أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحقاً السودان نحو التفكك الكامل؟
نشر في الراكوبة يوم 06 - 05 - 2022

حقيقة لا ندري من أين نبدأ؟ لكن دعنا نذكر أنفسنا أولاً بأن العنف المسلح الذي جرى خلال الأيام القليلة الماضية في مدينتي "كرينك" والجنينة لم يكن وليد صدفة، بل عمل مخطط ومبرمج في تنفيذه بعيداً عن معرفة عامة الشعب السوداني، وذلك منذ أواسط العقد الثامن من القرن الماضي. ولكن يبدو هذه المرة أن وسائل الاعلام المتطورة قد أوصلت صور الفظائع لحظة بلحظة للإنسان السوداني في كل أرجاء البلاد، بل العالم أجمع، مما تمّ وصفها من قبل السودانيين – في المركز نفسه – بأنها تطهير عرقي وإبادة جماعية بامتياز.
هذه الإبادة الجماعية الحالية التي بدأ تنفيذها يوم 22 إبريل 2022م في مدينة "كرينك" التي تقع في ولاية غرب دارفور، والتي راح ضحيتها أكثر من 201 قتيل – حسب إفادة والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر – وأكثر من 150 جريح. بينما يشير تقرير هيئة محامي دارفور وشركاؤها إلى أن عدد القتلى والجرحى يفوق بكثير الرقم المذكور، إذ أن عدد أسماء الموتى الذين تمّ دفنهم حتى يوم 27 إبريل بلغ 168 قتيل، وحسب تقرير الهيئة ذاتها ما زال الحصر جاري لمعرفة بقية أسماء الشهداء من الأطفال والنساء والرجال. الشاهد في الأمر أن هذا القتل البربري يمثل فقط أحد فصول مسلسل التطهير العرقي في منطقة دار مساليت في أقصى غرب السودان والتي بدأت منذ منتصف 1980، لذلك على الناس أن يتوقعوا أسوأ مما حدث، لسبب بسيط، وهو ضلوع حكومات المركز تخطيطاً وتوفير المعينات اللوجستية في عمليات الإبادة الجماعية.
عُرفياً، التطهير العرقي هو محاولة للتخلص من مجموعة إثنية أو دينية بعينها – في حالة مدينتي "كرينك" والجنينة المقصود تحديداً القبائل الإفريقية الأصل تحديداً قبائل المساليت، الإيرنقا، التاما، القِمِر، الفور، الذين يسكنون في منطقة دار مساليت – وذلك من خلال الترحيل أو التشريد أو القتل الجماعي، من أجل إقامة منطقة جغرافية متجانسة عرقياً – للعرب الأبالة، رعاة الإبل. لذلك فهي جريمة ضد الإنسانية بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. فالمرحلة التي وصل فيها أعمال القتل في "كرينك" والجنينة وما جاورهما، هي صورة طبق الأصل للإبادة الجماعية، والتي تعني عُرْفياً العنف المسلح ضد أفراد جماعة قومية، أو إثنية، أو عرقية أو دينية بقصد تدمير تلك الجماعة بأكملها. لذلك أعلنت الأمم المتحدة في العام 1948م أن الإبادة الجماعية جريمة دولية يجب معاقبة مرتكبيها.
قبل أن نسترسل كثيراً، دعنا نوضح بقدر الإمكان الهدف الأساسي للتطهير العرقي في دارفور ومن ثمّ تسلسل أحداثها . أولاً في تقديرنا أن جذور الأزمة الدارفورية تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي عندما تمّ طرد المسلمين من أسبانيا بقرار من الملك فيليب الثالث في 22 سبتمبر 1609م https://islamstory.com/ar/artical/20426/) (إلى شمال إفريقيا، ومن هناك بدأ زحف هؤلاء المطرودين شرقاً، لذلك تجد مثلاً "المحاميد"، أحد بطون الرزيقات، متواجدين حتى اليوم في الجزائر ومالي والنيجر وتشاد وإفريقيا الوسطى والسودان – في دارفور. ونستشهد هنا بدعوة الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة "علي مجوك المؤمن" مستنجداً بأبناء عمومته في تلك الدول والمجيئ إلى السودان لحماية الحرائر من اغتصاب الجنجويد لهن. وذلك عندما حصل صراع دموي قبل نحو أربع سنوات بين قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي وقوات مجلس الصحوة بقيادة موسى هلال، وكلاهما من بطون الرزيقات "الأبالة" بشمال دارفور.
هذا التشتت لبطون قبيلة الرزيقات "الأبالة" وجددت ضالتها في السودان في سبعينات القرن الماضي، عندما كانت المعارضة السودانية ضد نظام النميري نشطة في ليبيا، فكان دخول المعارضة المسلحة الخرطوم في يوليو العام 1976م والذي سُمِيّ ب"غزو المرتزقة". في الحقيقة، رغم أن جل القوة التي دخلت العاصمة من عناصر سودانية، خاصة من قبائل دارفور، إلا أنها احتوت أيضاً عدد من عناصر القبائل العربية غير السودانية. لذلك تحمل تلك العملية جزء من صفة الارتزاق، وهي مشاركة الأجنبي في القتال في دولة أخرى من أجل المال، كما هو الحال اليوم في اليمن إذ يقاتل مجموعة من السودانيين وغيرهم من غرب إفريقيا من أجل حفنة من الدولارات، وقد تمت العملية بتنسيق كامل بين حميدتي والبرهان. الشاهد في الأمر هنا، أنه على ضوء حادثة ما يسمى بالمرتزقة، نما لدى حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي والجبهة القومية الإسلامية بقيادة د. حسن عبد الله الترابي، فكرة استقرار العرب الأجانب المشتتين في دول غرب إفريقيا واستيطانهم في دارفور من أجل خلق دوائر انتخابية مضمونة لهذين الحزبين ذات الأيديولوجية العروبية الإسلامية . فكان الإغراء، الحصول على حواكير – أراضي مملوكة لجماعة إثنية محددة – باسم كل عشيرة من عشائر العرب الأجانب أسوة بإخوتهم العرب "البقارة" أصحاب الحواكير منذ زمن سلطنة دارفور.
وبما أننا قد أشرنا في البداية إلى الهدف من الهجمات البربرية، ألا وهو استيطان الأجانب عنوة في أرض السودان، إذن من الأهمية بمكان أن نوضح بقدر الإمكان – حسب ما توفر لدينا من المعلومات التاريخية – أهم خطوات ومحطات برامج الاحتلال – قبل كل شيء، دعني أعترف أنا كاتب هذا المقال بل ومن معي من بقية أبناء دارفور، أننا أهملنا أيما اهمال في تسجيل وقائع التاريخ المعاصر بصفة خاصة ونشره للعامة – على كل حال، في تقديري أن بداية الاختبار كانت العام 1986م عندما دخلت قوات الفيلق الإسلامي بقيادة ابن عمر الأراضي السودانية في دارفور، وحصل قتال عنيف بين قوتين أجنبيتين داخل الأراضي السودانية، والحكومة السودانية، كما يقولون "سدت اضان بطينة والتانية بعجينة". لذلك يُعد هذا بمثابة إعطاء الضوء الأخضر للأجانب بأن يسرحوا ويمرحوا في بلاد السودان كيفما يشاؤون. المحطة التالية كانت إعلان "التجمع العربي" لمشروع ما سُمِيّ ب"قريش واحد" في الخامس من أكتوبر العام 1987م، هذا الإعلان باركه الصادق المهدي، رئيس وزراء السودان آنذاك، بل كافأ بعض قيادات "التجمع العربي" بمناصب رفيعة في الدولة، منهم على سبيل المثال، عبد الله علي مسار. بعد ذلك بدأت حوادث القتل الانفرادي للقبائل غير العربية تتوالى بشكل ممنهج، وسميت تلك الحقبة بالنهب المسلح، وهي تسمية ضللت الرأي العام السوداني، وكما قلت من قبل أن المسألة برمتها مخططة ومبرمجة بدقة. لذلك تطورت وتيرة القتل الممنهج دون تدخل الحكومات لوضع حدٍ لهذا العبث، فجاءت أولى الأحداث الكبيرة في غرب دارفور، في أول أيام عيد الفطر وكان ذلك في يناير العام 1999م عندما قامت مجموعة من العرب الأبالة بهجوم دامي على قرية "تباريك" وحرق ما بين 50 إلى 60 قرية. الجدير بالذكر أن قرية "تباريك" هذه، هي القرية التي ولد فيها الشاعر السوداني البارز، محمد مفتاح رجب الفيتوري من أب ليبي وأم سودانية من قبيلة المساليت. هنا قامت الحكومة المركزية بعزل والي غرب دارفور، إبراهيم يحيى، وهو من الكوادر القيادية في الجبهة القومية الإسلامية ومن أبناء المساليت، وتولى أمر ولاية غرب دارفور الفريق، محمد الدابي، الذي عينه البشير في فبراير العام 1999م ممثلاً له في ولايات دارفور ومسئولاً عن الأمن بتفويض وصلاحيات الرئيس. ويقال إنه جاء بميزانية ضخمة لتهدئة الأوضاع الأمنية، لكن في الواقع كان من ضمن مهامه الاستراتيجية توطين العرب الأبالة في محلية صليعة بغرب دارفور، الجدير بالذكر أن عبد الفتاح البرهان كان مدير مكتب الدابي في تلك الفترة. أيضاً في بدء الألفية الثانية، تمّ في عهد الجبهة القومية الإسلامية المشئوم، تأسيس قوات "حرس الحدود" وهي قوات تم انشاؤها من مليشيات "الجنجويد" بقيادة شيخ "المحاميد" موسى هلال، هذه القوة هي التي ارتكبت جرائم الإبادة الجماعية والاغتصاب وكل الجرائم ضد الإنسانية. وعندما رأى علي عثمان محمد طه أن موسى هلال قد استنفد أغراضه تمّ استبداله ونصب محله محمد حمدان دقلو، وفي ذات الوقت تمّ تغيير اسم قوات حرس الحدود إلى "قوات الدعم السريع"وبصلاحيات ودعم لوجستي أكبر، حتى صارت هذه القوات توازي الجيش السوداني . في العام 2008م قامت الجبهة القومية الإسلامية وبإشراف مباشر من عبدالرحيم محمد حسين، وزير الدفاع آنذاك بأمر تسليح 20 قبيلة عربية من كردفان ودارفور، شملت التسليح بنادق الكلاشنكوف، رشاشات قرنوف، مدافع هاون، رشاش دوشكا، ويبقى السؤال ما الغرض من تمليك هذه الأسلحة النارية الحكومية لمواطنين مدنيين؟ ولتقاتل ضد من؟ ولماذا تمليك الأسلحة الحكومية للقبائل العربية فقط؟ الإجابة البديهية هي للاستخدام في عمليات الإبادة الجماعية، وهذا ما جعل عبد الرحيم محمد حسين أحد الأربعة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا .
يبدو لي أن السرد الموجز المقدم أعلاه قد أعطى صورة ضرورية لفهم الأحداث الدامية في السودان ممثلة في دارفور، لكن في قناعتي أن الصورة المأساوية في دارفور سوف تكتمل عندما نوجز هنا في ختام هذه المقالة دور أبناء دارفور في هذه المأساة الإنسانية . لن أتحدث هنا عن مشاركة أبناء دارفور في الأحزاب السياسية المختلفة، بل وفي القوات النظامية، ومساهمتهم السلبية، والضارة للسودان ولدارفور بصفة خاصة. لكن سأركز بإيجاز عن دور ما يسمى بقيادات الحركات المسلحة الدارفورية، خاصة تلك القيادات التي وقعت اتفاق جوبا لسلام السودان، في جوبا بجمهورية جنوب السودان في 31 أغسطس العام 2020م. أولاً السؤال البديهي هو، أي سلام هذا الذي يقسم أزمة الدولة السياسية إلى خمس مسارات مناطقية؟ – اتفاق سلام مسار دارفور، اتفاق سلام مسار المنطقتين، اتفاق سلام مسار الشرق، اتفاق سلام مسار الشمال، اتفاق سلام مسار الوسط- لذلك قلنا منذ أول يوم أن هذا الاتفاق قد خلق عدة أسئلة دون إجابة، وبالتالي هو تلاعب بالألفاظ ولم ولن يأتي بأي سلام لأي جزء من السودان. إذا أخذنا مسار دارفور على سبيل المثال، السؤال المنطقي هو، هل قضية دارفور مجزأ لعدة قضايا؟ وهل دارفور تحتاج لعدة حركات مسلحة، ولأجل ماذا؟ الواقع المرير هو أن قادة الحركات الدارفورية ممثلة في، خميس عبد الله أبكر وجبريل إبراهيم محمد والهادي إدريس يحيى والطاهر حجر ومني أركو مناوي وعبد الله يحيى ومساعديهم كان وما زال هدفهم الأساسي هو الحصول على مناصب في الدولة للارتزاق عليها، ولم يكن أبداً في يوم من الأيام يهدفون إلى تحقيق السلام لإنسان دارفور ناهيك للسودان أجمع. لن أتطرق هنا لبنود الاتفاقية إلا لبندين فقط، وذلك أن جميع بنود الاتفاق لم ينفذ منها إلا الأجزاء الخاصة بالوظائف العليا – الدستورية – أما البندين المعنيان هنا، هما الثالث والسادس من الفصل السادس تحت عنوان "تنمية قطاع الرحل والرعاة بإقليم دارفور" (1) البند 3 ينص على "وضع سياسات بديلة وتشريعات ومؤسسات وآليات تلبي حاجة الرعاة والرحل في حق استخدام الأرض والموارد الطبيعية". وهذا يعني بوضوح تام من دون أي لبس أو غموض إلغاء كل الحواكير وتوزيعها للأجانب. (2) البند 6 ينص على "تسهيل وتبسيط إجراءات حصول الرحل والرعاة على الأوراق الثبوتية". هذا البند يقول، إن أهل دارفور قد قبلوا مجبرين بالقوة، السماح للأجانب بالجنسية السودانية، وبالتالي هم يدعون قبائل الأبالة بأن يستبيحوا أرض دارفور. لذلك من أجل المنافع الذاتية قام هؤلاء بالتوقيع على اتفاق جوبا لسلام السودان وباعوا أرض الوطن بحفنة دولارات لم تكفيهم لإطعام جنودهم.
فالذي حصل في "كرينك" والجنينة بغرب دارفور، يستدعي بأن تتحمل حركات دارفور وزرها كاملاً، فقد لازمت هذه الحركات الصمت المميت إزاء التطهير العرقي في غرب دارفور، بل صرح جبريل إبراهيم وزير المالية المركزي لوسائل الإعلام أثناء زيارته لمدينة الجنينة قبل عام، أنه لا شيء اسمه حاكورة، قال هذا وفي جعبته البند الثالث المذكور أعلاه. إذن فإن قيادات هذه الحركات قد ارتكبت عمدًا مع الرصد والترصد جريمة الخيانة العظمى في حق الوطن، وبما أن الانقلاب المشئوم في شهره السابع لم يستطع تكوين حكومة، على الشعب السوداني أن يحاكم كل الذين وقعوا اتفاق جوبا لسلام السودان وخاصة قيادات حركات دارفور بجريمة الخيانة العظمي.
في ختام هذه المقالة، نقول إن أركان تفكك البلاد الثلاث قد اكتملت وهي: (1) التخطيط المركزي المسبق بجعل هوية السودان أحادية عروب إسلامية، مناقضاً في ذلك واقع البلاد التعددي، وهي عصبية مقيتة ومميتة أدت إلى فصل الجزء الجنوبي من السودان.
(2) ظهور العنصر المنفذ لبرامج العروبة، وهو العرب الأبالة المشتتين في دول غرب وشمال إفريقيا الذين يبحثون عن أرض للاستقرار، إذ تجمعت كل تنظيماتها أخيراً في منظومة "قوات الدعم السريع".
(3) الركن الثالث، يتمثل فيما يسمى بالقيادات الإقليمية التابعة للمركز الظالم من أجل منافع ذاتية. وبالتالي فإن انضمام هذا الركن الثالث للأول والثاني رأت المنظومة غير الوطنية واعتقادها ان باستطاعتها السيطرة التامة على البلاد، لذا في اعتقاد هذه المنظومة أن بيع الأراضي السودانية للأجانب إقليم تلو إقليم قد بات أمراً ميسوراً. لكن نست أو تناست هذه المنظومة الظلامية المضللة، أن الركن الرابع الأصل، وهو الشعب السوداني قادم موحداً وبعزيمة قوية، لينقذ السودان مرة واحدة وللأبد من العقلية الضالة التي لا تعرف معنى الوطنية منذ الاستقلال، ومن ثمّ نبذ ورمي العقلية التبعية التي تعمل دائماً على تنفيذ توجهات الجهات الأجنبية إلى مزبلة التاريخ، والخلاص من العقلية الإقصائية التي تعمل ليل نهار على تفرقة أهل السودان. لذا عاجلاً أم آجلاً سوف يتمكن الشعب السوداني من القضاء النهائي على العقلية الخائنة التي تبيع أرض الوطن، ونبذ العقلية التي لا تملك أية قدرة على إدارة البلاد بروح الوطن، وهذا هو المقصود بالتحرير، أي تحرير العقلية الضالة الخائنة.
كلمة أخيرة لأهل السودان، إن الإبادة الجماعية الأخيرة في غرب دارفور قد حث أئمة المساجد في الجنينة أن ينادوا الناس بحمل السلاح للدفاع عن الأرض والعِرْض، لقناعتهم بالغياب التام للحكومة، وهذا النداء مرده الانفلات التام من عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لمرتكبي جرائم الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم التي ترقى لعقوبة الإعدام، في العرف القانوني.
ثانياً علت أصوات من الإقليم تنادي بحق تقرير المصير، بل بالانفصال لأن منطقة دار مساليت انضمت طوعاً للسودان العام 1924م للتخلص من هجمات الاستعمار الفرنسي لها، لذا طالما الحكومة السودانية لا توفر الأمن من الأفضل الخروج عنها طوعاً أيضاً، وهذا حق شرعي. لكنني أرى أن ممارسة التطهير العرقي وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي تمارس علناً في إنسان دارفور وبمعرفة تامة من السلطات الحكومية المركزية والإقليمية، كل هذه الممارسات الإجرامية ترقى بدرجة امتياز أن يطالب أهل دارفور الأمم المتحدة بتطبيق البند السابع في دارفور وبمهام واضحة لصناعة السلام، أكرر "صناعة السلام في دارفور" -تيمور الشرقية مثالاً في العام 1999م- وبالتالي يجب أن يتم نزع السلاح كليةً من جميع المواطنين، بمعنى آخر يجب أن تتولى الأمم المتحدة الوصاية على إدارة دارفور استناداً على القانون الدولي. بل فوق هذا، يشهد كل الأجيال الحالية، فشل جميع اتفاقات السلام في السودان لتحقيق السلام، سواء في دارفور أو الشرق أو جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق. لذلك لن يتأتى السلام والاستقرار المستدام في السودان إلا في ظل الوصاية الأممية في الفترة الانتقالية والتي تجب ألا تزيد مدتها عن خمس سنوات بمهام أساسي، من ضمنها نزع السلاح من جميع المدنيين وكذا إعادة تنظيم القوات النظامية. وهذه الوصاية الأممية قد تحمي البلاد من ويلات الانشطار.


[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.