مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    شاهد بالصور والفيديو.. تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن أم درمان.. شاب سوداني يصعد أعلى الأبراج العالية ويهدد بالسقوط إذا لم يزوجوه من حبيبته "عبير"    شاهد بالفيديو.. المطرب والممثل أحمد الجقر يهدر ركلة جزاء في إحدى مباريات كرة القدم والجمهور يسخر: (كورة حبة وتمثيل حبة)    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تحكي معاناتها بعد زواجها من "دعامي" طافت معه حتى الحدود السودانية التشادية وتعرضت للضرب منه ومن أصدقائه في حضوره    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    حتى لا نخسر ما كسبناه    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طلاب الجامعات.. القتل وسيلة لحل الخلافات
بسبب انحرافات نفسية واجتماعية
نشر في الصحافة يوم 01 - 03 - 2010

رغم التصاعد اللافت في إحصائيات جرائم القتل التى شهدتها العاصمة القومية واطرافها أخيراً التي تصدرت صفحات صحفها السيارة، يظل الأمر في حكم المعتاد نتيجة للتغيرات المختلفة التى يتعرض لها المجتمع، فضلاً عن مساعدة بعض الصحف المتخصصة في الجريمة في ذلك التوجه، بنقلها يومياً لعشرات الحوادث بدوافع مختلفة.
وما يستدعي التوقف قليلاً، الارتفاع اللافت في جرائم القتل في أوساط الطلاب الجامعيين، تلك الشريحة التى تعدها المجتمعات لتكون الركيزة الأساسية لها في التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي الشامل باعتبار تعليمها وثقافتها، وذلك بعد أن أصبحت فئة منها تستغل البيئة الجامعية مسرحاً لتنفيذ جرائمها، وتتعدد النماذج فمنها العاطفي الذي تغذيه انحرافات نفسية سلوكية تقف على عتبتها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن التفكك الأسري ونموذج آخر سياسي تحركه واجهات حزبية وجهوية، الامر الذي جعل «الصحافة» تحقق في الظاهرة للتعرف على ماهية الأسباب الكامنة وراء إحلال سياسة العنف بدلاً من الحوار في الوسط الطلابي، وأن يكون القتل هو الوسيلة الأساسية في حل الاختلافا، ومن ثم معرفة مواطن الخلل، مع البحث عن حلول ناجعة للإصلاح.
قبل الوقوف على هذا الأمر لا بد من معرفة ماهية العنف وعلاقته بالبيئة الجامعية، فالعنف كما اتفق حوله العلماء والباحثون ظاهرة معقدة ومركبة تساهم في استشرائه وتحويله من طور الكمون إلى العلانية عدة عوامل. ويعني العنف استخدام القوة المادية لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين وممتلكاتهم. والعنف قد يكون جسديا مباشرا او معنويا نفسيا غير مباشر، وغالباً ما يؤدي الأخير إلى الأول، فالإذلال والسخرية وسيلة لتدمير الكرامة الإنسانية وتولد الخوف والإحباط، مما قد يقود إلى عنف جسمي يلحق الضرر بالمتسبب الأول في العنف المعنوي النفسي.
وحتى نتلمس علاقة هذه الظاهرة بالبيئة الجامعية، لا بد ان نلقي الضوء على بعض ما جاء بدراسة اعدتها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية عن «مصادر العنف الطلابي والحياة الجامعية» أعدها بروفيسور معن خليل العمر يقول معن: تتصف الحياة الجامعية بخصوصية متفردة ومتميزة عن باقي التنظيمات الرسمية «مستشفيات، شركات، نقابات، أحزاب» إذ تعيش فيها شريحة شبابية متعلمة تتمتع بحيوية نابضة في الطموح الثقافي والعلمي والتطلع إلى مستقبل أرحب، ولديها استعداد سريع للتفاعل مع الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية من أجل إثبات وجودها، لكن كما يرى معن عند دخول الطالب للحياة الجامعية يكون مجهولاً أو جاهلاً في الآن نفسه، مجهولاً بالنسبة لباقي أعضاء هذه المؤسسة الجامعية، لأنه تم قبوله على أساس معدله في الدراسة الثانوية وليس على أساس قرابي أو إقليمي، فيدخل في مجتمع لا يعرف منه الا العدد القليل، وغالباً تكون معرفتهم سطحية أو ظرفية، كذلك هم لا يعرفون عنه الكثير ولا عن خلفيته الاجتماعية والاقتصادية، وعند شعوره بأن الآخرين يجهلون هويته الاجتماعية، يميل حينئذٍ إلى تقديم وتعريف نفسه لهم من خلال مظهره الخارجي «في الملبس والتأنق فيه» والاشتراك في جلسات زمالية ليعرف نفسه لهم، الأمر الذي يجعله يبالغ في إبراز مقومات هويته الذاتية والشخصية والدراسية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه جاهل بمكنونات الحياة الجامعية وما فيها من علاقات مختلطة بين الجنسين «في الغالب» ومتنوعة من اختصاصاتها العلمية والمعرفية، ومتدرجة في مراحلها الدراسية، ومتفاوتة في انحداراتها الطبقية ومتباينة في مستويات أفرادها الاجتماعية «حضرية وريفية» ومختلفة في جنسيات طلبتها « محلية، إقليمية، أجنبية». ويشير معن إلى أن الجامعة لا تترك هذا التنوع يعيش في حرمها حسب خصوصيته، بل تعمل على تطبيعه «أو تنشئته» تطبيعاً علمياً وثقافياً يتناسب طردياً مع أهداف التربية والتعليم العالي، وغالباً ما تأخذ هذه العملية أربع سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات للكليات الطبية وبعض التخصصات الهندسية. ويواصل قائلاً: من البديهي أن لكل جامعة ضوابط علمية وسلوكية تستخدمها في توجيه طلبتها عبر حياتهم الجامعية داخل الحرم الجامعي، تلزم الجميع باحترامها والالتزام بها من أجل إيجاد حياة اجتماعية وعلمية منتظمة ومتنامية خالية من الاضطرابات والاعتلالات والمشكلات الاجتماعية وسواها، وهنا يقول: لما كانت الحياة الاجتماعية العامة متغيرة باستمرار ومتأثرة بعوامل خارجية وداخلية في دفع عجلة التقدم إلى الأمام، فإن ذلك يجعلنا نتوقع أن هنالك من يقف ضد هذه التغيرات بسبب تضرر مصالحه أو تهديد موقعه الاجتماعي أو لتعوده على الحياة الماضية، ولا يريد تغييرها لأنها تحتاج إلى قوى معنوية جديدة في تبني ما هو جديد والتخلي عما هو مألوف عنده ومتعود عليه.
ويذهب في سرد التصادم الذي يحدث بقوله: لما كانت الجامعة تضم أبناء هذا المجتمع المتغير، فإن عليها أن تواكب حالة التغيير الدائرة في الحياة الاجتماعية العامة، الا أن الجامعة باعتبارها مؤسسة أكاديمية تكون أكثر انفتاحاً على التغيرات الحديثة في المؤثرات الخارجية من المؤثرات الداخلية المحافظة والتقليدية، إذ تقوم بتدريس أحدث المبتكرات العلمية والنظريات التربوية والنفسية والاجتماعية، وتتقدم على المستوى الاجتماعي والثقافي للمجتمع العام، لذا فإن الكثير من علماء الاجتماع ينظرون إلى الجامعة على أنها إحدى وكالات التغيير الثقافي في المجتمع. ويبرر معن الانحرافات السلوكية التى تحدث في هذا الوسط بقوله: إن وجود التنوع الاجتماعي والاقتصادي والديني والعرقي في المجتمع الجامعي، يجعلنا نتوقع وقوع انحرافات سلوكية عند البعض منهم، فيخرجون عن الالتزام بالضوابط الجامعية التى أقرَّتها الجامعة في تحقيق أمنها وإشعار طلبتها بالاطمئنان والحرية الملتزمة، واحترام الرأى الآخر وعدم التعصب لأى جانب لكي يحصل على تحيز فئوي أو طبقي، وعند حصول انحرافات عن ضوابط الجامعة فإن ذلك يكون ممثلاً لقاعدة أساسية في ابتعاد الطالب عن الحياة الجامعية وانجذابه لمؤثرات الحياة الاجتماعية خارج الحرم الجامعي. وبين هذا الشد إلى الخارج وعدم المرونة الداخلية للحرم الجامعي يندفع المنحرف إلى استخدام السلوك العنفي في تحقيق غاياته وأهدافه الخاصة والعامة.
فإذا حاولنا مقاربة ما سبق مع ما نحن بصدده بتحليل العنف باعتباره سلوكا ممارسا من قبل بعض الطلاب بالجامعات السودانية نحو بعضهم البعض داخل بيئاتهم الجامعية خاصة في الجوانب السياسية، نجد أن الأستاذة الجامعية فاطمة عمر الصافي تتفق مع بروفيسور معن في ورقتها التى قدمتها في مؤتمر الاتحاد العام لطلاب ولاية الخرطوم الذي عقد أخيراً لتنظيم العمل السياسي والحزبي بالجامعات، بقولها إن العنف الطلابي هو عبارة عن انحراف اجتماعي لمسيرة هذه الشريحة عن خطها الرئيسي، وهو الخط الأكاديمي والمتمثل في التحصيل العلمي والنشاط الطلابي، الذي كما قالت له قواعد ولوائح تجيز ممارسته وفقاً لقانون التعليم العالي. واعتبرت فاطمة هذا العنف انحرافا واضحا في وظيفة هذه الشريحة اجتماعياً، مشيرةً إلى أن العنف الطلابي رغم عدم مشروعيته داخل الحرم الجامعي، الا انه يمارس لمحفزات ترى انها موجودة في الشخصية السودانية، ذكرت منها غياب مبدأ الحوار بأنه اصبح مضيعة للوقت، مما يعني تلقائياً رفض الآخر، بجانب تدني معدلات الوطنية والقومية وغياب روح المسؤولية والتعامل والعمل الجماعي للصالح العام، مضيفة إلى ذلك عنصر التعصب الذي كما قالت يجعل من الشخصية مهيأة للقيام باعمال العنف داخل وخارج الحرم الجامعي.
وتؤكد الأستاذة الجامعية سلمى الكارب على ما ذهبت إليه الأستاذة فاطمة بقولها ل «الصحافة» إن الاهتمام بالشأن العام السياسي والاجتماعي لا ينفصل عن اهتمام الطالب بالعملية التعليمية، لكن كما قالت هنالك عوامل معينة تعمل على توجيه سلوك الطالب في ظل اهتمامه بهذه المعطيات نحو العنف، من بين هذه الأشياء أن غالبية هؤلاء الطلاب قادمون من مناطق حروب أو مناطق تأثرت بالحروب، بجانب الضغوطات العامة التى أفرزتها مثل هذه الظروف من قضايا فقر وعدم الاهتمام بقضاياهم بصفتهم شبابا وطلابا، بجانب عدم وفرة أساليب الوقاية الاجتماعية والنفسية مما يتعرض له هذا الطالب من إجهاد نفسي في ظل انشغال إدارات الجامعات بالعملية التعليمية بعيداً عن الناحية التربوية التى تهتم بالطالب نفسه، فليس هنالك كما قالت مكاتب متخصصة تعمل مع الطالب بخلاف مكاتب شؤون الطلاب، وحتى هذه لا يتعامل معها الطالب لانعدام التدريب على التربية النفسية، لأن الكثير من الطلاب يخجلون من الحديث عن مشاكلهم ومتاعبهم النفسية حتى لا يوصموا بالجنون. وتذهب سلمي إلى القول إنه بجانب قصور إدارات الجامعات في هذا الجانب، فهنالك قصور في مؤسسات المجتمع في تلقين القيم لهؤلاء الطلاب، منها تراجع الوازع الديني بجانب التفكك الأسرى.
«الصحافة» اتصلت باختصاصيين اجتماعيين ونفسيين للمزيد من التمحيص حول الظاهرة، يقول رئيس قسم علم النفس بجامعة أفريقيا العالمية دكتور نصر الدين أحمد إدريس: إن العنف الطلابي ظاهرة ليست جديدة في الجامعات السودانية، فالكثير من احداث العنف التي كانت تقع في البيئة الجامعية لعب فيها دور كبير القادة السياسيون الموجودون في الساحة السياسية الآن. ولكنه يقول إن الجديد في الظاهرة وجود علاقة عكسية ما بين مساحة الحرية السياسية خارج الجامعة وداخلها. ويوضح الأمر قائلاً: بمعنى كلما ضاقت المواعين السياسية خارج الجامعة انعكس ذلك على هذا الوسط، باعتبار أن الجامعة بها درجة من درجات الحرية، وهذا كما قال جعل الكثير من التنظيمات السياسية توجه نشاطها داخل الجامعات، فلكل تنظيم في الخارج، كما قال، ذراع له في الداخل يعبر عن أفكاره وآرائه، وهذا كما قال يكون في ظل متغيرات أخرى، منها أن الطلاب يأتون إلى هذه الجامعات في أعمار صغيرة فتكون خبرتهم في الحياة قليلة، وهذا يجعل لديهم حماسا زائدا تجاه الأفكار والمعتقدات، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية. ويشير إلى أنهم لا يتحملون، لقلة خبرتهم، الضغوط التى تأتي إليهم من الخارج، فيظهر ذلك في شكل اختلافات نتبينها بشكل واضح في أركان النقاش التى توضح عدم قبول الآخر والإساءة له، مما يجعلها تتحول إلى مواقع لممارسة العنف، وهو نوعان عنف لفظي ويكون في شكل إساءات، وتتدرج هذه الإساءات من إساءات للفكرة إلى إساءات شخصية. أما النوع الثاني وهو العنف الجسمي فيأتي تتويجاً للعنف اللفظي، فالاستفزاز يتحول إلى ضرب أو قتل. ويذهب إلى أنه ظهر أخيراً شكل آخر من العنف، وهو القتل عن طريق المشاجرات أو القتل المجهول. وذلك يتم كما قال من خلال المواقف الشخصية التى يولدها الاحتكاك والاستفزاز في مواقف شخصية او سياسية، ويتكون لاحقاً قرار بالاعتداء ويصل إلى القتل. ويذهب نصر الدين الى القول بأن هنالك سؤالا يجب الإجابة عليه هو: ما هي الأشياء التى تجعل الطالب يفقد السيطرة على نفسه؟ ويعلق هنا قائلاً: لا يمكن لمشاجرة عادية بين طالب وزميلة على شاحن موبايل لا تتعدى قيمته عشرة جنيهات، أن تؤدي إلى عملية قتل، أو يعتدي أحد الطلاب على زميلته ويقتلها نتيجة لعلاقة حب، ويجيب نصر الدين بالقول: لدينا مشكلة في السيطرة على الانفعالات تحفزها عوامل كثيرة، منها أن هذه الجامعات تجمع طلابا من ولايات وثقافات وتربية وتنشئة مختلفة. وعندما يأتون إلى الجامعة ينصهرون في منطقة واحدة قد تكون كلية او جامعة، وهنا، كما قال، يحدث التفاعل الذي قد يكون إيجابيا أو سلبيا، ففي ما يخص العلاقات العاطفية بين الجنسين يشير إلى أنه بفعل هذه النقلة من تلك البيئات للبيئة الجامعية فإن جزءا من هؤلاء الطلاب «الجنسين معاً» يتعرض لضغوط كثيرة مما يؤدي إلى خلل في فهم العلاقات الاجتماعية، خاصة إذا توفرت عوامل شخصية أخرى كأن يكون الشخص انطوائيا، بجانب أخرى تتوفر من خلال التنشئة الاجتماعية التي تعرض لها هذا الطالب، مثل أن يكون هناك طرف في هذه العلاقة الاجتماعية يفهم من خلال تنشئته ان أية علاقة بين الجنسين هي علاقة حب، في الوقت الذي يكون فيه الطرف الثاني قد نشأ في بيئة مفتوحة تفهم هذه العلاقة بأنها في إطار الزمالة او الصداقة، لكن الطرف الآخر ليست لديه تجربة، ويكتفي بإحساسه وما دعمته له تنشئته الاجتماعية، وهنا يحدث خلل في البنية النفسية للطرف الأول، مما قد يجره إلى الكثير من السلوكيات الخاطئة بالذات للطالبة، التى قد يجرها ذلك إلى الرذيلة. ويشير إلى ان هذا الأمر يوضحه تعدد العلاقات العاطفية وخيباتها في الوسط الجامعي.
ولا تختلف كثيراً الباحثة في الشأن الاجتماعي حنان الجاك مع ما ذهب إليه كتور نصر الدين في أن الطلاب القادمين الى الجامعات ليست لديهم الدراية الكاملة بالمفاهيم والقراءة الجيدة للواقع، بجانب عجز الأسر عن غرس القيم والجوانب الإيجابية التى تدعم وجودهم بصفتهم طلاباً، بجانب غياب عمادات الطلاب في الجامعات عن القيام بدورها من خلال نشاطات منهجية مكثفة تزيل الكثير من الدوافع السالبة. وتضيف إلى ذلك ان المناهج الجامعية بها الكثير من النزعات القبلية والجهوية التي تجمع مفاهيم التمييز والظلم، مما يجعل الطالب يشعر بالنقص تجاه الآخرين، بجانب ذلك فهي ترى أن هناك محفزات في البيئة الجامعية توجه نحو السلوك الطلابي العنيف، منها غياب النقاش الجاد والمسؤول وسط الطلاب، وغياب القيم السياسية التى تطور الطالب الجامعي، بجانب وجود تمييز سياسي وطبقي وفقر ومعالجات ضعيفة لها، كل ذلك شكل ترسبات في نفسية الطالب تخلق الكثير من النزعات العدوانية، هذا في ظل غياب الدور الإرادي للجامعات وفشلها في تعزيز المسؤولية المشتركة بينها والطالب، لكونها أصبحت مؤسسات ربحية أكثر من كونها تربوية، وغياب الذهنية الفكرية للطلاب من الجنسين لغياب المحاضرات التثقيفية التى تشجع الحوار والمشاركة بالرأى واحترام الرأى الآخر، فكل هذا يحدث سلوكا لا منهجي تجاه القضايا، مما جعل البيئة الجامعية مرتعا خصبا لكثير من السلوكيات المنحرفة. وتضيف حنان قائلة: إذا وضعنا في الاعتبار صغر أعمار هؤلاء الطلاب الذين تنقصهم الخبرة الكافية والنضوج النفسي، فإن هذه الأشياء يتم استغلالها من خلال التفعيل اللا منطقي للكثير من الأيديولجيات السياسية والجهوية والقبلية في عقليتهم. وتشير إلى أن الأحزاب السياسية والجماعات الدينية المتعصبة تشكل محرضات نحو الجريمة، فالكثير من ملصقاتها ومنشوراتها تزرع العنف داخل نفوس الطلاب.
وتذهب قائلة: وبما أن هذا الطالب موجود في بيئة جامعية لا تملك اية مقومات للتوجيه الصحيح فإن السلوكيات غير الايجابية تتفاعل داخل الحرم الجامعي لتوفر معطيات أهمها أن هؤلاء الطلاب يعيشون حالة من الغربة النفسية داخل الجامعات، لأن النقلة من المدرسة إلى الجامعة مجرد مسميات لا فرق بينهما، لأن عناصر التعليم غير متوفرة مما يجعل الطالب يأتى وهو ملئ بالمتناقضات الحياتية والسلوكية، بالإضافة لغياب دور الأسرة في الدعم النفسي والسلوكي العام، لذلك تحدث تفلتات إذا نظرنا إلى أسبابها المتطورة نحو الجريمة نجدها واهية، لكنها مبنية على الانفعال الذي يتطور إلى ارتكاب جريمة. وتضيف إلى ذلك قائلة: حتى المناخ العام داخل الداخليات والبيئة الطلابية غير مهيأ لتعديل التركيبة النفسية للطالب، في ظل غياب الموجهات التى تشحن نفسية الطالب بقوة الإيمان والتركيز على الأبعاد المعرفية والعلمية للتحصيل الأكاديمي.
ومما سبق يتضح أن صيرورة السلوك العنيف عند الطالب الجامعي تبدأ من ثلاثة أنواع رئيسية من المصادر، منها المصدر الشخصي المتعلق بالطالب الجامعي ودوره، والتنشئة الأسرية الخاطئة أو الناقصة، ومن ثم تعرضه للخيبة ومن ثم الاعتداء، بجانب المصدر الجامعي والمجتمعي، فهذه المصادر تحتاج إلى دراسة متأنية من قبل المختصين لمحاصرة السلوك العنيف لهؤلاء الطلاب بإيجاد معالجات ناجعة، فحوادث القتل التى اجتاحت الجامعات السودانية وضحاياها من الوسط نفسه، تعتبر نقطة تحول يفترض أن تتم عندها مراجعة المواقف، وهذا يفرض على إدارات الجامعات أن تقوم بدورها التربوى تجاه الطلاب، وأن تتوسع في مجال الخدمة الاجتماعية والنفسية، وكذلك اتحادات الطلاب، بجانب الأسر والمؤسسات العاملة في المجال النفسي والاجتماعي، وأن تعطي هذه الشريحة من اهتمامها حتى تخرِّج الجامعات أشخاصا أسوياء وليسوا مشروخين نفسياً يزيدون من معدل الجرائم في المجتمع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.