربع سنون منذ بداية عهد الانقاذ لنشهد ابشع الوان انتهاك الكرامة الانسانية تمثلت فيي ترسيخ الكثير من الاوضاع الشائهة، وما كان للخطأ الا ان يفرز مزيدا من الاخطاء وهذه سنة التاريخ. أما بقية الساسة فقد اثروا اللجوء الي خارج السودان او ايثار السلامة مع التزام الصمت الا ما ندر، أما االترابي فقد كان نصيبه أني يحتمل جور هؤلاء ومكائدهم ليبقي في السجن لاجال متطاولة ، وأن يجري تحميله، مع ذلك، سوءات الانقاذ وشبهاتها، ويشمل ذلك تبعات الجرائم التي ارتكبوها هؤلاء في حق الامة من باب كون الترابي يمثل في نظر الرأي العام زعامة الحركة الاسلامية التي ساندت انقلاب الانقاذ . وهكذا قدر للترابي أن يتحمل اوزار القوم وجرائرهم وهو يكف يده لا بل ايدي الكثيرين الذي جاءوا اليه يطلبون الاذن بمدافعة العدوان فما كان له الا ان امرهم بكف ايديهم معتصما بالصمت والصبر معا كأنما كان يستبصر قصة سيدنا يوسف ليتخذ من عظاتها وعبرهها الجليلة زادا لمقبل الايام . ولم يمض وقت طويل من عمر التاريخ ليأتي أوان مواجهة الحقيقة فالان حصحص الحق بينما لاذ المجرمون الحقيقيون بالفرار والتخفي ولكن محاولاتهم لم تفتر فها هم يعاودون الكرة للقفز تارة اخري طمعاً فيباعادة تقديم انفسهم من جديد الي قلب المشهد السياسي مرتدين اثواب الحملان الوديعة من اجل الظفر بتفويض آخر للتحكم في مفاصل السودان من جديد، فهل ينجحون في ممارسة الخداع مع تفشي الغفلة ام يبوء سعيهم بالخسران والبوار ؟!!.
وبالطبع فان هذه الصورة الشائهة التي تحاول بعض الدوائر جاهدة الصاقها بالترابي لا ينبغي لها ان تمر هكذا دون التصدي لدوافعها التي لا تكاد تخفي من حيث كونها تستهدف الترابي وتجهد في طمس سيرته وتجريده من اي فضل ينسب له في الدفع بقضايا الحريات والتحول الديمقراطي في البلاد ، ليس ذلك فحسب بل تحميله اوزار الانقاذ باكملها الي حين مماته. وان لم يكن ذلك مطلوباً من باب انصاف الترابي وتجلية صورته الحقيقية، وقد عرف عن الترابي انه لم يكن يجهد كثيرا في الدفع عما يصيبه من اذي علي نحو شخصي ابان حياته العامرة بالمجاهدات الفكرية والسياسية، فلتكن تلك المدافعة من باب تصويب التاريخ المعاصر وتوثيق وقائعه علي نحو لا يقبل التزييف. ومما يؤلم له ان يجئ انعقاد اول جولة عمومية للحوار الوطني من غير الاحتفاء بكسب الترابي أو ذكر ماثره في مضمار الاعلاء من قيم الحوار والتسامح في هذه الحقبة المفصلية من تاريخ السودان ، وان يقتصر التنوية بدور الترابي علي ابراهيم السنوسي رفيق دربه وخلفه في زعامة الشعبي كانما المساحة التي يحتلها الرجل تتمثل في المؤتمر الشعبي فحسب وكانما المجاهدات الفكرية والسياسة لا تعني الامة السودانية في شيئ في حين ان المساحة الحقيقية التي يشغلها الترابي تتجاوز منسوبي الشعبي الي الامة السودانية والاسلامية قاطبة.
ومن اجل ازالة الالتباس في مسالة محاسبة تجربة الانقاذ فيما يلي سجل انتهاكات حقوق الانسان منذ قيام الانقاذ حتي يومنا هذا وما يترتب علي ذلك من تجريم او تبرئة ، وهو التباس يقع فيه كثيرون نتيجة عدم الالمام بخفايا ما جري في العشرية الاولي وما تلاها في اعقاب المفاصلة ، او بسبب من اعتماد تعميم غير علمي اوجائر باثر من ضغينة في نفوس البعض تجاه شخص الترابي ، فان المراجعات التاريخية وطبيعة الادوار التي لعبها كل شخص او جهة او جماعة ، سلبا او ايجابا، في سجل الحياة العامة ، فضلا عن النظر في سجلات انتهاكات حقوق الانسان طوال الحقبة الماضية، يبقي امرا مطلوبا بشدة وسوف يأتي اوانه بكل تاكيد .
وعوضا عن التعجل في اصدار بيانات متعجله من هذا الطرف او ذاك لا يترتب عليها في الواقع سوي نتائج غير محمودة ، وربما يكون ضرها اكبر من نفعها، فاننا ننادي باسم جماعة مدافعون عن حقوق الانسان ( HUMAN RIGHTS DEFENDERS) بفتح سجل حقوق الانسان في البلاد والتحقيق في سائر الانتهاكات التي حدثت في حق الافراد والجماعات والاحزاب والفصائل والتيارات المسلحة سواء تلك التي تقف في صف الحكم او تناصبه العداء وذلك اعتبارا منذ قيام الانقاذ حتي يومنا هذا حتي يعرف المحسن من المسيء . وان لم يصار الي انفاذ تدابير كهذه فسوف تظل التعميمات التي اطلقها عرمان ، وهو ليس وحده بالطبع، قائمة في مواجهة الاسلاميين بلا تمييز ، وستظل الاتهامات التي مابرحت تصوبها جهات عديدة قائمة لا توفر أحداً ولا تستثني وطني ولا شعبي ولا جالس علي مقاعد المتفرجين.
ومن اجل تهيئة مناخ مواتي للسلام والتصافي بين افراد الامة وازالة الضغائن و تعزيز قضايا الحريات وحقوق الانسان فيجدر بسائر الفرقاء اعتماد ميثاق وطني لحقوق الانسان يكون هاديا للدستور الدائم للبلاد في شان حقوق الانسان اسوة بوثيقة الحقوق والحريات الاساسية التي يمكن احتسابها بانها افضل حسنات نيفاشا، ان كانت لنيفاشا حسنات، رغم كون وثيقة الحقوق والحريات لم تحترم ولم تلق الاعتراف اللائق بها في مسار الممارسة والتطبيق الي ان تم انفصال انشطار الوطن الي شمال وجنوب بسبب من سوء ادارة ملف السلام واقتراف انتهاكات جسيمة في حق الانسان الشمالي والجنوبي معا ، ولو تم انفاذ وثيقة الحقوق تلك لكان للبلاد شأن آخر اليوم ولكان السودان غير السودان الذي نشهد اسوأ تجلياته في العصر الحديث . وفي هذا الاطار ندعو كافة الاطراف المعنية وفي مقدمتها الاحزاب والتيارات الفكرية والنشطاء والنقابات وفي مقدمتها نقابة المحامين ومؤسسات المجتمع المدني بالسعي الجاد لاعادة هيكلة منظومة حقوق الانسان العاملة في البلاد وفي مقدمتها( المفوضية القومية لحقوق الانسان) ، وهو جهاز حيوي لا يكاد يلمس له اثر يذكر في الارتقاء بحالة حقوق الانسان بالبلاد ، وربما يعود ذلك للعديد من الاسباب ابرزها غياب رئيس المفوضية زهاء العامين الماضيين عن مباشرة مهامه ، علاوة علي اسباب اخري الامر الذي يقدح في وضعية المفوضية ويحرمها من ميزة الاعتراف الاكمل وفق مباديء باريس (PARIS PRINCIPLES ) التي تنظم أوضاع المفوضيات القومية لحقوق الانسان، ولا يدري كثير من الناس مدي كفاءة المفوضية القمية لحقوق الانسان ولا مقدار موضعها وتصنيفها وفق مبادئ باريس ، وحق لهم أن يعلموا طالما كان الانفاق يتم علي تمويلها من حر مال الشعب السوداني.
كما ننادي فوق هذا وذاك بانشاء الية وطنية للعدالة الانتقالية والحقيقة والانتصاف لاجل رفع الظلم والانتصاف للذين وقعت عليهم ظلامات مهما صغر حجمها او كبر ، فضلا عن العمل علي اشاعة ثقافة السلام والحض علي المصالحة والاعلاء من قيم العفو والتسامح بالتلازم مع دفع وتنشيط المسار الحقوقي العدلي.
ومن اثر من بعد ارساء اسس واليات العدالة الانتقالية ان يعلي فضيلة العفو والاصلاح فذلك خيروأجره علي الله وذلك من باب ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) سورة الشورى الاية31 . ومن شاء ان يمضي في انفاذ مبادئ العدالة والانتصاف والقصاص فذلك من حقه من باب ( لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ) سورة الاسراء الاية 33 . وقوله تعالي (ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب) ، سورة البقرة الاية 179.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.