الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



27 عاماً على استشهاده..الأستاذ محمود محمد طه.. الأفكار لا تموت
نشر في الراكوبة يوم 21 - 01 - 2012

سجن بواسطة الاستعمار الإنجليزي المصري في شهر يونيو من عام 1946 فكان بذلك أول سجين سياسي في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الإنجليزي المصري. وكان أول الداعين للنظام الجمهوري في السودان في الفترة ما قبل استقلال السودان بعامين، وفي الوقت الذي كان فيه حزب الأمة يدعو إلى مملكة تحت التاج البريطاني، والحزب الاتحادي يدعو إلى مملكة متحدة مع مصر.. عرف بين أتباعه ومحبيه وأصدقائه بلقب الأستاذ الذي يسبق اسمه دائماً عند الحديث عنه. إنه قتيل الفكر الأستاذ محمود محمد طه الذي أتى استشهاده في الثامن من يناير من العام 1985 على يد الرئيس نميري وكان يبلغ من العمر "ستة وسبعين" عاماً وحدث ذلك قبل ثورة مارس ابريل ب "سته وسبعين" يوماً. وهاهي الذكرى السابعة والعشرون لرحيله تمر علينا والأوضاع السياسية والاجتماعية للسودان تزداد سوءاً لتعبر أفكار الأستاذ وتحليلاته بشكل كبير عن الواقع بكافة تجلياته كما رسمها، وكما تنبأ بها ونبه لها عبر مؤلفاته ومحاضراته ودعوته الجهيرة بالحق والخير والجمال.
ابتسامة على حبل المشنقة
(أنا أعلنت رأيي مراراً، في قوانين سبتمبر 1983م ، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام ..أكثر من ذلك، فإنها شوهت الشريعة ، وشوهت الإسلام، ونفرت عنه يضاف إلى ذلك أنها وضعت، واستغلت، لإرهاب الشعب، وسوقه إلى الاستكانة، عن طريق إذلاله ثم إنها هددت وحدة البلاد هذا من حيث التنظير. وأما من حيث التطبيق، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنياً، وضعفوا أخلاقياً، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين، ومن أجل ذلك، فإني غير مستعد للتعاون، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر، والتنكيل بالمعارضين السياسيين).
بهذه الكلمات التي أبسط ما يمكن أن نصفها به: أنها شجاعة، تحدث الشهيد الأستاذ محمود محمد طه في وجه قاضي المحكمة ليعطيه درساً في الأخلاق، عله يعتبر، وهو بهذا يؤكد أن لا قوة يمكن أن تمنعه عن قول الحق وعن إطلاق العنان لرأيه حتى ولو كان على حبل المشنقة. لله درك من رجل استطاع أن يبتسم بفخر وهو على حبل المشنقة، وكان ذلك عند الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الثامن عشر من يناير 1985م ، الموافق للسادس والعشرين من ربيع الآخرة من عام 1405ه، حيث صعد الأستاذ محمود درجات السلم إلى المشنقة مرفوع الرأس، تحت سمع وبصر الآلاف من الناس، وعند ما نزع الغطاء الذي كان يغطي رأسه قبيل التنفيذ، انكشف وجهه عن ابتسامة وضاءة لفتت الأنظار، فانفتحت بموقفه الأسطوري هذا، وبابتسامة الرضا تلك. ويا لسخرية القدر أن تكون جريمة الأستاذ محمود وجماعته، أنهم أدلوا برأيهم في أمور تهم أبناء هذا الوطن وهي تتعلق بمدى مطابقة قوانين سبتمبر 1983 للشريعة الإسلامية و مدى مخالفتها لدستور البلاد. ولا شك أنهم كانوا يمارسون حقاً يكفله دستور البلاد وتحترمه المواثيق الدولية والأعراف السياسية المتحضرة، ولكنه كان في عرف الدكتاتورية جرماً يستحق عليه القتل بلا رحمة.
إضاءات حول فكر الأستاذ
هناك محوران أساسيان في الفكرة الجمهورية، المحور الأول معرفي صوفي، يتعلق بنظرية المعرفة بمعنى كيفية اكتسابها والغرض منها، حيث يعتبر بأن الطريق للمعرفة الحقه، هو طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذي أتى ليعلمنا كيف نحقق الكمال الإنساني ، والطريق لذلك هو تقليده، فعلى المسلم تتبع آثار أقدامه حتى يصل إلى درجة أصالته، وشعائر الإسلام ومن بينها الصلاة هي أصيلة فقط بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعند بلوغ المسلم لمقام أصالته تكون له شريعته الفردية الخاصة، وحتى يتم ذلك ينبغي أن يكون المسلم مقلداً . المحور الثاني يتعلق بالرسالة وقد ذكر بشأنها الأستاذ محمود محمد طه مايلي : ((إن للإسلام رسالتان: رسالة أولى قامت على فروع القرآن، ورسالة ثانية تقوم على أصوله. ولقد وسع التفصيل على الرسالة الأولى ولا تزال الثانية تنتظر التفصيل، وسيتفق لها ذلك حين يجيء رجلها، وحين تجيء أمتها، وذلك مجيء ليس منه بد كان على ربك حتماً مقضياً، من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصيلها في القرن العشرين ، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع، عن مستوى مجتمع القرن العشرين، أمر لا يقبل المقارنة ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلاً، وإنما هو يتحدث عن نفسه فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إما أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف، قادراً على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع وفي مضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته نفدت وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع القرن السابع ، والمجتمعات التي تليه، مما هي مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات ، وهذا ما لايقول به مسلم. ومع ذلك فإن المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة)). كتاب الرسالة الثانية من الإسلام.
شمولية الفكرة ومنهجيتها
وقد صاغ الأستاذ محمود محمد طه- بموجب فكرة الرسالة الثانية- آراء اجتماعية تلغي ما اعتبره مرحلياً في التشريع، أي ما يعني المسلمين في القرن الأول من الإسلام وما يليه مثل فكرة الجهاد وتعدد الزوجات والحجاب وتحريم الاختلاط وغيرها، وكانت آراءه في هذا الإطار داعية إلى أن أصول الإسلام التي يجب أن نعمل بها في القرن العشرين هي المساواة السياسية عن طريق الديمقراطية، والمساواة الإقتصادية من خلال تطبيق الإشتراكية، بما يضمن توفير الحرية الفردية المطلقة، التي اعتبرها غاية الإسلام ومظهرها هو أن الفرد يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، وضابطها هو مصلحة الجماعة.
تتميز الفكرة الجمهورية بالشمولية وبالمنهجية المركبة؛ ذلك لأنها يتم التفكير فيها من خلال نسق فلسفي محدد، فهي فكرة معرفية وعقلانية وليبرالية بالتالي يمكن لأي أحد أن يأخذ ما يشاء من أفكار الأستاذ محمود محمد طه ويترك أيضا مايشاء، وهذا يعني أن الفكرة قوية و قادرة على التأثير في مجمل الحركات الفكرية في العالم، ولذلك من الصعب أن يتبنى أحد الفكرة الجمهورية بشكل مطلق، و أن يختلف معها أحد بشكل مطلق، إلا إذا كان ذلك الاختلاف هو اختلاف تمليه المصالح السياسية كموقف الإخوان المسلمين منها في السودان، وما يميز لغة الأستاذ محمود محمد طه أنها لغة رفيعة جداً، وفي ذات الوقت بسيطة جدا بحيث يستطيع كل من يقرأ كتبه أن يفهم بقدر عقله وأفقه.
ردود الفعل الداخلية على الجريمة
النقابات
كانت أيام المحاكمة قد شهدت بدايات تجمع الحركة النقابية الوطنية، مستنكرة صدور الحكم ومتصدية لكشف ما يريده النظام بإصدار مثل ذلك الحكم من إرهاب المعارضة، و إسكات أي صوت ضد بطشه وقهره و تنكيله بالشعب، فأتت ردود الفعل الداخلية قوية معبرة عن رفضها لهذه الجريمة، ونورد منها بيان الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، بتاريخ 10/1/1985 حيث جاء فيه ما يلي: (نخاطبكم والبلاد تمر بفترة من أحرج فترات تاريخها الحديث وأحلكها، نخاطبكم في وقت ديست فيه حرية الفكر، وأذلت فيه أعناق الرجال وارتخصت فيه حياة المفكرين).
تقدمت نقابة المحامين بتاريخ 12/1/ 85 بمذكرة إلى رئيس الجمهورية جاء فها: (تلقينا- مع أبناء شعبنا أجمعين- صدمة الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات بأم درمان بإعدام المتهمين في القضية المعروفة (حكومة السودان ضد محمود محمد طه وآخرين) معتبرين أن بيانهم ليس مرافعة، بل صرخة ضمير حي، و نداء أحرار من الموقع المستقل الذي لا تتعلق به شائبة هوى أو غرض، نرفعه لسيادتكم ونحن ندق ناقوس الخطر الذى يتهدد مصير الأمة، وعقائد المواطنين، ومستقبل الوحدة الوطنية، مطالبين أكثر من أي وقت مضى بإلغاء قانون أمن الدولة وكافة القوانين المقيدة للحريات.. الخ
الحزب الشيوعي
و جاء في بيان سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ما يلي: (اجتاحت البلاد موجة مشروعة من الغضب و الاستهجان على حكم الإعدام بحق الأستاذ محمود محمد طه و زملائه من قادة الجمهوريين .. و استنكر أهل السودان على اختلاف مشاربهم، استهتار نميري و أعوانه بأبسط قيم العدالة في المحاكم الميدانية و الإيجازية التي أسموها محاكم عدالة إسلامية ناجزة ! فالجمهوريون لم يفعلوا أكثر من استعمال حقهم كمواطنين، وعرضوا وجهة نظرهم من منطلقات إسلامية، ومن موقع التعاطف مع السلطة وتقدموا بنصيحة للسلطة لإلغاء تشريعات سبتمبر 1983، و حل مشكلة الجنوب حلاً سياسياً حسب ما جاء في منشورهم، فأي عدالة سماوية أو وضعية تبيح تقديمهم للمحاكمة تحت حشد من مواد القانون الوضعي الرجعي في آنٍ واحد، ثم يصدر الحكم ضدهم شرعياً حدياً بالتكفير و الإعدام ؟ إن حكم الإعدام على الفكر السياسي، هو الثمرة المرة للتجارة بالدين واستخدام الإسلام واجهة لتسلط حكم الفرد، وبعث لأكثر تاريخ صفحات الدولة الإسلامية سواداً، حيث يكفر الحاكم معارضيه السياسيين ويستبيح دماءهم . و يتسابق علماء السوء و قضاة الضلالة في تدبيج الفتاوى والأحكام لتبرير استبداد الحاكم.)
الإخوان المسلمين
ويذكر أن "الإخوان المسلمين الذين حضر عدد كبير منهم المحاكمة قابلوا إصدار حكم الإعدام على طه بالتصفيق الحاد، وكان موقفهم كدأبهم في الكيد للفكرة الجمهورية، الشامت الشاعر بزهو الانتصار، الفرح بما يجري من تنفيذ للجريمة، والتي كانوا يشاركون فيها النظام مشاركة تامة، وقد عبروا عن ذلك في الندوات والأركان التي كانوا يقدمونها في الجامعة وفي صحيفتهم الحائطية (آخر لحظة) ثم في صحيفتهم (ألوان) وفي التجميع الغوغائي الذي جمعوه يوم التنفيذ، والمظاهرة الفرحة التي قادوها عقب تنفيذ الحكم !! و في مشاركة القاضي أحمد محجوب حاج نور، الأخ المسلم المعروف، وأحد أعضاء محكمة الاستئناف، ثم في تصريحات الترابي لعدد من الصحف الأجنبية عندما سئل عن القضية، فعبر عن تأيدهم لاغتيال الأستاذ محمود في إجاباته على جريدة (الهدى) بتاريخ 9 جمادى الآخرة 1405 فقال عن الأستاذ محمود "محمود محمد طه لا يعرفه أهل السودان سياسياً" !! ،" لأن دعوته دينية، لأنه رجل له قضية، و قضيته ضد الدين الذي تعرفونه من الإسلام في الضرورة" ثم تحدث عن جدية نميري في تطبيق "الشريعة الإسلامية" فقال: (نميري أكثر من جاد، و أكثر توكلاً من كثير من الحكام).
أسماء ترسل رسالتين عبر الفكر الجمهوري
وأوضحت ابنة الأستاذ أسماء محمود محمد طه قائلة: الواضح أن المرحلة الحالية تشهد إقبال الناس على الفكرة الجمهورية بصورة أكبر حماساً مما كان عليه في وجود الأستاذ، مشيرة إلى أن هذا يعني رسالتين؛ الأولى للحكومات الدكتاتورية القامعة للأفكار، بأن الأفكار لا تموت وأن اغتيال أصحابها ليس حلاً والفكرة السليمة تنتصر مهما كان. والرسالة الثانية للشعب السوداني؛ أنه في هذه المرحلة من المشاكل والمواجهات والضغط وتقييد الحريات والفساد المستشري وفشل الحكومة وتخبطها نرسل له إشارة للبحث عن الحلول. مضيفة في حديثها ل(الأخبار) أثناء إحياء ذكراه بمنزله أول أمس (الأستاذ محمود محمد طه قدم حلول في مجال الدعوة للإسلام "العدالة، الحرية بقوله الحرية لنا ولسوانا، ومبدأ الديمقراطية بالنسبة للأفراد والحكومات، والاشتراكية بتساوي المواطنين في الفقر والغنى، المنهاج الذي سلكه في حل المشاكل النفسية لكل فرد والتخلص من أمراض السلوك الاجتماعي".
برغم الخط السياسي الواضح الذي ينتهجه الفكر الجمهوري إلا أن الجمهوريين لم يؤطروا لهذا الفكر بإطار سياسي واضح يعرفه كحزب سياسي، له مواقفه الواضحة من الواقع السياسي، وأرجعت أسماء محمود ذلك إلى أن الفكرة تأثرت بشكل كبير بغياب الأستاذ، ولكنها أكدت أن كل ما حمله الأستاذ من أفكار موجودة وموثقة في الكتب والإنترنت وعبر المركز الثقافي الذي يحمل اسم محمود محمد طه، والفعاليات المختلفة للمركز حيث يتم طرح مختلف الرؤى، ويأتي من ضمنها الفكر الجمهوري. وأضافت، الفكر الجمهوري موجود ومتاح لكل الناس، ويمكن لكل من يريد أن يطلع على الفكر أن يفعل ذلك، ومن يؤمن به عليه أن يقوم بإرساله ونشره بين الناس، معتبرة أن الأمر لا يحتاج إلى فعل منظم.
لمحات من تاريخه
ولد الأستاذ محمود محمد طه في مدينة رفاعة بوسط السودان في العام 1909م تقريباً، لوالد تعود جذوره إلى شمال السودان، وأم من رفاعة، حيث يعود نسبه إلى قبيلة الركابية من فرع الركابية البليلاب، نسبة إلى الشيخ المتصوف حسن ود بليل من كبار متصوفة السودان.
2. توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لماّ يزل في بواكير طفولته، وذلك في العام 1915م تقريباً، فعاش الأستاذ محمود وإخوته الثلاثة تحت رعاية والدهم، وعملوا معه بالزراعة، في قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته في العام 1920م تقريباً، فانتقل الاستاذ محمود وإخوانه للعيش بمنزل عمتهم.
بدأ الأستاذ محمود تعليمه بالخلوة، كما كان يفعل سائر السودانيين في ذلك الزمان، حيث يدرس الأطفال شيئاً من القرآن، ويتعلمون بعضًا من قواعد اللغة العربية، غير أن عمته كانت حريصة على إلحاقه وإخوانه بالمدارس النظامية، فتلقى الأستاذ محمود تعليمه الاوّلي والمتوسط برفاعة. ومنذ سني طفولته الباكرة هذه أظهر الأستاذ محمود كثيراً من ملامح التميز والاختلاف عن أقران الطفولة والدراسة، من حيث التعلق المبكر بمكارم الأخلاق والقيم الرفيعة، الأمر الذي لفت إليه أنظار كثير ممن عاش حوله.
بعد إتمامه لدراسته الوسطى برفاعة انتقل في عام 1932 إلى عاصمة السودان، حيث كان حينها يقع تحت سيطرة الاستعمار البريطاني، وذلك لكى يتسنّى له الالتحاق بكلية غُردون التذكارية، وقد كانت تقبل الصفوة من الطلاب السودانيين الذين أتّموا تعليمهم المتوسط، حيث درس هندسة المساحة. كان تأثيره في الكلية على محيطه من زملائه الطلبة قوياً، وقد عبر أحد كبار الأدباء السودانيين عن ذلك التأثير بقوله: (كان الأستاذ محمود كثير التأمل لدرجة تجعلك تثق في كل كلمة يقولها!)
تخرج الأستاذ في العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتي كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة، وعندما عمل الأستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، رغم كونه من كبار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادي الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا، وأوعزت إلى مصلحة السكة الحديد بنقله، فتم نقله إلى مدينة كسلا في شرق السودان في العام 1937م، غير أنّ الأستاذ محمود تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، واختار أن يعمل في قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول، بعيداً عن العمل تحت إمرة السلطة الاستعمارية. كان الأستاذ محمود في تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان، علما بارزاً في النضال السياسي والثقافي ضد الاستعمار، من خلال كتاباته في الصحف، ومن خلال جهره بالرأي في منابر الرأي، غير أنّه كان مناضلاً من طراز مختلف عن مألوف السياسيين، حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها، وقد أدرك الإنجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه.
تزوج من آمنة لطفي عبد الله، وهي من أسرة لطفي عبد الله العريقة النسب والدين، والتي تنتمي لفرع الركابية الصادقاب، وقد كان زواجهما في أوائل الأربعينات من القرن الماضي. كان أول أبنائه (محمد) وقد نشأ في كنف أبويه متفرداً بين أترابه، غير أنه لم يكد يخطو نحو سني الصبا حتى غرق في النيل عند رفاعة في حوالي عام 1954، وهو لما يتعد العاشرة من عمره. كان الأستاذ وقتها خارج رفاعة، فعاد إليها عندما بلغه الخبر، وتلقى العزاء في ابنه راضياً، قائلاً لمن حوله: لقد ذهب ابنى لكنف أبٍ أرحم مني! له من الأبناء بعد ابنه (محمد) بنتان هما أسماء، وسمية.
من مؤلفاته الرسالة الثانية من الإسلام، رسالة الصلاة، طريق محمد، مشكلة الشرق الأوسط، التحدي الذي يواجه العرب، تطوير شريعة الأحوال الشخصية، لا اله الا الله، من دقائق حقائق الدين، زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في الميزان، قدم الكثير من المحاضرات والندوات كما قام بالكثير من الأنشطة الأخرى في سبيل التربية والتوعية ونشر الفكر الجمهوري.
الاخبار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.