كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الروائي والقاص والناقد الأستاذ / يوسف العطا
نشر في الراكوبة يوم 31 - 05 - 2024


قصة قصيرة
– فيما أتنقل بين محطاتي ، أهداني أخي القاص ، عمر الحويج مجموعته القصصية الأولى والأخيرة (إليكم أعود وفي كفي القمر) ، الصادرة في مائة صفحة ، عن دار عزة للنشر والتوزيع ، فوجب الشكر علينا. حكايته معي ذكرتني بأهل القرى المنتثرة على جانبي الطريق من الخرطوم إلى قلب الجزيرة الفيحاء. أولئك حين يأتي رمضان يقطعون على المسافرين دربهم بكرم مسلّح بالضيافة الحارة ، والشمس تميل إلى الغروب. يلتمسون البركة والمثوبة يغشاهم الصوّام. يتم القِرى على جانبي الخط السريع. يطيب المقام بالعصيدة. باللبن. بالبليلة. بالشاي والقهوة. يعذب الأنس ويحصل البسط والانشراح. ثم يلح أهل القرى أن يقضي الظاعنون الليل معهم : الدنيا ملحوقة. يتراخى المسافرون إلى قبول دعوتهم متكئين على مساند أو مفارش لولا أن البعوض يلسع الأطراف والرقبة. يهرعون إلى مطاياهم ، لكن ذلك البعوض يواصل الركوب معهم. يلازمهم في الحل والترحال لا يفارق. يترنم : في الضواااااحي وطرف المدااااائن. تجده تحت الكنب في الحافلات رطبة ويابسة. ويعرفك مستوياً بساقين تتدليان. أوصيكم ونفسي بلبس جوارب السفر ريثما يتم تركيب طفايات البعوض بالمركبات بدلاً عن طفايات الحريق. هذه رشة أولى لابد منها.
قُطع عليّ الطريق بهذه المجموعة فتمهلت شيئاً. قضيت ليلتي قارئاً الهدية. هذا الإهداء نفسه صعّب مهمة التناول حتى بدا لي أن أقول خيراً أو أصمت. وفوق ذاك حصّن صاحبي كتاباته بعنصرين من المحترفين العبادلة : (جلاب وعلي إبراهيم) وثالثهما أحمد عبدالمكرم. ولما حاله حشْد هذه الكوكبة في الدفاع ، لم يكن ميسوراً أن أنفذ إلى المرمى إلا تسللاً وخلسة. بدا لي هذا التقديم مأخوذاً عن سوق التعلم والعمل ، حين يُصار إلى طلب تزكية تشفع وقت رفع الأوراق. مازحت الكاتب أن الكلفة مرفوعة ، وله حق العودة إلى مريديه متى أراد حولاً بعد حول. بيننا وبينه ، في سوق الأدب، يفتح الله ويستر. لم تخل فاتحة التقديم ، على كل حال ، من فوائد جمة ، أقلها أن عطّرنا الأساتيذ الكرام بعطرهم ، قبل رشنا . جلوا بأقلامهم بعض ظلام أحاط. الدكتور جلاب دهن خلفية مسرح المجموعة بطلاء شرقي ، وإبراهيم الدكتور وقد كان من أهلها أعطانا معتذراً : (فهذه مقدمة لم أرد بها غير وضع اسمي على كتاب لصديق قديم عشقنا على عهد الباكر فن القصة وكتابتها في سياق حلم بأن نمتلك العالم). ذلك الحلم الذي سوّق له الفيتوري ، وجيّره. قضى في صكه الشعري بأن دنيانا يملكها من لا يملكها، سادتها الفقراء. أعلى كفتهم وتوّجهم سلاطين. استأنف الأغنياء الحكم عليهم : رفسوا الأرض. برطعوا. ناطحوا السحاب. أخذوا النجوم ، فباعدت المسافة. دفعوا .. أن الحكم عليهم غير ملزم ، وما تنفيذه إلا برضا الطرفين. وحتى يتم التراضي فعلى السادة الفقراء تناول ذلك الشعر منقوعاً (حلواً مراً) . عبد المكرم من جهته أورد حين نُودي للشهادة: (اللافت في قصص عمر الحويج .. تلك القدرة المدهشة على تقطير التجربة الإنسانية عبر أدوات القص الناجز…). تُرفع الجلسة للتأمل. بصعوبة تسللت بين غلافي الكتاب ، ووجدتني كمن يمشي على طريق طويل غير مرصوف. لفت نظري تواريخ النشر الملحقة بالقصص حتى أنها نحت العناوين عن ذاكرتي. السنوات كما أعمدة الهاتف على درب العمر. تأمل هذه القوائم والتباعد بينها (1964/ 1965/1969/ 1973/1995/2008). سنوات قطعها الحويج برفقة المسافر في قصة المطارات. كتب: (حزمت حقيبتي .. حملت جواز سفري .. وتأبطت كتابي ، هي أشيائي التي سترافقني في سفري هذا .. متعدد المحطات. وغادرت). كشف الحساب يقول بأن عمر قد أنجز مائة صفحة على مدى أربعة عقود ويزيد . وله لا شك انجازات أخرى . ربما امتلك عقاراً ، أطياناً ، ورصيداً في بنك الحياة . كفة المقبوضات والمصروفات لا تخلو هي الأخرى من استحقاقات له وهموم عليه . ذلك جله لا يعنينا وإن كان عصب الحياة. نثمّن جداً هذا المقبوض بأيدينا . أليس عجيباً أمرنا أن نعنى بهذه الهوامش ولا نحفل بالمتون ، الأطيان ، الزرع ، والأرصدة؟ الجيل الحالي قد لا يجد الطعم على اللسان في قراءته تلك النصوص . لا ينحازون لها مثلما نحن. يحتاجون إلى عون . الشريف قاسم ينفعهم، لإجلاء ما عَمِي من مفردات ، وما غمض من كلمات . وفي هذا المقام فيما أحس ليس مرغوباً الإفراط في العامية. ذلك شأن محلي ، محدود الأثر، ضحل المياه. ظني عمدتنا المحبوب : الانفتاح على الآخرين جيئة وذهوباً على طرق سريعة ، وبين هنا وهناك ، تسديد ، مقاربة ، وبين بين. قصصنا حدثت في غابر السنوات إلا واحدة تأخر ميلادها. بعضها أنجبته القرية ، أخريات وُلدن في المدينة ، وثلة (في الزمن الذي كانوا ينتزعون فيه الطفل من رحم أمه المعلقة على الحبل..) ص (57). على الأقدام مشوا . الدراجات ركبوا والحمير . القطار مضى. الباخرة مخرت. الطائرة أقلعت. على مدى نصف قرن بعد الاستقلال جرت تحت الجسر مياه كثيرة ، نميرة ودميرة . ما تغيرت الأيام في حر الصيف وبرد الشتاء . مطر الخريف وزهر الربيع ، ولكنا تغيرنا. تبدلت المفردات والعملات. من عملات الأمس المتناثرة في قصص المجموعة: (الشلن . العرضة . العنقريب. الفوانيس . كسرة بايتة . العطشجي. اللمبة أم عوينة. السقو. الرتينة. البمبر. القرقاب…). كما قطار على قضبان تنزلق الجمل . هذه محدثات جلبها الصحافيون. الإرث اللغوي ، قبل خلافتهم، كان وضع النقط على الحروف وتحتها. لكن سواداً كثيراً من الكتاب نثروا النقاط بين الجمل. أهملوا إلا القليل منهم الشولة السادة ، والأخرى المنقوطة. لا تعجب، لا استفهام ولا ملح طعام. هجروا لوازم أخرى مهمة. جعلوا النقطة نقطتين فاتصلت كتاباتهم خرزاً ودرراً. تحبيرهم الورقَ قطارُ الحروف يمضي على سكة حديد هكذا: ( .. .. .. .. .. ). تأمل هذه العينة على قضبان المجموعة : (هو .. الذي يستثيرهم .. بصمته ويستفزهم ، يخيفهم .. بغضبه ، وإن كان ، صمته .. لا يفصله ، عنهم .. بل يجعله قريباً منهم ، فغضبه يبعده عنهم .. يختفي عنهم ، بالأيام..). هل هو التحرر من قيود اللغة ، أم موضة هذا الزمان؟ أفي اللغات الأخرى مثل صنيعنا ، أم الأمر تجديد؟ كلمات الحويج يكررها بإصرار حتى تضئ، مثل من يقدح عود ثقاب على ظهر تمساح خشن: (الطفل.. إنه يعود.. إنه يمشي.. إنه يجلس.. إنه يقف.. إنه ينظر.. إنه.. إنه..). يكررها حكاية مكواة فحم. ينفض رمادها. يوقد جمرها. ثم يكوي بها القصص حتى تستقيم. أثر قلمه على الصفحات: (هو.. الذي يركض، ويركض، وجهته الأفق البعيد.. هو يركض، وكلبه يركض خلفه.. هو، الذي يركض، وكلبه، هو الذي يلهث..). الفن مكواة بشرط ألا تحترق الثياب بجمرة تسقط أو تتلوث برماد. وبعض الكتابة أعواد ثقاب تتوقد أو تخبو. بهذا القدح والكي تتوهج بعض قصص المجموعة، وبعضها بالكاد. أخذتني القصص الأولى إذ استوت سليقة بعيداً عن الصنعة والدسم: (حين اشتد بهم الفقر أكثر، قررت أمه، أن ترسله إلى الخرطوم، أودعته يومها القطار، ووقفت بعيداً عنه، تحتضنه بعينيها، والدموع تحجب عنها شبحه، فلا تراه كما ترغب، وحين بدأ القطار في إعلان تحركه، مطلقاً صافرته: تذكّر لحظتها.. الفتى الصغير حضن أمه الدافئ.. والحنون، وهذا ما دفعه والقطار يتحرك، أن يحاول الارتماء، على هذا الحضن، ولكن الأرض الصلبة هي التي احتضنته، وكان دم.. وجرح غائر في جبينه.. لا يزال. ضمدته أمه بحفنة تراب.. وبعض أعشاب، وأودعته بعدها قطار اليوم الثاني) كان ذلك في عام 1965م. متعتها أن الكاتب كان يغرف وهو مقبل على الحياة. مبهوراً ليس يدري ما يدخره القدر من مفاجئات الطريق. وبعد أن يصبح العالم قفا يفقد الإنسان الطعم. لا شيء يدهش. لا شيء يحزن، كما لو كل الأمور سواء. السنوات سلسلة الظهر الفقرية وهنت. توجع هذه المجموعة كما غضروف. يحتاج التعافي إلى زمن وعلاج طبيعي طويل الأمد حتى تسكت الآلام. يعود عمر والعود أحمد. ظنه أن يتمدد هانئاَ على (عنقريب) مرتخي الحبال. يشرب القهوة مع الغالي (تمر السوق) وقت الشروق. سوق (التلاتة)! هيهات يا صديقي. الأطباء يوصون بالرقاد على مسطح. وصفتهم الخشب. وإذ أنت تعود لعلك تلمس الفرق أوان الغروب. زمن الصبا كنت ترتع مقبلاً على جبل الحياة أمامك شامخاً. واليوم أراك ترنو من أعلى سقف العمر. لعلك تكتب العشية شيئاً، إن وجدت الشهية. أو أنت تبني بيتاً في الوادي الأخضر. عنوان المقال ونجومه سقطت عليّ من رف لقصة في المجموعة، يتمتع فيها (أحمد) بعنقريب ، يرقد عليه بمفرده منذ أن سافر أخوه الأكبر إلى الخرطوم ليلتحق بالجامعة.. الآخرون كل اثنين في عنقريب. ص (82). كم كانت الدروب صعبة وقتذاك ، والسكة حديد. الحياة قابضة والنفوس منشرحة. ثم إني يعلم الله احترت في العنوان كيف يكون : أجلست السرائر وهي ضيقة على السرر الفسيحة. ولما أصبح الصباح وجدتها في السُفل ، فتركتها سباتها الذي ترون. حين توقظها شمس الضحى تتزحزح. اليوم ثمة سرر شواغر، كثيرة، متسعة، وبرغم ذلك يرفس بعضنا بعضاً. تقاربنا: (زح من جنبي). سلامنا: (محارباك ما تكلمني). أنسنا: (ضيّقت خلقي). وفاؤنا: (يا خائن.. سرقت قلبي). غرامنا: (أنا الليل وأنت النجوم. أنت الضحك وأنا الهموم). صحفنا خمسون. أحزابنا ستون. جنيهنا سبعون. عاصمتنا خرطوم. نشرة الأحوال السياسية في أبريل: ارتفاع الموج متر ونصف متر. الحلم امتلاك العالم. إني أتوجس خيفة: الشجر يسير. المطر غزير. البحر لجي. أهي كذبة؟ نكون أو لا نكون؟ تلك هي المسألة. ثمانون. تسعون. مائة كاملة، فهلاّ بعد التعب انجمينا؟ عجيبة قصصنا القصيرة. وأكثر عجباً منها، رواية هذا الكون، الذي ناموسه يتمدد يتمدد. والإنسان فيه يسعى ملسوعاً، ليس يسعد.
*****
وقصة قصيرة :
بقلم / عمر الحويج
[ مشهد داخل ذاكرة تتلاشى ] .
حمدان الجنيدابي.. يتذكَّر:
أنه.. في تلك، الليلة الليلاء.
حيث الزمان.. كان هو، غير الزمان.
حيث المكان.. كان هو، غير المكان.
حيث الناس.. كانوا هم، غير الناس.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. في تلك الليلة، بعينها.. لا غيرها، أرعدت السماء، دونما سحب.. واهتزّت بفعلها.. الأرض، والجدران، والبشر.. وانشقّ الفضاء، عن دويٍّ هائل.. لا مثيل له، إلا في أساطير.. الآتين، وليس الأولين!!.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. فقط، وفي لحظته: تلك الأولى. أو تحديداً أكثر دقة. ما قبل الأولى. انقلب على جنبه الأيمن، ولكن حين اصطدم، ذلك الدويّ، بجدار الحلم، الذي كان يناوشه. انقلب، على جنبه، الأيسر.. ولكن حين صحبت ذلك الدويّ الهائل، تلك الهزة القوية، التي ارتعش لها ذلك الجسد، الموبوء قبلاً، بالسهر والحمى. حتى انتفض مذعوراً، مفزوعاً.
أول.. ما فكر فيه: أن حدثاً، جللاً قد وقع.. رغم أنه لم يتبيّنه بعد، إلا أنه قفز، هذه المرة بجنبيه: الأيمن، والأيسر -معاً هكذا- وفي وقتٍ واحد.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. وكخطوة أولى -وإن لم تكن إرادية- بحث عن سكّينه، التي عادة لا يخلعها من ذراعه إلا كي تعمل: عند الضرورة، أو عند اللزوم.. وهذا ما يحدث بوتيرة متصلة.. يومياً.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. ترك أمرَ تحسُّسه، لموقع السكين. وتلفت يبحث عن نعاله، حين وجد نفسه -كيف لا يدري- في قلب الفضاء الشاسع.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه، لم يكمل البحث عن نعاله. تناسى أمر النعال، حين أحس، أن شوكة لعينة، انغرزت في باطن قدمه.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى أمر تلك الشوكة اللعينة، حين رأى، الآخرين وقد سبقوه، واحتلوا قبله، قلب الفضاء الشاسع.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه، تناسى أمر الآخرين، الذين احتلوا قبله، قلب الفضاء الشاسع، حين رأى، على مدى السراب، تلك الشجرة الضخمة، التي هي بحجم الفضاء الشاسع.. المتدلية من الأعالي، ولم تلامس الأرض، جذورها.. بعد.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى، وبتصميم هذه المرة، أمر تلك الشجرة الضخمة، والتي هي بحجم الفضاء الشاسع.. المتدلية من الأعالي، ولم تلامس الأرض، جذورها.. بعد. حين رأى.. لدهشته، الآخرين.. الذين احتلوا قبله، قلب الفضاء الشاسع.. يتحركون، ولكن بأكفان: بعضهم، بلا أجساد، داخل أكفانهم، وبعضهم بلا رؤوس على أكتافهم.
حمدان الجيندابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى أمر الآخرين، الذين يتحركون.. ولكن بأكفان: بعضهم، بلا أجساد داخل أكفانهم، وبعضهم بلا رؤوس على أكتفاهم. حين تذكر، أولئك الذين يأتون إليه.. يقولون:
هؤلاء الناس، يولدون.. بغير ما ترغب!!.
يقول لهم، حمدان الجنيدابي:
أبيدوهم.. أبيدوهم.. أبيدوهم ..!!
حمدان الجيندابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى أمر أولئك الذين يأتون إليه، حين رأى بأم عينيه، ذلك الجسد، المصلوب بامتداد تلك الشجرة، الضخمة، بحجم الفضاء الشاسع، المتدلية من الأعالي، ولم تلامس الأرض، جذورها، بعد.
حمدان الجيندابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى أمر ذلك الجسد، حين تذكّر أولئك الذين يأتون إليه.. يقولون:
هؤلاء الناس، يعيشون حياتهم.. بغير ما ترغب .. !!
يقول لهم.. حمدان الجيندابي:
أبيدوهم.. أبيدوهم.. أبيدوهم .. !!
حمدان الجيندابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى أمر أولئك الذين يأتون إليه، حين لمح لبرهة قصيرة وعابرة، وإن لم تكن عامدة.. أن ذلك الجسد المصلوب، بامتداد الشجرة الضخمة، المتدلية من الأعالي، بحجم الفضاء الشاسع، ولم تلامس الأرض،جذورها.. بعد، يشبهه إلا قليلاً، بمقدار لم يتبيّنه بعد.
حمدان الجيندابي.. يتذكر:
أنه.. تناسى أمر ذلك الجسد، الذي يشبهه، إلا قليلاً بمقدار لم يتبينه بعد، حين تذكر أولئك الذين يأتون إليه.. يقولون:
هؤلاء الناس، يفرحون، ويحزنون.. بغير ما ترغب ..!!
يقول لهم.. حمدان الجنيدابي:
أبيدوهم.. أبيدوهم.. أبيدوهم!!.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. لم يتناس هذه المرة، وإنما عادت إليه ذاكرته، وامضة براقة.. وليس كعادتها، حين تأكد له، بعد برهة لاحقة، لم تكن أبداً، غير أنها متعمدة. أن هذا الجسد، المصلوب بامتداد الشجرة الضخمة، بحجم الفضاء الشاسع، المتدلية من الأعالي، ولم تلامس الأرض، جذورها.. بعد. لم يكن إلا هو بعينه، حمدان الجيندابي، بسكّينه.. التي لا يخلعها إلا لكي تعمل.. بنعاله التي تناسَى أن ينتعلها.. وحتى بتلك الشوكة اللعينة التي انغرزت في باطن قدمه.
حمدان الجنيدابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى كل هذا، حين رأى تلك الشجرة الضخمة، تعلو.. وتعلو، وما عاد مصلوباً عليها ذلك الجسد، الذي هو بعينه، حمدان الجيندابي، حين تذكر أولئك الذين يأتون إليه.. يقولون:
هؤلاء الناس، يموتون.. بغير ما ترغب ..!!
يقول لهم.. حمدان الجيندابي:
أبيدوهم.. أبيدوهم.. أبيدوهم ..!!
حمدان الجيندابي.. يتذكّر:
أنه.. تناسى أمر أولئك الذين يأتون إليه، حين رأى تلك الشجرة الضخمة، وقد عادت وغرزت جذورها في باطن الأرض، ولم يعد مصلوباً عليها ذلك الجسد، الذي هو بعينه حمدان الجيندابي.
حمدان الجيندابي.. يتذكر:
أنه.. تناسى أمر تلك الشجرة الضخمة والتي غرزت جذورها في باطن الأرض، ولم يعد مصلوباً عليها ذلك الجسد، والذي هو بعينه حمدان الجيندابي،حين وجد نفسه:يجري ويجري،يلهث ويلهث، بحثاً عن حمدان الجيندابي، الذي لم يعد مصلوباً على تلك الشجرة الضخمة،بحجم الفضاء الشاسع،والتي انغرزت جذورها في باطن الارض
وإن لم يجده..يجري ويلهث..وإن لم يجده،يجري ويلهث..وإن لم….
حمدان الجيندابي.. يتذكر:
أنه.. لم يعد يتذكر، فقد بدأت ذاكرته، تتلاشى.. تتلاشى.. تتلاشى.
*****
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.