شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    إطفاء أنوار المطار..!    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سياسة التحرير في السودان لم تؤتِ أكلها لافتقارها للرؤية المتكاملة
الشيخ سيد أحمد محافظ البنك المركزي السابق في حديث خاص ل «الصحافة»: (12)
نشر في الصحافة يوم 28 - 02 - 2011

٭ ظلت مسيرة الاقتصاد السوداني محفوفة بكثير من المخاطر التي طالما أحكمت قبضتها على مفاصل الاقتصاد السوداني بغية إضعافه منذ تسنم حكومة الإنقاذ سدة الحكم في عام 1989م، غير أن سفينته سارت غير عابئة بما يعترضها من شلالات وجنادل للحد من حركتها، فتارة بالحصار خارجياً وتارة بتشتيت الموارد داخليا بالصرف على الحروبات والنزاعات، وثالثاً جراء الأزمة المالية العالمية، وأخيرا بانفصال الجنوب، فكثير من المراقبين يرون أن الأخير يمثل أكبر معضلة للاقتصاد السوداني، رغم تقليل القائمين على أمره من تأثيراتها.. ولتلسيط الضوء وتبيان الرؤى عقب انفصال الجنوب، جلست «الصحافة» إلى أحد عرابي النظام الاقتصادي في بواكير تسعينيات القرن الماضي الذي عهد إليه الوقوف على رأس هرم إدارة بنك السودان المركزي محافظاً.. الأستاذ الشيخ سيد أحمد، حيث لم يطل مكوثه به فغادره إلى دنيا الأعمال الاقتصادية، غير أنه ظل مراقباً عن كثب لما يجري في الساحة الاقتصادية بالسودان، فخلص إلى أن غياب الرؤية الاستراتيجية المتكاملة هي أس البلاء وبيت الداء في هيكل الاقتصاد السوداني.. فإلى ما دار في الحوار:
٭ ما تقييمك للشأن الاقتصادي بالبلاد الآن؟
إن الناظر للمسار الاقتصادي السوداني يمكنه تقسيمه إلى حقبتين أساسيتين منذ تولي الإنقاذ الحكم في 1989م، حيث يمكنه أخذ الفترة التي امتدت من 1992م وحتى عام 1999م التي تم فيها استخراج البترول السوداني، فالفترة قبل استخراج البترول كانت تقوم على توجه فكري، إذا صح التعبير، إذ فيها كان التدخل الإداري في إطار ضيق، غير أن التدخلات السياسية قادت إلى تفكيك الإطار التحريري وأفقدته معناه، لأن التوجه السياسي يرمي بظلاله على الإدارة الاقتصادية إذا كانت تتبع سياسة تحرير أو غيرها، لجهة أنها تؤثر بصورة كبيرة على مستوى الخيارات ورسم السياسات، لكن أكثر ما يمكن أن يؤخذ على تلك الفترة وما أعقبتها افتقارها للرؤية بعيدة المدى، وبالتالي لأجل هذا ظل الاقتصاد يتقدم خطوة للأمام وخطوتين للوراء، فالنظام يؤثر في التوجهات والاستقرار بشكل عام، وفي السودان غابت عن الإدارة الاقتصادية رؤية التنمية، حيث تظن الحكومات أن ارتفاع معدل النمو عالياً يغني عن الاهتمام بالتنمية، وهذا الفهم المغلوط يشكل خللاً رئيسياً في عدالة توزيع التنمية رغم صحة المنطلق الذي هو سياسة التحرير إذا قصد به رفع كفاءة القطاع الخاص وحشد الموارد، غير أنه إذا انهزم الاستقرار السياسي فإنه ينهزم تبعاً له الاستقرار الاقتصادي وبالتالي كل سياسات التحرير تصبح خصماً وسلباً بالسطو على التنمية، لأجل هذا لا بد من استصحاب رؤية متكاملة للنهوض بالاقتصاد السوداني، بإحداث اختراق فعلي في كل المجالات الإنتاجية والخدمية يمكن من الوصول للتنمية المنشودة، مع ضرورة التفريق بين معدل النمو والتنمية.
٭ هل يعني حديثك هذا فشل سياسة التحرير؟
إن سياسة التحرير في السودان لم تؤتِ أكلها ولم تعطِ النتائج المتوقعة جراء افتقادها للرؤية المتكاملة المتجسدة في التنمية، لأن سياسة التحرير يفترض أن تستخدم في إطار يعمل على ضبطها عبر مفهوم أكبر من الآليات والوسائل، لجهة أنها الآلية الرئيسة للتنمية.
٭ من هو المناط به إجراء الضبط هذا؟
النظام السياسي هو صاحب القرار في الضبط، لجهة أنه أعلى المستويات وتليه المستويات الفنية والإدارية، كما تتحمل وزارة المالية والإدارة الاقتصادية المالية أو النقدية كِفلاً من الخلل الحاصل، لأن سياسة التحرير إذا غاب عنها المفهوم الكلي، فالواقع عندنا يحكي عن أن السياسات المالية تشتغل عكس سياسة التحرير التي تقوم على عدم الاحتكار واختيار الكفاءة وتوزيع الموارد بعدالة، غير أنها جافتها وابتعدت عنها، فانتشر الاحتكار، ولم تهتم برفع الكفاءات ولم تراعِ توزيع الموارد بعدالة، لعدم وجود إطار وموجهات تعمل على ضبط سياسة التحرير، وعملت سياسة التحرير بعيدا عن القانون، وحتى إن وجد فإنه غير مفعل، لأجل هذا لا بد من تفعيل الإطار الضابط لسياسة التحرير الكلية أو الجزئية، نظرياً وتطبيقاً وعلى مستوى الرقابة.
٭ حديثك يشي بأن الإدارة السياسية تهيمن على الإدارة الاقتصادية.. فما المخرج؟
المخرج يكمن في وجود نظام سياسي يمتلك الفكر الشامل الذي يعمل على ضبط الإدارة الاقتصادية، بما يتوافق مع تحقيق التنمية التي ليست هي إرساء البنيات التحتية من طرق وجسور وسدود وخدمات مختلفة وخلافه من بنيات تحتية، رغم أهميتها في إحداث التنمية، غير أنها تصبح قليلة الجدوى استراتيجيا إذا لم تمتلك الطاقات الأساسية لاستخدام هذه البنيات والاستفادة منها. وأكبر دليل على ذلك أنه يمكن الاستشهاد بأن القطاعات الإنتاجية الحقيقية من زراعة وصناعة لم تستفد بعد من الطاقة الكهربائية المنتجة من السدود، لاسيما سد مروي، بسبب أن تلك القطاعات متخلفة جدا في استخدام الكهرباء، فالقطاع المروي لا يتعامل مع الكهرباء إلا في نطاق ضيق، ويلجأ لاستخدام الوقود الذي يعني إضافة تكلفة أكثر على العملية الإنتاجية، لأجل هذا لا بد من إعادة النظر في السياسات النقدية والمالية، حتى تتمكن من إحداث الاختراق المرجو من سياسة التحرير.
٭ هل معنى ذلك أن هناك بوناً شاسعاً بين السياستين النقدية والمالية، وأن بنك السودان المركزي يعمل بمعزل عن وزارة المالية؟
نظرياً بنك السودان المركزي ليس بمعزل عن وزارة المالية، لجهة أن السياسات النقدية يقوم بها البنك المركزي والسياسات المالية تنهض بها وزارة المالية، وذلك لأن التنسيق وتبادل المعلومات بينهما نظريا، لكن في الإدارة الفعلية وتصميم السياسات لكي تنزل لمستوى تخطيطها فالمسألة متباعدة جدا، لأن الهيكل السياسي في إدارة الدولة بالسودان ليست لديه نقطة قرار تتسم بالرؤية والبعد الصحيح، لما يترتب عن الخلل المالي والنقدي في تنفيذ السياسات، فصارت وزارة المالية عند تصميم المالية تظهر الموازنة كأنها جامدة لا تتأثر بالمتغيرات، وكذا الحال في السياسة النقدية، لأجل هذا على الناس الانتظار عاما كاملا بالطريقة التقليدية، لمحاولة إعادة ضبط وتنسيق السياسات.
٭ هل تقصد أن السياستين المالية والنقدية تفتقران للمرونة؟
قبل فقدانهما للمرونة فإنهما تفتقران إلى الإدارة التي تديرهما معا باعتبارهما جهة واحدة لأجل هذا فقدانهما للمرونة يجعلهما غير قادرتين على إحداث التغيير النقدي أو المالي. وخير نموذج وشاهد ما حدث لموازنة العام الحالي 2011م، فبعد أقل من شهر من إجازة السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، اضطرت السلطات الاقتصادية إلى إحداث تغيير كبير جداً، فهذا يوضح أنها كانت في غيبوبة، وهناك تغييرات كثيرة حدثت في السياسات المالية أو النقدية، حيث يفترض وضع التغييرات العالمية من الأزمة المالية العالمية والتحوط لها منذ أو قبل حدوثها لتجنب تداعياتها، لكنها للأسف تركت إلى أن تفاقمت، وأصبح أي إجراء إصلاحي لديه نتائج وتأثيرات عميقة وقوية وسلبية على إدراة الاقتصاد وإدارة الدولة من جوانبها الاقتصادية والاجتماعية، ففي هذا تضييع للوقت، مما يدلل على غياب الرؤية والتناغم والتنسيق بين السياسات حسب المتغيرات. فعدم القراءة للمتغيرات في اي وقت خاصة في دولة ضعيفة اقتصاديا وسياسيا كالسودان، يجعل تكلفة ذلك عالية جدا على الوطن والمواطن، وهذه سمة الإجراءات الاقتصادية في عصور السودان كلها، والنموذج الثاني في كثير من الأحيان الآن أننا ننظر للمشكلة كأنها في الموارد، لكننا ظللنا نمارس تخصيص الموارد عبر السياسات، وبالتنفيذ الفعلي عملنا على نقل الموارد من القطاع الخاص إلى القطاع العام، حتى بعد إعلان وتبني سياسة التحرير للأسف، سواء بالموازنة التي يجسدها عجز الموازنة عبر التمويل بالعجز أو اللجوء إلى الصكوك والسندات، حيث نأخذ التمويل من موارد حقيقية لسد عجز الميزانية الذي هو في الأصل عجز موارد طباعة عملة، فكان سد العجز خصماً على حركة القطاع الخاص الذي أوكلت إليه السياسات إدارة «70%» من إدارة الاقتصاد، فهذه السياسة عملت على سحب الموارد لتترك القطاع يدور في فلك فارغ، والجانب الخطير في ظني أن القطاع الخاص ظل وكأن لديه من الكفاءة والرؤية لإحداث التغيير في الاقتصاد المحلي أو اقتصاد الصادرات أو للمنافسة خارجيا عند تبنينا سياسة التحرير، فغابت أو قلت القيود على التجارة الخارجية، وللأسف كان قطاعنا الاقتصادي غير مؤهل، لأنه على مستوى الإدارة والمؤسسات أو التكنولوجيا أو فهمها لمتغيرات العالم أو لكل المفاهيم الأساسية التي تجعله مؤهلا للمنافسة حتى داخل السودان، ظل متخلفاً. ولم نفعل أي شيء لتخطي هذه المعضلة حتى يواكب القطاع الخاص سياسات التحرير التي تعني أن يكون لك قطاع خاص قوي، أو أن تؤهله ليكون قويا للقيام بالدور المناط به في إدارة الشأن الاقتصادي، لا سيما أننا أوكلنا له نسبة «70%» من الحركة الاقتصادية، لأجل هذا إذا لم تكن له قدرة أو موارد حتى يستطيع المنافسة، وإن لم نفعل ذلك، فمعنى ذلك إننا نهدر موارد القطاع العام، فالقطاع الخاص عندنا أسوأ من ذلك، فالإدارة الاقتصادية على مستوى الدولة والقطاع الخاص إدارة عاجزة، بالتالي أي خيارات لا تهتم أو تستصحب بناء القدرات والتأهيل في معيتها ستكون في فراغ، أو ستأتي بنتائج ضعيفة جدا. وللأسف هذا ناتج عن الخلل المستمر الذي لم يجد المعالجة العملية الصحيحة.
٭ لكن كثيرين يرون أن السبب الرئيس في ألا تؤتي سياسة التحرير الاقتصادي أكلها، أن الحكومة مارست سياسة الاحتكار لبعض الجهات الحكومية أو المقربة؟
هذا صحيح، لكنها حتى لو أزالت هذا الاحتكار، وهذا نموذج لعدم الرؤية طويلة المدى، حيث ذكرت أنها ستنقل بناءً على سياسات التحرير الحركة الاقتصادية التي ليست لها علاقة بالسيادة من القطاع العام الحكومي إلى القطاع الخاص، وبدأنا ذلك بسياسات الخصخصة منذ فبراير 1992م واستمرت، لكن حدث تدخل من الإدارة السياسية على مستوى مجلس الوزراء أو الأجهزة دونه عسكرية أو أمنية أو خلافها، فأصبحت تعاد إلى الأنشطة الاقتصادية عبر أسماء شركات ومؤسسات ظاهرة أو غير ظاهرة لتتدخل في الحركة الاقتصادية. وهذا عكس التوجه الرئيسي لسياسة التحرير، وتم ذلك في عدم شفافية تامة، وحتى الآن لا يدري أحد حجم التدخل الحكومي أو شبه الحكومي، وكل من يقول به يكون من باب الانطباع رغم صحة وجوده، حيث أنني لم أقرأ أو سمعت شيئاً غير أن هذا التدخل قد تفشى، لكن دون تحديد لحجمه أو نسبته وأثره، لكن ما أؤكده أنه عنصر من عناصر انحراف سياسة التحرير ونقل الكفاءة والموارد للقطاع الخاص، لكن يظل الإشكال موجوداً إذا تحدثنا عن القطاع الخاص داخل أو خارج الحكومة، أو القطاع الاقتصادي داخل الحكومة، فعندي ثلاثة قطاعات خاصة، قطاع خاص خاص، وقطاع حكومي خاص غير معروف الحجم رغم قناعة كل أهل السودان بأنه منتشر جداً ومسيطر وغائب عن أية رقابة، ثم قطاع حكومي اقتصادي معروف، لكن القاسم المشترك بين ثلاثتها غياب الرؤية للانتقال أو إحداث التنمية، وعدم القدرة على استخدام الموارد عند اتاحتها بكفاءة لصالح البلد، وهنا تكمن المشكلة وأس البلاء.
٭ هل إنشاء الحكومة مفوضية لمحاربة الفساد يشكل حلاً ويمكن من القفز فوق هذه المعضلة؟
أولا لا بد من الاعتراف بأنه ما دام هناك بشر فسيكون هناك فساد، وما دام الأمر كذلك فعلى أي نظام اتخاذ التدابير الواقية من الفساد، عبر تهيئة البيئة والإطار الذي يتمتع بالشفافية وتحفه وتحرسه جيوش العدل، مع ترسيم الحدود لأي نشاط، لجهة أن هذا ركن أساسي لمحاربة الفساد قبل وقوعه، لأنك إن فعلت ذلك تكون قد أسست لنظام خالٍ من الفساد، ومن ثم تترك القوانين واللوائح لمتابعة فساد الأفراد الذين بطبيعتهم مجبولون على الفساد، غير أنه إذا كان الإطار الأساسي للسياسات المتسمة بالشفافية والمشتملة على مبدأ العقاب والمحاسبة موجوداً فإنه يقلص المساحات لفساد الأفراد، لكنه إذا غاب أو لم يكن موجوداً فإن المفوضية لن تجدي فتيلا، وستصبح قليلة الفعالية، لجهة أن النائب العام والمراجع العام والقضاء الذين يناط بهم معاقبة المفسدين أياً كانوا لم يوقفوا الفساد، مما يعني أن هناك شيئاً، لأجل هذا المفوضية إذا انطلقت ولم تؤثر على البيئة العامة للسياسات والإجراءات والنظم بصورة أساسية، ستكون مجرد عبء إداري إضافي في ظل غياب البيئة الشفافة والحرة، وستظل شبيهة بالآليات السابقة لها، ولن تفعل شيئاً. ولأعطيك نموذجا للفساد، حينما تكون البيئة غير صالحة، فالكل يقرأ عن عطاءات من قبل المؤسسات الحكومية لتأهيل مقاولين أكفاء، فهذه الإعلانات من حيث الشكل جيدة جدا، ويقول الكل إنها ستوفر على مؤسسات الدولة الوقت والمال لجهة توفير قائمة قصيرة منهم تستعين بخدماتها متى ما لزم الأمر، لكن من يدري أنها بوابة للفساد في حد ذاتها.
٭ هل تعنى أنها مجرد واجهة؟
لا أنا أقصد أنه يمكن استغلالها في إطار عدم وجود الإطار الكبير للشفافية والحرية والنزاهة، لكن ما الذي يضبط ويضمن لنا أن اختيار القائمة القصيرة قائم على النزاهة والشفافية والكفاءة؟ وإذا لم يكن لدينا ما يضبطها فهي تعتبر من أقوى آليات الفساد والإفساد والإقصاء في الحركة الاقتصادية للقطاع الخاص، ولنفرض أنك أعلنت أن مدة العطاء سنة وأنشأ القطاع الخاص شركة تمتلك المؤهلات والمواصفات التي تؤهلها للدخول في المزاد، فبتحديد مدة السنة تكون قد حرمت صاحب الكفاءة من الاشتراك فيه لمدة سنة.
٭ وفي هذا نوع من الاحتكار؟
نعم نوع من الاحتكار والفساد، لأن أي إجراء يقيد المنافسة عددا أو زمنا أو نوعا هو ضد التحرير، لأن التحرير ليس فوضى، ويمكن الموازنة بين التكلفة المتكررة لعقد المزاد وإجراء آخر، والآن حقيقة كلهم حتى بعد الاعلان لا يفقدون موارد، بل أن الإعلان والعطاءات أصبحت مورداً للجهة المعلنة، لأن تكلفة شراء كراسة العطاء أكثر من تكلفة عملية إجرائه، فالأسلم أن يتم الإعلان عن حجم احتياجات المؤسسة خلال السنة، لا سيما إذا كانت هناك أشياء تنتج داخل البلد ولا تحتاج لفترة توريد طويلة، حتى لا تحتج المؤسسة أوالجهة باتخاذ التدابير منذ زمن طويل لاستيرادها، لكن عملية قفل العطاءات تفتح الباب لحدوث المشكلات، فأنا أعلم أنها موجودة عالميا.. لكن إدارتها خارج إطار الشفافية والعدالة واندماجها مع رؤية سياسة التحرير، سيجعل الممارسات بوعي أو بدونه بفساد أو بدون فساد، مسألة «جايطة».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.