مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إفادة المعتقل عبد المنعم عمر رئيس مكتب الخارج - حزب المؤتمر السوداني
نشر في الراكوبة يوم 17 - 04 - 2017


الإسم: عبد المنعم عمر إبراهيم بابكر
رئيس مكتب الخارج - حزب المؤتمر السوداني
تاريخ الاعتقال: العاشرة ونصف مساء الأحد 8 يناير 2017م.
فترة الاعتقال: من (8 يناير) و حتى (6 فبراير 2017 )
مكان الاعتقال: اعتقلت من صالة المغادرة (كانت صالة الحج والعمرة في يوم 8 يناير) في مطار الخرطوم الدولي وتم اقتيادي إلى مباني جهاز الأمن (ما يعرف بالعمارة) وبعدها (ما يعرف بالفندق) بالقرب من موقف شندي) لخمس ساعات ومن ثمّ إلى سجن كوبر..
أنواع التعذيب التي تعرضت لها:
تعرّضت لتعذيب بدني جراء الإعتقال عن طريق العنف وتمزيق ملابسي عند لحظة الاعتقال في المطار.. ولكم و ضرب بالأيادي والأرجل حتى أغمي عليّ واستعدت الوعي شيئاً فشيئا في الطريق والذي كنت أميّزه أنّ هذا الطريق عبر لبرهة مكاتب جهاز الأمن والمخابرات الرئيسية والقيادة العامة للقوات المسلّحة وكانت العربة تسير باتجاه الخرطوم بحري ..
من المعتقلين الذين كنت شاهداً على تعذيبهم:
كنت حاضرا لدى مباني جهاز الأمن فيما يسمى بالفندق حيث كان يتم ضرب عدد من المعتقلين بالخراطيش من بعض أفراد الأمن أذكر منهم الملقّب ب"الأمريكي" .. ولا أعرف أسماء المعتقلين ولا أسباب ولا تفاصيل اعتقالهم.. فقط كانت"الخراطيش" تنهال عليهم ولا تميّز على أي جزء من الجسد تقع .. بعدها نقلونا إلى غرفة أشبه بالمراكز الصحية القديمة في القرى ليأخذوا منا عيّنات من الدم أنا ومعي إثنان آخران و(عثمان) الذي أسميته لا حقاً في المعتقل ب (أبو الجاز) وكان يعمل محاسباً في طلمبة "للجاز" وأتوا به ولا يعرف لماذا ؟!! وبعدها أودعونا مع موعد صلاة الفجر عنبر "الزاوية" في كوبر .. كل ذلك بعد أن سألوني وكرروا السؤال أكثر من مرّة عن بياناتي الشخصية من اسم ومهنة وزوجة وأطفال وأهل وحزب وأصحاب وحتى راتبي الشهري..
ولدى وصولي إلى سجن كوبر سمعت بعض الإساءات اللفظية وبعض الإهانات .. ورويت لي بعض الروايات عن تعذيب البعض النفسي والجسماني أذكر منها قصة المعتقل عبد الحميد عبدالله عبد الكريم وهو معلم من (تابت) وتمّ اعتقاله في يوم عقد قرانه وبعد ثلاثة أيام اقتيد للاستجواب وعندما أرجعوه الى الغرفة كان فاقداً للوعي تماماً من التعذيب ويستفرغ دماً وتمت معالجته من المعتقلين مدة أسبوع .. ولقد روى لي بعض المعتقلين عن حالات الضرب التي تعرّض لها سليمان خليفة ديناري ومستور أحمد محمد و أبوبكر يوسف ونور الدين بابكرمن المؤتمر السوداني.. وحادثة تعدّي المدعو (المنصوري) عليهما وضربهما و تعدّيه كذلك بالضرب على المعتقل داؤود (الذي كان أحد حراس الرئيس التشادي إدريس ديبي في وقتٍ مضى) حيث قام بصفعه وإهانته أمام المعتقلين .. وداوؤد هذا معتقلاً لما يقارب العام وقتها .. وكل ذلك في غرفة كبيرة (عنبر) يطلق عليها (الزاوية) في سجن كوبر.
سجن كوبر الذي كنا به هو معتقل لجهاز الأمن لا يتبع لسلطة السجون .. وإنما هي تغطية سياسية وإعلامية لفضائحهم .. وهم لا يعلمون أنه وإن كان يتبع فلا فرق .. فالمنظومة العدلية كلها منهارة تماماً كمنظومة القيم التي تسببت في انهيارها سلطة مستمرة لثمانٍ وعشرين عاماً هي عمر رئيس وزراء منتخب في دول تحترم الإنسان ..
وبرغم قرب المسافة تعرضت أنا للتكبيل "بالكلبشات" أثناء ترحيلنا من كوبر إلى "الفندق" بموقف شندي للتحقيق .. ومن أنواع التعذيب التي تعرّض لها المعتقلون عدم الاستجابة لشكاوى المرضى باهتمام مما قد ينتهي بالتهابات تظهر لاحقاً كما حدث لرئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير الذي اقتيد مكبلاً لسجن بورتسودان .. وقد اكتسب عدوى والتهبت عيناه مما حدا به للسفر للقاهرة مؤخراً للاستشفاء.. وتعرض كذلك مستور أحمد محمد الأمين العام لحزب المؤتمر السوداني للتعذيب بالضرب المهين في العين والأذن في داخل سجن كوبر وأمام المعتقلين وتم نقله إلى غرفة أخرى حتى ذهب للقاهرة للاستشفاء.
بيئة المعتقل وسلوك المعتقِلِين:
بيئة غير إنسانية ومهينة وحاطّة للكرامة .. يفترشون الأرض ويتكدّسون بأعداد كبيرة وفيهم المرضى (ومنهم من هو مصاب بأمراض جلدية منها بالطبع المعدي - مثلاً "عثمان سليمان") .. لقد كنّا في غرفة واحدة مساحتها (5×7) متر مربع .. بحمام واحد داخلها.. والعدد وصل 36 معتقلاً .. وكان أقلّ ما يقال عن الأكل أنّه بائس وغير صحي ..
التعذيب والاعتقال كممارسة يتبعها النظام تجاه معارضيه:
هذه الممارسات أقلّ ما يقال عنها أنها ممارسات خارج القانون.. وهذا إرهاب للناس .. وجريمة بشعة تعاقب عليها جميع القوانين والشرائع في كل الدول .. ولا بد من مراقبة لحالة حقوق الإنسان .. مراقبة شعبية ومحلية .. أفراد وجماعات .. وكيانات ومنظمات محلية ودولية وعالمية لتحسين حالة حقوق الإنسان في السودان وفي كل مكان.
لن أقول بالطبع أنني لم أتعرض لممارسات التعذيب التي كانت تتم في المعتقلات عادةً .. لا سيما وأن المدعو "المنصوري" قد استقبلني بعبارات التهكم والاستفزاز (والتي لا يدانيني شك وهو يتلعثم وكأنه مجبور عليها في أنّه كان يخشاني نوعاً ما ولم أكن أدري السبب وقتها وإن كنت أستطيع تخمينه فيما بعد فهو صاحب حادثتين في التعدي بالضرب على مستور وديناري من المؤتمر السوداني)
بما خرجت من الاعتقال:
عن الحالة النفسية :
أريد لإفادتي هذي بأن تكون صادقة تماماً لذلك اعترف بأنّ حالتي النفسية كانت صحيّة بالنسبة لي من حيث زيادة الإصرار والعزيمة على التغيير.. ورغماً عن ذلك فقد كانت حالتي النفسية مشحونة بالغضب .. ولا تخلو من الرغبة في رفع الظلم بأيّ ثمن .. فأنا لا أشجع المسامحة على هذه الجرائم .. وإن كان هنالك من ينادي بالتسامح فأقول لهم : إنّ قيمة التسامح وإن كانت أعلى لكن هذا التسامح وقتي وشخصي فلا يجب أن نرهن المستقبل لمثل هذه التوجهات .. ويجب ردع الوحشية هذي .. ويجب معاقبة المجرمين حتى لا تكون هناك فرصة لتكرار الأمر وحتى يتعافى معنى الدولة والحكومة و معنى العمل العام ليكون كلّه مسخراً لخدمة الإنسان والمواطن السوداني..
وعن الأضرار الجسدية :
لا أعلم مدى أثر الضرب باللكمات وبالأرجل على البطن .. ولا أعلم إن كنت سأصاب بأيّ أمراض (حتى الجلدية منها) مستقبلاً أو على المدى القريب أو المتوسط ..
وعن الأضرار النفسية مرّة أخرى فأنا أعلم تماماً معنى الغضب والانتقام .. وأن تسنّ لك سنة التخويف والإرهاب حتى لا تتمكّن من مواراة جثمان والدتك ثرى ديارها لهو أبلغ تعذيب .. ولعلّه جدير بالوقوف هنا برهة لكي نعيد للناس أو نذكّرهم بالقيم وما معنى أن تكون والدتك قد تعاقدت مع أهلها ومجتمعها في مسيرة حياة كاملة طولها ثمانين عاماً عاشتها بينهم .. تحتاج لدعائهم كلما مرّوا بجوار قبرها ويحتاجون ذكراها أنموذجاً للسودانية المربية الفاضلة التي سهرت على تربية أبنائها وبناتها ليسهموا في نهضة بلدهم بكل محبة وتفان وإخلاص .. فكيف لكم أن تتصوروا الحالة النفسية لمن يدفن أمه وبعد أيام يتم حبسه بلا سبب سوى أنّه كان مكلّفاً بأن يخلف الشرفاء في قول "لا" لفساد الحكم وفشل السياسات .. فكان الإحساس كأنما أنني دفنت حيّاً .. وهذه الحالة النفسية رديفة للتفكير الدائري في السجن حول أطفالي الذين تركتهم ورائي من غير معيل وعملي الذي هو مصدر رزقهم الوحيد .. فاعتقالي كلّفني أن أفقد عملي كذلك..
دوافع الإصرار على الاستمرار
تتلخص دوافع الإصرار في المقاومة في كل ما ذكرت .. وفضلاً عن ذلك ما وجدته من إساءة بالغة لقيم الشعب السوداني وإهانة نفسية لا تغتفر وأنا لم ألتئم من حزني لفقد والدتي الأمر الذي شكّل بالتأكيد ما هو أكبر من التعذيب .. وتأتي الحقيقة الموجعة لهم وهي أننا لا نعارض إذ أننا أصحاب حقوق .. ونطالب بحقوقنا الأساسية من حق في الحياة .. وفي الكرامة والإنسانية والحرية وهي لا تقبل المساومة أصلاً .. ولا أعتقد أنّ هنالك دافعاً أقوى من ذلك للاستمرار في أي عمل لإزالة نظام لا يؤمن بها..
عن المعتقلين وبيئة المعتقل مرّة أخرى:
كان هنالك عدد من المعتقلين لأسباب غريبة ومن دون أسباب ولتخليط القانوني بالسياسي والتحايل على القوانين التي فصّلوها بأيديهم .. وليلتبس على الناس ما وقع فيه جهلائهم وهم يريدون أن يخدعوا الناس بأنها من الجرائم الموجهة ضد الدولة مع العلم أنّ مثل هذه الجرائم موصّفة في القانون الجنائي وطرائق متابعتها في جميع مراحلها موصّفة في قانون الإجراءات الجزائية .. إلا أنهم أرادوا أن تكون هكذا المسائل مبهمة .. فيها السياسي والاقتصادي والتهريب والقرصنة الالكترونية وغيرها مما أتى في عهدهم الظلامي فهناك متّهمون دون أن توجه لهم التهم رسمياً بجرائم بخصوص الدقيق والجاز وغيرها مما لا يستقيم أصلاً ..
وكان من بين المعتقلين شاب سوداني من جمهورية جنوب السودان تمّ اعتقاله بعد اعتقالي بأكثر من عشرة أيام و مجموعة من غير السودانيين (يمنيين) و(سوريين) و (نيجيري) و (أثيوبي) و (ليبي) والتعامل معهم ومع غيرهم في المعتقل غير لائق بتاتاً ومهين تماماً والمعتقلون يستخدمون جميعهم حماماً واحداً ويشربون الماء من هذا الحمام .. بيئة المعتقل كانت سيئة للغاية .. وكما هو معلوم لا يوجد معتقل جيّد .. وتتفاوت المعتقلات في درجات السوءسواء كوبر أو دبك أو موقف شندي .. فقد سمعنا بمعتقلين في السابق ماتوا في معتقل دبك ومعتقل كوبر ..لكن أيضاً سمعنا من داخل كوبر عن الغرفة في الفندق التي لا تدخلها الشمس مطلقاً ومساحتها ( 2 × 3) وفي أبرد درجات التكييف المركزي والإضاءة 24 ساعة وفقط بها طاقة تسمح بدخول طبق الطعام ولا يسمعك أحد من داخلها ولا تستطيع فتح الباب إن كان مغلقاً ولا إغلاقه إن كان مفتوحاً وفي هذه الغرفة التي خصصت لشخص واحد تكوّم بها سبعة أشخاص .. وما سمعته ويبعث على التقيؤ من التواطؤ الدولي أنّها هدية من مكافحة الإرهاب .. والتعذيب أحياناً له آثار قد تفوق الموت لأنّ في الموت راحة .. وأسوأ درجات التعذيب هو التعذيب النفسي .. مع العلم أنّ غالبية المعتقلين عانوا منه ومن تعذيب جسدي .. وفي فترات متفاوتة .. وهم معرضون للإصابة بأمراض مزمنة كالرطوبة وأمراض القلب وأمراض الكبد وغيرها ..
جهاز الأمن فاشل وفاسد وخائف:
وأذكر أننا كنا عندما نذهب للتحقيق وهما (مرّتان) بالنسبة لي .. كنا نذهب في عربة والرأس للأسفل .. وعندما نزلت هناك قابلت محمد عبد الواحد وصبي آخر لا أعرف له اسماً .. وثالث (ببدلة إشتراكية) ورابع كان يكتب على ملف مكتوب على غلافه (رئاسة الجمهورية) .. و بدأوا يسألونى أسئلة لا توحي بسوى الغباء .. أسئلة بلا معنى .. بلا هدف .. وبلا قيمة وكما أسلفت لا يعلمون شيئاً عن ماذا يعني جهاز الأمن ولا يعلمون ماهي المعلومات التي يجب تجميعها وتحليلها وتيقنت تماماً أنهم لا يفقهون ماذا يريدون سوى الاستثمار في الارهاب والتخويف ..
وأذكر كذلك أن أسرتي قد تمت مماطلتها ومماحكتها في الزيارة التي اجتهدوا في الحصول عليها واتصلوا بهم قبيل ساعة من المؤتمر الصحفي الذي كانوا قد رتبوا له .. ظناً من أنهم سيفشلون المؤتمر الصحفي إلا أنهم قد فشلوا هم وخافوا من عواقب الأمور .. وقد حضر الزيارة أحد "حكمداريي" السجن (غاندي) دون حياء أو أخلاق وقد علمت منه أنه رافق الرئيس عمر الدقير إلى بورتسودان.. وهناك الكثير الذي يستوجب القول عن المعتقلات مقبرة النظام إلا أنّ أهل الحق والعدل والنضال يخوضون المعارك بلا كلل ولم تهزمهم السلطة يوماً فهذه التجربة لا شيء أمام دروس الصمود العديدة التي تستوجب الدراسة في مسيرة الحياة السودانية العامة في عهد الغول الانقاذي المتطاول منذ يونيو 89 وهو يمثل أسوأ فترة في تاريخ السودان القديم والحديث .. ابتكرت فيها سلطة فاسدة اساليب غير مسبوقة.
وقبل الخروج كجميع الذين يفرج عنهم يوقعون وريقات ظناً من الجهلاء القائمين على أمر الجهاز أنها ستحمي الأكثر جهلاً والمغرر بهم من أفراد الأمن من المحاسبة .. هذه الوريقات عبارة عن تعهدات بألا يذكر المعتقل ما حدث له داخل مبنى الجهاز ولا الأفراد الذين رآهم.. وعندما عانقت الهواء خارج أسوار السجن الصغير إلى السجن الأكبر (الوطن المستمر في النزيف) لا أنكر احتفاء الناس .. لكن كنت أرى في عيونهم امتناناً وكأنني كنت لسان حالهم .. فالكل يريد أن يضحّى وكلما سئلت من شيء أجدني أردد (إنها ضريبة وكان ما زادنا ما نقصنا الحبة) .. والآن بت أكثر يقيناً من أن الناس لا بدّ وأن تتوحد في فيما يستحق التضحية (الخير والحق والعدل)
ومن هنا أوجه مع هذه الافادة دعوة للسودانيين والسودانيات جميعا للمطالبة بحقهم في حياة كريمة يرضون عنها .. وهم يعرفون تماماً أن هذا النظام لا يوفرها ولابد من زواله بأسرع فرصة وقبل أن تزهق أرواح جديدة .. وأؤكد لكم جميعاً أنّ النظام عبر جهاز الأمن والمخابرات ومن خلال تجربة المعتقل هذي فقط يستثمر في خوف الناس .. لأنّه يخافهم ويعرف معنى الخوف .. لكنّه جهاز فاشل وفاسد ككل أجهزة النظام .. ولا حتى القائمين على أمره لا يعرفون معنى أن يكون لديك جهاز لتجميع وتحليل البيانات والمعلومات .. فهم يستغلوه لإرهاب الناس خوفاّ من زوال سلطتهم .. فلقد تناوبوا الحديث محمد عبد الواحد وزميله وهم يقولون لي ((لما تستلموا الحكومة وتجوا القصر والنجدات وراكم حا نكون نحنا بطبنجاتنا دي معاكم .. ده شغلنا ..)) هكذا يوهمون أنفسهم أو هكذا يوهموهم أو هكذا يعتقدون أنهم يوهمونا .. لكنني أعلم تماماً كما هم يعلمون أنهم مرعوبون من جرائمهم .. و المراقب يعلم كما هم تماماً يعلمون أن النظام في حالة خسارة يومية والجماهير في حالة ربح يومي .. وما هذه الأوهام إلا إحدى محاولاتهم الواهية ليفلتوا من المحاسبة وأنا لا أستثني أحدا فالمعتقل عبارة عن منظومة متكاملة أفراد بقناعاتهم ووسائلهم وأسلحتهم وبلا قيم فابتداء من الفريق الذي قام باعتقالي من المطار والمتكون من أربعة بينهم (محمد عبد الواحد) واثنان كانا على مقربة من العربة "البوكس" التي (رُميت بها) والفتاتان العاملتان على "كاونتر" إجراءات السفر .. وانتهاءً باللواء عصام من (مارنجان عووضة) والذي كال لي النصائح والمواعظ ولم يستثن أعمالي الخيرية التي استقاها من مذكرة أهلي وعشيرتي بأم سنط الذين لا يكفيني شكرهم في توحّدهم لنصرتي وأتمنى وأعمل مع هذه الأمنيات أن يتوحّدوا في قضاياهم جميعاً وهي إزالة أسباب البؤس من حياة كريمة يستحقونها وجميع أهل السودان بجدارة .. فعل ذلك اللواء أمن عصام ظنّاً منه بأنه (سيهديني) أو يهددني .. وهو يكيل الإطراء بأنني لا أشبه حزب المؤتمر السوداني .. ولا يعلم أنّ كلّي فخر لانتمائي أن أشارك مع كل رجال وكل نساء الحزب الذين يعملون بلا كلل ولا ملل من أجل قضايا الناس والوقوف بجانبهم ليل نهار.. ولم يكتفي بذلك بل أمر بادخال شقيقي الذي كان منتظراً إطلاق السراح ومعه قريبي ليشهدوا أنّهم لم يعذبوني وسألني أمامهم هل تمّ تعذيبك وأجبته وسط دهشتهم جميعاً (نعم) فأنا أعي معنى التعذيب تماماً في المواثيق الدولية.. فما كان منه ومن معه إلا والتضاحك في سماجة مثنيين على مقدراتي كمحام..
السودان في ظل هذا النظام البائس لا يعير اهتماما للاتفاقية الدولية لمحاربة ومنع التعذيب (Convention Against Torture) .. تجارب المعتقل لا ينجو منها كثير من الناس ويخرجون إما بلا عقل أو بلا حواس وهناك من فقد حياته تجارب مليئة بالتعذيب والتهديد والتخويف والتجويع .. تجارب قد تكون الأسوأ في الحياة لكنّ فيها ما فيها من منح وهبات ففيها تأمل وتفكير وتفكّر فليس أفضل لذلك من وقتٍ طويل .. وعن تجاربي فستظل حية في قلبي وعقلي كما إيماني بالرسالة في إيصال الحقيقة ولإدراكي لأهمية المؤسسات الإنسانية والإعلامية ودورها في استرداد حقوق الناس و/أو مساعدتهم للحصول عليها لا بدّ إذاً من التوثيق !!
ورغم بعض المنح المدفوعة الثمن من المجتمع الدولي .. نؤكّد بازدياد وعي الناس .. ونؤكّد بأنّنا الآن أقوى وأقرب للنصر من أيّ وقت مضى..
فلابدّ لليل أنْ ينجلي..
ولابدّ للقيد أنْ ينكسر..
______
وشكرا..
منعم عمر ___
((وفي 29 /9 /1999م لي بداية حكاية مع المعتقل في زنازين القيادة العامة .. وموقف شندي .. وسجن كوبر سنرويها لاحقاً.. ))


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.