مذكرة تفاهم بين جهاز المغتربين والصندوق القومي للاسكان والتعمير لتوفير سكن للمغتربين    مانشستر سيتي يتخطى دورتموند ويضرب موعدا ناريا مع باريس    حميدتي يوضح الموقف الضريبي للاتحاد ويؤكد الشفافية المالية الكاملة بالاتحاد    الاردن تعتمد عدد من المسالخ الجديدة في السودان    وزير الري يكشف عن أولى خطوات السودان التصعيدية ضد إثيوبيا    الوساطة الجنوبية: عبد الواحد نور يرغب بالمساهمة بتحقيق السلام في السودان    البرهان يعلن عن إجراءات عاجلة بعد اشتباكات دامية    تحديث.. سعر الدولار و العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 14 ابريل 2021 في السوق السوداء والبنوك السودانية    امساكية شهر رمضان في السودان للعام 1442 هجرية و مواقيت الصلاة و الإفطار    مصدران: السودان يرسل أول وفد رسمي إلى إسرائيل الأسبوع المقبل    وزيرة الخارجية تؤكد مساندتها لجهود الهيئةالعربية في تحقيق الأمن الغذائي    وزير الاستثمار : لن ننزع المشاريع الممنوحة من العهد البائد    بايدن يعلن سحب القوات الأميركية من أفغانستان بحلول سبتمبر    الشركة القابضة للكهرباء: زيادة التوليد المائي والحراري خلال رمضان    ثغرة أمنية في واتساب ستفاجئ ملايين المستخدمين    شداد يجتمع مع لجنة تطبيع نادي الهلال    الهلال يقترب من حسين النور    كورونا والعالم.. وفيات الفيروس تقترب من 3 ملايين    هكذا سيكون "آيفون 13"..وهذه هي التغييرات الملاحظة    المحكمة ترد طلب تبرئة المتّهم الرئيسي في قضية مقتل جورج فلويد    منها ضعف المعرفة الأمنية وسهولة تخمين كلمات المرور.. أسباب جعلت المصريين هدفا للمخترقين    إعتقال شخصين بتهمة قتل امرأة وإصابة طفلها    بين السودان وإثيوبيا.. حدود لا تعرف الهدوء    "حادثة الكرسي".. اردوغان يرد على رئيس الوزراء الإيطالي    سر جديد وراء الشعور بالجوع طوال الوقت.. دراسة حديثة تكشف    مسؤول رفيع ب"الكهرباء" يكشف خطة تحسين الإمداد وتقليل القطوعات خلال رمضان    بعد غياب طويل.. فرقة الأصدقاء المسرحية تعود للعمل الجماعي    إصابات جديدة ب"كورونا" والخرطوم تتصدّر قائمة الوفيات    أكرم الهادي سليم يكشف عن"4″ عروض رسمية    قبائل بغرب دارفور تشدد علي حسم المتفلتين    والي الخرطوم يطلب الدعم الفني من بعثة "اليونيتامس" لادارة النفايات    ريان الساتة: "يلّا نغنّي" إضافة لي ولدي إطلالة مختلفة    مذيعة مصرية تقتل زوج شقيقتها في أول أيام رمضان    هل عدم الصلاة يبطل الصيام ؟ .. علي جمعة يجيب    في تأبين فاروق أبوعيسى.. سيرة نضال على جدار التاريخ    تفاصيل مثيرة في قضية اتهام وزيرة بالعهد البائد لمدير مكتبها بسرقة مجوهراتها الذهبية    أبيض أسود .. مصطفى النقر.. أنشودة كروية خالدة    بحسب تقريره الفني.. فورمسينو يخلي كشف الهلال من المحترفين الأجانب والمجلس يبحث عن البديل    مقال تذكاري، تمنياتنا بالشفاء بأعجل ما يكون، الشاعر الكبير محمد طه القدال.    استقيل ياسقيل ..    كبسور: اليوتيوب ساهم في مضاعفة إنتاج الدراما    نقرشة .. نقرشة    نقر الأصابع..    916 مليون دولار والتحقيقات مستمرة.. تداعيات الخلاف بين قناة السويس و"إيفر غيفن"    ليس بالمال وحده تتطور الزراعة    فرفور:لا أرهق نفسي بالمشغوليات في رمضان وأحرص علي لمة الاسرة    ربطتها صداقة قوية مع محمود عبد العزيز محاسن أحمد عبد الله: ما (بتجرس من الصيام)!!    اتهام شبكة تتألف من (7) متهمين بتزوير شهادات فحص كورونا    تطعيم أكثر من 93 ألف شخص ضد "كورونا" بالخرطوم    خطأ شائع في السحور يقع فيه كثيرون يبطل الصيام    "علم الصيام".. الفوائد الصحية للصوم    شطب الاتهام في مواجهة مدير عام المؤسسة التعاونية للعاملين بالخرطوم    بدء محاكمة (19) متهماً من أصحاب محلات الشيشة    الشرطة: ضبط أكثر من (19) مليون حبة ترامادول مخدرة خلال العامين الماضيين    القبض على شبكات إجرامية في السعودية استولت على 35 مليون ريال نصباً    مذيعة تصف لقمان أحمد بأنه مستهتر وديكتاتور جديد    لختم القرآن في شهر رمضان.. إليك مجموعة من الطرق السهلة    الطاهر ساتي يكتب.. والوطن بخير..!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تعقيب على رد د. الترابي بمؤتمر الدوحة حول اغتيال الأستاذ محمود
نشر في حريات يوم 11 - 10 - 2012


محمد محمد الأمين عبد الرازق
قال د. حسن الترابي في رده على سؤال حول الوقفة التاريخية، للأستاذ محمود ضد نظام مايو، يوم 18/1/1985م، قال عنها أنها كانت محاكمة بسبب إثبات لتهمة الردة.. إن الترابي، في إطار سعيه الجنوني نحو السلطة قد سجل لنفسه رصيد من التناقضات في المواقف والآراء، تدفعك لأن تعذر من يشكك في تماسكه العقلي!! وحتى لا نتهم بالمبالغة، أرجو أن نتابع نماذج من أقواله..
لقد علق الترابي لجريدة الوطن بتاريخ 30 أبريل 1988م، فقال: “إن ردته أكبر من كل أنواع الردة التي عرفناها في الملل والنحل السابقة.. ثم واصل: وعندما طبق نميري الشريعة تصدى لمعارضته لأنه رأى عندئذ رجلا دينيا يريد أن يقوم بنبوة غير نبوته هو، وأكلته الغيرة فسفر بمعارضته ولقي مصرعه غير مأسوف عليه البتة “.. وكما هو واضح، فإن حديث الترابي في مؤتمر الدوحة، منسجم مع هذا الموقف المتخلف، ولكن اقرأ ما قاله الترابي لصحيفة السوداني بتاريخ 4 يناير 2006م حول نفس الموضوع: “كنت ضد إعدام محمود محمد طه وضد إعدام مجدي وجرجس والطالب الجنوبي، الإعدام كان إعداما سياسيا.. أنا ما جادلت محمود أصلا في حياتي ولكن كل قوانين الطواريء والقوانين الجنائية معروف أنني كنت ضدها!!.. “.. ثم قال لصحيفة الصحافة بتاريخ 5 يناير 2006م : “لا أحب أن أصم إنسان بالكفر مهما فعل”!! والغريب إن الترابي تحدث بحديثه أعلاه، لصحيفة السوداني، من تلقاء نفسه، وقبل أن يثير الصحفي موضوع الأستاذ!! ألست على حق، إذا تشككت في التماسك العقلي لهذا الرجل “الغياظ” بلغة الشباب!!؟؟
على كل حال، نواصل في توضيح الحقائق حول موضوعنا، ليعرف الجيل الجديد تفاصيل هذه الحادثة المؤسفة في تاريخنا الوطني..
لقد أشاع نميري وقضاته في ذلك الوقت، أن محاكمة الأستاذ تمت بسبب أفكاره حول تطوير التشريع فيما عرف بالرسالة الثانية من الإسلام.. ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فلم تكن للمحاكمة أي علاقة بالإسلام ولا بالأفكار، وإنما كان نميري يستغل الدين لتصفية من يعارضه جسديا، من أجل الاستمرار في السلطة..
وخلفية الأحداث هي أن مايو، تعرضت لمحاولات الاحتواء من الداخل بعد المصالحة الوطنية، في نهاية السبعينات من القرن الماضي.. وقد تعمقت المحاولة من قبل جماعة الأخوان المسلمين بقيادة د. حسن الترابي، فسيطرت جماعته على مفاصل السلطة وعلى المال عن طريق بنك فيصل الإسلامي، وهم يمارسون هذه السيطرة، تحت راية التوجه الإسلامي.. ونتيجة لهذا الزحف الفعال لاكتمال الاحتواء، فقد بات من المؤكد لمايو، أن نهاياته ستقود إلى سقوط نميري، وفي محاولة لكسب السباق، أصدر نميري عام 83 قوانين سبتمبر، ليفوت الفرصة على الأخوان المسلمين فلا يتمكنوا من اسقاطه بحجة تأسيس التوجه الإسلامي المزعوم..
وقد كتب الجمهوريون العديد من الكتب، لكشف مخطط الأخوان المسلمين لاحتواء السلطة، ثم سلطوا الضوء على التخبط الذي صار سمة للسلطة بسبب هذا السباق المحموم.. وعندما أصدر الجمهوريون منشورا يعارض قوانين سبتمبر، تم اعتقال الأستاذ محمود ومجموعة من تلاميذه، وقدموا للمحاكمة بهدف اسكات المعارضة السياسية والفكرية، تحت غطاء الردة عن الاسلام للتبرير الديني لتغطية الأهداف الحقيقية وراء هذا القمع المخطط له ..
إن تهمة الردة لم توجه أصلا إلى الأستاذ محمود لا في محكمة الموضوع ولا في غيرها، فهي لم تكن مثبتة كمادة فى القانون الجنائي السائد في ذلك الوقت، وإنما أقحمتها محكمة المكاشفى ” الاستئناف ” إقحاما فيما بعد.. وعندما رفع الحكم غير المؤسس قانونا الى نميري، عقد محكمة جديدة وقدم حيثيات لتبرير الحكم الجائر، قال : ( إن الجمهوريين تحولوا من بائعين للكتب بالنهار الى موزعين للمنشورات فى الظلام ) وهذه هى النقطة الأساسية التي كان نميري ينطلق منها، وهى استغلال المحاكم لإرهاب المعارضين السياسيين والتنكيل بهم، من أجل تثبيت نظامه الذى تهاوى من كل جانب.. فالمسألة كلها إغتيال سياسى لمفكر أبدى معارضة فكرية جريئة لحاكم طاغية.. وإمعانا في تضليل الشعب وخوفا من الرأي العام زج بتهمة الردة لتوحي بأن الأمر أمر دين لاستدرار تأييد البسطاء محبي الدين..
والحقيقة، إن توجيه نميرى من بدايته لمحكمة الموضوع كان بأن يكون الحكم قائما على تهمة الردة، ولكن القاضي المهلاوي في محكمة الموضوع، لم يستطع حبك وإخراج رغبة نميري، فاكتفى بإصدار حكم الإعدام فقط، بناء على قانون أمن الدولة، وهو يظن أنه قد نفذ أقصى ما يريد سيده وهو حكم الإعدام، فخرجت الردة من المعادلة.. وليحققوا توجيه نميري في تأسيس الحكم على الردة، سارعوا الى إدخالها فى مرحلة الاستئناف بغير حق إذ أن التهمة أصلا غير منصوص عليها قانونا، فكانت المحاكمة كلها مخالفات لأبسط إجراءات المحاكم..
إن الوثائق التي ضبطت داخل القصر الجمهوري فيما بعد كشفت التآمر الجنائي وأوضحت النية المبيتة سلفا لتصفية الأستاذ محمود جسديا، واليك هذا الخطاب الصادر من نميرى، وهو يوجه بطانته باتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ الاغتيال، كنموذج لتلك الوثائق :
الأخ عوض، النيل والأخت بدرية :
سلام الله عليكم
آخر هوس الأخوان الجمهوريين هذا المكتوب الذى أرى بين سطوره ” الردة بعينها ” أرجو الاطلاع ومعكم الأخ بابكر، سأجتمع بكم للتشاور في الأمر “إنشاء الله” بعد أن تكونوا على استعداد..
أخوكم فى الله
جعفر محمد نميرى
8 جمادى الأولى سنه1304ه
(تنبيه: أخطا نميري في كتابة إن شاء الله وأخطأ في التاريخ 1304ه والصحيح 1404ه)
هذه الوثيقة كتبت بعد حوالى خمسة اشهر من إعلان قوانين سبتمبر 1983م الذي يوافق ذي الحجة من عام 1403 هجرية، فقد كان الاستاذ محمود حينها داخل المعتقل ومعه مجموعة من تلاميذه منذ يونيو 1983م بسبب الكتب التي أخرجوها في انتقاد سياسات مايو الخاطئة مثل الإعفاءات التي أعطيت لبنك فيصل والتكامل مع مصر، وكذلك كتاب “الهوس الديني يثير الفتنة ليصل إلى السلطة”، إضافة إلى مطالبتهم المستمرة بالمنابر الحرة.. واستمر الاعتقال إلى ديسمبر 1984م حيث أفرج عنهم جميعا تمهيدا لتقديمهم للمحاكمة.. هذا وقد كان الأستاذ محمود على علم بهذا المخطط الذي يستهدف حياته، فقد قال في أمسية الإفراج 19 / 12 / 1984 م لتلاميذه :
( نحن أخرجنا من المعتقلات لمؤامرة !! نحن خرجنا فى وقت يتعرض فيه الشعب للإذلال والجوع، الجوع بصورة محزنة.. ونحن عبر تاريخنا عرفنا بأننا لا نصمت عن قولة الحق.. وكل من يحتاج أن يقال ليهو في نفسه شئ قلناهو ليهو !! ومايو تعرف الأمر دا عننا!! ولذلك أخرجتنا من المعتقلات لنتكلم لتسوقنا مرة أخرى ليس لمعتقلات أمن الدولة، وإنما لمحاكم ناس المكاشفى!!
لكن نحن ما بنصمت.. نميري شعر بالسلطة تتزلزل تحت أقدامو فأنشأ هذه المحاكم ليرهب بها الناس ليستمر فى الحكم.. واذا لم تكسر هيبة هذه المحاكم لن يسقط نميرى، واذا كسرت هيبتها، سقطت هيبته هو وعورض وأسقط !!
نحن سنواجه هذه المحاكم ونكسر هيبتها، فاذا المواطنين البسيطين زى الواثق صباح الخير لاقوا من المحاكم دي ما لاقو فأصحاب القضية أولى !!).. انتهى..
كما هو واضح من هذه الكلمات، فقد كان للأستاذ محمود خطة لإنهاء نظام نميري، الذي بلغ من الفساد أقصاه، باستغلال الدين.. والخطة مؤسسة من وحي التكليف القرآني: (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا، واجعل لنا من لدنك نصيرا).. والحديث النبوي: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).. فالأستاذ محمود بهذه الخطة، قرر أن يقوم بواجبه المباشر في دفع الظلم عن الضعفاء، وتنقية الدين من التشويه، ثم يرضى بالنتيجة مهما كانت..
هذا وقد شرح الأستاذ لتلاميذه معني الفداء في الإسلام بما معناه: إن الأوبئة الفتاكة والفتن التي تفرزها النفوس الملتوية عندما تتولى أمور الناس، لا تزول إلا إذا دفع عارف بالله نفسه فداء للشعب، وضرب أمثلة لذلك من تاريخ شيوخ الصوفية في السودان فيما يختص بالأوبئة الفتاكة التي تشبه فتنة مايو من حيث الفتك بالمواطنين الأبرياء.. ولذلك فقد قال فور خروجه من المعتقل: (نحن ما خرجنا لنرتاح) فأخرج المنشور الشهير (هذا..أو الطوفان) بتاريخ 25/12/1984م الذي قامت عليه المحاكمة.. وما إن وقع المنشور في أيدي بطانة نميري حتى سارعوا بكتابة الخطاب التالي إليه:
الأخ الرئيس القائد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المنشور المرفق وزعه الجمهوريون وقد قبض على ستة منهم، وتم التحقيق معهم وسوف يقدمون للمحاكم.. وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. ولا شك أنها بداية لمسيرة ظافرة بإذن الله يتساقط دون هدفها كل مندس باسم الدين وكل خوان كفور ولله الأمر من قبل ومن بعد، وفقكم الله لقيادة المسيرة الظافرة، وأقام نهج الله على آثار المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن سار بسيرهم ومنهجهم إنه سميع مجيب الدعاء..
النيل عبد القادر أبوقرون
6 ربيع ثان 1405 ه
الحمد والشكر لله ولصفيه ورسوله محمد رسول الله والله أكبر على المنافقين..
6 ربيع ثان 1405 ه نميري.. هذا هو تعليق نميري..
إن هذه الوثيقة لهي أخطر الوثائق الدالة على الخرق الصريح لاستقلال القضاء الذي كان يمارسه نميري ومستشاروه القانونيون.. وعندما تقرأ مع الوثيقة الأولى تتوفر عناصر التآمر الجنائي بصورة جلية.. ولذلك قال الأستاذ محمود عن قوانين سبتمبر أمام المحكمة: (أنا أعلنت رأيي مرارا في قوانين سبتمبر 83، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام.. أكثر من ذلك، فإنها شوهت الشريعة وشوهت الإسلام ونفرت عنه.. يضاف إلى ذلك، أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله، ثم إنها هددت وحدة البلاد..هذا من حيث التنظير..
وأما من حيث التطبيق، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنيا، وضعفوا أخلاقيا عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق، وإذلال الشعب وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين وإذلال المعارضين السياسيين..
ومن أجل ذلك فإني غير مستعد للتعاون مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت أن تكون أداة من أدوات اذلال الشعب وإهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين)..
فالموضوع من جانب نميري كان كله سياسة وعبادة للسلطة وما القضاء إلا مجرد وسيلة لاسكات المعارضة.. ولما كان الأمر بهذا الوضوح، فقد جاءت حيثيات المحكمة العليا بعد سقوط مايو قوية الأدلة في توضيح مخالفات هذه المهزلة التي تمت باسم الدين وباستغلال القضاء..
حيثيات المحكمة العليا :
لقد رفعت الأستاذة أسماء محمود بالاشتراك مع الاخ عبد اللطيف عمر عريضة دعوى جنائية الى المحكمة العليا عام 1986م، ونظرت الدعوى وأصدرت المحكمة حكمها ببطلان جميع قررارات محاكم نميرى وأوردت في نهاية حيثياتها :
( أما ما ترتب على ذلك من أحكام بالإعدام فقد ألغيت في مواجهة جميع المحكوم عليهم فيما عدا والد المدعية الأولى.. ورغم ما شابتها من مخالفات للقانون والدستور، فقد أصبحت حقائق فى ذمة التاريخ، تقع المسئولية عليها سياسية فى المقام الاول ).. وحول تهمة الردة جاء في الحيثيات : ( ولعلنا لا نكون فى حاجة الى الاستطراد كثيراً فى وصف هذا الحكم فقد تجاوز كل قيم العدالة سواء ما كان منها موروثا ومتعارفاُ عليه، أو ما حرصت قوانين الإجراءات الجنائية المتعاقبة على النص عليه صراحة، أو انطوى عليه دستور 1973م” الملغى ” رغم ما يحيط به من جدل.. ففى المقام الاول أخطأت محكمة الاستئناف فيما ذهبت إليه من أن المادة 3 من قانون أصول الاحكام لسنة 1983م كانت تتيح لها أو لأى محكمة أخرى توجيه تهمة الردة ).. هذا وقد أوضحت المحكمة سبب الخطأ وهو أن المادة 70 من الدستور ” الملغى ” تنص على ( لا يعاقب شخص على جريمة ما إذا الم يكن هناك قانون يعاقب عليها قبل ارتكاب تلك الجريمة ).. وحول هذه النقطة قالت المحكمة : ( ومؤدى ذلك أنه ما لم يكن هناك قانون يجرم الفعل وقت ارتكابه فإنه لا مجال لاعتبار الفعل جريمة، والقانون هنا هو التشريع رئيسياً كان أو فرعياً ).. وتواصل المحكمة : ( على أن محكمة الاستئناف لم تكن عابئة، فيما يبدو، بدستور أو قانون، إذ أنها جعلت من إجراءات التأييد التى ظلت تمارسها المحاكم المختصة فى سماحة وأناة، وبغرض مراجعة الأحكام مراجعة دقيقة وشاملة، محاكمة جديدة قامت عليها المحكمة بدور الخصم والحكم مما حجبها، حتى بفرض صحة توجيه تهمة جديدة فى هذه المرحلة فى أن تعيد الاجراءات مرة أخرى لمحكمة أول درجة لإعلان المحاكمة بموجب التهمة الجديدة، وذلك فيما تقضى به المادة 238 ه من القانون، أو أن تتجه إلى سماع المحكوم عليهم بنفسها وفاء بواجبها فى ذلك بموجب المادة 242 من القانون ذاته ).. وتواصل ايضا : ( ومهما يكن من أمر النصوص القانونية فإن سماع المتهم قبل إدانته مبدأ أزلى لم يعد فى حاجة الى نص صريح بل تأخذ به كافة المجتمعات الانسانية على اختلاف عناصرها وأديانها، باعتباره قاعدة مقدمة من قواعد العدالة الطبيعية )..
وحول بيان نميرى عند التصديق على الحكم جاء فى الحيثيات : ( هذا ما كان من أمر ما تم باسم القضاء، أما ما صدر من رئيس الجمهورية السابق عند التصديق على الأحكام فإنه يكفي لوصفه أن نقرر: أنه مجرد من أي سند في القوانين والأعراف، ولا نرى سبباً للاستطراد فيه بأكثر من ذلك لما فيه من تغول على السلطات القضائية، فقد كاد أن يعصف بها كلها !!).. انتهى..
أما النائب العام بعد الانتفاضة الأستاذ عمر عبد العاطى، فقد أودع رده لدى المحكمة كما يلى :
1/ نعترف بأن المحاكمة لم تكن عادلة ولم تتقيد بإجراءات القانون..
2/ إن المحاكمة إجهاض كامل للعدالة والقانون..
3/ لا نرغب فى الدفاع إطلاقاً عن تلك المحاكمة..
أيها القاريء المحترم : هل استيقنت من صحة عبارة الأستاذ أمام المحكمة: (وأما من حيث التطبيق فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير مؤهلين فنيا وضعفوا أخلاقيا عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لإضاعة الحقوق، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين وإذلال المعارضين السياسيين)..
كلمة شاهد على العصر:
سألت صحيفة الوفاق الدكتور حسن مكي بتاريخ : 5 / 12 / 1998 م:
س : قيل أن لك علاقة خاصة بمحمود محمد طه والبعض قال إن حسن مكى مأسور جدا بشخصية وأفكار محمود..
ج : والله أنا من المأسورين به.. أنا كنت أعرفه وأتردد على منزله فى ذلك الوقت.. وكنا كشباب فى الثانويات نجد عنده اللقمة.. نتعشى معه وكنا نتعجب أن الشخص الذى يشغل الساحة الفكرية شخص بسيط زاهد ومتواضع وكان المفكر الوحيد المطروحه كتبه فى السوق..
س : وحينما أعدم ؟
ج : كنا مسرحا لأفكار شتى، السياسي فينا كان يتكلم أن الحمد لله ربنا خلصنا من خصم قوي، وكان حيعمل لينا مشاكل، وكان حيكون أكبر تحدي لفكر الحركة الإسلامية السياسية.. والفكرى فينا كان يتحدث بأن هذا الشخص له قدرات فكرية وروحيه أعلم منا وأحسن منا.. ولكن السياسي دائما ما ينتصر هنا !!
س : والآن ؟
ج : أنا بفتكر أن محمود محمد طه جرعة كبيرة لا نستطيع أن نتحملها !!
س : ولكن أمين حسن عمر قال أن الترابى انتصر عنده الفكري على السياسي وكان ضد إعدام محمود !!؟؟
ج : أنا لا أريد أن أدخل بين الترابي وأمين, ولكن بعتقد أن الصف الإسلامى فى ذلك الوقت كان جميعه مع إعدام محمود محمد طه !!
س : نحن نسأل عن موقف د. حسن الترابي ؟
ج : أنا أعتقد أنو كان خائف على أنو نميرى ينكص عن إعدام محمود محمد طه ويدعو الله ألا يحدث ذلك !!
س : الرأي الفقهي في هذه القضية و.. ؟
ج : د / حسن مكى مقاطعاً القضية سياسية ما فيها رأي فقهي خصوصاً وأن محمود كان أقوى فى طرحه ضد الشريعة الاسلامية فى ذلك الوقت !!
س : ولكن الترابى يعلن دائماً أن المرتد فكرياً لا يقتل !؟
ج : أنت تريد أن تخرج لموقف الترابى !! وأنا أوثق للتاريخ..
س : هناك رأى يقول أن د. الترابي كان حريص على إعدام محمود وأن محمود كان يمثل منافساً شخصياً له على مستوى الطرح الإسلامي ؟
ج : هسع الأنقاذ ما قتلت ناس ؟ ما قتلت ناس مجدى فى دولارات ؟ لأنه كان مؤثر على سياستها الاقتصادية ؟ فكيف إذا كان مؤثر على المشروع كله ؟ هسع كان جبت الترابي يقول لك أنا ما موافق على قتل مجدي، أمين حسن عمر يقول نفس الكلام !! .
س : د. حسن مكي جزء من الحركة الإسلامية ؟
ج : ناس الحركة الإسلامية ناس ما عندهم مقدرات ويمثلوا المجتمع الاسلامى فى زمن الانحطاط !! وما عندهم عبادات !! انتهى..
خاتمة:
إن المعركة بين الأستاذ محمود ونميري قد انتهت بفداء الأستاذ للشعب وسقوط نميري، وعليه فقد حقق الأستاذ هدفه وهو أداء الواجب المباشر على أكمل وجه، ثم الرضا بالنتيجة، وبدا مبتسما فوق حبل المشنقة، ولقي ربه فرحا، فانطبقت عليه الآية: ” وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا” والآية (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)..أما نميري فقد فقد السلطة التي عبد الله من أجلها، وارتكب جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار، في سبيلها، ولذلك فهو الخاسر في الدنيا بالسلطة وفي الآخرة بالجريمة، فانطبقت عليه الآية: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين).. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.