شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    نصف مليون دولار!!:ياللهول    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    بالصورة والفيديو.. على طريقة عاشق "عبير".. فتاة سودانية تصعد مكان مرتفع بمنزلها وترفض النزول دون تنفيذ مطالبها..شاهد رد فعل والدتها!!    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام واللغة العربية شكّلا قاعدة أساسية لهوية الجماعات المتنوعة في شمال السودان.. بولاد نشط إسلامياً لكنه تحالف مع الحركة الشعبية بعد أن شهد معاناة أهله في دارفور
نشر في الراكوبة يوم 22 - 05 - 2010

يتطرق د، موسي في هذا الفصل الي اشكاليات المفاهيم المتعلقة بمكونات المجتمع السوداني والصفات الجوهرية للقبائل والإثنيات المتنوعة كالآتي:
أولاً : مفهوم الهوية
يمكن النظر إلي الهوية منخلال اركانها أو من قوماتها ومرتكزاتها، مثل الدين واللغة والقيم والاخلاق. ومن الملاحظ ان هذه العناصر تتقاطع مع معظم عناصر الثقافة، لكن هناك من يعرف الهوية تعريفا لغويا، فيقول (الهوية) هي من كلمة (هو) بضم الهاء وكسر الواو المشددة. والهوية بمعني الماهية (ما هو؟ وما هي؟)، اي حقيقة الشخص أو الشيء المشتملة علي صفاته الجوهرية التي تميزه من غيره.
كما يعرفها اخرون بانها (مجموعة من الاوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره). لكنهناك من يري ضرورة التلازم بين جانبين أو بعدين مهمين في الهوية، وهما جانب (التصورات والتصرفات، اي الجانب الفكري الاعتقادي الذهني المعنهوي، والجانب العملي الواقعي. وكما ان للفرد هوية، فكذلك للمجتمع هوية وللامة هوية. وهوية المجتمع تنطلق من افراده، اذ للهوية (علاقة اساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، وبالتالي تحدد سمات شخصيته). واطر سلوكه وتصرفاته ويمكن لعدة اثنيات ان تشكل هوية واحدة يجمعها الدين واللغة، مثل الهوية الاسلامية، والهوية العربية، والهوية الزنجية. فمثلا توجد اثنيات واقليات في الوطن العربي تجمعها الهوية العربية، مثل الدروز، والعلويين، والموارنة. كما ان هناك نماذج من الهويات مثل الهوية العربية الاسلامية، يمكن ان يكون قوامها ثقافة.
يعترف ويتفق العلماء علي ان مفهوم الهوية معقد جدا، فجوهر المفهوم يجد تفسيرات في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. فقد ذهب سيغموند فرويد إلي انه يرتبط بخاصية اصيلة في الفرد تتمثل في غريزة الانتماء. فالانسان حيوان اجتماعي. وينطوي هذا المفهوم علي نزعة الانسان إلي ان ينسب نفسه إلي كيان ما، وان هذا الانتماء يقوم علي العاطفة وبالتالي يمكن ان تقوم الهوية علي اساس عاطفي وتنشأ الهوية في اللاوعي، ويكون لها قوة الدافع أو الباعث في سلوك الفرد. ويظهر ذلك من تجلياتها الارتدادية واللاعقلانية.
لكن يري اخرون ان هذا التفسير الفرويدي لعمليات تشكيل الهوية الذي يركز علي العاطفة متناقض لانه يفرز مشكلة في التحليل العلمي، مثل التساؤل حول: متي يحدث الفعل الايجابي؟ ومتي يحدث رد الفعل السلبي؟ وما الذي يسود في النهاية، الفعل الايجابي ام السلبي؟
الهوية ارتباط عاطفي
ويتمثل جانب اخر من التعقيد في تعدد اشكال الهوية ومع تعدد ابعاد الهوية واشكالها، إلا ان البعد السياسي هو الذي يهم هذا الكتاب. هذا مع الاخذ في الاعتبار ان الهوية السياسية نفسها تتأثر بالابعاد النفسية والدينية والاجتماعية والاثنية، كما هي في الحالة السودانية، فانتماء الشخص إلي جماعة ما بغض النظر عن كون هذه الجماعة سياسية ام لا يرتبط بعمليات نفسية لها علاقة بالسلوك السياسي. وذلك مثل ان تتحقق هوية الشعب بانتمائه إلي امة أو إلي حركة ايديولوجية، أو إلي حزب سياسي أو إلي طبقة اجتماعية، أو إلي جماعة اثنية، أو حتي إلي جماعة مهنية، أو إلي عقيدة دينية، ونحو ذلك فمن ناحية سياسية، فان الهوية السياسية تعني (احساس الفرد بالانتماء إلي جماعة اذا كان ذلك الانتماء (الانتماء علي اساس الهوية)، يؤثر في سلوكه السياسي.
ثم يفصل الباحث في أنواع الهويات واختلافها من دولة الي أخري ومن عصر الي آخر، بقوله:
من ناحية سيكولوجية، يري فرويد، ان الهوية تعبر عن ارتباط عاطفي للفرد بجماعة ما وينعكس ذلك علي سلوكه، بما في ذلك سلوكه السياسي. لكن يري البعض ان الطبقة الاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد يمكن ان تشكل تأثيرا في سلوكه. وكذا الدين والاثنية أو العرق. فحتي في الدول الغربية المتقدمة، مثل الولايات المتحدة الامريكية، كان للدين تأثير في السلوك السياسي، حيث لعبت الهوية كعامل مستقل يبعث الحيوية في السلوك الانتخابي فمثلا منذ ثلاثينيات القرن العشرين ظل الكاثوليك الامريكيون يصوتون للحزب الديمقراطي. هذا التأثير مستقل عن الوضع الاجتماعي الاقتصادي أو حتي الانتماء الاثني.
لكن تختلف مكونات الهوية من دولة إلي اخري، وربما من عصر إلي اخر. فالهوية السياسية في دول الغرب مثلا تختلف ايضا من دولة إلي اخري، ففي بعضها يشكل الانتماء إلي حزب سياسي عصب السلوك السياسي والموقف الانتخابي. فالاحزاب النرويجية تحصل علي انصار ومؤيدين من جماعات دينية ومهنية وطبقات معينة. وهذه الهويات والانتماءات هي التي تعزز الهوية السياسية مقارنة بالولايات المتحدة، حيث يكون الانتماء إلي الحزب نفسه مشكلا لقاعدة اساسية للاختيار، اي مرجعية لاختيار مستقل نسبيا عن تأثير الانتماء إلي الجماعات أو المكونات المختلفة، بمعني ان الفرد يصوت للحزب الديمقراطي بغض النظر عن انتمائه إلي جماعة السود أو الانغلو ساكسون أو اليهود مثلا.
طغيان الإثنية علي الهوية
علي الرغم من هذه التعقيدات في تعريف الهوية، الا ان الدين الاسلامي واللغة والثقافة العربية شكلت قاعدة اساسية للهوية للجماعات المختلفة في شمال السودان. هذه الهوية العربية الاسلامية اضعفت الهويات الاخري، مثل الإثنية غير ان الهوية العربية الاسلامية لم تقض علي الهويات الاخري. لكن احتوتها من خلال عملية استيعابية شكلت مصدرا للاستقرار النسبي والتعايش السلمي لمختلف الاثنيات لفترات طويلة، اي ان الدين مثل الايديولوجيا، يمكن ان يشكل حاضنا للهوية عندما يكون هو المرجعية في القيم والمواقف والسلوك. وكذلك الاثنية، يمكن ان تكون محورا للهوية، وهي بالفعل كذلك في كثير من الدول، خاصة المتخلفة، حيث مازالت الإثنية تشكل عصب البناء الاجتماعي والانتماء السياسي، إلي درجة ان النخب اصبحت تتمترس بالاثنية في كسب التأييد الشعبي والوصول إلي السلطة، واحيانا تطغي الإثنية حتي علي العقيدة الدينية في التأثير في السلوك السياسي.
ففي الواقع السوداني، علي الرغم من ان الإثنية والدين يشكلان مكونات حيوية للهوية، الا انه احيانا يطغي تأثير الإثنية في الهوية، خاصة الهوية السياسية، وقد طغي تأثيرها في العامل الديني عندما تم تسييس الدين ولم يعد هو (الدين) يشكل المرجعية أو المظلة الاستيعابية الفاعلة، فتحركت ديناميات الهوية من منصة الدين إلي منصة الاثنية. وهناك الكثير من الامثلة أو الشواهد من الواقع السوداني في هذا السياق. فقصة داوود يحيي بولاد معروفة، وهو الذي كان من كوادر الحركة الاسلامية المخلصين والنشطين منذ ان كان طالبا.
فقد ترأس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم (دورة 1975 1976) وهي فترة المواجهة الشرسة بين التنظيم ونظام جعفر النميري العسكري الشمولي (1969 1985). كان بولاد من أبناء دارفور. وبعد ان تخرج، راي ان أهله في دار فور يعانون. ويبدو ان عاطفة العنصرية ممزوجة بالشعور بالظلم تغلبت علي الانتماء الايديولوجي. فانسلخ عن الحركة الاسلامية والتحق بالمعارضة المسلحة متحالفا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها (الراحل) العقيد د. جون غارنغ. ويقال انه عندما قابل غارنغ قال له (الدم غلب الدين) في اشارة إلي انسلاخه عن الحركة الاسلامية، وانحيازه إلي اهله في دارفور، اثنيا أو عنصريا، كذلك هناك حالة د. خليل ابراهيم الذي انسلخ عنالحركة الاسلامية، دينيا أو ايديولوجيا وانحاز إلي اهله من خلال قيادته لحركة التمرد الدارفورية (حركة العدل والمساواة). واصبح من الد اعداء الحركة الاسلامية الحاكمة في الخرطوم، حيث قاد محاولة انقلابية ضدها في 10 ايار (مايو) 2008 وفشل. ثم يبحث الباحث مفهوم الإثنية وتغيره بنشوء الدولة القومية في أوروبلا، والفرق بين الإثنية والايديولوجيا كما يقول:
ثانيا: الاثنية: الظاهرة والمفهوم
1 تكتسب مسألة الاثنيات في عالم اليوم اهمية كبري، فبعد ان ساد اعتقاد في خواتيم القرن العشرين بان الانسان في ترقيه في سلم الحداثة سيصل إلي درجة تتلاشي فيها الانتماءات الإثنية والثقافية ليحل محلها الانتماء الطبقي في المفهوم الماركسي أو ليحل محلها الانسان الاخير، بحسب تعبير فرانسيس فوكوياما جاءت الوقائع لتثبت خطأ هذه التنبؤات فقد شهد العالم تصاعدا في الاهتمام بهذه الولاءات والانتماءات.
يبدو انه كلما زاد تعرض المجتمعات لموجات التحديث سابقا أو العولمة حاليا، زاد حماسها للبحث عن جذورها. ومن امثلة ذلك ما حدث في تركيا ودول اسيا الوسطي وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق. وتزداد هذه الظاهرة كلما كانت هناك سلطة مركزية قابضة تهمش الثقافات الوطنية الاخري أو تقصي الثقافات المحلية، فتكبتها ولا تجد طريقا للتعبير عن نفسها، فيكون رد الفعل انفجارا في شكل حروب اهلية أو ظهور حركات متعصبة.
العرق مكون أساس
نشأت الدولة القومية في اوروبا معتمدة علي الإثنية بصورة أو باخري، وذلك في اعقاب صلح ويسفاليا الذي انهي الحروب الدينية في عام 1648. ومع ذلك فان الدول المتجانسة اثنيا لا تشكل اكثر من 10 بالمئة من مجموع دول العالم، في مقابل 90 بالمئة من الدول المتعددة الاثنيات. واكتسب مصطلح الإثنية في العقدين الماضيين قدرا عظيما من الاهمية في القاموس السياسي الاجتماعي، وذلك بعد ان بدأت حدة استقطاب الايديولوجيات الشمولية (الاممية) و(القومية) تخف، وبعد ان بدأ الباحثون في ميادين السياسة والاجتماع يتحررون من خشية الوصم ب (البدائية) أو التخلف ان هم عادوا إلي الاهتمام بوحدات اصغر واضيق بعد ان تابين لهم الحاح هذه الوحدات الاصغر علي التأثير في مجري وتطور الحياة السياسية والاجتماعية، ومدي ما يسببه تجاهل واغفال وجودها من كوارث. وقد عمد كثير من الباحثين إلي ايجاد خصائص للاثنية تميزها من (القومية) ومن العنصرية، في آن، وتجد لها صياغات كواقع اجتماعي وكأيديولوجيا. وعقدت مقارنات كثيرة بين المجموعة الإثنية وبين الايديولوجيا الإثنية وايديولوجيا الامة أو القومية . وهناك اجماع علي ان المجموعة الإثنية اصغر واضيق من الأمة، وان (الاثنية) الصق بالتركيب النفسي والمزاج الاجتماعي من القومية. والمجموعات الاثنية، كما يري سميث (بالضرورة مقصورة علي افرادها الذين يهتسبون اليها وينحدرون من اسلافها، بينما تكون الامة رابطة تقوم علي أسس ثقافية وسياسية). الا أن سميث ينبه إلي خطورة امكانية تتبع وإرجاع أصول الامة إلي المجموعات الإثنية القومية، وإرجاع القومية إلي الاثنوية وخطورة هذا انه ينتهي إلي العنصرية.
ويحد الباحث ضرورة للتفريق بين المجموعة الإثنية والإثنية والاثنوية، ويعد الفرق مكوناً أساسياً في كل مجموعة كما يقول:
ولهذا فمن الضروري التفريق بين:
المجموعة الاثنية: كمحوعة أفراد تنحدر من الاسلاف انفسهم، وتوحد بينهم خصائص بيولوجية وانماط سلوكية وراثية لا تتوافر الا لمن يولد أو ينشأ داخل تلك المجموعة الإثنية المعنية.
الاثنية: وهي الانتماء والشعور بالولاء إلي مجموعة اثنية بعينها.
الاثنوية: كايديولوجيا أو التمركز حول الذات وهي مصطلح نفسي يعبر عن التحيز إلي مجموعة اثنية بعينها ضد المجموعات الإثنية الاخري وتفضيلها عليها، وتصور خصائص لها تميزها منكل المجموعات الاخري، مما ينتهي بها إلي شيء من العنصرية. اما العرق أو العنصر فهو احد المكونات الضرورية والأساسية للمجموعات البشرية علي اساس بيولوجي يوجد خصائص مميزة، مثل الشكل والتركيب العضوي واللون، وافتراض وجود جينات موروثة مشتركة. اما (العرقية) أو (العنصرية) فهي ما قد ينتج من ارجاع (القومية) إلي (الاثنية)، ثم تركيز الإثنية علي الاعتداد بالجانب البيولوجي الذي يقود إلي الايمان بتميز عنصر علي عنصر، وعرق علي عرق، فيقود إلي تلك الصراعات والكوارث التي وصلت قمتها في المانيا في عهد النازية، وفي جنوب افريقيا في عهد الابارتايد. وتعبر عن نفسها في كثير من دول العالم، ومن بينها السودان.
إثنيات لم تنصهر
2 مفهوم الاثنية
كما سبقت الاشارة، فان الإثنية تشكل اهم مكون في بنية الهوية، خاصة في العالم الثالث. وهذا يستدعي الوقوف عند مفهوم الاثنية، لان البحث سوف يستند إلي حد كبير إلي هذا العنصر في سياق تحليل اثر الهوية في علاقات الشمال والجنوب في السودان.
في معجم اكسفورد شرح لكلمة ethnic المتعلقة بالعرق Race . والعرقية لا تعني سوي انتماء جيني إلي مجموعة بشرية محددة (سامية أو حامية أو آرية). ولا تعني بالضرورة انتماءك الثقافي الذي يحكم اراءك وتصوراتك ونمط حياتك المعيشي، والأهم هويتك، بينما يمكن الاعتراف بانه ليس بالضرورة ان تحدد الإثنية الانتماء الثقافي بصورة مطلقة، الا انه في الواقع في كثير من المجتمعات النامية أو التقليدية نجد هناك تلازما واضحا بين الانتماء الاثني والواقع الثقافي. فمثلا في السودان نجد كثيرا من المجموعات العرقية أو الإثنية تحمل خصائص ثقافية متميزة، مثل النوبيين في شمال السودان، والنوبة في جنوب كردفان، والانقسنا في جنوب شرق السودان، وكذلك قبائل الجنوب. فكلها لها تراثها وتقاليدها وعاداتها وقيمها وأنماط سلوكها التي تميزها من بقية المجموعات العرقية في السودان. ووجود هذه المجموعات في ظل الدولة السودانية حتمته ظروف تاريخية موضوعية وتعايش جغرافي بحت. كل هذه الاثنيات التي اشار هذا الفصل إلي نماذج منها لم تندمج أو تنصهر حتي الآن في ثقافة سودانية واحدة. لذلك يصح الحديث عن قوميات سودانية وهويات سودانية. وقد شكل الدين الاسلامي والثقافة العربية عوامل ربط بين معظم هذه الاثنيات، وشكل هذان العنصران رابطاً سياسيا في اطار دولة مركزية ولكن بقيت الاثنيات حاضرة في داخل هذا الكيان السياسي المتماسك بفعل اطروحة الدين الاسلامي الشاملة الجامعة واللغة العربية التي تعكس تفوقا ثقافيا يسمو علي الثقافات الاخري الخاصة بكل جماعة اثنية. غير ان هذه الانتماءات الإثنية والثقافية (الهويات) سرعان ما تظهر إلي السطح، متجاوزة الانتماء إلي كيان الدولة السياسي كلما شعر اي من هذه المجموعات ان كيانها الاثني الثقافي مهدد، سواء كان ذلك من ناحية التعبير عن هويتها أو عن مصالحها الاقتصادية. غير ان مفهوم (الاثنية ظل من اكثر المفاهيم اثارة للخلافات وعدم الاتفاق حول مضامينه ودلالاته حيث يستخدمه البعض احيانا لوصف جماعة فرعية أو اقلية والافصاح في الوقت نفسه عن جماعة اساسية أو امة، كما انه يتسع ليشمل كل اشكال التمايز لتصبح الجماعة الإثنية بمثابة (خط متواصل يبدأ بالقبيلة وينتهي عند الامة). كما ان دراسته لا يمكن ان تتم بمعزل عن الظواهر أو الاوضاع السياسية والاجماعية والاقتصادية السائدة في المجتمع مثل طبيعة النظام والمهن، والطبقات الاجتماعية والثقافة.
الزمان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.