والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصادق المهدي .. آخر الزعماء الكبار
نشر في الراكوبة يوم 30 - 11 - 2020

احتسبت الإنسانية والأمة الإسلامية عامة والشعب السوداني على وجه الخصوص السيد الإمام الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي، اليوم الخميس 26\11\2020، عن عمر يُناهز ال(86) عاماً بعد حياة حافلة بالعطاء على أوجه كثيرة.
الإمام الصادق المهدي هو رئيس المنتدى العالمي للوسطية، وكاتب ومفكر وسياسي ضليع ورئيس حزب عريق، وجمع بين (القداسة) وهي إمامة طائفة الأنصار ذات التوجهات الإسلامية، وصاحبت القدح المعلى في تثبيت قيم الجهاد والإستشهاد، وكذلك (الرئاسة) وهي رئاسته لحزب الأمة القومي.
يُمثل الإمام الصادق المهدي الضلع الثالث في مثلث القيادات السياسية السودانية، والزعامات الكبرى، والتي ساهمت في تأسيس العمل السياسي وخبرته وعركته، بالوعي والمعارك والمصالحات والإتفاقيات جنباً إلى جنب مع العمل الفكري والكتابة والتأليف.
الثلاثة الكبار
والثلاثة الكبار هم– وحسب ترتيب االأعمار والميلاد وكذلك الوفاة– الأستاذ محمد إبراهيم نقد (1930 – 2012)، والشيخ حسن عبد الله الترابي (1932 – 2016)، والسيد الإمام الصادق المهدي (1934 – 2020). وقدّر الله أن يكون ميلاد القادة الكبار الثلاثة يأتي تباعاً (الفارق بينهم عامين عامين، وكذلك وفاتهم تترى متوالية عددية، فالفارق في الوفاة بينهم (أربع سنوات، أربع سنوات).
الأستاذ محمد إبراهيم نقد
فالزعيم الأول هو الأستاذ محمد إبراهيم نقد، الذي كان ميلاده بمدينة القطينة بوسط السودان في العام 1930، وكانت وفاته بالعاصمة البريطانية لندن يوم الخميس 23\3\2012، وهو زعيم الحزب الشيوعي السوداني، ودخل البرلمان في عام 1965، في دوائر الخريجين، وتعرض للسجن والإعتقال في عهد نميري والبشير، وله عدد من المؤلفات: (قضايا الديمقراطية في السودان، وحوار حول النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، وعلاقات الأرض في السودان، هوامش على وثائق تمليك الأرض، وعلاقات الرق في المجتمع السوداني، وحوار حول الدولة المدنية).
وقد نعته رئاسة جمهورية السودان آنذاك ووصفته في بيان بأنه كان: "زعيماً وطنياً وقائداً سياسياً، له إسهاماته المشهودة في المسيرة الوطنية والسياسية".
كما نعاه الحزب الشيوعي وكافة القوى السياسية السودانية التي أجمعت على خصاله السمحة ووطنيته الحقة.
وقال عنه زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي: "إذا كان الدين المعاملة فقد كانت معاملته للناس فاضلة وعادلة، كما إن حب الوطن والدفاع عن مصالحه ومصالح أهله من المحامد في نظر الدين والإنسانية وقد كان صادق الوطنية ونهجه بالدفاع عن المستضعفين في المجتمع أكثر من أي اعتبارات أخرى".
كما نعاه الشيخ حسن الترابي بكلمة ضافية في التأبين الذي أقامه الحزب الشيوعي له، حيث عدّد مآثره، وعلاقته به، وقال: التقينا في حنتوب سوياً وكذلك في سجن كوبر) وقال: "هو الذي شجعني على كتابة التفسير التوحيدي".
الشيخ حسن عبد الله الترابي
والزعيم الثاني هو الشيخ حسن عبد الله الترابي والذي كان ميلاده بمدينة كسلا بشرق السودان في العام 1932، وكانت وفاته بالخرطوم يوم السبت 5\3\2016، وهو زعيم الحركة الإسلامية السودانية ومرشد التيار الإسلامي العالمي وقائد الصحوة الإسلامية، وقام بتطوير الحركة الإسلامية السودانية من جماعة ضغط صغيرة إلى حركة ذات أثر سياسي واجتماعي وفكري عالمي، وعندما يُتهم أنه زعيم الحركات الإسلامية يقول : هذه تهمة لا أنكرها وشرف لا أدعيه. وأسس لحوار بين التيار الإسلامي والتيار القومي، فكانت فكرة المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي. وكان عميداً لكلية القانون جامعة الخرطوم وفجّر ثورة أكتوبر المجيد، ودخل البرلمان بعد أول انتخابات بعد الثورة، ونال أعلى الأصوات في دوائر الخريجين.
كتب الشيخ حسن الترابي العديد من الكتب والمؤلفات منها: (الإيمان وأثره في حياة الإنسان، وتجديد الفكر الإسلامي، ومنهجية الفقه والتشريع الإسلامي، والصلاة عماد الدين، والمرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع، والسياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع، وحوار الدين والفن، و المصطلحات السياسية في الإسلام، والحركة الإسلامية... التطور والمنهج والكسب، والشورى والديمقراطية، وقضايا الوحدة والحرية والتفسير التوحيدي).
الإمام الصادق المهدي
أما الزعيم الثالث فهو السيد الإمام الصادق المهدي، حفيد الإمام المهدي قائد الثورة المهدية، والتي حررت السودان ورفعت رايات الجهاد عالية ضد المستعمر، ووحدت وجدان الأمة السودانية كافة، وجمع أهل السودان قاطبة من الشمال والجنوب والشرق والغرب جمعهم تحت راية واحدة وهدف واحد وكوّن منهم أمة واحدة وامتزج أهل السودان وانصهروا فكونوا مدن السودان االمختلفة، وتُوج ذلك بمدينة أمدرمان العاصمة الوطنية.
كان ميلاد الإمام الصادق المهدي بمدينة أمدرمان في العام 1934، بينما كانت الوفاة بالإمارات العربية المتحدة اليوم الخميس 26\11\2020.
وله عدة مؤلفات تذخر بها المكتبة السودانية منها : (مستقبل الإسلام في السودان، والإسلام والنظام العالمي الجديد، والسودان إلى أين، الإسلام ومسألة جنوب السودان، وجهاد من أجل الاستقلال، ويسألونك عن المهدية، والعقوبات الشرعية وموقعها من النظام الإسلامي، وتحديات التسعينات، والديمقراطية عائدة وراجحة، الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة، نحو مرجعية إسلامية متجددة متحررة من التعامل الإنكفائي مع الماضي والتعامل الإستلابي مع الوافد، الدولة في الإسلام، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي، حقوق المرأة الإسلامية والإنسانية، مياه النيل الوعد والوعيد، والفكاهة ليست عبثاً، جدلية الأصل والعصر).
الجمعيات والروابط
للسيد الصادق المهدي نشاطات سياسية وفكرية وهو رئيس المنتدى العالمي للوسطية، كذلك هو عضو بعدد من الجمعيات والروابط، فهو عضو في المجلس العربي للمياه، عضو في نادي مدريد، وعضو في المؤتمر القومي الإسلامي بيروت، وعضو سابق في المجلس الإسلامي الأوروبي، لندن، عضو سابق في مجلس إدارة دار المال الإسلامي، جنيف، عضو سابق في جماعة الفكر والثقافة الإسلامية، الخرطوم، وعضو مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.
أهم المحطات
للسيد الإمام الصادق المهدي محطات مهمة في تاريخ السودان السياسي، فهو كان رئيساً للوزراء في الستينيات، وكذلك في فترة الديمقراطية الثالثة، ونشأ الخلاف بينه وبين عمه الإمام الهادي، ودار نقاش حول موضوع الجمع بين(إمامة الأنصار ورئاسة حزب الأمة)، وربما يتجدد هذا النقاش من جديد بعد وفاة الإمام الصادق، فهل تحسم مؤسسات الشورى داخل حزب الأمة هذه القضية الهامة والمحورية ؟ بالمقابل هل سيُواصل حزب الأمة وقيادته الجديدة، التمسك بنهج الصحوة الإسلامية، كما كان يفعل الإمام الراحل؟ أم هناك وجهة نظر أخرى ؟
نظام مايو
جاءت مايو شيوعية حمراء ، فكان الإمام الصادق وعمه الإمام الهادي من كبار معارضيها، ثم تكونت الجبهة الوطنية المعارضة لمايو بقيادته في المهجر، وضمت (حزب الأمة، والحزب الاتحادي و الإخوان المسلمين). فقامت الجبهة الوطنية بمحاولة تغيير (نظام مايو) عبر الانتفاضة المسلحة في يوليو 1976م ، ورغم فشلها في إسقاط نظام مايو، إلا أنها أقنعت النظام المايوي بجدوى وقوة المعارضة، وأدّى ذلك متضافرا مع عوامل أخرى للمصالحة الوطنية (الاتفاق السياسي بين مايو والجبهة الوطنية في 7\7\1977).
الديمقراطية الثالثة
ومن أكبر المحطات جهوده المضنية من أجل السلام والحفاظ على الديمقراطية الثالثة، ومن أجل السلام تنازل من صفته (رئيساً للوزراء) ورضي أن يُقابل رئيس الحركة الشعبية جون قرنق بصفته رئيساً لحزب الأمة.
وللإمام تشريح جيد لسقوط الديمقراطية الثالثة، والتي كان لحزبه فيها الأغلبية وكان رئيساً للوزراء، ففي حوار مع مجلة قضايا دولية نشرته بتاريخ 2/8/1993م يقول السيد الصادق المهدي: "إنّ الأسباب التي دفعت الانقلاب على الديمقراطية هي أنّ الأحزاب السياسية اتصفت بعدم الانضباط وخاصة الاتحادي الديمقراطي، والنقابات ظنت أنّ الديمقراطية تعني أن تأخذ كل ما تُريد بصرف النظر عن قدرات الدولة، والصحافة كذلك لم تُفرّق بين الفوضى والحرية، وبعض جيراننا كانوا يُريدون منا أن نعود لسياسة نميري، أي التبعية، لذلك لم يعجبهم ما يدور في السودان، وكذلك العلاقة المدنية العسكرية، كل هذه الأسباب أضعفت الوضع الديمقراطي جداً جداً ومهدت لقيام الانقلاب العسكري".
مذكرة الجيش
ومن المحطات المهمة، كيف تعامل رئيس الوزراء مع (مذكرة الجيش في فبراير 1989)؟ في 27/6/2012 أجرت صحيفة (آخر لحظة) حواراً مع السيد الصادق المهدي تحت عنوان: (الصادق المهدي يكشف أسرار 30 يونيو) الحلقة الأولى، أنّ مطالب مذكرة الجيش الشهيرة في فبراير1989 تلخصت في ثلاث مطالب وهي: " الطلب الأول هو أنهم معترضين على صلاح عبد السلام كوزير للدفاع، الطلب الثاني الجبهة الإسلامية تخرج من الحكومة، أما الطلب الثالث أن أسدل الستار على هذه المذكرة، وأن لا تكون سبباً للشك في نواياهم فيما بعد". وهذا الحديث يشهد عليه مهدي بابو، ورديت عليهم:" بأنّ طلبهم الأول بخصوص صلاح عبد السلام قلت لهم سيأتي وزيراً للرَّئاسة، وسأختار وزيراً للدِّفاع تقبلوا به، أما الطلب الثاني الجبهة الإسلامية تدخل أولا تدخل (دا مش شغلكم) والكلام دا يموت هنا، وأنا بعتبره كلام فارغ فخرجوا بعد ذلك وبقيت (العقابيل). وفي سؤال عن كيف تعاملتم مع الجبهة الإسلامية بعد ذلك؟ أجاب السيد الإمام الصادق المهدي بالقول:" قابلت دكتور حسن الترابي وأخبرته بما دار مع القائد العام ورئيس هيئة الأركان، وقلت له: النَّاس ديل قالوا (انتو ما تدخلوا وأنا قلت لهم دا ما شغلكم) (أنتو يا حسن دخولكم وخروجكم من الحكومة يتوقف على قبولكم لبرنامج الحكومة، قبلتم فأنتم معنا وإن لم تقبلوا فستخرجوا، ولن يكون مقياساً دا دايركم ودا ما دايركم)، ولكن للأسف الجبهة الإسلامية أتوا وبرروا للانقلاب بهذا السبب.
انقلاب الإنقاذ
وجاء انقلاب الإنقاذ في 30\6\1989، وتم اعتقال قيادات الأحزاب السياسية، وبدخول الصادق المهدي لسجن كوبر يكون قد اكتمل عقد قادة الأحزاب السياسية والزعماء الكبار بداخل السجن، وهم: المرحوم محمد إبراهيم نقد، والشيخ حسن عبد الله الترابي، بالإضافة لمولانا محمد عثمان الميرغني.
وبعد خروجهم من السجن جميعاً، غادر الميرغني البلاد بحجة العلاج، واختفى نقد تحت الأرض، وظل الصادق يُناوش النظام من حين لآخر خاصة في خطب صلاة العيد، الأمر الذي عرّضه للاستدعاء عدة مرات من قبل جهاز الأمن، إلى أنّ قرر الخروج من البلاد- تحت ضغط عدد من جماهير وقيادات الأنصار- في عملية (تهتدون).
عملية تهتدون
التحقيقات المطولة والاعتقالات المتوالية للسيد الصادق المهدي في: 1993، يونيو 1994، واعتقال "المائة يوم ويوم" من مايو إلى سبتمبر 1995، وكذلك تعرضه لتهديدات السلطة واستئناف المتابعة الأمنية اللصيقة له، أقنعه ذلك – علاوة على ما رآه من استخدام النظام له كرهينة – بضرورة الخروج، فهاجر سراً في فجر الاثنين التاسع والعشرين من رجب 1417ه الموافق 9 ديسمبر 1996 قاصداً إريتريا – وسُمّيت عملية الهجرة هذه (تهتدون). وبذلك يكون السيد الصادق قد التحق بالمعارضة السودانية بالخارج، وبدأ أكبر حملة دبلوماسية وسياسية شهدتها تلك المعارضة منذ تكوينها.
لقاء جنيف
في أول مايو 1999م استجاب السيد الصادق المهدي لوساطة السيد كامل الطيب إدريس للتفاوض مع النظام؛ فتم اللقاء المشهور بسويسرا وهو الذي عُرف ب(لقاء جنيف)، وكان بينه وبين الشيخ حسن عبد الله الترابي.
و أثار هذا اللقاء غباراً كثيفاً في الساحة السياسية السودانية والإقليمية، وإن كان المراقبون- بالإضافة للتنظيميين في الحزبين- لا يعلمون تفاصيل ما دار في هذا اللقاء .
لقاء جيبوتي
وفي 26 نوفمبر من العام 1999م تم (لقاء جيبوتي) بين السيد الصادق المهدي وبين الرئيس عمر البشير، وعقد حزب الأمة (اتفاق نداء الوطن) مع النظام في الخرطوم، وذلك تحت رعاية الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي.
عملية تفلحون
وبعد جولة خارجية امتدت 4 سنوات قضاها السيد الإمام بين معارضة النظام ومفاوضته، قرر العودة في 23 نوفمبر 2000 في عملية أطلق عليها اسم (تفلحون)، وذلك للقيام بالتعبئة الشعبية والتنظيم الحزبي والتفاوض مع النظام والاستمرار في الاتصالات الدبلوماسية.
الحوار الوطني
وظل الإمام الصادق يطرح أجندة (التراضي الوطني) و(الأجندة الوطنية) حتى شارك بصورة أساسية في خطاب الوثبة وعملية (الحوار الوطني)، خاصة بعد قبول عدد من أحزاب المعارضة وعلى رأسها المؤتمر الشعبي الدخول في الحوار الوطني، بالإضافة إلى الدعم الإقليمي والدولي الذي تجده عملية الحوار والانتقال السلمي الديمقراطي، مثل الورقة التي أعدها (معهد السلام الأميركي) والتي كانت تحت عنوان: (الطريق إلى الحوار الوطني في السودان) وكتبها كل من برينستون ل. ليمان، وجون تيمن، وتقرير مجموعة الأزمات الدولية (ICG) والذي كان عنوانه: (السودان: إصلاحات رئيسة أو مزيد من الحرب)، وتحدث صراحة عن: (البدء في حوار وطني وفترة انتقالية متحكم فيها، تضم كلاً من المؤتمر الوطني ونخب المعارضة)، وطالب التقرير بتأجيل المادة 16 من نظام روما الأساسي، والمتعلقة بالمحكمة الجنائية، وذكر التقرير عن الرئيس البشير القول: (هو مخرّب أساسي، لكنه ضروري لأي عملية انتقالية متحكم فيها).
وخلص التقرير إلى الآتي: (تشكيل حكومة انتقالية شاملة وابتدار حوار وطني هادف)، بل حددوا حتى شروط ومواصفت هذا الحوار،بأن يكون: (شاملاً من حيث جدول الأعمال، جامعاً من حيث المشاركين فيه، شفافاً كيما يرفع الوعي بين المواطنين)، وكذلك ثيقة الواثق كمير من الحركة الشعبية قطاع الشمال.
فقد وقف الإمام الصادق مع الحوار عندما كانت الأحزاب تدعو لإسقاط النظام، وحتى عندما تعرض للإعتقال بعد تصريحاته حول (قوات الدعم السريع) ومن داخل سجن كوبر كان الإمام الصادق المهدي يقول: إنّ الحوار أفضل من الانتفاضة والعمل المسلح.
الفترة الإنتقالية
ثم شارك في ثورة ديسمبر وكان قوة أساسية في قوى إعلان الحرية والتغيير، ورغم ذلك لم يتوقف عن النصح والمبادرات لوضع حلول للمشاكل التي نتجت أثناء الفترة الإنتقالية والوثيقة الدستورية، وكان من أقواها في نهاية أغسطس 2020، تصريحه حول مآلات الوضعية الراهنة في البلاد، بعد أكثر من عام على سقوط حكومة البشير.وجاء التصريح في بيان أصدرته هيئة محامي دارفور، بعد لقاء جمعهم مع السيد الإمام الصادق المهدي بمنزله بمدينة أم درمان. ونقل البيان عن رئيس حزب الأمة قوله: إن البلاد أمام 3 خيارات، هي: الفوضى، أو الانقلاب العسكري، أو القفز إلى انتخابات مبكرة، في ظل تباين وتباعد مواقف قوى الحرية والتغيير، وإخفاقات حكومة عبد الله حمدوك".
الإمام والتطبيع
من أقوى المواقف للإمام الراحل الصادق المهدي هو وقوفه بقوة ضد التطبيع مع دولة إسرائيل، فقد أصدر الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي في 22 أكتوبر 2020 بياناً أوضح فيه رأيه في عملية التطبيع، بقوله : "وما زال موضوع إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري التي تتحدى القرارات الدولية وتضم أراضٍ محتلة وترفض تنفيذ القرارات الدولية.
إن إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري هو مماثل لإقامتها مع جنوب أفريقيا العنصرية قبل التحرير، الابارثيد. مؤسسات الحكم الانتقالية غير مؤهلة لاتخاذ أية قرارات في القضايا الخلافية مثل إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري: إسرائيل. يرجى أن تلتزم مؤسسات الحكم الانتقالي كافة بهذا الموقف، ونحن نسحب تأييدنا لمؤسسات الحكم الانتقالي إذا أقدمت على إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري والاحتلال.
وقبلها قدّم ورقة علمية فكرية بحثية، لصالح (مركز الرضا للتطوير المعرفي)، وذلك في الندوة الفكرية السياسية بعنوان : (مخاطر التطبيع مع العدو الصهيوني) والتي استضافتهاجامعة الأحفاد للبنات وذلك يوم السبت 26 سبتمبر 2020 م، وأهم ما جاء فيها :
"أحدثكم عبر ثلاثة أقسام:
القسم الأول: بيان أن إسرائيل لأسباب محددة ليست دولة طبيعية بل دولة شاذة. والقسم الثاني: منذ تأسيس إسرائيل غرست حالة حرب مستمرة، ومشروع التطبيع الحالي لا دخل له بالسلام بل للتمهيد لحرب قادمة مع إيران ولخدمة لحظوظ انتخابية للرئيس الأمريكي ولرئيس وزراء إسرائيل.
والقسم الثالث: أن موقفنا تحدده عوامل التضامن العربي، والتضامن الإسلامي، ومبادئ العدالة التي تمنع قيام دولة عنصرية كما كان موقفنا في السودان من جنوب أفريقيا قبل التحرير، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يحرم ضم الأرض المحتلة بالقوة. وما سوف نقوم به مؤسس على عدة مواقف هي: بيان أن التطبيع ما هو إلا اسم دلع للاستسلام، ولا صلة له بالسلام.
برقية تعزية
إنّ موت الكبار هو موت للأمة إن لم تنهض وتُحافظ على أثرهم وجهادهم ونضالهم، وكذلك هو نقص للأرض من أطرافها، فهذه رسالة خاصة للأنصار وأعضاء حزب الأمة ولأبنائه وبناته وأهله ومحبيه(حافظوا على إرث الإمام في الحكمة والوسطية والصحوة الإسلامية والحرية). ورسالة تعزية خاصة لأمنا السيدة وصال المهدي (أم المؤمنين) كما يُطلق عليها الإسلاميون، وهي كما علّقت إحدي المجلات العربية أثناء فترة الديمقراطية الثالثة (شقيقة رئيس الوزراء وزوجة زعيم المعارضة)، فهي شقيقة الإمام الصادق المهدي وزوجة الشيخ حسن الترابي، وهي قنطرة بين جهاد الإمام المهدي والجهاد في العصر الحديث، وواسطة عقد يجمع بين (الأصالة والمعاصرة) وبين (التجديد والصحوة) وبين (الشورى والديمقراطية) وهي (وصال) لكل ذلك بحبل الله المتين.
تقبل الله الإمام الصادق المهدي قبولاً حسناً وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وجعله من السابقين الأولين.
مسك الختام
وخير ختام آخر كلمات كتبها السيد الإمام :
"إن ألم المرض خير فترة لمراجعة الحسابات الفردية والأخلاقية والاجتماعية، ومن تمر به الآلام دون مراجعات تفوته ثمرات العظات.
في كل مناحي الحياة فإن الألم خير واعظ لصاحبه. النقد الذاتي من أهم أدوات الإصلاح، والرضا عن الذات يقفل باب النفس اللوامة.
نعم المرض مؤلم ولكن بالإضافة لتدابير العلاج، وهي مطلوبة، فالله قد خلق الداء والدواء، ومن امتنع عن الأخذ بالأسباب فقد جفا سنن الكون.
ولكن أمرين هما بلسم الحياة: الإيمان بالله بما في سورة الجن (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) والثاني حب الناس:
إن نفساً لم يشرق الحب فيها هي نفس لم تدر ما معناها.
صحيح بعضنا أحس نحوي في المرض بالشماتة ولكن والله ما غمرني من محبة لا يجارى، وقديماً قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق.
عبد الله مكي [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.