توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مَسَاطِيلُ النَّازِي!
نشر في الراكوبة يوم 27 - 12 - 2022


الاثنين
ما لا تريد بعثة يونيتامس أن تفهمه أنها ستظلُّ تدور في حلقة مفرغة ، مثلما ستستمرُّ محاولاتها لتسوية النِّزاعات سجالاً دائريَّاً ، طالما بقيت السُّلطة في الخرطوم مرتهنة لشريحة كبار الجَّنرالات ، ومفتقرة ، من ثمَّ ، إلى أيَّةٍ إرادة سياسيَّة تدفعها لئلا "تتأخَّر" في كلَّ مرَّة تستوجب منها الأوضاع أن "تتقدَّم" باتِّجاه مطلوبات الشَّارع الثَّوريَّة! .
خذ عندك ، مثلاً ، أن فريقاً مِنها زار ، في 16 ديسمبر 2022م ، معقل الحركة الشَّعبيَّة ، جناح الحلو ، بكاودا ، وناقش مع قيادتها موضوع "السَّلام" في المنطقتين ، والذي تريد البعثة مِن الحكومة الانتقاليَّة المقبلة أن تحسمه. وقالت البعثة ، في بيان مقتضب ، إن فريقها ناقش الحاكم ، والإدارة المحليَّة ، والنِّساء ، والشَّباب ، والزُّعماء الدِّينيِّين ، والمجتمع المدني ، حول السَّلام ، والأمن ، والتَّطوُّرات السِّياسيَّة ، ومشاركة المرأة ، وحقوق الإنسان ، ودور البعثة نفسها.
على أن هذه لم تكن المحاولة الأولى مِن نوعها ، فقد سبق للبعثة الأمميَّة أن أجرت ، في الأوَّل من يناير 2021م ، مباحثات ، في جوبا ، مع قادة نفس حركة الحلو ، إضافة إلى حركة عبد الواحد ، لاستطلاع رؤاهم حول نفس المسائل. وفي 7 مايو 2021م ، أعلنت عن زيارة رئيسها فولكر بيرتس لمدينة جوبا ، لإجراء مشاورات مع الوساطة الجَّنوبيَّة ، وحركة الحلو ، قبل جولة محادَثات السَّلام الُمقَّرر إجراؤها أواخر نفس الشَّهر ، بين الحكومة وحركة الحلو. وأصدر بيرتس بياناً في أبريل 2021م أشاد فيه ب "إعلان المبادئ" الذي كان قد أبرم بين البرهان والحلو ، بجوبا ، في 28 مارس 2021م ، وأوقف الأعمال العدائيَّة كعلامة على المصلحة المشتركة في استئناف عمليَّة السَّلام ، وأثنى ، في ذات البيان على الطرفين لالتزامهما بالمشاركة ِفي تحقيق تَسوية ِسلميَّة حسب "إعلان المبادئ" المشار إليه ، معرباً عن أمله في أن تُشهد المرحلة القادمة مشاركة جميع الأطراف غير الموقّعة على سلام جوبا ، وإسهامها ، بحسن نيَّة ، مع الحكومة ، في تحقيق سلام عادل وشامل يُعاِلج أسباب النزاعات الجَّذريَّة ، ويزيل آثارها ، ويُشكل حكومة انتقاليَّة أوسع تَمثيلاًً تعكس
كلَّ تطلُّعات الثَّورة.
لكن الحلو ما لبث أن أعلن، قبل أيام ، أن البرهان ألغى ، للأسف، اتفاق "إعلان المبادئ" المشار إليه ، رغم أن "الهدف منه كان معالجة الأسباب الجَّذريَّة للمشكلة السُّودانيَّة ، سواءً تمثَّلت في الإسلام السِّياسي أو في مسألة الهويَّة"، مضيفاً أنهم اكتشفوا ، بعد المزيد من النِّقاش ، أن الجانب الحكومي ما زال متمسِّكاً بقوانين الشَّريعة الإسلاميَّة ، وبالطبيعة العرقيَّة (العربيَّة الإسلاميَّة) للدَّولة السُّودانيَّة ، على الرغم من حقيقة أن الأفارقة هم الأغلبيَّة في السُّودان ، وأن البلاد تتميَّز بالتَّنوُّع والتَّعدُّد"!

الثُّلاثاء
ليس أكثر ضعفاً ، بين كلِّ حُجج الاعتراض على وثيقة سياسيَّة ، من "رفضها" لمجرَّد الاسترابة في "مصدرها"! فهذه محض مسألة "شكليَّة" رُبَّما تؤثِّر ، إلى حدٍّ ما ، حين يكون المطلوب تلمُّس المدى الذي يحظى فيه هذا "المصدر" ب "ثقة" الآخرين ؛ أمَّا إن كان المطلوب "قبول" أو "رفض" محتوى الوثيقة ، فإن "مصدرها"، في هذه الحالة ، لا يكون ذا قيمة يُهتمُّ بها ، أو يؤبه لها! .
"القبول" أو "الرَّفض" لمثل هذه الوثيقة ، إذن ، لا يصحُّ أن يتأسَّس ، فقط ، على النَّاحية الشَّكليَّة ، على أهمِّيَّتها، بل ينبغي تأسيسه على ما يشتمل عليه "مضمونها"، وما يعبِّر عنه، في منظور العمليَّة السِّياسيَّة ومستقبلها . هذا ، وحده ، هو "الجَّوهري" في أمرها.
مناسبة هذا القول هو تزايد "الرَّفض" لما أضحى يُعرف ب "مسودة دستور تسييريَّة اتِّحاد المحامين السُّودانيِّين"، لا من حيث "مضمونها"، وإنَّما لمحض "التَّشكُّك" في الجِّهة التي صاغتها ، ووضعتها بين يدي "التَّسييريَّة"، بينما الأهمُّ تجاوز هذه المسألة "الشَّكليَّة" إلى تفنيد المواد نفسها التي تنبني عليها المسودة ، وتناولها بنقد موضوعي مستقيم.

الأربعاء
أنطون تشيخوف ، أحد آباء القِّصَّة القصيرة السَّاخرة الحديثة في العالم ، كتب قصَّته "البدين والنَّحيف" عام 1882م ، أي قبل أكثر مِن قرنين ، ومع ذلك تُُعتبر ، حتَّى الآن ، مِن روائع الأدب العالمي. وقد حاولت ، في ترجمتها من الرُّوسيَّة إلى العربيَّة ، أوائل سبعينات القرن المنصرم ، أن اعتمد أسلوباً أقرب إلى روح لغته ، على النّحو الآتي :
[فى محطَّة سكَّة حديد نيقولاي ، ودون سابق اتِّفاق ، تقابل اثنان كانت بينهما، في الماضي ، علاقة صداقة ، لكن الزَّمن طال دون أن يلتقيا ، أحدهما بدين والآخر نحيف. كان واضحاً أن البدين فرغ ، للتَّو ، مِن تناول غدائه في مطعم المحطَّة ، فشفتاه كانتا تلمعان بأثر الدُّهن كما الكرز اليانع ، وتفوح كانت من أعطافه نكهة نبيذ ، وحلوى. أما النَّحيف فكان قد نزل ، قبل قليل ، من القطار ، محمَّلاً بالشُّنط ، والصُّرر ، والكراتين ، وتفوح منه كانت رائحة الزُّوادة البيتيَّة المكوَّنة من فخذ الخنزير المملَّح ، وثُفْل القهوة ، ومن ورائه تلوح امرأة نحيفة ، مستطيلة الذِّقن ، زوجته ، وتلميذ طويل القامة ، ضيِّق العينين ، إبنه.
هتف البدين ، مأخوذاً ، لمرأى النَّحيف ..
، "مين؟! بورفيري"؟!
وصاح النحيف بالمقابل ..
"الله! ما بَصَدِّق! ما بَصَدِّق! بالأحضاااان .. بالأحضاااان، عاش من شافك يا أخي، يا الله .. يا الله .. ميشا؟! صديق الطفولة؟! يا سلاااام .. يا سلاااام! يا للصدف .. ظهرت من وين الليلة يا حبيب"؟!
وتعانقا ثلاثا ، شاخِصَين نحو بعضهما البعض بعيون ترقرق فى مآقيها الدَّمع ، وهما مأخوذان بالمفاجأة السَّعيدة!
وقال النَّحيف ، متهللاً ، بعد العناق ..
"لا حولاااا ..أصلو ما بَصَدِّق! لكين ما مفاجأة! كدي كدي عاين لي جاي! إيه الحلاوة دي كلها يا ود! والله ياكا ذاتك ميشا بتاع زمان أصلو ما اتغيَّرت! لسه سارح بدلالك! يا ود .. يا ود .. إيه القيافة دي كلها! أها بالله أحكي لي عامل كيف؟! غِنيت ، وللا عرَّست وللا حصل ليك شنو؟ أنا غايتو عرَّست زي ما إنت شايف .. ودي زوجتي لويزا، إسم عائلتها فانتصينباخ .. بروتيستانتيَّه، وده ياسيدي إبني نافانايل .. تلميذ فى سنة ثالثه .. يانافانيا .. تعال سلم على صديق طفولتي .. كنا في المدرسة سوا"!
نافانايل فكر ، برهة ، ثمَّ خلع قبعته ..
وواصل النَّحيف متَّجهاً بكليَّاته نحو صديقه ..
"كنا سوا فى المدرسة .. تتذكر كيف كنا بنشاغلك؟! لقبناك بهيروستراتوس* لمَّا حرقت دفتر الغياب بالسِّيجارة .. ها .. ها .. وأنا لقبتونى بافيلاتوس لأنى كنت بحب نقل القوالات .. ها .. ها .. يا سلام على أيام زمان يا أخى! دنيا! يانافانيا .. تعال قريب .. ما تخجل .. ودي يا سيدي زوجتى .. إسم عائلتها فانتصينباخ .. بروتيستانتيَّة"!
نافانايل فكر ، برهة ، ثم اختبأ خلف ظهر أبيه ، بينما قاطع البدينُ حماسة صديقه ، محدِّقاً في وجهه بابتهاج ..
"أها بالله .. وكيف الأحوال؟! شغَّال وين دلوقت؟ وللا نزلت المعاش"؟!
"أبداً والله .. فى الخدمة لسَّه، محكَّم هيئة**، السَّنة الفاتت ادوني ميداليَّة ستانسلاف .. ماهيتهم تعبانة، لكين الله في .. زوجتى بتدي حصص خصوصيَّة في الموسيقي .. وأنا بعد الشُّغُل بعمل علب سجاير خشبيَّة. علب تمام! ببيع الواحدة بروبل .. والبياخد أكتر من عشرة علب بعمل ليهو تخفيض خاص .. أهو زي ما تقول جاي جاي الحال بيمشِّي ، والرِّزِق تلاقيط. كنت فى رئاسة الوزارة .. ودلوقت نقلونى هنا رئيس مكتب تبع القسم ذاتو ، فحأستقر هنا .. وأنت كيف؟ أظنَّك يا خوي بقيت مستشار إدارة"؟!
"يعني .. فوق شويَّة .. ضابط في جهاز الأمن .. عندى دلوقت دبورتين"!
فجأة .. شحب وجه النَّحيف، وامتقع لونه، وارتعدت أوصاله، وساخت مفاصله ، وجفَّ حلقه، وارتجفت شفتاه ، وتجمَّد الدَّم في عروقه ، وبدا كما لو أن شرراً يتطاير من وجهه، والتوى فمه بأعرض ابتسامة في الكون وأخذ رأسه يشعُّ بالسُّخونة. أمَّا باقي جسده فقد تقفَّع ، وتحدَّب ، وتضيَّق ، وتجمَّع على بعضه. وأما شنطه وصرره وكراتينه فقد تكمَّشت ، وتعوَّجت .. وأمَّا زوجته فقد صار ذقنها الطويل أطول .. وأمَّا ابنه نافانايل فقد تمطَّط للأمام .. وتمدَّد ، وزرَّر جميع أزرار سترته المدرسيَّة. ثم ما لبث أن صدر عن النَّحيف المنبهر فحيح بالكاد يُسمع:
"أوووه! أنا يا صاحب الفخامة .. أفتخر والله .. إذا صحَّ التعبير يعني .. بصديق .. صديق طفولة .. كونه يعني يصل ويبقى يعنى كدا .. هئ .. هئ .. هئ .. وكدا"!
راح البدين يبرطم مستنكراً ..
"يا راااجل"! بلاش كلام فارغ! نحن يا خي بيناتنا صداقة عمر .. فإيه لزوم الكلام دا"! .
تمتم النَّحيف بلسان جاف:
"أستغفر الله .. أستغفر الله .. ياسعادتك"! .
ثمَّ واصل وقد ازداد انكماشاً ..
"والله العظيم دا بس من تواضعكم الجَّم .. اهتمامكم دا يا صاحب الفخامة والله .. يعنى نزل علي زي البلسم الشَّافي .. لكين برضو العين ما بتعلا على الحاجب .. و .. يعنى .. لو سمحتم يا فخامتكم أقدم ليكم إبني نافانايل .. ودي زوجتى لويزا .. بروتيستانتيَّة نوعاً ما"! .
للوهلة الأولى بدا كما لو أن البدين أراد أن يقول شيئاً ، لكن وجه النَّحيف ، بما ارتسم عليه من أمارات التبجيل ، والإجلال، والانكسار ، والنَّشوة ، والتوقير، جعله يشعر بالرغبة في القئ ، فأشاح عنه بوجهه ، بل بجسده كله ، واكتفى بأن مدَّ له يده من خلف ظهره يودِّعه! .
صافح النَّحيف ، بالكاد ، ثلاثة أصابع ، بينما جزعه محنيٌّ كأنه سيلامس الأرض بجبينه ، وهو يموء بالتَّضاحك كالصِّيني "هئ .. هئ .. هئ"! أما زوجته فقد رسمت على شفتيها ابتسامة لزجة! وأما نافانايل فقد ضرب الأرض بقدمه حتى أسقط قبعته! ومضى ثلاثتهم مأخوذين بالنشوة والرَّهبة معا!
* مشعل حرائق إغريقي عاش في القرن الرابع ق م، وكان يسعى لتدمير إحدى عجائب الدُّنيا السَّبع، طلباً للشُّهرة.
** درجة وظيفيَّة حكوميَّة على أيَّام القيصريَّة الرُّوسيَّة].
الخميس
النُّزوع إلى الديكتاتوريَّة هو، في حدِّ ذاته، ضرب من الانحراف العقلي! ذلك أن الديكتاتوريِّين، خلال ممارستهم لسطوتهم، وسيطرتهم ، لا يمكن أن يكونوا في كامل قواهم العقليَّة! فهُم إمَّا مجانين ، أو ، على الأقل، مساطيل! ولعلَّ هذه الحقيقة المفزعة هي ما أثبتته خبرة الحرب العالميَّة الثَّانية التي أشعلها النَّازي ، ليخلَّف أكثر من 60 مليون قتيل حول العالم، حيث اتَّضح أن تلك الجَّريمة لم تكن نتاج خطط الفوهرر، فحسب، أو قوَّة آليَّته العسكريَّة وحدها، بل لعب فيها دوراً مفصليَّاً عامل إضافي لا يقل بشاعةً .. المخدِّرات! .
كان الجيَّش الألماني قد وُصِفَ ، في تلك الحرب، بالجيش الذي لا يتعب ولا ينام! وما ذلك إلا بسبب مركَّبات كيميائيَّة عمد هتلر إلى حثٍّ علمائه على تطويرها، كالكوكايين ، والهيرويين ، والميثامفيتامين ، وغيرها ، لتنشيط أجساد وأذهان جنوده، وجعلهم يحاربون لساعات طويلة، بل لأيَّام بأكملها، دون أن يستشعروا الارهاق، أو الحاجة إلى أخذ قسط مِن الرَّاحة! .
وللمفارقة، كان النَّازيُّون، خلال الفترة الأولى لتسنُّمهم زمام السُّلطة، وفي سياق إعلانهم عن مبادئ حماية قيم الأمَّة الألمانيَّة، قد اشتهروا بالتمسُّك الصَّارم بحظر المخدِّرات، ومعاقبة مستخدميها، والمتاجرين بها. لكنَّهم سرعان ما تكشَّفوا عن تناقض كبير مع هذه المبادئ، حين عمدوا لاستغلال نفس هذه السُّموم كمنشِّطات، وذلك عندما احتاج الفوهرر للإبقاء على ألمانيا وجيشها في حالة يقظة تامَّة، بهدف تحقيق أحلامه التَّوسعيَّة! .
وأصل الحكاية أن آلة الحرب النَّازيَّة كانت قد تمكَّنت، خلال أشهر قلائل، من اجتياح أجزاء واسعة من العالم! لكن، في مايو 1940م، خلال الاستعداد لغزو فرنسا، تخوَّفت القيادة النَّازيَّة العليا مِن خطورة احتياج الجُّنود للرَّاحة ، وبالتَّالي للتوقُّف أثناء الهجوم، الأمر الذي سيعرِّضهم للمباغتة المضادَّة من الحلفاء! فأصدر هتلر مرسومه الخاص بالاعتماد على "المنشِّطات" بغرض التغلُّب على ما قد يصيب الجُّنود مِن إرهاق، حتَّى لا تنهار خطة الهجوم! وهكذا صدرت الأوامر لأطباء الجَّيش بصرف حبَّة واحدة مِن عقار "البريفنتين" لكلِّ جندي خلال النَّهار، وحبَّتين خلال الليل، ثمَّ حبة أو حبتين بعد ساعتين أو 3 حسب الحاجة. فوصل إجمالي ما استهلكه الجَّيش من ذلك العقار في ذلك العام وحده إلى 35 مليون حبَّة (!) الأمر الذي أبقى الجُّنود مستيقظين، أحياناً، حتَّى 4 أيام متواصلة! .
تعاطي العقاقير المخدِّرة لم يقتصر على الجُّنود وحدهم، فهتلر نفسه كان مُدمناً عليها بسبب ما كان يعانيه من آلام حادة في الأمعاء، حتَّى "أراحه" طبيبه الخاص تيودور موريل بحقنه، عدة مرَّات في اليوم، بمخدر "أوكودال"، وهو خليط مِن الأفيون والهيرويين، ما جعله في حالة مِن النَّشوة الدَّائمة! وظلََّّ هذا الطبيب مواظباً على تطوير مخدِّرات الزَّعيم النَّازي الذي كان يشير إليه، في أوراقه المهنيَّة، باسم المريض "أ"، حتَّى ضعُف تأثير تلك المخدِّرات، مع الوقت، نتيجة الإدمان، ليتحوَّل موريل إلى خلط "الأكودال" بالكوكايين، وحقن هتلر به! لم يقتصر تأثير تلك العقاقير المُخدِّرة، فقط، على صحَّة الفوهرر الجَّسديَّة والعقليَّة، بل انعكس، أيضاً، على قراراته، وهذا هو الأهم! فبعد قراره المفاجئ بغزو الاتِّحاد السُّوفييتي، والذي كلَّفه خسارة الحرب، تفاقم تعاطي هتلر للمخدِّرات، بالتَّزامن مع بدء تقهقر جيشه أثناء احتدام المعارك، فبدأ في اتخاذ قرارات متخبِّطة، كما تفاقمت معاناته مع الإدمان بالتَّزامن مع شُُحِّ عقاقير الأكودال والبريفنتين التي لم تعد متوفرة، بسبب قصف الحلفاء لمصنعيهما!
هكذا أمسى الزَّعيم النَّازي المسطول بائساً هزيلاً، في آخر أيَّام 1945م، والقوَّات السُّوفييتيَّة تقترب، رويداً رويداً، من معقله في قلب برلين، ويعاني من الأعراض الانسحابيَّة لإدمان المخدِّرات، قبل أن ينتحر، في نهاية المطاف، برفقة زوجته إيفا، انتحاراً مزدوجاً، باستخدام السيانايد وإطلاق الرصاص على نفسه في وقت واحد! .

الجُّمعة
رُبَّما لا يعرف كثيرون أن للغة والثَّقافة العربيَّتين، وللشِّعر العربي بوجه مخصوص، تأثير كبير على تراث الشِّعر العالمي في أرفع نماذجه. فحكيم ألمانيا غوته (1749م 1832م)، على سبيل المثال، كان معروفاً بإجادته للعربيَّة، وقد أنجز تراجم منها إلى الالمانيَّة، أبرزها ترجمته لأجزاء مِن المعلَّقات السَّبع. كما كان معروفاً عنه، أيضاً، حبُّه للمتنبي، مِمَّا انعكس، بصورة واضحة، على روايته الأشهر "فاوست". وكان مِمَّا قال في تمجيد اللغة العربيَّة أنه "لا يوجد في أيَّة لغة أخرى مثل هذا القدر من الانسجام بين الرُّوح والكلمة والخطِّ .."
غوتة لم يتأثَّر، فقط، بالشِّعر العربي، بل وبالقرآن الكريم أيضاً، وعلى نحو مخصوص. ومن نماذج ذلك، على سبيل المثال، قوله، عام 1772م: "إنني أودُّ أن أدعو الله كما دعاه موسى في القرآن: [ربِّ اشرح لي صدري] (25 ؛ طه).
كذلك شغف بوشكين، شاعر روسيا العظيم، بل أعظم شعرائها طُرَّاً (1799م – 1837م) باللغة العربيَّة، وبالثَّقافة العربيَّة الاسلاميَّة، وخصوصاً بالقرآن الكريم الذي تعرَّف عليه بشكل وثيق خلال السَّنوات التي قضاها منفيَّاً، بأمر القيصر، بين إثنيَّات تدين بالإسلام في جنوب روسيا، جرَّاء نشاطه الثَّوري، وأشعاره عن الحريَّة. وقد تأثَّر إبداعه، وقتها، بالقيم القرآنيَّة، والسُّنِّيَّة، وبشخصيَّة النَّبيِّ الكريم، كقصيدته "المغارة" التي يقول فيها: "فِي المغارةِ السِّرِّيَّة/ فِي يومِ الهُرُوبِ/ قرأتُ آياتِ القُرآنِ الشَّاعريَّة/ فجأةً هدَّأتْ رَوْعِي الملائِكة/ وحمَلَتْ لِي التَّعاويذَ والأدْعِيَة". وإلى ذلك مطوَّلته "مُحَاكاةُ القُرآنِ" المقتبسة من بعض الآيات، والمكوَّنة من تسعة مقاطع مختلفة الأطوال، والبحور، ومن مناخاتها: "ألَسْتُ أنَا الذي سَقَيْتُك/ يومَ العَطَشِ مِن ماءِ الصَّحراءِ؟/ أمَا وَهَبْتُكَ لِسَانَاًً فَصِيحَاً/ وعَقْلا راجِحَاًً فوقَ كلِّ العُقُول"؟ .
السَّبت
بشَّر محمَّد الفكي سليمان بأن مؤتمراً لأهل المصلحة سينعقد لمناقشة القضايا الأربع التي لم يشملها "الاتِّفاق الاطاري"، وذلك لأجل التَّوصُّل إلى نقاط مشتركة حولها، قبل "التَّوقيع النِّهائي"! .
هنا يثور التَّساؤل: أليس هذا وضعاً للعربة أمام الحصان؟! ألم يكن مِن الأوفق، بل الأصوب، عقد هذا المؤتمر، شاملاً القضايا الأربع، وبمشاركة جميع المعنيِّين، "قبل" التَّوقيع على أيِّ اتِّفاق، إطاري أو نهائي، خاصَّة إذا وضعنا في الاعتبار أن هذه القضايا هي، في حقيقتها، لبُّ الخلاف، حيث تشمل: تفكيك النِّظام البائد، والاصلاح الأمني والعسكري، والعدالة والعدالة الانتقاليَّة، ومراجعة سلام جوبا؟! .

الأحد
قال ضابط برتبة فريق لأحد القضاة ممازحاً:
وَرَدَ في الحديث الشَّريف يا مولانا: [قاضٍ فِي الجَّنَّة، وقاضيان فِي النَّار].
فردَّ عليه القاضي ببديهةٍ حاضرة:
نعم، سعادتك ، لكن لا تنسى أنه قد وَرَدَ في القرآن: [فريقٌ فِي الجَّنَّة وفريقٌ فِي السَّعير].


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.