أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأبيض .. المدينة الرائعة (22)
نشر في الصحافة يوم 30 - 08 - 2010

إذا جاز لنا أن نختزل وصف مدينة الأبيض في كلمة واحدة فسنقول إنها رائعة .. وعندما يكتب عن الأبيض واحد من عشاقها الصوفيين يصعب عليه تحديد من أين يبدأ ؛ إذ أن الموضوعات تتزاحم .. والذكريات العذبة تتدافع شيقة وندية .. والتاريخ يطل مطالباً بحقه في أن يروى وأن يوثق .. وبالمثل الأصالة .. والبسالة.. والوطنية.. والقومية السودانية التي تجسدها تلك المدينة العظيمة . لكل ذلك فإن تناول مثل هذه الجوانب يغري بالاسترسال والإطالة ؛ وهو ذو شجون ومتعة .
لا أهدف من وراء هذه السلسلة من الموضوعات فقط إلى إشباع أبناء الأبيض ، بل أيضاً إلى إضفاء أجواء الإلفة والدفء لأبناء السودان جميعاً ، وخاصة من هم بعيدون عن أرض الوطن ، وذلك بالكتابة عن إحدى مدن السودان التي تحمل سماته القومية . وأنا واثق -أو هكذا آمل - أن ما نتناوله سوف يشيع أجواء عامرة من المشاعر الوطنية ، نود أن يتشبع بها الجيل الجديد من الأبناء ؛ كما نرجو كذلك أن يعيد ذكريات عزيزة لأبناء الجيل القديم ( جيل البطولات وجيل التضحيات .. أم تلك مسألة فيها نظر؟ !) تجعلهم يستعيدون نكهة فترة خصبة من تاريخ السودان عاشوها وتنسموا عبيرها .. والذكريات كما يقول شاعرنا محمد عوض الكريم القرشي «نهضت بجيلها» نحن في مباهاتنا بمدينتنا لا ندخل في منافسة مع عاشقي المدن والقرى الأخرى في السودان ? بل على عكس ذلك نرى أن حبنا جميعاً لمدننا وقرانا هو أساس حبنا لوطننا الكبير السودان . وسوف أحرص على أن ينصب التركيز في ما سوف أتناوله على الجوانب ذات الأهمية العامة ، حتى لا يكون مجرد نوستالجيا لمتعة أبناء الأبيض .
الحلقات التي أزمع موافاتكم بها تتضمن :
عروس الرمال - اقتصاديات المدينة- أنظمة المواصلات - العراقة التاريخية للمدينة ? الأبيض عاصمة المهدية - الحركة الوطنية ? حركة الوعي والتنوير- الأبيض عاصمة الغرب ? ( بعض هذه الموضوعات سبق أن تم تناولها في إحدى أمسيات السمر في النادي الاجتماعي للجالية السودانية بسلطنة عمان ؛ شارك في تقديمها معي الأخ الزاكي جمعة ؛ ونوجه له الدعوة بإمتاع قراء المنبر بمساهماته الشيقة ، وخاصة ما يتعلق بالحركة الفنية ) . كذلك سوف نلقي الضوء على منظمة الأبيض الطوعية للتنمية والتعمير والجهود المخلصة التي يبذلها الإخوة القائمون عليها للنهوض بالخدمات الطبية والتعليمية في المدينة . وبالطبع لن ننسى خورطقت التي لها في نفوسنا مكانة خاصة.
وسوف أحرص على أن لا تأتي الموضوعات جافة وعسيرة الهضم .. فمدينتنا لم تعرف بالعسر والإثقال ؛ بل إن أبرز ما عرف عنها جاذبيتها وبساطتها المحببة التي جعلت أفئدة الناس تهفو إليها .. كما أنها مدينة ذاخرة بالظرفاء من أمثال المرحوم الشيخ الكجيك والمرحوم خضر المبارك وعثمان الشيخ وود الزين والسفاح ! وبما أنني جديد على المنبر آمل أن تكون الموضوعات منسجمة مع طبيعة المنبر وروحه .
حركة الوعي والتنوير
لقد لعبت مؤسسة كردفان دوراً عظيما في بث الوعي في غرب السودان .. ونعني بمؤسسة كردفان لمؤسسها الدكتور الفاتح النور : جريدة كردفان ومطبعة كردفان ومكتبة كردفان وصالون كردفان.
فلقد أسهمت جريدة كردفان (والتي كانت تصدر صباح الجمعة ومساء الاثنين ) في تغذية الشعور الوطني ومكافحة الخرافة والدفاع عن حقوق المواطنين في غرب السودان ، مثل حقهم في التنمية الإقليمية المتوازنة ? وحقهم في الماء والتعليم والخدمات الصحية . كما كانت جريدة كردفان تتفاعل مع القضايا العربية والإفريقية. ومن أبرز إسهامات جريدة كردفان مناصرتها لمزارعي جبال النوبة . . وبسبب ذلك تعرضت الجريدة للاحتكاك مع الحكومة قبل الاستقلال ؛ بل وتعرض رئيس التحرير إلى السجن . وبسبب استقلاليتها ودفاعها الصلب عن حقوق جماهير الغرب احتكت جريدة كردفان مع الحكومات الوطنية كذلك .. ومع الأحزاب التي تناصرها ؛ خاصة في فترة كان الشعار المرفوع هو تحرير لا تعمير .. وتوقفت جريدة كردفان للأسف في ظل الحكم العسكري الثاني .. بعد أن تعرضت للتأميم والتبعية للاتحاد الاشتراكي! . ولقد خرجت جريدة كردفان أجيالاً من الكتاب والصحفيين الممتازين .. فقد عمل بها الأستاذ عبد الله رجب قبل أن يؤسس جريدته الصراحة .. وكان سكرتير تحريها المثقف الوطني محمد عبد الرحمن بلال .. وتخرج من مدرستها الصحفي البارز حسن الرضي.
أما صالون كردفان فقد كان منارة ثقافية عامرة ، حيث كان يضم صفوة المفكرين والأدباء والشعراء في المدينة . وكانت مكتبة كردفان ذاخرة بالمجلات والكتب من مختلف دور النشر في مصر ولبنان .. كنا نقرأ بانتظام الرسالة وروزاليوسف والمصور والهلال والأديب والآداب والثقافة الوطنية . وقد تأسست في منتصف الخمسينيات مكتبة الجماهير .. وأسهمت في بث الوعي والفكر، وحفلت بالكتب من الصين والاتحاد السوفيتي ولبنان ودار الفكر بمصر . وكانت هناك مكتبة الجيل لصاحبها الأخ / الفاضل عبد الرحمن أحمد عيسى ، ومكتبة الثقافة الإسلامية وصاحبها الأخ محمد علي طاهر . كما كانت هناك مكتبة عامة للإطلاع والتسليف يشرف عليها مجلس بلدية الأبيض .. وهي في موقع هادي وجميل إذ أنه يطل على فولة الأبيض الرئيسية! (ربما تكون كلمة فولة محتاجة إلى شرح !!). نواصل حول الوعي والتنوير .
حركة الوعي والتنوير (مواصلة(
كانت حركة الوعي والتنوير في عنفوانها في نهاية الأربعينيات وبداية عقد الخمسينيات ، حيث كانت تلك فترة التطلع إلى بناء السودان المستقل ، وما يتطلبه ذلك من بعث ثقافي ، وانفتاح على الفكر الإنساني ، وزرع الثقة في النفوس ، ومجابهة قضايا الوحدة الوطنية ، والتنمية ، ومكانة المرأة في المجتمع ، وغيرها من القضايا والتحديات الجديدة..
وبرز في مجتمع المدينة قادة من الجيل الجديد ? جيل ما بعد مؤتمر الخريجين ? نذكر منهم الحاج الطاهر أحمد ، وحسنين حسن ، ويوسف عبد المجيد ، وعلي التوم ، وأنور أدهم ، وعبد القادر خليفة ، وأحمد وعبد الرحيم علي بقادي ، ومعتصم عبد الله مالك، وعبد الوهاب عبد الرحيم المبارك ، وكامل وعكاشة حسن محمود . وإن كانت الرؤى المتقاربة تجمع بين من ذكرت ، فقد كان هناك أيضاً قادة من هذا الجيل الجديد يحملون رؤى سياسية واجتماعية مختلفة لمستقبل السودان .. نذكر منهم التيجاني أبوجديري ، وإبراهيم أبو حسنين ، وعبد القادر حسين جعفر ، والتيجاني محمد علي البشير ، ومجذوب سالم البر . ورغم الاختلاف في الرؤى إلا أن الصداقة والاحترام المتبادل كانت تربط بينهم جميعاً برابطة وثيقة.
وكان للحركة الطلابية والحركة النسوية في الأبيض دور بارز في الإسهام في بث الوعي ، تجلت في مهرجان كردفان الثقافي ( 1952م ) والذي تغنى فيه الفنان أحمد المصطفى لأول مرة ب «نشيد الاتحاد» تحية لقيام الاتحاد النسائي :
يا فتاة هجرت طول الرقاد
يوم أن قامت تنادي الاتحاد
ولقد نظم اتحاد طلاب كردفان في تلك الحقبة حملات ناجحة لمحو الأمية شملت جنود القيادة الوسطى (بمساعدة وتفهم وتقدير من قائدها الأميرلاي أحمد عبد الله حامد ) ، كما شملت أيضاً مواطني الأحياء الشعبية في الأبيض ( فريق الميرم وحي أمير ). وإثر نجاح تلك الحملات على مستوى مدينة الأبيض ، نظم اتحاد طلاب كردفان مع الاتحاد العام للطلاب السودانيين حملة محو أمية موسعة لفائدة مزارعي جبال النوبة .. وبقي المئات من الطلاب في الدلنج وكادوقلي وتالودي وهيبان والليري وغيرها من مدن وقرى جبال النوبة لمدة ثلاث أشهر يحاربون الأمية وينيرون الطريق أمام آلاف المواطنين. وكانت تلك من أعظم الأعمال التي لا تزال ذكراها تبعث في نفوس من شاركوا فيها الكثير من الفخر والرضاء.
الأبيض عاصمة الغرب
كون الأبيض عاصمة الغرب .. هذه حقيقة وليس ادعاء ، حيث أن أهل غرب السودان أسهموا تاريخياً في تأسيس هذه المدينة ، وامتزجت قبائلهم فيها . ومن أقوى الروابط بينهم أنهم رفقاء سلاح كما يشهد بذلك تاريخ الثورة المهدية ؛ كما ازدهرت في الأبيض علاقات المصاهرة والصداقة بين سكان غرب السودان .
ومن الروابط الهامة التي زادت من عمق تلك الصلات أن الرعيل الأول من المتعلمين في غرب السودان عاشوا سنوات من صباهم الباكر في الأبيض تشربوا فيها حب هذه المدينة ورجعوا منها بذكريات عذبة ؛ حيث أنهم تلقوا تعليمهم في مدرسة الأبيض الأميرية الوسطى ، والتي كانت منذ تأسيسها في مطلع القرن الماضي وحتى الاستقلال هي المدرسة الوسطى الوحيدة التي أنشأتها حكومة السودان في كل غرب السودان . وكان لمدرسة خورطقت الثانوية فيما بعد أيضاً دورها في تعزيز الصداقات وتوحيد الرؤى وبلورة الوجدان المشترك للمتعلمين من أبناء غرب السودان.
سكان غرب السودان يكنون للأبيض كل الحب والتقدير .. وهم لا يحسون بأنهم غرباء فيها ، فلكل منهم في الأبيض منزلة وأصدقاء . عند زيارة أي من زعماء قبائل الغرب للأبيض يتبارى أهل الأبيض في تكريمهم والاحتفاء بهم .. ونفس التكريم والاحتفاء يجده أعيان مدينة الأبيض عند زيارتهم لأي من مناطق الغرب .
نجد في الفولكلور الكردفاني التعبير عن التطلع لزيارة الأبيض ، والتي هي بمثابة الأمنية والعيد:
زولاً سرب سربة وخلى الديار غربه
أدوني لي شربة خلوني النقص دربه
« الشيخ إسماعيل الولي»
قدم الأخ والصديق الأستاذ مكي حاج عربي محاضرة بالنادي الاجتماعي للجالية السودانية بمسقط ، بعنوان « الشيخ إسماعيل الولي» ، وذلك في إطار البرنامج الثقافي الحافل والمتنوع للنادي. تركزت المحاضرة حول جوهر الفكر الصوفي للشيخ الأستاذ السيد إسماعيل بن عبد الله ? قنديل كردفان . وقد وعد الأستاذ المحاضر مشكوراً بتقديم ملخص لها للنشر. لهذا سوف أترك جانب التصوف، وأتناول في هذه النبذة الموجزة عن الأستاذ قنديل كردفان بعضاً من الجوانب التاريخية والاجتماعية.
الشيخ الأستاذ السيد إسماعيل مثقف وطني ومفكر واسع المعرفة ، حيث له أكثر من سبعين مؤلفاً في التصوف والفقه وفروع المعارف المختلفة ، وفي التاريخ والأدب والشعر.
ولقد اتسم فكره بالأصالة والالتصاق بالبيئة الثقافية والاجتماعية المحلية. وكما هو معروف فإن الطريقة الإسماعيلية التي أسسها السيد إسماعيل هي الطريقة الصوفية الوحيدة السودانية الخالصة ، منشأ وقيادة.
ارتبط السيد إسماعيل وأبناؤه وأحفاده من بعده بالحياة العامة ، وظلوا مشاركين للمواطنين في اهتماماتهم المعيشية ، وفي عمليات الزراعة وحفر الآبار ، وتأسيس معاصر الزيوت وغير ذلك من النشاطات الإنتاجية.
وكانت حلقات الدراسة التي يقيمها السيد إسماعيل تضم تلاميذ من مختلف أنحاء غرب السودان بما في ذلك جبال النوبة ودارفور . وقد كان سلاطين دار مساليت يرسلون له أبناءهم للتعليم.
قدم السيد إسماعيل السند الروحي لمواطني كردفان في مقاومتهم لتجاوزات وقسوة الحكام في بدايات التركية.. وقد واصل ذلك الدور ابنه السيد المكي ، بل قاد معارضة إيجابية مباشرة . وقد كان السيد المكي يستضيف الإمام المهدي بداره بالأبيض أثناء زيارات الإمام لها في مرحلة العمل السري والإعداد للثورة ( د. محمد سعيد القدال - الإمام المهدي- لوحة لثائر سوداني ) ؛ وقد أسهم السيد المكي في إزكاء روح المقاومة حتى توجت بتحرير الأبيض وانتصارات الثورة المهدية الباهرة في شيكان ؛ ومن ثم إخلاء الحاميات المصرية من السودان وتأسيس الدولة المستقلة وعاصمتها الأبيض ؛ وكانت تلك الانطلاقة الكبرى نحو تحرير الخرطوم .
تفهم السيد إسماعيل بعمق طبيعة التنوع العرقي والديني لبانوراما الجنسيات الأجنبية (مصريون ? شوام ? مغاربة ? إغريق ? أرمن - فلاتة ? هوسا ? هنود ? يهود ? إثيوبيون ? إريتريون.) ، وكذلك القبائل السودانية المختلفة من كردفان ودارفور وجبال النوبة ومن الشمال النيلي ، التي عاشت في الأبيض ؛ فلقد كانت الأبيض مركزاً اقتصادياً واجتماعياً جاذباً آنذاك . ولقد أسهم السيد إسماعيل في تعميق أسس التسامح والتعايش والمحبة وسط ذلك المجتمع.
مع مواصلة أحفاد السيد إسماعيل الاهتمام بالجوانب الدينية والدعوة إلى تهذيب النفوس ، ارتبطوا بالعمل الوطني العريض ، وحافظوا على استقلاليتهم ، ولم يناصروا الأنظمة الشمولية؛ كما أسهموا في النشاط الثقافي والأدبي والاجتماعي الحافل الذي عرفت به مدينة الأبيض.
من أحفاد السيد إسماعيل الرئيس إسماعيل الأزهري ، والأديب والشاعر محمد المكي إبراهيم ، والأستاذ مكي حاج عربي (مقدم المحاضرة) .
النهود
النهود واحدة من أحب المدن إلى نفسي ؛ وهي من المدن التي تترك في الذاكرة انطباعات قوية، لما يمتاز به أهلها من أصالة وحسن معشر، ولبيئتها الاجتماعية الصحية المستمدة من التمازج القومي البديع الذي ازدهر فيها تحت ظل الحيوية الاقتصادية للمدينة، وأثمر أنشطة وطنية وثقافية ثرية. تثير فينا هذه الذكريات ، كما كتب أحد الأصدقاء « الأشواق للأرض والناس والدعاش «.
الرحلة من الأبيض إلى النهود لا تزال حية في ذاكرتي رغم السنين، بل العقود العديدة منذ ذلك الزمن الجميل الذي كنا نقوم فيه بتلك الرحلة بانتظام ولمرات عديدة كل عام . فلكل واحدة من القرى أو المحطات التي تمر بها اللواري في الرحلة من الأبيض إلى النهود نكهة خاصة.. ..وصفها الأخ هميم في إيجاز بديع « الكثبان .. وجمال السماء .. والنيران التي تلوح وتخبو..» العيارة .. الدودية .. أم صميمة .. الخوي .. عيال بخيت .. ثم يلوح جبل حيدوب مبشراً بأننا على مشارف النهود.... وهل تدرون ما النهود؟ قديماً قال أحد الشعراء :
الناس مرقدها النهود وأنت مرقدك الخوي
لو كنت تدري ما النهود لكنت تطوي الأرض طي !
كتب أحد الاصدقاء عن أهمية المساعدين (مساعد الحلة والمساعد الكبير).. والعمل كمساعد هو أحد مراحل ما يعرف الآن بالتدريب على رأس العمل ، حيث يتأهل المساعد ليصبح سائق لوري) ، ولقد اكتسب سائقو اللواري بالغرب مهاراتهم من العمل لسنوات طويلة كمساعدين .. وبعضهم أتيحت له فرصة التدريب في قراشات رئيسية في الأبيض. وبفضل هذه المهارة يجابهون باقتدار وثقة مصاعب ومفاجآت السفرية من وحل وسيول وأعطال ميكانيكية وكهربائية. ومن الصفات المميزة لهؤلاء السواقين تمتعهم بالأمانة والغيرة على سلامة البضائع التي يؤتمنون على ترحيلها.. وبروح عالية من الزمالةً.
موقف اللواري بالنهود تحفه أشجار اللبخ الظليلة.. مما يجعله مكاناً مناسبا لراحة اللواري وأصحابها سواء تلك التي تعمل ما بين الأبيض والنهود، أو تلك التي لا تزال تنتظرها الرحلة إلى الفاشر أبو زكريا مروراً بالدم جمد وأم كدادة.. عبر 17 قوز، والتي تحتاج إلى صاجات ومهارات خاصة ؛ وإلى لواري وسواقين يأنسون في نفسهم الكفاءة ! ومرة أخرى نتذكر عدم قيام طريق الإنقاذ الغربي !
ويمور موقف اللواري في النهود بالحركة والحيوية، حيث يعج بجمهرة المستقبلين والمودعين .. والباعة المتجولين والمشترين للمنتجات الكردفانية، ومن يقصدونه لتلقي الأخبار التي يأتي بها القادمون من دار صباح ودار غرب (وذلك قبل أن تكون للشمارات مواقع دوت كوم !)، ومن يحضروا للموقف ليستقبلوا جريدة كردفان ليستمتعوا بها وهي طازجة.
موقف النهود يثير في النفس ذكريات عزيزة .. فهو مجاور لنادي السلام.. هذه المنارة الثقافية العريقة ( تأسس عام 1917م ) . وكان مقراً لنشاطاتنا في اتحاد طلاب كردفان ( فرع النهود ) في الإجازات الصيفية (محاضرات ? ندوات ? مسرحيات ? محو أمية)، تماماً مثل نادي الأعمال الحرة بالأبيض الذي كان يستضيف نشاطات الاتحاد الرئيسي. ومن الناحية الجنوبية يطل موقف اللواري على دكان الأخ دبوجة !
وهذه مناسبة لكي أذكر بعضاً من أبناء جيلي من أبناء النهود الكرام:
يوسف مختار أبو عاقلة - التيجاني علي التوم - مكي حاج عربي ? حامد رشوان - محمد احمد حسن جحا ? الحسين الحسن وشقيقه عباس - عمر عباس عجبنا وشقيقه علي - الأمين التيجاني وشقيقه عبد القادر - حسن البلاع ? دفع الله احمد دفع الله ? أحمد عبد الرحمن عبد الحفيظ (حريكة) ? عبد الله إسحق - صديق إدر - علي ضيف الله - محمد عبد القادر شبور- محمد البدوي عبد الساتر ? الصافي جمعة وشقيقه آدم جمعة ? عمر بلال ? عبيد صالح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.