د. أحمد المفتي: "حال اكتمال الملء ستمتلك إثيوبيا قنبلة مائية" أستاذ علوم سياسية: إثيوبيا لا تستطيع اتخاذ قرار أحادي ومجلس الأمن يمكن أن يتدخل في هذه الحالة (…) الخرطوم: مهند بكري بعد شد وجذب وتوترات أمنية شهدت الفترة الأخيرة تجاوباً متبادلاً بين إثيوبيا والسودان لإرجاع العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي، وأعقاب توتر أمني قررت الخرطوم إغلاق معبر القلابات في يوليو الماضي، إلا أن زيارة وفد ولاية النيل الأزرق إلى إثيوبيا في ديسمبر الماضي وضعت إطاراً جديداً للتكامل الأمني مع إقليم بني شنقول الإثيوبي المتاخم، وأتبعتها زيارة نائب رئيس مجلس السيادة، قائد قوات الدعم السريع، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا السبت الماضي استغرقت يومين جرت خلالها مباحثات بينه ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تطويرها، في زيارة أولى من نوعها لمسؤول سوداني رفيع إلى إثيوبيا، منذ توتر العلاقات بين البلدين منذ عام. واعتبر محللون الخطوات التي قام بها الجانبان مؤشر إلى نوايا متفائلة لتحسين العلاقة بين البلدين، فهل تشهد المرحلة المقبلة تطورات إيجابية في لملف سد النهضة؟ 10 أعوام من التفاوض أصبح ملف سد النهضة والذي أقامته إثيوبيا على النيل الأزرق، من أبرز الأزمات حول تقاسم الموارد المائية في العالم. ولم تتوصل الدول الثلاث – إثيوبيا (دولة المنبع) والسودان (دولة العبور) ومصر (دولة المصب) – إلى اتفاق على عملية الملء والتشغيل، طوال 10 سنوات من التفاوض التي تحضر خلالها الخلافات التاريخية والتأويلات المتعلقة باتفاقيات سابقة والحصص التي أقرتها، خصوصاً اتفاقيتي 1902 و1959، اللتان تراهما إثيوبيا مجحفتين بحقها. ويقول رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة النيلين د. فتح الرحمن أحمد، في إفادته ل(اليوم التالي) إن الخلافات ما زالت مسيطرة على المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة. فعلى الرغم من البيانات السودانية المتتالية المبشرة بحدوث تقدم على الصعيد الفني والانتقال إلى النقاشات حول الطبيعة القانونية للبنود التي سيتم التوافق عليها، وإحالتها للفرق القانونية المختصة بالدول الثلاث لمناقشتها، ابتداء، مشيراً إلى أن سد النهضة مشروع استراتيجي حيوي ويعرف ب"استراتيجية الدفعة القوية" بالنسبة إلى أديس أبابا ولا يتأثر الملف لديها بمواقف الحكومات أو المواقف اللحظية. ويتهم خبيراء دوليون في المياه، إثيوبيا والنظام البائد، بالتواطؤ في الترويج عن فوائد سد النهضة للسودان، وأن حكومة المعزول كانت تطلب من الوفد المفاوض الموافقة على المقترحات الإثيوبية، وذلك لأغراض سياسية، منها تطلع البشير للدعم الإثيوبي في الوقوف معه أمام المحكمة الجنائية ومنع التمرد. مشيرين إلى أن الملء الثاني للسد سيدخل البلاد في حالة من العطش تارة والغرق مرات أخرى حال تم الملء دون اتفاق. وبعد اكتمال الملء الثاني ل"سد النهضة" طمأنت إثيوبيا السودان ومصر مشيرة إلى أن الخطوة لن تضر أحداً، وقالت السُلطات الإثيوبية وقتها "تم الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي على نهر آباي (التسمية الإثيوبية للنيل الأزرق) في 20 يوليو الجاري"، وأضافت: "لقد قامت إثيوبيا بملء سدها أثناء موسم الأمطار بحذر وبطريقة مفيدة". ومراراً تقول "إن السد لن يضر أياً من البلدان وسيظل مكسباً ورمزاً حقيقياً للنمو والتعاون المشترك".
إرهاصات الملء الثالث تتزايد إرهاصات الملء الثالث لبحيرة سد النهضة الإثيوبي، بالتزامن مع خلاف كبير بين ثلاثي الأزمة حول آليات ملء وتشغيل السد، الذي وصل ذروته قبل أشهر حين أعلنت أديس أبابا الانتهاء من الملء الثاني. وأدى اندلاع الحرب الأهلية في إثيوبيا والتوترات في السودان إلى تنحية الأزمة الكبرى المتعلقة بسد النهضة بين القاهرةوالخرطوم من جانب وأديس أبابا من جانب آخر، حيث انتهت المدة الزمنية التي جاءت في توصيات مجلس الأمن بشأن التوصل إلى اتفاق قانوني بين الأطراف الثلاثة. ويحذر الخبير القانوني في شؤون المياه د. أحمد المفتي، في إفاداته ل(اليوم التالي) من كارثة قد تتعرض لها البلاد حال سير الجانب الإثيوبي في عملية الملء الثالث دون اتفاق. ويقول المفتي: "السودان مقبل على خطر بسبب غياب حقوقه المائية التي كان يتوجب البحث عنها قبل الموافقة على تشييد وقيام سد النهضة الإثيوبي". وأشار المفتي إلى أن إثيوبيا قامت بتخزين 8 مليار متر مكعب من المياه في عمليات الملء الأول والثاني وتتجه إلى تخزين (10) مليار متر مكعب في الملء الثالث، وتكون بذلك قد حجزت (18) مليار متر مكعب، في حين أن سد الرصيرص يحجز (7) مليار متر مكعب فقط ذلك ما سيقود إلى تضرر السدود في السودان. مشيراً إلى ضرورة الوصول إلى اتقاق ملزم يضمن حقوق الدول الثلاث في التوزيع العادل للمياه، وضمان أطول فترة في كل مرحلة لتدبير احتياجاتهما المائية خلال الفترات الفاصلة بين مراحل الملء.
قنبلة مائية من جهة أخرى، تؤثّر خلافات البلدين خلال العهد الحديث سلباً في إيجابيات التداخل والتلاقي، فمسألة الحدود بينهما وضعها المستعمر لتسهيل إدارته، ومن ثم أصبحت واقعاً سياسياً لم تستطع الدول التخلي عنها بحكم التنافس الطبيعي بين السكان. وبعد ما شهدته الفترة السابقة من جفاء في العلاقة بين الدولتين في حيثيات قضية الفشقة، إثر استرداد القوات السودانية إليها في عام 2020، يُجمع الطرفان على أنه ينبغي أن تكون المفاوضات السلمية بين الدولتين هي الحل. ويقول د. أحمد المفتي: "حال اكتمال الملء ستكون إثيوبيا قد امتلكت قنبلة مائية" مشدداً على ضرورة الضغط عليها قانونياً عبر المطالبة باسترداد أراضي "بني شنقول" وذلك لعدم التزامها بشرط موافقة الحكومة السودانية على عمليات الملء والتشغيل. مجلس الأمن وسد النهضة ويقول أستاذ العلوم السياسية د. فتح الرحمن أحمد إن مشروع سد النهضة محكوم بالاتفاقيات الدولية وإعلان المبادئ بين الدول الثلاث والموقع في العام 2015م. وأشار فتح الرحمن إلى ضرورة الالتزام بموجهات وقرارات مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، وتابع: "في 15 سبتمبر الماضي اعتمد مجلس الأمن، بياناً رئاسياً يدعو فيه أطراف سد النهضة الإثيوبي إلى استئناف المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي. وبحسب فتح الرحمن فإن مجلس الأمن ليس جهة الاختصاص في النزاعات الفنية والإدارية حول مصادر المياه والأنهار، بيد أنه عاد وقال: "لكن في حالة حدوث مواجهات قد تضر بالسلم والأمن الدوليين يمكن أن يكون للمجلس تدخل مباشر في القضية". وأضاف: مجلس الأمن دعا أطراف سد النهضة إلى استئناف المفاوضات، مشدداً على ضرورة العودة إلى اتفاق المبادئ الموقع في 2015م خاصة عقب ارتفاع حدة التوتر بين إثيوبيا من جهة والسودان ومصر من جهة أخرى، أعقاب إعلان الطرف الأول بدء الملء الثاني لبحيرة سد النهضة، مما أثار قلق دولتي المصب. ودعا فتح الرحمن الأطراف الثلاث إلى ضرورة الوصول إلى اتفاق ملزم قانوناً لحل النزاع وتجنب التوترات، علاوة على الابتعاد عن المناورات السياسية اللحظية في التعاطي مع الملف. ونصح السُلطات بضرورة الإبقاء على الوفد المفاوض في ملف سد النهضة وأن يسمى وزير الري السابق البروفيسور ياسر عباس ضمن الوفد. ويقول فتح الرحمن إن (10) سنوات من المفاوضات مع إثيوبيا باءت بالفشل، وأن سد النهضة بدأ بالفعل تحركات تجاه عملية الملء الثالث لخزانه، بإزالة الغابات المجاورة، إلا أنه عاد وقال: "سيكون في ذلك خطورة كبيرة وأن عملية الملء الثالث ليست كعمليتي الملء السابقتين"، مؤكداً على أن إثيوبيا لا تستطيع اتخاذ قرار أحادي بالملء الثالث وذلك لما يمكن أن يترتب على القرار. وتقول الخرطوموالقاهرة إن خطوات إثيوبيا السابقة في عمليتي الملء لا ينتهك اتفاقية عام 2015 فحسب، بل يشكل تهديداً وجودياً ل150 مليون شخص في دولتي المصب. وأكملت إثيوبيا بناء السد على النيل الأزرق بنسبة 80 بالمائة ومن المتوقع أن يصل إلى طاقة التوليد الكاملة في عام 2023، مما يجعله أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا. وتبقى عملية الملء الثالث هي الفيصل في مشروع بلغت تكلفته نحو (5) مليارات دولار بحسب السلطات الإثيوبية.