مولودية إيه... وجمهور إيه؟!    نادي النصر يعزز صفوف الشباب بخماسي الأكاديمية    المريخ الممتاز ينشد الانتصار أمام أزرق كريمة    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    اتحاد الكرة يثمن دور الشرطة ويؤكد شراكة استراتيجية لدعم النشاط الرياضي    بند سري يدفع رونالدو لفسخ عقده مع النصر    شاهد بالفيديو.. إمرأة سودانية تهاجم "حمدوك" أثناء حضوره ندوة حاشدة في لندن: (خذلتنا وما كنت قدر المنصب..تعاونت مع الكيزان وأصبحت تتاجر باسم السياسة)    شاهد بالفيديو.. الناظر ترك: (مافي حاجة اسمها "كوز" والكوز هو المغراف الذي نشرب به الماء ومن يزعمون محاربة الكيزان يسعون إلى محاربة الإسلام)    الاعيسر: المركز الإقليمي الثاني للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بنهر النيل ركيزة للشراكة الاعلامية والخطط الاعلامية    مناوي: مؤتمر توحيد أهل الشرق عقد لدحض المؤامرات الخارجية    شاهد بالصورة والفيديو.. كواليس زفاف الفنان مأمون سوار الدهب.. الفنانة هدى عربي تمنح شيخ الامين أجمل "شبال" والاخير يتفاعل ويهمس لها في أذنها طويلاً    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنان جمال فرفور يثير الجدل ويُقبل يد شيخ الأمين أكثر من مرة ويقول: (الما عاجبو يحلق حواجبو)    وزير صحة النيل الأبيض يتفقد مستشفى القطينة التعليمي ومركز غسيل الكلى    ترتيبات لتمليك 2400 أسرة بالجزيرة لوسائل إنتاج زراعي وحيواني وإستزراع سمكي ودواجن    شاهد بالفيديو.. السلطانة هدى عربي تثير تفاعل شيخ الامين وحيرانه وتغني له في في زفاف مأمون سوار الدهب (عنده حولية محضورة)    شاهد بالفيديو.. ردت عليه امام الجميع (لالا) السلطانة هدى عربي تحرج احد حيران شيخ الامين وترفض له طلباً أثناء تقديمها وصلة غنائية والجمهور يكشف السبب!!!    الخرطوم..السلطات تصدر إجراءات جديدة بشأن الإيجارات    إيلون ماسك يهاجم كريستوفر نولان ويشعل جدلًا واسعًا على السوشيال ميديا    ترامب يهدد مقدّم احتفال توزيع جوائز غرامي بمقاضاته    عثمان ميرغني يكتب: وصول "سودانير" إلى مطار الخرطوم..    3 مكونات مضادة للالتهاب لتخفيف آلام المفاصل ونزلات البرد فى الشتاء    لقطات ترصد انسيابية حركة المعتمرين في المسجد الحرام وسط خدمات متكاملة    الصحة العالمية: أمراض مدارية مهملة تهدّد 78 مليون شخص في شرق المتوسط    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    الجيش في السودان يقترب من إنهاء الحصار المشدّد    داليا البحيرى بعد عمليتها الأخيرة: ممتنة جدا لكل كلمة طبطبة وكل دعم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد مكالمة هاتفية جمعت والده بنائب رئيس النادي.. الهلال يجدد عقد "دينمو" خط الوسط حتى 2029 وسط احتفال زملائه    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    الهلال يهزم صن داونز وينفرد بالصدارة ويضع قدما في دور الثمانية    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خرافات حول الحب
نشر في الراكوبة يوم 11 - 08 - 2011

منذ بدء البشرية وكلنا نضارب على الحب, نتسارع لنعيشه, نعاصره وننعم في ظله, منذ الأزل ونحن نعيش حالات شبيهة به, نحمله عبئاً هائلاً من مشاكلنا اليومية ومن إرهاصات نتنبأ بها حوله وجلاً من انتظاراتنا.
منذ أن أحسسنا الحب ونحن نبحث عن تعليل وتبرير لتصرفاتنا، كان العقل هو الذي يدرسها ويقيمها ويخرج في النهاية بنتيجة لا علاقة له بها.
ما أكتبه عن هذه الحالة النفسية الجميلة هو كم من التجارب الشخصية ودراسات علمية عدة لعلماء النفس والاجتماع وإحصائيات كثيرة لتجارب واقعية.
ولأن الحب حالة نفسية فإنه من الصعب جداً للبحوث العلمية الوصول إلى نتيجة يتفق عليها الجميع, ولكن هذا لا يعني أن لا نتحدث عن هذه الحالة بصورة إجمالية عامة مع اختلاف الأشخاص والمجتمعات.
الحب نتعرف عليه من خلال التجربة, وهذه التجربة ومعاصرتها لا نستطيع قياسها في المختبرات وأجهزتها, ولكننا نستطيع وصفه وتصويره, ووصفه وتصويره هو أمر نسبي وحيثي من شخص لآخر.
بعد مراقبتي لسنين طويلة لحالات عدة وأشخاص مختلفة أطباعهم وأطوارهم وجدت أن الغالبية العظمى منهم لم يتعرفوا بعد على قدراتهم على الحب أو حجب الوسائل التي تؤدي إلى إحباطه أو وضعه في سجن والحكم عليه بعدم التحرر, وهذا يعود إلى عدم فهم السبل التي تنمي وتطور هذا الشعور الجميل الذي يلعب دورا فعالاً في حياتنا ويجعلنا كلنا عطاءً ونماء.
أنا هنا لا أقصد البتة في هذه المخطوطة تقديم مادة علمية جافة بحته, لا بل إثارة تطور المعرفة المتعلقة بالأشياء التي نحسها وتغيراتها علينا سلبا أو إيجابا ومدى تأثرنا بها أو تأثيرها علينا. ولهذا, سأقدم نقاط وأسميتها خرافات لفهم الناس الخاطئ لها, وأعتقد أن السواد الأعظم منهم يؤمن بصحتها أو لا يعيها ويسيره في كثير الأحيان عقله الباطن - وكم للعقل الباطن من سيطرة علينا – وتعمدت الاختصار في هذا الطرح لأني لو أردت كتابة خرافات كثيرة حول هذا الحس الجميل وفهم الناس الخاطئ له لما كفاني كتاب, إلا أنني طرحت بعضاً من الخرافات التي أشك في كثرة معتقديها, وهي:
الخرافة الأولى: الجنس يحرر النفس.
الخرافة الثانية: الحب في السنوات الأولى مختلف وأقوى.
الخرافة الثالثة: لا حب من غير غيرة.
الخرافة الرابعة: ما الحب إلا للحبيب الأولِ.
الخرافة الأولى: الجنس يحرر النفس
الحب والجنس عمليتان قد تكونان في أحياناً كثيرة مرتبطتين ببعضهما البعض, إلا أنه من المهم أن لا نخلط بينهما, فالجنس من غير الحب ممكن والحب من غير الجنس يستطيع أن يكبر وينمو, هذا الشيء يعرفه الكثير إلا أنه للأسف يقع خلط في معظم الأحيان بينهم.
سيغموند فرويد, مؤسس التحليل النفسي, أعطى تطور وتحرر الطاقة الجنسية من الناحية الصحية العضوية والروحية اهتماماً كبيرا وذلك لدراسته لحالات كانت أوروبا حينها في بداية غرقانها في الجنس والإباحية مما أثر في النهاية على نتائجه وإعطائه هذا الموضوع كماً كبيرا, فقد كتب أشياء كثيرة قد تكون اليوم لا معنى لها مثل مرور الطفل بحالات جنسية في طفولته وهي التي تمحور حياته الجنسية عندما يكبر.
بعد سيغموند فرويد أتى فيلهلم رايش, ودرس الجنس من الجانب البيولوجي وعلل الضغوط النفسية أو النشاط الجنسي بأنه هو الذي يؤدي إما إلى إرهاق نفسي وبالتالي عضوي أو العكس وهذا لأن الضغوط التي تتسبب في شد عضلي بشكل عام, استمرارها يؤدي بالتالي إلى مشكلة عضوية أو نفسية صعبة مثل الانفصام في الشخصية.
دراسة هذين الباحثين في وقت تشابه من الناحية التاريخية والاجتماعية أودى بهما إلى نفس النتيجة رغم اختلاف وسيلة الدراسة والبحوث, ألا وهي, التحرر الجنسي يعني في النهاية تحرر المجتمع وتلقائياً راحته واستقراره و ارتقائه.
الجنس حالة قد تريح الروح من جانب, إلا أن للروح آلاف الحالات التي تحتاجها وتصبو إليها النفس وتطلبها, والدليل بأن هناك كثرة من الذين يمارسون حياتهم الجنسية بانتظام واستمرارية بيد أنهم لا يستطيعون قتل الضغوطات النفسية أو أزماتهم الروحية ولا يجدون السعادة لا بل أحياناً كثيرة تؤدي بهم كثرة العلاقات الجنسية إلى نتائج عكسية صعبة.
إنه من الأجدر بنا أن نبحث عن الحس الجميل ونعيشه ولا نبحث عن من يعلمنا الحياة, بل من يكتشف الحياة معنا.
من طور حياته الجنسية وتجاهل متطلباته الروحية وقدراته على الحب لن يجد الاستقرار النفسي الكامل.
لقد سيطر الجنس على العلاقة قبل الحب, حتى أصبح العامل المشترك بينهم مُتجاهلا ولا يريد أحد معرفته, حتى أن الطرفين ما عادا يعرفان هل هذا الذي يعيشونه حب أم حالة شبيهة سيطرت الرغبة الجنسية عليها, وهذا الذي يؤدي في كثير من الحالات للإحساس بعدم السعادة والإرهاق النفسي الدائم, فقد كانت الطريقة للبحث عن السعادة عضوية بحتة خاطئة ونهج السعادة روحية نفسية قوامها عقيدة أنا أدين وأذعن قلبي وعقلي لها, الإيمان بقدسية الحب.
قال ابن القيم رحمه الله, بأن النفس تُطلق على الذات بجملتها، كقوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾, وهذا دليل قضية لا أنفيها بل أؤكدها وهي ارتباط الحالة النفسية بالعضوية والعكس. وتطلق النفس على الروح وحدها، كقوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾، أما الروح فلا تُطلق على البدن، لا بانفراده ولا مع النفس. فالفرق بين النفس والروح فرقٌ بالصفات لا فرقٌ بالذات.
وللنفس صفات يسيرها صاحبها، إما بيقينه بأن الجنس ليس هو الطريق الوحيد للسعادة فتطمئن باعتبار طمأنينتها لربها بعبوديته ومحبته وبقدرته على حسه وحبه للأشياء من حوله، أو تلومه لأنها حيناً تأمره لإشباع رغباتها الجنسية بإفراط تعدد علاقاتها, حتى تودي به عوضاً عن السعادة إلى أزمات قد لا يخرج منها.
الخرافة الثانية: الحب في السنوات الأولى مختلف وأقوى
إن الرأي الشائع عند الناس بأن الحب في السنوات الأولى وحتى الأربعين أو الخمسين من العمر مختلف وله وجه جميل آخر. رأي لا صحة فيه, خاطئ, لأن الحب ليس مرتبطاً بعمر معين ينتهي في الستين أو في السبعين وحتى الثمانين, إنها حاله روحية تختلف من شخص لآخر ومن تجربة لأخرى, فالتجربة الأولى في بداية العمر تكون جميلة جداً ونحسها بكل مشاعرنا وبقوة وهذا لأننا ما عرفنا هذا الحس الجميل من قبل, فتكون كل الأشياء غير مهمة أمام هذا الحس, فيكون بالتلقائية أجمل منه عند الكبر, وهذا لأن الحب عند كثير من الأزواج يتقلص وما عاد الجنس شهياً جميلاً ومثيرا كما كان, تحول إلى روتين ممل معتاد, وعلى الرغم من هذا يتمسكون في العلاقة لقناعاتهم وتنازلهم بأن هذا الشيء تطور تلقائي لأي علاقة.
هل الحب طاقة تتطور أم تنفد مع الوقت؟ القدرة على الحب هي ذات القدرة على الإحساس في العالم وبأنفسنا وإدراكها, فالحب طفل صغير يكبر ويترعرع في ظلال القلوب، ومن يؤمن به بعيداً عن حسابات المنطق والمعقول, ومن ألحد هذا الحس الجميل فإن أطفاله يتيمة - فحبه هو أطفاله - تحبو نحو حتفها فتموت قبل أن تتنفس الصعداء أو تتبسمل, وفاز من رعى طفله حتى يكبر ويدرك مدى ارتباط هذه الحالة الروحية الجميلة بسعادته, فلا يتنازل عنها أبدا.
كل الذي ذكر آنفاً يحتاج إلى قوة وعي وإدراك وإرادة, فأحياناً كثيرة لا نعي سيطرة العقل الباطن علينا, وخاصة في المدن الكبيرة حيث المال والاقتصاد يلعبان دوراً فعالاً ومؤثراً في الحياة وبالتالي على الحس, فقد يتغرب عنا لأن الحس في مجتمع مادي كهذا لا يؤخذ بعين الاعتبار, فالإنجاز والموضوعية والفهم الحاذق والنجاح هم قوامه, لا بل الشعور والعاطفة تعتبر دماراً ورجعيةً, فنهجرهما. فكر الناس مليء بالمال والاستهلاك والنجاح, كله يدور حول المصلحة المشتركة والحالة الاجتماعية والمضاربة مع الآخرين والتفكير الكبير في ضمان المستقبل والأطفال وعنايتهم. إذا كان الفكر دائماً مليئا بهذه الاعتبارات ومراجعتها بشكل يومي, فستتقلص قدراتنا على الإدراك تلقائيا, حتى يحذف الحس من حياتنا ومعه الحب تدريجياً ويختفي ولا يعود له وجود حتى حبنا للطبيعة والأشياء تأخذ طابعا مختلفاً, وشريكة الحياة الحبيبة تصبح في زخم الأفكار التي لا تؤمن بغير الملكية شيئاً من الأشياء التي نملكها ودورها الوحيد الوظائف وإتمام الواجبات.
الأفكار ذات الشكل الواحد لا تؤدي في النهاية إلا إلى التوتر العصبي والإرهاق النفسي المزمن, فنحن لا نحس يوما بعد يوم كيف نخسر بمرارة حيويتنا ونموت روحياً فتموت قدرتنا على الحب معها. وهذا هو السبب يا قارئي الذي يجعل الحب مختلفاً في بداية العمر وعند الكبر, ما عادوا قادرين على فهم هذا الحس الجميل بسبب مللهم وعدم إحساسهم فلا يعود للحب مكان عندهم – كل التعازي الروحية سيداتي وسادتي- وقدراتهم على الحب تتراجع وتتفاقم عدم قدرتهم عليه أو إدراكه أو الإحساس به.
من المهم عندي أن لا يُحمل كلامي على مَحمَلٍ بأن هذا التطور طبيعياً مع الكبر, إنما السؤال الذي يطرح نفسه هو القيادة الحياتية وإدارتها وفلسفتها وكيفية التعامل معها والأسلوب.
شخص في الستين أو السبعين أو حتى الثمانين يحس ويعي ما يدور حوله ويقظته إيجابية وقادر على مواجهة نفسه والآخرين بنظرة مختلفة وقوة إدراك, تكون له القدرة تماما أو أكثر على الحب مِن مَن هم في مقتبل أعمارهم, الشيخوخة شيخوخة الجسد لا الروح, وبقاء شباب الروح مرتبط بالحس وقوة التأمل – والتأمل أعظم العبادات- ولهذا, ليس بالضرورة أن يكون الحب في مقتبل العمر مختلفاً عن آخره.
إنه من المدهش سماع الذين لطالما بحثوا عن السعادة وما وجدوها, أخذوا الطريق الخاطئ لها, بحثوا عن المال والإنجاز والجاه والسلطة - وأنا أعترف بأن المال عصب الحياة, لكنه ليس كلها- واعتقدوا أن الحس لا دور له فأهملوه, لا عجب أن لا يلتقوا السعادة في طريقهم, فالسعادة نهج وزقاق ومدن رحبة لا يجدها إلا من آمن بالحس والعاطفة وجعلها ديناً له.
الخرافة الثالثة: لا حب من غير غيرة
"من باطن الحب تتفجر الغيرة" هذه هي عقيدة المحبين الرائجة, أسمعها دائماً تتبعها أنفاساً صعداء "ما الذي أستطيع فعلة لقتل غيرتي".
الغيرة أمر دائم، شبه يومي، نتعايش معها ولا نحتملها, نعتقد أنها هي ظلال الحب أو وجهه الآخر وهو أمر مسلم به لأنه مرتبط بالضرورة مع العاطفة ولا سبيل لنا للتخلص منه.
هل يمكن التغلب على الغيرة؟ قبل أن أجيب عن هذا السؤال أود أن أقدم شرحاً عن أسبابها. إن الكائن المختفي خلف الغيرة هو حس لا يستهان به, الخوف من خسارة من نحبهم أو أن لا ننال حبهم, لأن هناك شخصا آخر قد يفوز بهم, أو لأسباب أخرى, قد تكون أحلاماً نعتقد أنها لن تتحقق معه أو حياة لن تكون جميلة لقلة ماله أو شهرته أو سلطته.
الخوف من أن أخسر الحب أو كينونته أو بعضاً منه على يد آخر, وكثرة هم من يحاولون السيطرة الكاملة على تفكير من يحبونهم حتى من ممارسته هواية, رياضة أو قراءة أو حب طفل من امرأة أخرى, أو أي شيء آخر غير مشترك بينهم, قد يولد له من خلاله حساً بالسعادة من ليس للآخر علاقة به.
من عنده حس الغيرة, عنده الخوف, الخوف من خسارة من يحبهم إذا كرس وقته أو بعضاً منه لشيء أحبه وهم لا يشاركونه إياه أو فيه, وليس بالضرورة أن يكون متعلقا بحس شهواني لشخص آخر. الذي يبدو من الغيرة بجلاء في الدرجة الأولى هي الأنانية والخوف بعدم القدرة على ربط من نحبهم معنا بالصورة الكافية وهذا واضح مثل رابعة النهار, الإحساس بالملكية لمن نحبهم ونتعامل معهم بالعقل الباطن وكأنهم أشياء لا أرواح لها حريتها في أن تحب أو لا تحب أو تُقدِم على تصرف أو تتركه.
هذا النوع من الحب يولد الإحساس عند من نحبهم بالقيد وحصر القدرات التي تؤدي لعدم تطور الشخصية إلا في الإطار الذي يسمح لهم به.
عندما يرتبط الحب بالغيرة, أي علاقة الرجل بالمرأة فيبدو طبيعيا لكثرة تواجده ولأننا عرفنا هذا الحس مرة أو مازلنا نحسه, ولهذا السبب يكون هذا النوع من العلاقة عند كثير من الناس طبيعيا مسلماً به, فهم عرفوه ولا ينكروه على الآخرين, الغيرة في الحب وهذا الشيء لا شك فيه - حسب رأي العامة.
فلنفكر معا بشمول ونكتب على ورقة خارجية كل التحيزات حول هذا الحس, سنجد بأن الحب عملية روحية لا ترتبط بالتلقائية مع الغيرة.
إذا أحببت فسأحس بإيجابية وأحس بالعاطفة, الحنان, الاهتمام, والخوف على من أحب والاحترام, إذا أحببت فسأعطي حباً فقط من غير أن أملكه أو أحاول تغييره أو أحجم قدراته, أحبه كما هو. الحب يبدأ عندما نكون أهلاً للعطاء والتعزيز, فيخلق عندنا كنتيجة تلقائية في انتظار أن ننال ذات الحس الذي أعطيناه لمن نحب وإذا تحقق هذا الشيء عند الطرفين يتولد عندهم الشعور بالحب, وهنا يبدأ عند الغالبية الإحساس بالملكية "أنا أحبه وهو يحبني, إذاً هو لي وأنا له" بدأ الخطأ الأول والأكبر, هذا هو الحس الذي يولد الغيرة فيما بعد, وبالتالي الألم الروحي.
الملكية في المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي هو مفتاح التجربة والخبرة لمن يكبر وتتكون شخصيته في جماعات كهذه.
امتلاكه للأشياء شيء طبيعي ومنطقي وانتقال هذا الحس إلى كينونة الحب يحمل ذات الآلية والمفهوم, ولأن الحب قائم على قدرات يتخذها شخصان، ولأن الجماعات امتداد لهم وبالتالي إلى المجتمع الاقتصادي الرأسمالي الذي لا يدار بالعاطفة بل بالمنطق والمعقول.
إنه من الواضح أن الأصل في الحب وشكله الفعلي لا علاقة له بالامتلاك وطرق الإدارة ووسائلها. الحب في شكله الحقيقي هو الأجمل إذا وقع بين اثنين من غير التفكير بأن يمتلك أحدهما الآخر, أو بربط أحلام مادية, أن لا يريا غير أنفسهما مجردين من أي فكرة مادية لا علاقة للحب بها, وأن يتخلا عن شيئين هما العامود القائم عليه الحب الحقيقي أو هدمه, وهما الخوف أن لا نُحَب بالكم الكافي الذي نتمناه, والآخر امتلاكنا كينونة الحب كجسد مادي ونتعامل معه بموضوعية.
أنا أعي السؤال الذي سيراود الكثيرين الآن بعد هذا الطرح, "كيف سأتغلب على هذا الحس أو أتقبله إذا كان الخوف وحبي للملكية في تكويني؟"
الإجابة: فلنحب الحب كما هو ولا نعلق عليه ما هو براء منه, الحب لا يقبل بدلاً غير الحب, الحب يخلق عطفاً حناناً رعاية واهتمام واحترام وتقبل.
الخرافة الرابعة: ما الحب إلا للحبيب الأولِ
هذه الخرافة الرابعة في مخطوطتي وليست الأخيرة في عقيدتي. الحب ليس حدثاً قدرياً نادرا أو حالة فريدة من نوعها, بل يجب أن يكون دائماً يومي.
كثرة هم الذين يعتقدون بأن الحب لا يأتي إلا مرة واحدة في العمر أو مرتين, إذا كنا أهلاً للحب فإننا نعشق ونهوى مراراً وتكراراً ونستطيع أن نحس الحب في العمر مرات كثيرة, بشرط أن تكون لدينا القدرة عليه وعلى استيعابه.
يصحو الآن بالتأكيد سؤال آخر من الغمرة, هل يستطيع أحد أن يحب اثنين أو ثلاثة في آن واحد؟ الإحساس بالكَلَف والهيام والغرام لمن هو متعطشة روحه إليه يستحوذ على كل حسه واختلاجات نفسه مع الحبيب فلا تكون مساحة أبداً لآخر في كيانه, وبعيدا عن هذا الحس المفعم القوي المليء بالتولع والهوى يستطيع أحد له القدرة على الحب بأن يحب أكثر من شخص في آن واحد بذات الحب وذات الكثافة رغم وجود اختلاف بينهم في الأطوار.
ولأننا نعتقد بالحب الكبير الذي يزعم الكثير بندرته فإنه من الطبيعي أن نصف من يحب اثنين في آن واحد ب "دونخوان" سيء السمعة, لأن أحداً لا يريد أن يصدق إمكانية حب اثنين في نفس الوقت.
فقط الحب النقي الذي لا يرتبط بالضرورة أو يندمج بالتضافر مدى الحياة وهذا ربط نفسي طبيعي, وليس من الطبيعي تقليدية وعادات شعوب لا يتناسب هذا الفهم مع فكرها.
ولأننا الآن نتحدث عن الحب فلنتحدث عنه أيضاً من الجانب النفسي والدور الفعال الذي يقوم به مستثنيين آراء السياسيين, الشيوخ, الكهنة, المعلمين, الفلاسفة والصحفيين.
من عنده القدرة على الحب ومنفتح على العالم له القدرة أن يحب آخرين بغير حدود بعادات وتقاليد وديانات خارج حدوده. هذه الحالة الروحية تتغلب على كل الحواجز التقليدية التي وضعها البشر لتخدم مصالحهم الشخصية حتى أصبحت اليوم ديناً ومنهجاً ودستوراً ومن لا يذعن عقله وقلبه له خارج عن القانون. إن الحب يخبئ معه سر السعادة في الحياة وأمامه تتلاشى كل الأشياء وتصبح غير مهمة ومعها حتى الفضيلة والإخلاص. من له القدرة على الحب لا يسأل عن الحب الكبير لأنه لا يرى في كل حب يعيشه غير الحب الكبير من غير اختلاف, فالاختلاف هو في شرائح المجتمع والشخصيات التي يحبها, فهو لا يحب الاختلاف بكم وكثافة مختلفين, هو يحب الفرد بحد ذاته وتصرفاته لا يفرق بينها, ليس هناك الحب الكبير, كل حب هو حب كبير من غير قيود مع اختلافه وتقلباته في بحار الحياة.
فلنحب الحياة, ونحب الأشياء كلها, نحب الشجر والحجر نحب المدن والعواصم, وأحبها إلي التي يحفها نهر ويتخللها شجرٌ وهمسها في الليل نبضٌ ونسائها ملكت الدرهم والدينار فما عاد يعنيها, فأحبت الحب لأجله.
كنت أبحث عن مدينة فاضلة كهذه أحبها لتكون وطني من بين الأوطان وأطلت البحث يتلوه خيبات أمل تجاوزت الناطقين بلسان العربية, وخرجت يوماً والمساء متجهاً نحو الراين وجلست في المقهى المعتاد أمام النهر – فهو دائماً كان يسمعني- أرمي بتجاربي واشكي له همي من نساء الموانئ كنت أحببت جميلة منهن, ما كنت أعرف أنها تنتظر رُباناً تعتقد أنه سيأتي لها بكنوز وجواهر, ما عَرَفَت أنها ستكون عنده قطعة يملكها, فأحبت كل بحّار ترسي مراكبه عند نهديها. وقبل المغيب كعادتي بلحظات عدت كأني ما حزنت يوماً ولا خُدِعت, أسترق البسمات من وجوه المارة والأشياء, فاكتشفت أني قضيت أكثر من نصف عمري أبحث عن المدينة الوطن وإذا بها هي التي منذ أن صحت ذاكرتي على الحب أسكنها.
مازلت أحب, وأعاني أعاصيره وزلازله وبراكينه, لن أتنازل عنه أبدا, لا أمان معه ما دام القلب نابضاً به, ليس هناك جدار واقي من رصاصه, سأعشق وأغرم وأحترق وستطفأ ناري وأحترق مرة أخرى وثانية وثالثة وألف مرة, سأستيقظ من جديد وسأحب من جديد وأغرم حتى آخر أنفاسي ليكون آخرها جميلاً مزركشاً بعاطفة ما تركتها يوماً، وكثير القبل. وقتها سأصرح بأني أخذت كل حظي من الحياة كلها وإن بكت عيني وتقرح قلبي كي أعيش هذا الحس, وأعلن أنني متحملٌ مسؤولية عواقب الذي يليه بحب ورضا, ولأني عشت الحب مؤمناً مطمئنة نفسي به, سأموت عليه مستسلماً وروحي هادئة آمنة... وأنتم؟ كما لم ترضوا مالاً بوطن بدلاً, لا تقبلوا عن الحب بغيره بدلاً, ستذكركم كلماتي بأنكم ستسعدون, وحينها تقبلوا مني كل الحب ولا تقبلوا مني بغيره بدلا.
ميدل ايست أونلاين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.