الأهلي يتعادل امام المسيكتاب بدوري شندي    الهلال ينتظر رد الكاف وفريق الكرة يواجه مارينز    مقررات الاجتماع الدوري لمجلس تسيير نادي المريخ    حسين خوجلي يكتب: فريقان وعميد ودم وشهيد    نظرة على مؤتمر WWDC 2026.. نظام iOS 27 وSiri المدعوم بالذكاء الاصطناعي    ميزة جديدة فى أندرويد 17 تمنح المستخدم سيطرة كاملة على إشعارات التطبيقات    تحديثات جديدة في إصدارات "أبل" بمميزات متطورة    شاهد بالصورة والفيديو.. "بلوغر" سودانية حسناء تخطف الأضواء بجمالها الملفت    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شك بورم في الرئة.. نجل عبد الرحمن أبو زهرة يكشف تفاصيل جديدة    الزمالك فى مواجهة قوية أمام المصري بافتتاح منافسات مجموعة التتويج بالدوري    على غرار روسيا.. إيران تطالب فيفا بتجميد عضوية إسرائيل    مصر تستضيف بطولة أفريقيا لناشئي البادل فى يونيو المقبل    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    باسم سمرة: الدنيا بقت عين سحرية والمسلسل واكب العصر والحداثة    إطلالة جديدة للفنانة كارولين عزمي بالفستان الأبيض    أعمال جمعت بين دنيا وإيمي سمير غانم قبل تعاونهما المسرحي الجديد    ماذا يحدث عند شرب القهوة يوميا لمدة 14 يوما؟.. فوائد لا تتوقعها    كيف تقيس ضغط الدم في المنزل؟.. أخطاء شائعة قد تُفسد دقة النتائج    الفواكه والخضروات مفيدة إذا عرفت كيف تأكلها.. تعرف على أفضل الطرق الصحية    شاهد بالصور.. بإطلالة أنيقة الفنانة إيمان الشريف ترد على هجوم النشطاء بشأن التسجيلات المسربة لها: (التجاهل صدقة جارية علي فقراء الأدب)    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شاهد بالفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تفاجئ جمهورها بظهورها "عروساً" مع ممثل مصري معروف    المدير العام لقوات الشرطة يتفقد مكان حادثة الإنفجار ببرى ويطمئن مواطنى المنطقة    وزير الداخلية يبحث مع نظيره المصري تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    شاهد بالفيديو.. من هو مجاهد سهل رئيس نادي المريخ؟ تعرف على مجال عمله والشركات التي يديرها!!    قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكراه ال(39) عامًا علي اعدامه.. أين اختفى جثمان الراحل/ محمود محمد طه؟!!
نشر في الراكوبة يوم 16 - 01 - 2024

اليوم الثلاثاء 18/ يناير الجاري، تمر الذكرى التاسعة والثلاثين علي إعدام الأستاذ/ محمود طه رئيس الحزب الجمهوري في سجن كوبر عام 1985، ولست هنا بصدد فتح الملف القديم الخاص باعتقاله في عام 1984 بعد شهور من تطبيق النميري ما اسماها "قوانين سبتمبر الإسلامية" عام 1983، ولا بصدد الحديث عن محاكمته بتهمة سميت ب"جريمة الردة" والتي اوصلته الي حكم الاعدام، فكلها معلومات غدت معروفة لدي غالبية السودانيين خصوصا وأن الصحف السودانية بعد إعدامه المحاكمة نشرت الكثير عن المحاكمة الجائرة والظلم الذي حاق بشيخ كان وقت اعدامه قد بلغ السادسة والسبعين عام فهو من مواليد عام 1909.. ولكن في هذا المقال بصدد كشف خفايا اسرار اختفاء جثمانه تماما بعد تنفيذ حكم الاعدام شنقا، ورفض السلطات الأمنية وقتها تسليم الجثمان لذويه، وتم نقل الجثمان سرا من سجن كوبر بتكتم شديد.
المدخل الاول- (… الأحد 13/ يناير 1985:- وقع الرئيس/ جعفر النميري علي قرار حكم محكمة ( العدالة الناجزة) التي حاكمت الشيخ محمود، بالإعدام شنقا علي المرتد (هكذا وردت الكلمة في قرار المحكمة)، وكانت المحكمة برئاسة المكاشفي طه الكباشي، وتم رفع قرار الحكم لرئاسة الجمهورية مكتب الرئيس للتصديق عليه، وايدها النميري بمنتهي السرعة.
بعد التصديق علي الحكم بالاعدام ، كانت النميري في غاية التوتر سريع الانفعال ويثور لاتفه الاسباب، كل ذلك جاء بعد المكالمات الكثيرة التي تلقاها من عدة رؤساء دول وشخصيات دولية كبيرة ناشدته بالإبقاء علي حياة شيخ وصل من العمر ستة سبعين عام من عمره ، وكان من بين تلك الشخصيات الرئيس المصري حسني مبارك الذي أكد للنميري ان رؤساء دول أوروبية ومنظمات مصرية قد طلبوا منه ان يتوسط لهم عند الرئيس السوداني لكي يعفو عن شيخ اصلآ ما حمل السلاح ضد النظام في دعواه، ولاعادي الوضع وعمل علي تقويضه.
كانت كان في حالة هياج دائم بسبب وبدون أسباب من جراء الهجوم الضاري عليه من قبل الصحف العربية والأجنبية ، التي كالت الاتهامات عليه بسبب سكوته علي مهزلة محاكمة الشيخ محمود، وكانت صحف الكويت بصورة خاصة هي الأكثر هجوم وضراوة علي النميري ونظامه، بل وصل الحال الي ان صحفي كويتي كتب في صحيفة كويتية انه يشك في سلامة عقل النميري!!، وان هذا الرئيس السودان حتمآ (مخبول) ويعاني من نقص حاد في عقله!!
بعد صدور قرار المحكمة بالاعدام والتصديق وقبل تنفيذ الحكم بايام، استقبل الرئيس النميري في قصره عدد كبير من سفراء دول عربية واجنبية جاءوا يتوسطون عنده الغاء حكم الإعدام في الشيخ محمود ، الذي اتهم انه قد اعتنق فكر ديني معين وجاهر به، كل هذه المقابلات التي تمت مع النميري سببت له احباط كبير لانه ما كان يتوقع ان تصل الأمور الي هذا الحد من التدخلات والوساطات الدولية، كان يظن ان إعدام الشيخ سيكون شأن داخلي، وسيمر اعدامه مرور الكرام، تمامآ بنفس الشكل كما حدث في عام 1971عندما أعدم الشيوعيين في معسكر الشجرة!!
شن الرئيس الليبي معمر القذافي (وقتها) هجوم ضاري علي النميري، واتهمه بعدة تهم منها انه (النميري) فقد السيطرة علي حكم بلاده وسلم مقاليدها لجوقة من المهووسين الدينيين (الهبل)، لايعرفون الله ولا رسوله ، ولم يكن هجوم القذافي علي النميري حبآ في الشيخ محمود، وإنما كراهية في النميري شخصيآ، فقد كان وقتها النميري صديق حميم للرئيس حسني مبارك المكروه من الملوك والرؤساء العرب بسبب انه لم يقم بالغاء اتفاقية (كامب ديفيد) وأصر على بقاءها ، كان القذافي يكره ويمقت النميري لانه انحاز للجانب المصري ورفض الوحدة الفورية مع ليبيا.
كانت اعصاب الرئيس النميري في غاية التوتر قبل إعدام الشيخ محمود بسبب الجو العام المليء بالغضب علي حكمه الإسلامي الجديد، وايضا بسبب السخط الشعبي علي محاكم (العدالة الناجزة) وأحكامها البالغة القسوة، ومما زاد من نرفزته وحدة غضبه كمية التقارير التي وصلته من جهاز الامن القوي وايضا من أمانات الاتحاد الاشتراكي بالخرطوم والأقاليم عن عدم رضاء الناس لقرار محكمة المكاشفي الخاص باعدام الشيخ محمود.
الباب الثاني- (…- الاثنين14/ يناير 1985:- حتي يتفادي النميري ما قد سيقع لاحقا بعد اعدام الشيخ محمود، ومن ردود الفعل المحلية والعالمية ضده شخصيآ وضد نظامه الإسلامي ، ومن السخط الشعبي عليه، صرح وقال ان قرار الأعدام لن ينفذ في محمود ومريده الأخرين ان اعلنوا صراحة وجهرآ بانهم قد تخلوا عن أفكارهم المتطرفة..وأنهم قد اخطأوا في حق دينهم.
المدخل الثالث-(…- الثلاثاء 15/ يناير 1985:- ما ان جاء تصريح النميري بإسقاط العقوبة عن الشيخ محمود ان يتخلى عن افكاره، حتي انهالت الزيارات كالمطر الغزير علي الشيخ محمود في زنزانته بسجن (كوبر) من شخصيات لها وزنها السياسي والديني في الخرطوم، أيضا من شخصيات عملت في مجال التدريس بالجامعات، ومن كتاب وصحفيين، راحوا كلهم يستعطفون الشيخ ان يعلن عن توبته والتخلي عن افكاره للحفاظ علي حياته، راح البعض يؤكدون للشيخ في إصرار شديد ان الاعلان (قسرا) عن التخلي لايعني نبذ المبدأ الذي سيظل كامنا في القلوب..ما كان الشيخ يجادلهم كثيرآ، مكتفيا فقط بالابتسامة في وجوه الضيوف والزوار.. وفشلت كل المحاولات لا ثناء الشيخ عن تخليه لأفكاره ومعتقداته.).
قامت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتوزيع منشور رئاسي صادر منها معنون لكل الوزراء، ووزراء الدولة، والوكلاء، وكبار المسئولين في جهاز الخدمة المدنية، ومحافظ بنك السودان، والمراجع العام، ومحافظ مديرية الخرطوم، أيضا لوزير الدفاع وكبار القادة العسكريين، ورؤساء الأمانات بالأتحاد الاشتراكي بالخرطوم لحضور ساحة سجن (كوبر) صباح يوم الجمعة 18/ يناير 1985، الساعة التاسعة صباحا لحضور تنفيذ حكم الاعدام علي المرتد (هكذا وردت الكلمة في المنشور) محمود محمد طه، وشدد المنشور علي الجميع عدم التخلف عن الحضور مهما كانت الأسباب والدوافع… الذين اصروا علي ان يكون تنفيذ حكم الاعدام علنا بساحة سجن كوبر،هم: بدرية سليمان، وعوض الجيد، ابوقرون، هم شخصيا وراء ألا يكون التنفيذ متستر محجوب عن العيون كاعدام عبدالخالق محجوب، والشفيع احمد الشيخ، وجوزيف قرنق عام 1971، وهم ايضا الذين اصروا علي اهمية حضور قادة الاجهزة المدنية والعسكرية لمكان تنفيذ الحكم!!.).
المدخل الرابع -(…-الأربعاء 16/ يناير- الزيارات المكثفة للشيخ محمود في زنزانته بسجن كوبر ازدادت اكثر حدة عن ذي قبل، جاءوا لزيارته عدد كبير من الوزارء، وسفراء وقناصل عرب، وايضا بعض الصحفيين التابعين لوكالات أجنبية وصحف عالمية، كلهم حثوا الشيخ واسترجعو ان (يعقل..ويهدي بالله)!!، وكان هناك قلة من الصحفيين الذين تنافسوا علي سبق صحفي علي حساب اعدامه!!.).
المدخل الخامس -(…- الأذاعة في امدرمان ومعها التلفزيون والصحف المحلية ما نطقت بكلمة حول السخط والغضب شعبي علي بدرية وعوض الجيد وبدرية سليمان ، ويعود سبب السخط الي ان (الثلاثة الكبار) في القصر هم في الأصل الذين ألغوا تماما دور وزارة العدل والقضائية والمحاكم الجنائية والمدنية!!.. وسيطروا علي وسائل الاتصال، وانه في ظل حكم بدرية وابوقرون والجيد ما عادت القوانين الوضعية معمول بها، بل والأسوأ من كل هذا ان جحافل العاملين في وزارة العدل من قضاة وحقوقيين وموظفين وعمال، غدوا كلهم وبلا استثناء اصبحوا بطالة مقنعة!!.).
المدخل السادس- (…- سكتت الصحف المحلية تمامآ عن التعليق والكتابة حول موضوع حكم الإعدام!!، ومن ذا من الصحفيين كان يستطيع ان يجر ولو سطر واحد يبدي رأيه ، او يكتب عن ما يجري حوله من قصص عن غرائب (أحكام قراقوش) السودانيين؟!!.. بتهمة مخالفة شريعة (بدرية، وابو قرون، وعوض الجيد) يمكن ان تكون جريمة كبري يحاكم بموجبها الصحفي، ويعاقب (علي الطريقة الاسلامية) عقاب أكبر من الجرم!!!
المدخل السابع- (…- الخميس 17/ يناير- منذ الصباح الباكر وقبل يوم واحد من تنفيذ حكم الاعدام، بدأت قوات الشرطة بالخرطوم وبحري تحتل مواقعها الهامة المؤدية لسجن كوبر، وكان ظاهر للعيان حجم الكثافة الأمنية المضروبة علي مدخل كوبري بحري من الجهتين ( وشمالآ وجنوبآ)...وكانت عربات (المجروس) التابعة للقوات المسلحة المليئة بالجنود المدججين بالرشاشات علي مقربة من بوابة السجن. كل الناس تمنوا من صميم قلوبهم ان يعلن الشيخ محمود وقبل اعدامه غدا الجمعة التخلي عن افكاره، ما كان يهم الناس وقتها كثيرا اي افكار يحملها الشيخ بقدر ما (الحياة حلوة ونعمة من الله وحرام ان يضيع الشيخ عمره في عناد لازم له)!!.).
المدخل الثامن- (…- الجمعة 18/ يناير:- قبل تنفيذ حكم الاعدام بنحو ساعتين، كانت ساحة سجن كوبر مكتظة بالحضور، اغلبهم كانوا من الاسلاميين (جماعة انصار السنة، الاخوان المسلمين، طلاب اسلاميين)، بل حتي دراويش حمد النيل جاءوا باباريقهم وسبح اللالوب واللبس الاخضر!! ، كبار الزوار من أهل السلطة واصحاب المناصب الدستورية احتلوا مقاعدهم الامامية وعلى وجوههم كانت بادية علامات الكسوف وشحوب لون سحناتهم، فارقت البسمات شفاههم اليابسة، وكانوا يتبادلون التحايا في خجل شديد، فقد تورطوا ان يكونوا شهود عيان علي جريمة قتل روح لم يقترف اي جرم ، اكثر الناس سعادة كانوا في هذا اليوم الاغبر هم الاسلاميين التابعين لحسن الترابي!!، لجماعة (أنصار السنة المحمدية)، فهم عندهم هذا اليوم عظيم، ويحققون فيه انتصار، فقد سبق ان أعلنوا من قبل وقالوا: "لو تخلي محمود عن أفكاره فهذا انتصار للأسلام...ولو أعدم فقد تخلصنا منه، وخلت لنا الساحة من بعده".).
قبل دخول الزوار لساحة السجن كانت الإجراءات الامنية شديدة وقاسية للحد البعيد، فلم يكن يسمح بدخول احد ومعه آلة تصوير، او اي نوع من اللأفتات، تم التفتيش الشخصي بشكل صارم، رجال الأمن انتشروا وسط الصفوف يراقبون الجميع بعيون كالصقر، كانت منصة الأعدام تتوسط الساحة وحولها وقفوا عدد من ضباط مصلحة السجون وعدد اخر من رجال شرطة السجن، كانوا الضباط الكبار يتحركون بعصبية وقلق ظاهر لم يخفي علي احد.
المدخل التاسع-(…- ما ان جئ بالسجين محمود وهو مكبل اليدين، حتي عم المكان صمت رهيب لا تسمع فيه الا انفاس الحاضرين، صعدوا الضباط به الي المنصة العالية، راح مدير السجن والمشرف علي عملية الاعدام يتوسل للشيخ قبل تنفيذ الحكم ان يعلن عن تخليه لافكاره ، ولكن الشيخ ما نطق بحرف وكان يجول ببصره في الجمع الموجود تحته وعلي شفتيه ابتسامة كبيرة واضحة.. بدأت مراسم تنفيذ الحكم، وتم سؤال محمود إن كانت عنده أمنية أخيرة ، قال شيئآ لمدير السجن في اذنه ولا احد يعرف حتي اليوم ماهي الامنية او الوصية ( قد يكون هناك من عرف ماذا قال الشيخ ولكنها حتي الان غير معروفة… لف الحبل حول عنقه وانفتحت (الكوة) من تحت رجليه، وتدلي جسده الطاهر الي اسفل، راح مدير السجن ينظر في ساعته لدقائق عدة ثم امر بإنزال الجثمان وسط صيحات "الله أكبر" التي صدرت من الإسلاميين ابتهاجا بالحدث!!. تم الكشف طبيآ علي الجثمان، وعلي ما أظن ان الذي قام بعملية الكشف هو الطبيب المعروف/ زكي مصطفي الذي كان يقوم بتنفيذ أحكام القطع والقطع من خلاف.).
المدخل العاشر-(…- وقع شيء لم يكن في الحسبان، فعندما تم لف الحبل حول عنق الراحل محمود، وانفتحت ( الكوة) من تحت رجليه، وتدلي جسده الطاهر الي اسفل...الا وراح احد اتباع الراحل من الجمهورين وهتف بصوت عال حزين: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}، وهي جملة لها علاقة بموت المسيح عليه السلام، وما ان انتهى من جملته التي كانت مسموعة بصوت عالي في ظل الصمت العميق لحظة الأعدام، حتي تعالت صيحات كثيرة ردت بغضب علي الجمهوري، وانتشرت موجة من الفوضي بالصفوف الخلفية، وراحت الاصوات تتعالي (الله اكبر الله اكبر)، كل هذا حدث الجثمان الطاهر مازال معلقا!!.).
ملحوظة:- وبصدق وأمانة (انا كاتب هذه المقالة)، اقول انني كنت في سجن كوبر ولكن بعيدآ عن مكان تجمع الجمهوريين في الساحة، ولم افهم في البداية سبب الشغب البسيط الذي وقع وانهاه رجال الأمن سريعا قبل ان تتطور الأمور الي أحداث ماسأوية، وقص علي احد الزملاء الصحفيين الواقعة التي تناولها الناس فيما بعد بالنقد والتحليل، وكيف ان هذه الجملة التي اختيرت بعناية شديدة لتقال تمامآ بعد ثوان من تدلي جسم الراحل، كادت ان تسبب مجزرة في ظل فورة الاسلاميين المتعصبين لاعدام الشيخ.
المدخل الحادي عشر-(…- انتهت "حفلة" بدرية وابو قرون والجيد، هرعوا الوزراء وباقي كبار المسؤولين يتسابقون نحو عرباتهم بالخارج وهم في اشد حالات الخجل، وما رفع احدهم رأسه من الأرض!!.. بعد الانتهاء من مراسم تنفيذ حكم الإعدام ، طلب ضابط كان في سيارة شرطة من خلال مكبر الصوت بالسيارة من الناس التفرق و الذهاب لاعمالهم، وان يخلو سريعا ساحة السجن بهدوء… في نشرة اخبار التاسعة مساء الرئيسية التلفزيون المحلي، تم بث خبر تنفيذ حكم الإعدام في الشيخ المرتد محمود محمد طه باقتضاب شديد!!.).
المدخل الثاني عشر-(…-اين كان الرئيس النميري وقت تنفيذ حكم الأعدام؟!!.. الرئيس جعفر النميري لم يكن بين ضيوف حفل بدرية سليمان!!، كان وقتها يتفقد اسواق امدرمان!!، ويعاين احوالها وهي مغلقة والاسواق خالية من الناس بسبب عطلة يوم الجمعة!!، بل والاغرب والعجيب في الأمر، ان نشرة الأخبار في الساعة التاسعة تناولت زيارة النميري للاسواق بامدرمان بصورة اوسع من خبر الإعدام!!.).
المدخل الثالث عشر-(…- أين اختفى جثمان الراحل محمود بعد الإعدام؟!!…سؤال ظل يردده الناس طوال ذلك اليوم الجمعة، وتساءلوا باستغراب شديد لماذا لم يتم تسليم الجثمان لذويه، وكان سبب التساؤل أن لا أحد من اهل المرحوم قد استلمه؟!… والغريب في الأمر، ان الأجابة علي هذا السؤال لم يعرفه الناس إلا بعد انتفاضة 6/ ابريل 1985، فقد جاءت الأخبار وافادت، ان الرئيس النميري كان قد اصدر اوامره بعدم دفن جثمان الشيخ في اي مكان بالسودان حتي لا يكون قبره فيما بعد مزار لمريديه، وأصدر توجيهاته بإلغاء جثمان الشيخ في منتصف البحر الاحمر، وان القوات الجوية عليها القيام بهذه المهمة، وتم تكليف عبدالرحيم حسين وزير الدفاع السابق القيام بالمهمة… ولكن هناك رواية أخرى تختلف عن الرواية التي افادت ان جثمان الراحل قد ألقي بها في عرض البحر الأحمر ، وأن الجثمان دفن في مكان ليس بعيدآ عن الخرطوم!!.).
المدخل الرابع عشر-(…- أعيد نشر جزء من حوار اجراه الأخ/ خالد العبيد (وهو من الكتاب المرموقين في موقع "سودانيز اونلاين") مع الشاهد العسكري الذي قام بدفن الراحل محمود محمد طه، ، وبث الحوار بتاريخ: 21/07/2009، تحت عنوان: ( شاهد عيان يروي كيف واين دفن الشهيد محمود محمد طه !!):-
شاهد عيان يروي كيف واين دفن الشهيد محمود محمد طه.
ما رتبتك العسكرية في ذاك الوقت : أعفيني من الإجابة.
اين كنت تحديدا حين ابلغوك : قاعدة الخرطوم الجوية.
هل ابلغوك الى اين انت متجه : لا.
كم كان عدد طاقم الطائرة : إثنين فقط انا وقائد الطائرة
ما نوع الطائرة : هليكوبتر بوما .
من قائد الطائرة : فيصل مدني مختار.
هل التقيتم بعد الدفن : نعم.
كم كانت الساعة تقريبا عندما هبطت الطائرة في سجن كوبر : الساعة العاشرة والنصف من يوم الجمعة تقريبا.
كيف نقل محمود الى الطائرة : بواسطة عدد من المساجين.
كم عدد المساجين الذين نقلو محمود : 6 مساجين.
هل كان مغطى عندما كان في الطائرة : لا اظن ذلك.
كم استغرق زمن حفر القبر : عشرة دقايق.
هل كان القبر عميقا: لا ابدا قريب جدا جدا من سطح الأرض.
هل شاهدت وجهه وهو ملقي على الطائرة : نعم.
كم كانت الساعة عندما تم دفن محمود : لا اذكر بالضبط.
هل تستطيع معرفة المكان : من الصعوبة تحديده حاليا.
اين ولو بالتقريب ليس بعيدا عن الخرطوم.
هل تمت الصلاة عليه : أبدا.
كيف تم حفر القبر : بواسطة أربع او خمسة كريقات كانت مع المساجين
هل ذهبت الطائرة الى مكان الدفن مباشرة : كلا كانت هنالك محاولة للتمويه لمن كان بالطائرة.
كم من الزمن حلقت في الجو : أكثر من نصف ساعة.
متى عدتم من : بعد دفن الاستاذ مباشرة.
الى اين توجهت الطائرة بعد الدفن : الي سجن كوبر ومنه الي قاعدة الخرطوم الجوية.
هل طلبت منكم السلطات اي تعهد : بالنسبة لي لا.
كيف تم اختيار طاقم الطائرة : مكتب العمليات هو الذي يختار.
هل تم تنوير لكم قبل الحدث : بالنسبة لي لا.
من تحدث معكم قبل الحدث : لم يتحدث معي اي شخص
هل تحدث معك اي مسؤول بعد الحدث : اطلاقا لا.
مادار في التنوير بعد او قبل الحدث : بالنسبة لي لم يتم اي تنوير ربما كان هناك تنوير لقائد الطائرة.
المدخل الخامس عشر-(…- كانت الكاتبة والصحافية الأمريكية "جوديث ميلر" المراسلة السابقة لصحيفة "نيويورك تايمز" في الشرق الأوسط قد حضرت مشهد تنفيذ حكم الإعدام على الأستاذ محمود بسجن كوبر وقد وصفت ذلك في كتابها الذي أسمته (لله تسعة وتسعون اسماً) ومما قالته: "ولن أنسى ما حييت التعبير المرتسم على وجهه (تعني الأستاذ)... كانت عيونه متحدية ولم تبد عليه مطلقاً اي علامة من علامات الخوف) كما كتبت ادين طه (بتهمة الردة عن الإسلام وهي تهمة نفاها طه الذي أصر حتى النهاية انه ليس مهرطقاً أو مرتداً عن الإسلام وانما مصلح ديني ومؤمن وقف في وجه التطبيق الوحشي للشريعة الإسلامية (قانون المسلمين المقدس) والطريقة التي فهمها ونفذها به الرئيس جعفر نميري من وحي الموقف أحسست انا أيضا ان طه لم يقتل بسبب يتعلق بنقص في قناعته الدينية وإنما بسبب من نقصهم هم".).
كما كتبت ميلر أنها قابلت نميري عقب إعدام طه بقليل في نهايات يناير 1985م وقالت سألت نميري (لم قتلت محمود طه محولة مجرى حديثي معه إلى مناطق أكثر حرجاً وأكثر إقلاقا رد نميري (انتم تقولون انه معتدل ولكنه غير معتدل) ولم يزد على ذلك ثم قال القرآن يوصي بقتل المرتدين ولا يستطيع الرؤساء والملوك والسلاطين تغيير ذلك.
وهكذا أمام المسلمين لا يعرف انه ليس في القرآن عقوبة على ما يسمى الردة وواصلت ثم غطس نميري في كرسيه ودخل في حالة من الصمت جذب منديلاً ومسح حاجبه وبدأ كأنه قد نسى وجودي تماماً مرر يده بذهن شارد على شعره المجعد ووجهه الذي كان متجسداً في حضور قبل لحظات قليلة...تهالك فجأة وتراخى فكاه وتمدد عندها تنهد وأمرني بالانصراف بتلويحة من يده وكانت تلك هي آخر مقابلاته مع الرئيس نميري).. كتاب نحو مشروع مستقبلي للإسلام ثلاثة من الأعمال الأساسية للمفكر الشهيد محمود محمد طه طبعه عام 2002.
مرفقات:
1- اللقاء الكامل مع نميري في إعدام المرتد محمود محمد طه.
https://www.youtube.com/watch?v=MglFgA6EpbI
2-
شهادة العميد طيار / فيصل مدني حول أعدام
الأستاذ/ محمود محمد طه ومكان دفنه.
https://www.youtube.com/watch?v=HYgEJxMKm8I
3-
تعرف على المفكر السوداني الذي حوكم بالردة قبل 33 عاماً
وصورة نادرة لسجن كوبر في يوم اعدام الاستاذ/ محمود.
https://www.alarabiya.net/last-page/2018/01/19/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D9%83%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF%D8%A9-%D9%82%D8%A8%D9%84-23-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.