مثلي مثل كثيرين، لم أعد أحفل بالكثير من القرارات والتوجيهات الرسمية التي تصدر لصالح الشعب، سواء تلك التي صدرت ولا حتى التي تحت الإصدار، وذلك لسبب غاية في البساطة وهو أن الذي تعودناه من مثل هذه القرارات وخبرناه فيها لا يشجع مطلقاً للاحتفاء بها، لجهة أن حصيلتها غالباً ما تنتهي إلى المردود صفر، ودونكم أي إرشيف شئتم، إرشيف الصحف أو أضابير الدواوين الرسمية، من رئاسة الجمهورية وإلى أصغر محلية، ستجدون كماً كبيراً من القرارات الورقية عديمة «الناجزية»، هاكم بعضاً منها، قرارات وقف الرسوم العشوائية والاموال «المجنّبة»، قرارات تصفية الشركات الحكومية، قرارات مجانية العلاج باقسام الحوداث ومجانية علاج الاطفال، قرارات صرف المرتبات في مواعيدها في الثلاثين من كل شهر و...و... عشرات القرارات من هذه الشاكلة حتى أشكل علينا أمرها فلم ندرِ هل يتم إصدارها للإستهلاك على طريقة قرّر قرّر «هو القرار بفلوس»، أم يتم إصدارها للتخدير بقصد أن تبيع الناس الكلام اللذيذ وتحقن أوردتهم بالاماني الخُلّب تماماً كما تفعل أي مادة مخدّرة حين يفوق متعاطيها من أثر المخدّر لا يجد أمامه سوى الوهم والسراب وكذلك تلك القرارات لا يقبض منها الناس سوى الريح، أم تُرى أنها قرارات ل «الشو» والبروز الاعلامي تصلح فقط لوضعها داخل برواز.. وبتصنيفٍ آخر يمكن فهرستها إلى ثلاثة أنواع، قرارات ما لها قرار تظل معلقة في الفضاء ومهوّمة في الفراغ لا تتنزل أبداً على الارض، وقرارات تتوه بين البان والعلم ويحل سفك دمها بين الدواوين والادارات الحكومية، وقرارات عنترية و«هاشمية» تصدر ساعة الهوشة والحمية وعندما يحمى وطيس العرضة الصقرية وتعلو التهليلات والتكبيرات.... هذا ما لا نتمناه للتوجيه الأخير للأستاذ علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية الذي وضعه بين يدي مجلس تشريعي الخرطوم عند مخاطبته لفاتحة أعماله في دورة إنعقاده الثانية، فمما وجّه به سعادة النائب في تلك المناسبة خفض الضرائب والرسوم والعوائد المحلية المفروضة على أصحاب المتاجر والمصانع وشدّد زيادة على التوجيه بعدم إغلاق أي محل تجاري أو مصنع أو دكان أو مزرعة بسبب الضرائب والرسوم المحلية والمركزية، فهذا توجيه فيما نعلم شديد الوقع والوطء على من إعتادوا الشطط في جبي هذه الرسوم لدرجة من القسوة والشراهة تصل حد أن «يشيلوا العدة»، ميزاناً كانت أو «كمبرسون» أو «قدرة فول» أو أي إسم آلة آخر بحسب طبيعة عمل المجبي منه، ولهذا فاننا نخشى على هذا التوجيه من عاقبة التوجيهات والقرارات السابقة التي إنتهت إلى سوء الخاتمة، وأكثر من نخشاهم هم «العوازل» الملكيون أكثر من الملك الذين قالت فيهم الست ثومة كوكب الشرق ام كلثوم «العزول فايق ورايق، عمرو ما ضاق الغرام، قلبو ما بيرحمش عاشق، بس شاطر في الملام» وهجاهم مطربنا الكبير وردي من كلمات الجيلي محمد صالح «الحبيّب قلبو طيب، العوازل ضلّلوه»، فهذا هو نائب الرئيس يرحم فما بالكم أنتم أيها العوازل في المستويات الأخرى التي يقع عليها واجب التنفيذ، فقد تعودنا منكم «التنفيس» بدلاًَ من التنفيذ، هل أنتم حريصون على بقاء هذه السلطة أكثر من نائب الرئيس، إننا نفترض حسن النية وحسن التقدير في توجيه النائب ولا نعتقد أنه توجيه لمجرد تبرئة الذمة و«تر اللوم» أو أنه مطلوق على عواهنه «محل ما يرسى يمسي» وسننتظر لنرى ماذا سيفعل العوازل، نفذّوه أم «نفّسوه»...