تجميد صناديق دعم السلام والإعمار ب"المنطقتين"    المعارضة السودانية تطالب بالتواصل مع البرهان وتنحية لجنة زين العابدين    هروب مسؤول يشغل 12 منصبا بالسكة الحديد    العثور على أموال طائلة تخص النظام المخلوع    إثيوبيا تدعم خطوات المجلس الانتقالي    لجنة لمراجعة حركة الأسهم بسوق الخرطوم    إستقالة رئيس نادي الهلال السوداني أشرف الكاردينال    بدء صرف مرتبات العاملين بالدولة في مواقعهم    قطار "ثوار" عطبرة يصل ساحة الاعتصام بالخرطوم    أحزاب: سنعتصم حال استجاب المجلس العسكري لضغوط قوى الحرية والتغيير    الاتحاد الإفريقي يمدد مهلة المجلس العسكري ل"3" أشهر    ترحيب "عمالي" بتعليق عقد الشركة الفلبينية    تراجع أسعار بعض السلع الضرورية بالخرطوم    مزارعو الجزيرة : ملتزمون بتسليم إنتاج القمح للبنك الزراعي    تجمع الحرفيين يطالب بحل اتحاد غرف الصناعات    الثورة السودانية بعيون العالم    شهادة الكباشى على دموية النظام .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    أبو التَىْ تَىْ : أو شيخنا سمح الزى .. شعر: د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد    وفاة شاب سقط من أعلى عمارة بالخرطوم    القبض على شاب بتهمة اغتصاب طفلة بأمبدة    محاكمة 3 متهمين بينهم نظامي بتهمة قتل مستأجرهم    جمهور حسين الصادق يدافع عنه بشراسة ويرفض وصفه ب(المُتخاذل).!    بين يدي التغيير في السودان (5) : الوعي المضاد.. في وصف الطبقة الجديدة .. بقلم: غسان علي عثمان    ابتكار آلات يمكنها النمو والتطور وكأنها "مخلوقات حقيقية"    كوريا الجنوبية تزيد اعتمادها على الطاقة النظيفة    الهلال يودّع الكنفدرالية بالخسارة من النجم الساحلي    حل لغز تحرك القطب المغناطيسي الشمالي بسرعة كبيرة    لاعب النجم كشريدة: الهلال كان صعب المراس    البنك الزراعي يدفع 1,3 مليار جنيه لشراء القمح    الهلال يخسر من النجم الساحلي بهدفين ويودع الكونفدرالية    الأمم المتحدة تدعو إلى زياة وتيرة الدعم الإنساني بليبيا    في أنطلاقة مواجهات دوري التحدي ود هاشم سنار يكسب الأهلي مروي بهدفين    بقيادة الفلاح والخيالة الخماسي يتأهل إلى المرحلة الأخيرة للدوري الوسيط    الخلافات تحتدم داخل (أغاني وأغاني)    في مُقدِّمتهم حسين خوجلي والطاهر حسن التوم... مشاهير أثاروا استفزاز الثُّوّار!!    في حضور ود الشيخ وقريش مجلس المريخ يجتمع ويناقش الملف المالي والنظام الأساسي    انتعاش في سوق خبيرات التجميل بسبب (ضربات شمس) الكَندّاكات!!    مصحف أفريقيا يشرع في طباعة نسخة برواية (السّوسي)    الشرطة تضبط (13328) حبة ترامادول بالمجلد    العثور على صبي مشنوقاً على فرع شجرة داخل منزل أسرته    خطف حقيبة فتاة بسيارة إفراج مؤقت بالخرطوم    إعلان المتحري في محاكمة (5) متهمين بتزوير ختم محامية    الخارجية تتسلم (5) من أطفال “داعش” بسوريا    أين المشكلة؟ .. بقلم: د. عبد المنعم عبد الباقي علي    رئيس مالي يوافق على استقالة رئيس الوزراء    الوطنية والذاتية .. بقلم: د. عبد المنعم عبد الباقي علي    3 مليارات دولار مساعدات للسودان من السعودية والإمارات    تدوين بلاغات ضد البشير أحدهما بغسل أموال وضبط مبالغ ضخمة بمقره    معرض للكتاب في ميدان الاعتصام    امانى الثورة والمسير! .. شعر/ نعيم حافظ    عبده والفضائيات والصحف السودانية!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الطيب مصطفى :اقول للذين يشيطنوننا انكم اعجز من ان تنالوا منا ولن تضرونا الا اذى    معن البياري : الوزيرة الشاعرة روضة الحاج    "البرهان" يعفي النائب العام ومساعده الأول    محكمة تعوض رجلاً فقد رجولته مبلغ (12) مليون دولار.!    ختام حملة الحمى الصفراء بالجزيرة    كبر يشهد تدشين وزارةالصحة لحملة شلل الأطفال    إنطلاقة حملة القضاء على الحصبة بجنوب دارفور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المرأة التي صنعت تمثالاً لزوجها!
نشر في الراكوبة يوم 18 - 08 - 2012

في هذه الأوراق، تصادف قتلة ومجرمين وقطاع طرق، ربما تعثر على بعض السكاكين والمسدسات وكثير من العدوانية، لكنك أيضاً ستعثر على أسباب غريبة للجريمة، وعلى ما لا يمكن أن تجده لدى المحللين والخبراء وصناع القرار... إنها أوراق حقيقية من أجندات ضباط مباحث، أتاحوها لقارئ «الجريدة» بما تضمه من وقائع وصور وذكريات مطارداتهم لتلك اليد الخفية، التي عرفتها البشرية منذ الأزل، وهي يد القاتل.
يعتقد كثر أن ضابط المباحث يتعامل دائماً مع الدماء والجرائم والجنايات وسفلة القوم، وهذا صحيح، لكن ليس دائماً فأحياناً يجد نفسه أمام مواقف إنسانية بالغة الرقة ولا يصلح معها مشرط الجراح.
لا أنسى أبداً يوم 15 سبتمبر عام 1989. كنت آنذاك برتبة الرائد، وكان هذا اليوم يصادف مناسبة عيد ميلاد زوجتي، ولأن وقت الضابط ليس ملكاً له اتفقت معها على أن نحتفل سوياً بعد عودتي من عملي في الثانية صباحاً... نوقظ الأولاد ونضع الشموع في قالب الحلوى ونطفئها معاً.
أوصتني زوجتي بألا أتأخر، وألا أنسى هديتها. فعلاً، جهزت لها وأنا في طريقي إلى المكتب خاتماً ذهبياً.
كل شيء كان يمضي بشكل طبيعي، حتى الساعة الواحدة صباحاً حينما سبقني مأمور القسم بالاستئذان نظراً إلى هدوء الحالة ولظرف خاص به، وبينما كنت أتأهب للمغادرة دخل مكتبي رجل وبصحبته امرأة، كانت العصبية تبدو على الرجل الذي جاوز عمره الستين عاماً بسنوات... وشدني أنه على رغم قوته البادية عليه أمام السيدة الحسناء، كان يحبس في جفنيه دموعاً يقاوم انسيابها!
قدم لي الرجل نفسه قائلاً:
«اسمي جمال... أعمل مقاولاً وشيدت كثيراً من العقارات وامتلكت من المال ما رزقني به الله وكان رزقاً كريماً ووفيراً. بنيت عمارة لي ولأولادي. تزوجوا جميعاً وصار لكل منهم شقة تقيم فيها أسرته الصغيرة، أما أنا فأقيم مع زوجتي الجديدة في الطابق الأخير الذي خصصته لي، لكنني فوجئت بعد عودتي أنا وزوجتي من الخارج بباب العمارة مغلقاً بجنزير من الحديد. ظننتُ أن أولادي لا يعرفون أنني كنت في الخارج، ناديت عليهم فرد كبيرهم بأنهم اتخذوا قرارهم بالإجماع بطردي من البيت! حاولت أن أدفعهم لفتح الباب، ثم نتحاور كي لا يسمع الجيران صوتنا وأنا الرجل العصامي الذي يحترمني كبار وشباب الحي وصغاره. إلا أن أكبر أبنائي راح يخيرني بين أن أدخل وحدي من دون زوجتي، أو أن أبتعد عنهم إلى الأبد أنا وزوجتي أيضاً. يا سيدي... أنقذني. أريد أن أدخل بيتي. أنا رجل أقترب من السبعين عاماً ولا أريد أن أقف في وجه أبنائي الخمسة. ليس من حقهم أن يطردوني أو أن يتدخلوا في حياتي الخاصة.
المواجهة!
انتهى كلام الرجل وكانت دموعه ما زالت تغالبه، وكنت متعاطفاً معه حتى بعدما فهمت موقف أبنائه من زوجة أبيهم التي كانت تقف أمامي من دون أن تنطق بكلمة واحدة. الحقيقة، لم يكن هناك تناسب بين العجوز والحسناء في عنفوان شبابها وجمالها وأنوثتها التي كانت تنطق بكل اللغات، وتتمرد على الملابس المحتشمة التي حرصت عليها هذه السيدة الحسناء. لكنه حق الرجل الذي لا يمكن أن ينازعه فيه أحد. حقه أيضاً أن يدخل بيته. حقه أن يطيعه أولاده... وألا يدفعوه إلى هذا الموقف المحرج في جنح الليل لدرجة تحرك دموع أبيهم داخل قسم الشرطة. لهذا قررت أن أساعده. نسيت موعد زوجتي... وأسرعت باصطحاب عم جمال إلى عمارته. هناك فوجئت بما لم يصادفني سابقاً. نزل الأولاد الخمسة وأصروا على موقفهم على رغم تدخلي بشكل إنساني. كان واضحاً أن أزمتهم مع زوجة أبيهم وأنهم لا يمانعون دخول والدهم وحده، وأنه لم يعد لزوجته مكان بينهم. طلبت من أكبر الأبناء أن يلحق بي في قسم الشرطة لأن الحوار من خلف الأبواب غير لائق. عدت بالأب وزوجته إلى مكتبي وأنا أحاول أن أتحكم في أعصابي بعدما ظهر الأبناء بهذا الجحود وتلك القسوة. فعلاً، لم تمض دقائق حتى لحق بي ثلاثة من الأبناء... قلت لكبيرهم:
* أستطيع الآن أن أتصل بالنيابة وأحصل على إذن شفهي بكسر باب العمارة وإدخال والدكم وزوجته بالقوة... وليكن في علمكم أنه إذا قاوم أحدكم تنفيذ قرار النيابة سيعرض نفسه للسجن بتهمة مقاومة السلطات. لكني لا أريد لكم هذا الموقف ولا أبتغي سوى احترام والدكم الذي بلغ سن العمر عتياً... شاب شعره وانحنى ظهره وروهنت عظامه... ولا يمكن لابن بار أن يطاوعه قلبه على طرد أبيه إلى الشارع. أرجو أن تفتحوا قلوبكم وأن نتحاور بالعقل والشرع، وأن تريحوا والدكم الذي منحكم عمره وشبابه وثروته وجعل لكل منكم شقة يمتلكها ثم يكون جزاؤه في النهاية هذا العقوق!
قاطعني أحدهم، كان كما يبدو من ملامحه أوسطهم عمراً... قال لي:
- أبي ليس ضعيفاً كما صورته لنا وقد اشتعل رأسه شيباً ووهن عظمه وانحنى ظهره وضعف بصره... ليس في أبي أي صفة من هذه الصفات. فما زال قوياً وفتيا وقادراً على ترويض النساء حتى لو كانت امرأته في عمر بنت من بناته. جعلتنا كلمات الابن جميعاً وفي لحظة واحدة نلتفت نحو زوجة الأب التي كانت تبدو فعلاً كخيل السباق. ويبدو أنها شعرت بحرج مما قاله الابن من ناحية واتجاه نظراتنا إليها من ناحية أخرى، فهمست لزوجها بأنها ستغادر المكان فوراً، وعليه أن يطلقها بدلاً من أن تذهب إلى المحاكم ما دام لا يستطيع حمايتها. هنا، انتفض الأب وكأن عقرباً لدغته، وأقسم أن يشتري لها عمارة بكل ما تبقى من ثروته وأن يحرم كل أولاده من المبلغ الكبير المودع في البنك. تكهرب الجو... وعاندت زوجة الأب وصاحت في أبناء زوجها بأنها ستحصل على العمارة ولن تغادر عمارتهم لأنها لن تخرج من البيت ذليلة... مطرودة!
كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً، والأب حائر بين زوجته وأبنائه. لم أجد أمامي سوى أن أنبه الأبناء إلى أنني سأستخدم نصوص القانون في النهاية وأعيد الأب إلى عمارته من دون الخوض في تفاصيل عائلية. ويبدو أن أكبر الأبناء احتكم أخيراً إلى العقل فهمس لي بعدما انزويت به جانباً:
. ما رأي سيادتك أن تكون حكماً بيننا وأن تعتبر نفسك فرداً من الأسرة وليس ضابط شرطة... سنسمح لوالدنا وزوجته بالعودة إلى شقتهم لمدة أيام قليلة تشاركنا فيها الرأي وتعرف قصتنا من البداية إلى النهاية. ولماذا اتخذنا هذا الموقف ضد أبينا... نحن لسنا بهذا الجحود فما زالت لوالدنا مكانته الكبرى عندنا، إلا أن ثمة أسراراً لا نريد أن تسمعها زوجته ونريدك أن تعيشها معنا ثم نعدك بأن نرضى بحكمك في النهاية!
حكاية أبي
وافقت على اقتراح الابن الأكبر، وانصرف الأبناء. فتحوا باب العمارة ولحق بهم الأب وزوجته. عدت أنا إلى بيتي مع نسمات الصباح لأجد زوجتي تستقبلني بفتور على رغم ما أحمله لها من الهدايا والحلوى. سألتني في عصبية: هل وقعت جريمة قتل؟! قلت لها: لا! عادت لتسأل بالعصبية نفسها: هل جاءتك خدمة ومأمورية سياسية؟ قلت لها: لا! وقبل أن تتفاقم عصبيتها همست لها أنه قد حدث ما هو أكبر من الجرائم والمأموريات وسأقصه عليها بعدما نحتفل بعيد ميلادها... ولعله كان أغرب احتفال بعيد ميلاد في السادسة صباحاً والأبناء يستعدون للذهاب إلى المدرسة. لكنه قدر ضابط المباحث الذي يطالبه الجميع بحقوقهم وينسى الجميع حقه! المهم أنني بعدما خلعت ملابسي واسترخيت فوق سريري رحت أحكي لزوجتي قصة الأب وأبنائه. والغريب أنها تعاطفت بشدة مع الأبناء وراحت تنتقي الأوصاف لأبيهم. تارة تصفه بالمراهق... وتارة أخرى بأنه رجل عينه زائغة... وتارة ثالثة تصفه بالجنون! لا أدري ماذا قالت بعد ذلك فقد غلبني النوم وأنا في عز حواري معها!
استيقظت في الحادية عشرة صباحاً، وبسرعة ارتديت ملابسي وأسرعت إلى مكتبي. كالعادة، يلتهم اليوم الجديد أحداث الأمس ويجد الضابط نفسه غارقاً في بلاغات وتحقيقات وحكايات لا تنتهي. لكن في الثالثة عصراً، فوجئت بالمهندس رامي، الابن الأكبر لعم جمال، يزورني مع شقيقيه عماد ورفعت. فوراً، قفزت إلى ذهني أحداث الأمس، وعلى رغم إرهاقي الشديد لم أعتذر عن إكمال الحوار معهم خوفاً من أن يتكرر الموقف نفسه مع الأب وقد تقع جريمة. علمتني الحياة أن شرارة صغيرة قد تسبب حريقاً هائلاً يلتهم كل شيء ولا يتبقى سوى الخراب. دار في ذهني أن الأب قد يقتل أحد أبنائه أو يقتل أحدهم زوجة أبيه، لذا قررت أن أعتبر نفسي فعلاً واحداً من الأسرة وأعيش معهم تلك الأزمة التي لا بد من أنها تخفي أسراراً لا تظهر على سطح الأحداث!
حكى لي الأبناء قصة والدهم قبل أن يصلوا إلى كشف السر الرهيب الذي وعدوني بأن يصارحوني به... قالوا:
- حضر والدنا من الصعيد وعمره لا يتجاوز ثمانية عشرة عاماً. كانت له خبرة في أعمال المقاولات، وإن كانت متواضعة آنذاك. كانت معه والدتنا «قسمة» وقد كانت في مثل عمره، لكنها كانت من أسرة ثرية، ورثت عن أبيها مبلغاً كبيراً وقطعة أرض باعتها ثم منحت والدنا كل ما تملك ليبدأ عمله في القاهرة برأسمال يرفع رأسه بين العاملين في هذا المجال فلا يبدأ أجيراً لدى أحد. مع الوقت، اتسعت أعماله وتوالت مكاسبه وأنجب أبناءه الخمسة... لم يكن في حياته سوى أمنا التي كان لا يحلف إلا بحياتها ولا ينكر أفضالها وجمائلها عليه... كنا في طفولتنا نسمع منه قصائد المدح في أمنا التي لم تغادر بيت الزوجية طوال 40 عاماً منذ وطأت قدماها أرض القاهرة. كانت تحكي لنا أنها لم تكشف وجهها أمام رجل غريب، فهي كما تعودت خلال هذه السنوات الطويلة لا تعرف من الدنيا سوى زوجها، كان عالمها الذي تستمد منه سعادتها، وحتى آلامها كانت بسببه أو حزناً عليه إذا أصابه مرض أو فشلت له صفقة. كنا نعتقد أننا أسعد أسرة في العالم. ربما كان هذا هو سبب تفوقنا جميعاً في الدراسة وحصولنا على مؤهلات عليا. كان يعجبنا في والدنا أنه لا يؤخر طلباً لأمنا.. نعم، أهدى كلاً منا شقة وسدد لكل منا نفقات زواجه، فقد كانت والدتنا وراء فكرة بناء عمارة نسكن فيها جميعاً كي لا يغيب عن عينيها أولادها وأحفادها لحظة واحدة. كان أبونا في غاية السعادة بعد بناء العمارة التي اقترحتها الوالدة. عمارة من ستة طوابق... كل ابن يقيم في طابق والطابق السادس تقيم فيه أمي وأبي معاً. حياة رائعة... جنة الله فوق الأرض. فجأة، بدأنا نشعر أن أبي دخلت حياته متغيرات لم نألفها. راح يسهر خارج البيت، يتناول غذاءه وعشاءه وأحياناً إفطاره بعيداً عن أمنا. فوجئنا به يبني طابقاً جديداً يضاف إلى الطوابق الستة السابقة، وحينما سألناه لم يرد علينا إلا بجملة واحدة: «بكره تعرفوا السبب». كان يقولها بلهجة جافة لم نعتدها. الأدهى من هذا أنه بدأ يغير من ملابسه... هجر الجلباب وارتدى البدلة والقمصان الحريرية... وراح يستخدم العطور... وحين كان يمضي بعض الوقت مع أمنا كانت تنفلت أعصابه ويثور لأتفه الأسباب. في النهاية، عرفنا أن في حياته امرأة. أجرينا حولها التحريات فعرفنا أنها كانت ابنة قارئة الفنجان التي ظلت تتردد على مكتب مقاولات والدنا فترات طويلة. كان أبي مغرماً بقراءة الفنجان من خلال أم تلك السيدة الشابة التي اصطحبتها أمها ذات يوم إلى مكتب أبي ليستخدم علاقاته في البحث لها عن وظيفة. لكن يبدو أن والدنا لم يجد لها وظيفة مناسبة إلا أن تكون القنبلة التي تدمر حياتنا. عرفنا من أصدقائه أنه وقع في غرامها، وأنهم حذروه منها ومن أمها التي اشتهرت أيضاً في أعمال السحر. لكن جاء والدنا بكبرى المفاجآت... تزوج لمياء وجاء بها لتسكن الطابق السابع بعدما كتب ملكيته باسمها... كانت الصدمة أكبر من أن تحتملها أمنا فأصيبت بأمراض خطيرة عدة في وقت واحد، واستسلمنا جميعاً للأمر الواقع بعدما سكن الشيطان عمارتنا.
السر الرهيب
سألت الأبناء: هل هذا هو السر الرهيب الذي قلتم إنكم ستصارحونني به؟! فأجابوا في صوت واحد: «لا». سألتهم هل اكتشفتم أن زوجة أبيكم تخونه؟ وجاء ردهم سريعاً: «لا»! قلت لهم وأنا أنتظر إجابة تتعلق بزوجة أبيهم الشابة: هل حاولت لمياء أن توقع أحدكم في غرامها؟! وللمرة الأخيرة جاءت الإجابة بالنفي... وتكلم كبيرهم قائلاً:
- لم نكن نعلم أن أمي كانت تقف كل صباح خلف العين السحرية لترى أبي وهو يقف أمام المصعد قبل أن يتوجه إلى عمله. لم نكن نعلم أنها تنتظره في المساء لتكحل عينيها برؤيته قبل أن يصعد إلى ضرتها. بل لم نكن نعلم أن أمي كانت تغافلنا وتخرج للمرة الأولى من البيت ثم تعود في غفلة منا أيضاً... وأن هذا تكرر عدة مرات. أخيراً، انكشف السر حينما تنبهت زوجة أحد أشقائي إلى أن حجرة نوم أمي مغلقة على الدوام. قد يبدو هذا أمراً طبيعياً فلا شأن لأحد بحجرة نومها، لكن زوجة شقيقي، ونشهد لها جميعاً بقوة الملاحظة، أصرت على أن إغلاق الحجرة يبدو متعمداً على غير ما كانت تفعل أمي. واقترحت أن يحاول أحدنا افتعال أي موقف ويفتح الحجرة حتى نرتاح من هواجسنا. فعلاً، وقعت القرعة عليّ. صعدنا جميعاً إلى شقة أمي في اليوم التالي وبينما نحن نجالسها استأذنتها في دقائق ارتاح فيها داخل حجرتها فهبت أمي من مكانها تحاول منعي. سادت الدهشة وجوه الجميع وتلاحقت أنفاسنا، وصممت أنا على اقتحام الحجرة، وفشلت أمي في منعي وسقطت فوق الأرض وأصيبت بجروح في جبهتها. كان أخوتي جميعهم ينظرون داخل الحجرة بعد نجاحي في فتحها. وكانت مفاجأة من العيار الثقيل... تمثال بالحجم الطبيعي لأبي كاد أن ينطق في أحد أركان الحجرة. بكينا جميعاً في لحظة واحدة واقشعرت أجسادنا وانهمرت الدموع من عين أمي التي شعرت بخجل شديد لكونها تحب الرجل بجنون على رغم هجره لها ثلاث سنوات... نعم، ثلاث سنوات استجاب فيها لأوامر زوجته الجديدة بألا يدخل شقة أمي. صارحتنا أمي بأنها ذهبت إلى أكبر نحات حينما سمعت عنه في برنامج تلفزيوني، قالت:
* سألت عنه واللي يسأل ما يتوهش. دفعت له المبلغ الكبير الذي كنت أدخره للزمن، وأحضرت التمثال داخل علبة كبيرة حملها خمسة عمال بعناية شديدة وأفهمتكم أنني اشتريت ثلاجة جديدة.
وتابع الابن قائلاً:
- «... حكت لنا أمي أنها اضطرت إلى صنع هذا التمثال بعدما شعرت باشتياق كبيرة لشريك عمرها... واعترفت لنا بأن هذا التمثال هو الذي أعاد إليها زوجها، فقد كانت تحضر الطعام وتجلس إلى جانب التمثال وتتخيل أن زوجها يبادلها الحديث والطعام... وفي المساء تجري الحوارات نفسها التي اعتادت عليها مع زوجها. وأثناء النهار تشكو إليه وحدتها وغيابه عنها فيؤكد لها أنه عائد إليها لا محالة ثم يطلب منها الصبر وترد عليه: حاضر... بس ما تتأخرش!
لحظة مجنونة
لم أمانع في الذهاب مع الابن الأكبر. صعدت معه إلى شقة أمه، وداخل الشقة كانت آخر المفاجآت. شاهدت الأم وقد فارقت الحياة وهي جالسة إلى جوار التمثال. ظن الابن أن أمه في غيبوبة فأسرع يتصل بالطبيب، وعرفت بخبرتي أنها توفيت وأن هذه اللحظة المجنونة التي سيكتشف فيها الأبناء وفاة أمهم قد تنتهي بقتل زوجة أبيهم على الأقل. صعدت بسرعة الصاروخ إلى شقة الأب وحذرته من البقاء لحظة هو وزوجته بعدما ماتت أم عياله، وقبل أن يكتشف أبناؤها الحقيقة. فعلاً، تسلل الأب وزوجته وغادرا العمارة!
انتظرت مع الأبناء حتى حضر الطبيب وأعلن الخبر المؤلم. أصيب الأبناء بما يشبه الهيستيرية، وفوجئت بالابن الصغير ينطلق إلى المطبخ ثم يعود وفي يده ساطور أقسم أن يقتل به زوجة أبيه. ولم أتحرك من مكاني فقد كنت أعلم أنه سيصعد إلى شقة أبيه فلا يجد أحداً!
انشغل الأبناء بدفن أمهم وتلقي العزاء بينما اختفى الأب وزوجته وكأن الأرض انشقت وابتلعتهما، والآن كثيراً ما أجد نفسي وأنا أقود سيارتي أمضي من أمام عمارة عم جمال، ومن دون أن أشعر تتجه عيناي إلى الطابق السابع فأجد جميع نوافذه مغلقة حتى الآن!!
الجريدة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.