والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عشرة مبادئ حول المفاوضات
السودان على حافة تقرير المصير أو الوحدة (77)


ترجمة:سيف الدين عبد الحميد
أصدر الدكتور فرانسيس دينق مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية،ووزير الدولة للخارجية الأسبق مؤخرا كتابا جديدا موسوم ب «السودان على الحافة» يحمل رؤى حول مشاكل الوحدة والانفصال والهوية السودانية ، وقضايا المهمشين، وتترجم «الصحافة» الاصدارة وتنشرها تعميما للفائدة..
إن المفاوضات بوساطة طرف ثالث هي نظير المواجهة العنيفة، فمنذ الاستقلال تعاقب السودان مرتين بين الصراعات العنيفة المدمِّرة والمفاوضات المفضية إلى الحل السلمي للصراعات. لقد أنهيت حرب السبعة عشرعاما (1955م - 1972م) باتفاقية أديس أبابا كما أنهيت حرب الإثنين وعشرين عاما (1983م - 2005م) باتفاقية السلام الشامل، وسيظل البحث عن سلام دائم وتظل آفاق تحقيق وحدة إجماعية حقيقية يتطلبان عملية مفاوضات مستمرة في المستقبل المنظور. وأرى أن التفاوض وحقل الدبلوماسية ذا الصلة اللصيقة به ما هو في الأساس إلا إدارة علاقات إنسانية تشمل الأفراد والمجموعات أو الدول، فبعض الناس يقولون إن الصراع هو الحالة الطبيعية للتفاعل البشري وبالتالي فمن العبث محاولة إيقاف الصراعات أو حلّها وأن أكثر ما يمكن فعله هو إدارة الصراعات. ويمكن أن يكون هذا صحيحاً إذا فُهم القصد منه بأن أسس الصراع توجد داخل العلاقات الإنسانية الطبيعية وبالتالي فإن حدوث الصراع أمرٌ طبيعي. وإذا كان المعنى أن الصراع هو الشكل الطبيعي للحياة فإنني إذن اعتبر ذاك الموقف مشكوكاً فيه تجريبياًوملتبساً قياسياً. وبعيداً عن النظر إلى الصراع باعتباره حالة طبيعية من التفاعل البشري، فإنني اعتقد أن الناس أكثر قابلية للتعاون وتوفيق مواقفهم المتضاربة أو ذات النزوع الصراعي الكامن.
وفي الواقع إن ذاك الصراع هو أزمة تدل على خللٍ في شكل السلوك الطبيعي. وبهذا المعنى ، فإن الصراع يقتضي تصادم مواقف متضاربة ناتجة عن الفشل في ضبط الخلافات أو توفيقها أو تسويتها، فالمجتمع يُبنى في مجرى الأحداث العادية حول القيم والمبادئ الجوهرية التي توجّه وتضبط العلاقات لتفادي صراع المصالح والمواقف المدمِّر. فإذا راعى الناس مبادئ القانون المعياري الذي يراعونه عموماً فإن الصيغة الطبيعية ستكون صيغة تعاون نسبي ومتبادل حتى ولو كان في إطارٍ تنافسي. فأن تصف تلك الحالة بأنها حالة صراع فإنك ستضع حكماً سلبياً على البواعث والجهود الإيجابية، وعلى درجةٍ عالية نسبياً من النجاح في التفاعل السلمي. بل الأهم من التأويل التجريبي الصارم هي الآثار المعيارية لتحميل الصراع حالة الوجود الإنساني الطبيعية التي ترمي إلى تعزيز تصرفٍ عدائيٍّ صراعيٍّ مريب في الأساس.
إن المستوى الذي يعكس به أفراد المجتمع أو المجموعة هذا السلوك قد يعتمد بقدرٍ كبير على الثقافة وقانونها المعياري محددة في مجموعة من الأهداف والقيم والمعتقدات المشتركة والثابتة التي تميز المجموعات القومية أو العرقية أو المجموعات الأخرى وتعمل على توجيه سلوكها. والثقافة نفسها هي نتاج التعليم الرسمي وغير الرسمي الذي تُغرس من خلاله قواعد السلوك التي طورها المجتمع خلال فترة طويلة من الزمن منذ الطفولة وتمضي جيلاً إثر جيل. فالأسرة هي قاعدة التعليم المؤسسية ولا سيما لغرس القيم الثقافية الأساس في الذهن، ومع ذلك ورغم الدور المحوري للأسرة وللثقافة في صياغة القيم والمواقف والطرائق العملية في العلاقات الإنسانية لكن نجد الأفراد يختلفون حتى داخل الأسرة في فهمهم للقيم المعنية وتقييمها وتطبيقها. هذه المجموعة من التكييف الثقافي الجمعي والنزعة الفردية لاستيعاب وتقبُّل وتطبيق ما هو مطلوب هي التي تعطي أهمية للتجارب الشخصية باعتبارها تطبيقات معينة للقيم والعادات وطرق فضّ الصراع والدبلوماسية داخل إطار ثقافي محدد. وقد يكون الصراع بحثاً إيجابياً عن الإصلاح بحسبانه تحدياً للنظام غير المتكافئ، ومن المهم أن نؤكد أن الهدف ليس مجرد حسم الصراع بل حسمه بأسلوبٍ مُرضٍ على نحو مشترك، ويعني هذا معالجة الأسباب الأصلية ومراعاة المبادئ الجوهرية كالعدالة والكرامة الإنسانية. بمعنى آخر مهما كان التغيير مطلوباً بصورة عاجلة فإن الوضع الراهن لا يمكن تأييده ببساطة من أجل الانسجام والتفاعل السلمي. ويمكن تعريف الصراع في هذا السياق بأنه وضع من التفاعل يشمل طرفين أو أكثر تتمخض فيه الأفعال الساعية وراء الأهداف أو المصالح المتضاربة عن درجات مختلفة من النزاع، فالانقسام الرئيس يكون بين العلاقات المنسجمة والتعاونية وبين مواجهةٍ عدائيةٍ ممزِّقة ترقى في أسوأ حالاتها إلى العنف الشديد. فحسم الصراع على أساس هذا التعريف هو مفهوم معياري يهدف إلى التوفيق بين المصالح المتضاربة وتسويتها أو إدارتها وذلك بتعزيز عملية تفاعلٍ سلمي مؤسس. وفض الصراع يضع تصوراً للاستراتيجيات الهادفة إلى الحفاظ على الوضع الطبيعي للأمور أو ترسيخه ورفع مستوى التفاعل السلمي والانسجامي والتعاوني والبنائي المثمر. إن تحقيق السلام والمصالحة يصبح هدفاً مشتركاً بيد أنه يكون أمراً سهلاً فقط في حالة أن شعر كلا الطرفين أن الحل المقترح هو للمصلحة المشتركة في الواقع.
وطالما أن كليهما كانا مستعديْن في المقام الأول للدخول في الصراع، فإن هذا يعني أن كلاً منهما يجب أن تكون له وجهة نظر ذاتية من الصواب والخطأ تعطيهما قدراً من الصواب وتعطي قدراً من الخطأ للطرف المعارض.
هذه المناظير الذاتية لا يمكن إغفالها عندما يحدث التفاوض أو عندما تقدم المقترحات لحسم الصراع رغم أن هذه المناظير يجب ألا تحفل بنفوذٍ كبير على هذه العمليات بل لا يجب أن يُسمح لها بذلك. وفي النهاية يجب ألا يكون هناك كاسب مطلق أو خاسر مطلق في الوقت الذي يكون فيه هناك تسلسل هرمي من حالات الصواب وحالات الخطأ في فض النزاعات عبر المفاوضات.
وإذا أتى المرء من ثقافة أو مجتمع أو أسرة تُقيّم فيها الوحدة والتوافق والتعاون تقييماً كبيراً ففي هذه الحالة سيصبح تضارب الصراع فوضى لا تزعزع المجتمع فحسب بل تزعزع الفرد أيضاً. وإذا افترض المرء أن هناك عوامل مساهمة في أي صراع يتشاطر فيها الطرفان المسؤولية ولو بدرجات متفاوتة فإن درجة الارتياب الحادثة يجب أن تخلق شعوراً بالمسؤولية المشتركة بالنسبة لأفراد المجتمع ذوي التعليم أو التربية اللائقة.
لذا فإن الرغبة في تطبيع الوضع والحفاظ على العلاقات الحميمة تصبح ذات طابع اجتماعي وكأنها هدف شخصي. ويجب النظر إلى المبادئ المقترحة حول التفاوض في سياق الإطار المعياري الموضح أعلاه، فهذه المبادئ منبثقة من التجارب الشخصية ومتجذرة في القيم والسلوك والعادات التي تنبثق من أسرةٍ إفريقية معينة وخلفية ثقافية وسط دينكا السودان.
إنها مبادئ تغطي التجارب في العلاقات الشخصية بين الأفراد ووساطة الطرف الثالث والمفاوضات الدبلوماسية بصور متداخلة. ورغم أنها مبادئ ذات طابع شخصي ومتأصلة في الأطر الثقافية الدينكاوية والسودانية والإفريقية إلا أنها تمثل القيم التي يمكن أن تستأهل مشروعية شاملة جامعة برغم الاختلافات الثقافية المتقاطعة حول التفاصيل وملاءمتها.
المبدأ الاول: نادراً ما تكون حالات الصواب والخطأ من طرف واحد رغم أنها نادراً ما تكون متكافئة، بل حتى عندما تشعر بأنك على يقين من أنك في جانب الصواب يجب عليك أن تقيس نفسك في حذاء الطرف الآخر بل يجب أيضاً أن تجعل الطرف الآخر يعترف بأنك راغب رغبة حقيقية في وجهة نظره أو وجهة نظرها.
المبدأ الثاني: ليس صحياً أن تترك المظالم في »بطنك« أو في »قلبك« . فالكتاب الذي كتبته حول هذا المضوع بعنوان »تحدث مباشرة« talk it out ليس هو الطريقة الأفضل لحلّ الخلافات أو المظالم فحسب بل يعتبر أيضاً كتاباً ضرورياً لصحة المرء العقلية بل حتى لصحته البدنية. وكثيراً ما تستخدم كلمات مقالة كتبتها حول ذاك الموضوع »ما لم يقال هو ما يفرّق« .
المبدأ الثالث: كرامة الإنسان ضرورية لفض الصراعات، إذ يجب على المرء أن يتفادى الحديث بأي شئ يكون مذلاً للطرف الآخر، ومن المستحسن ما أمكن أن تبدي الاحترام حتى ولو لخصم شريطة ألا يكون ذلك مداهنة رخيصة.
المبدأ الرابع: من المهم أن تستمع باهتمام وتسمح للطرف الآخر أن يقول كل ما يعتبره أو تعتبره مهماً أو ذا صلة، فحسم الخلافات ليس لعبة دهاء أو ذكاء لكنه معالجة للقضايا الحقيقية لطرفي الصراع، فقصص الدينكا الشعبية تقول إن ذكاء الثعلب ينقلب في النهاية على الثعلب. فيجب أن يكون للحلول عنصر أخذ وعطاء رغم أن القسمة يجب أن تكون نسبية لمعادلات حالات الصواب والخطأ المعنية. ففي تقييم تسوية النزاع المتفاوض عليها لن يكون من الحكمة التباهي بالنصر لأن هذا يشير ضمناً إلى هزيمة الطرف الآخر وبالتالي إلى نتيجة غير مقنعة.
المبدأ الخامس: تعطي ذاكرة العلاقات التاريخية عمقاً لوجهات نظر الأطراف والقضايا المعنية، لكن يجب على المرء أن يتفادى إثارة الوضع بالذكريات والقطعيات السلبية ويجب أن يعزز بدلاً من ذلك حواراً بناءً بالذكريات أو التفاسير الإيجابية للأحداث الماضية بدون تشويه الحقائق بالطبع.
المبدأ السادس: يجب أن يكون الوسيط محايداً ولكن حيثما كان هناك سبب للاعتقاد بأنه مقرب لطرف دون الآخر بأي صفةٍ كانت فعليه أن يصل إلى الطرف الأبعد، ولكن يجب ألا يكون هذا على حساب إنصاف الطرف المقرب للوسيط. ولا يعني الحياد ألا يكون لديك موقف حول القضايا موضوع النزاع رغم أن الجهر بالآراء يجب أن يُبعث بحذر لتعزيز الدور التجسيري والفهم المشترك.
المبدأ السابع: يجب أن يصغي الوسيط بصبر لكل الطرفين وحتى عندما تكون هناك خروقات واضحة في ما يقال يجب أن يعطي الوسيط وزناًمناسباً لأي وجهة نظر من الطرفين، فالرأي الشعبي هو أن الناس في النظام الإفريقي الأهلي لتسوية النزاع يجلسون تحت شجرة ويتكلمون حتى يتوصلوا لإجماع وهو نظام يعكس سلوكاً إفريقياً معيارياً تتم مشاطرته على أوسع نطاق. وحيثما كان تفسير وجهة نظر الخصم حول قضية معينة قد يسهِّل العملية التجسيرية فإن على الوسيط أن يتدخل لتقديم التفسير باعتباره جزءاً من بناء الإجماع.
المبدأ الثامن: في الوقت الذي تكون فيه حكمة التعبير والقدرة على الإقناع مهمتين يكون ثقل الضغط أمراً محورياً، وهذا يعني أن الوسيط يجب أن تكون لديه أو يعتقد أن تكون لديه القدرة على دعم العملية بالحوافز والتهديدات ذات العواقب السلبية وذلك وفقاً لمعادلات المسؤولية لنجاح المفاوضات أو فشلها. في الماضي كانت قوى العناية الإلهية الروحية وسط الدينكا تقدم الضغط المطلوب، وفي السياق الحديث فإن التأثير على موازنة القوة لخلق »مأزق مؤلم بصورة مشتركة« وللمساعدة على تحفيز عملية »الإنضاج للحل« - اذا استعرنا الكلمات الشهيرة لعالم تحليل الصراع المشهور وليم زارتمان - يعتبر جزءاً من الضغط الذي يمكن أن يسهّل مهمة الوسيط بصورة فاعلة.
المبدأ التاسع: تجمع المفاوضات الدبلوماسية عناصر من العلاقات بين الأشخاص ووساطة الطرف الثالث، ذلك أن المفاوض يمثل حكومته كما تجمع من بعض النواحي المفاوضة مع الوساطة بين الحكومات المعنية. إن حرية التصرف والإبداع في تكييف الموقف الرسمي مع محفزات الوضع بدرجة من المرونة ضروريان لاحتمالات العملية التجسيرية الناجحة.
المبدأ العاشر: في الوقت الذي يكون فيه هدف المفاوضين هو رؤية نتيجة جهودهم فيما يتلعق بالكسب أو الخسارة خاصة للاستهلاك المحلي، فإن النتيجة المرغوبة يجب أن تكون نتيجة لا يرى فيها أيٌّ من الطرفين نفسه فائزاً أو خاسراً إلا حيثما تكون حالات الصواب والخطأ المعنية واضحة وضوحاً لا جدال فيه. إن صيغة تعادل الفوز win-win يجب أن تكون هي الهدف ويجب ألا يتباهى أيٌّ من الطرفين بالفوز وبما يومئ بإذلال الطرف الآخر باعتباره خاسراً وذلك مهما كانت موازنات الفوز أو الخسارة في النتيجة موضوع الوساطة أو التفاوض. ويجب أن تكون هناك درجة من التكافؤ في كلا الطرفين فائزيْن أو خاسريْن.
موازنة العام بالخاص:
لا تزعم المبائ المقدمة أعلاه أنها حلّ ناجع، بل بالعكس فهي تعكس نظاماً قيِّميِّاً عاطفياً محدداً ربما يكون ذا طبيعة نسبية أكثر منها طبيعة كلية. من ناحية أخرى ربما يكون من الجرأة بل المخاطرة الادعاء بأن هذه المبادئ هي طرق تفاوض شاملة ومثبتة علمياً بحيث أنها قابلة للتطبيق على كل الأوضاع والأطر الثقافية المتقاطعة. إن القضية بالطبع يمكن أن تحدد لمعرفة خبير في التفاوض وهناك دور محدد يلعبه الأفراد الذين لديهم خبرة كهذي، ولكن لكي تكون خبرة فاعلة يجب أن يطور التعاون بين الطرق الشاملة والطرق المحددة ثقافياً.
في السودان نجد الزعماء والحكماء المعروفين بالأجاويد في الشمال ولكن لديهم ألقاب مختلفة على نطاق البلاد تتم الاستفادة منهم عادةً للتوسط في الصراعات التي تحدث بين القبائل. وفي الواقع أن معظم الصراعات القبلية المستشرية عبر البلاد بيسمها هؤلاء الوسطاء التقليديون الذين هم في الغالب الأعم أميون ولكنهم موهوبون بالحكمة والمعرفة الفطرية. فعندما يتذكر المرء أن عدد الاداريين الاستعماريين الذين حكموا تلك البلاد الشاسعة ذات المليون ميل مربع تقريباً كان عدداً قليلاً يرى من السهل كيف أنهم استفادوا استفادة فاعلة من الزعماء التقليديين في إقرار القانون والنظام والسلام والأمن على نطاق المناطق الريفية. فالفشل في استغلال هذه القدرات الأهلية المحلية يفسّر الكثير من الصراعات بين القبائل والعنف الإجرامي الذي كان قَدَرَ إدارة ما بعد الاستعمار في السودان. ويجب أن يغيّر هذا الحال إن كان للسودن أن يعزز قدراته الكاملة لإقرار السلام والأمن والاستقرار على نطاق البلاد.
خاتمة:
خلال النصف الأول من عام 2010م تطور موقف المجتمع الدولي حيال الوضع في السودان بصورةٍ بناءة جداً وبطرق مختلفة إذ برز إجماعٌ يؤيد التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام الشامل. ويشمل هذا إجراء الاستفتاءات في الجنوب وفي أبيي حسب الجدول الزمني مع احترام خيار الشعب سواءً كان للوحدة أو للانفصال. ووفقاً لذلك فإن الترتيبات المطلوبة لإجراء الاستفتاءات مثل ترسيم الحدود وتكوين لجان الاستفتاءات وتسجيل الناخبين والمستلزمات الإجرائية الأخرى يجب تنفيذها بعناية وموثوقية وشفافية. كما تم الاتفاق بشكل واسع على أن يفاوض الطرفان ترتيبات ما بعد الاستفتاء حول العلاقات الشمالية الجنوبية وعلاقات الدينكا والمسيرية »أبيي« لا للتأكد من أن الاستفتاءات تم تنفيذها سلمياً فحسب بل للتأكد أيضاً من أن العلاقات السلمية الدائمة تم ضمانها للمستقبل.
أدرك المجتمع الدولي أيضاً أهمية إعادة دارفور إلى الشبكة المعقدة للصراعات الجهوية المترابطة في السودان، فمنذ اندلاع صراع دارفور في عام 2003م، كان الاتجاه في المجتمع الدولي أن يري ذاك الصراع بمعزل عن الوضع في الجنوب وعن أوضاع الصراع في مناطق الشمال الأخرى. وفي الواقع إن صراع دارفور هو آخر صراع في سلسلة صراعات جهوية بدأت في الجنوب في الخمسينات وامتدت إلى الشمال في منتصف الثمانينيات في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق والبجا وأخيراً في دارفور حيث كان تهميش هذه المناطق الطرفية من قبل المركز هو السبب المشترك لهذه الصراعات. هذا الانقسام المركزي/ الطرفي يُشبّهونه بانقسامٍ عربيٍّ/ إفريقي وهو انقسام خيالي أكثر منه واقعي.
إن تقرير لجنة الاتحاد الإفريقي رفيعة المستوى حول دارفور التي ترأسها ثابومبيكي رئيس جنوب إفريقيا السابق والتي تم تمديد تفويضها الآن ليشمل تنفيذ اتفاقية السلام الشامل قد حافظ على التوازن المناسب لكي يُرى الصراع في دارفور داخل الإطار القومي ويشمل ذلك ربطه باتفاقية السلام الشامل والجنوب. هذه المجموعة المعقدة من الاعتبارات تقود السودانيين أنفسهم والمجتمع الدولي إلى نتيجة فحواها أن الجدل حول وحدة السودان وانفصاله لن ينتهي باستفتاء تقرير المصير الجنوبي، فحتى لو اختار الجنوب الانفصال فإنهم سيظلون مرتبطين ارتباطاً لصيقاً بالشمال عضوياً واقصادياً واجتماعياً وثقافياً. بل الأكثر صلة أنهم سيظلون متماهين مع مظالم مناطق الشمال المهمشة وكفاحها من أجل تحقيق سودان جديد خالٍ من التمييز على أسس العنصر والعرق والدين والثقافة والتمييز بين الجنسين، فإذا تحققت تلك الرؤية كان يمكن لأساس الوحدة الوطنية أن يُوطَّد، ولهذا السبب يكون من الحكمة النظر إلى التصويت للانفصال باعتباره ترتيباً مؤقتاً يجب أن يترك الباب مفتوحاً لإعادة التوحد.
وعلى ذات المنوال يجب أن يؤسس شكل من أشكال الترابط يكون من شأنه الإبقاء على خيوط الوحدة والتعاون اللصيق، فهذا لن يحافظ على رؤية الوحدة حية فحسب بل يعمل أيضاً على تسهيل بيئةٍ من حسن النوايا والانفصال السلمي إذا كان هذا هو نتيجة استفتاء تقرير المصير في الجنوب.
إن أبيي تبدي أيضاً تحدياً مماثلاً بين الشمال والجنوب، فإن كان للاستفتاء الجنوبي أن يحدث قبل استفتاء أبيي وأن الجنوب صوّت للوحدة فسأؤيد أنا وضعاً خاصاً لأبيي داخل الوحدة، وسيكون السؤال حينذاك ما إذا كان الوضع الخاص لأبيي داخل إطار الانفصال الجنوبي أمراً سهلاً. سيكون الهدف هو إعطاء كلا الطرفين علاقة إيجابية لأبيي ومفاوضة شراكة تهدف لإعطاء أبيي وضع الانتماء لكليهما لكي تظل تمثل رباطاً ديناميكياً بين الشمال والجنوب.
كما أن مجلس الدينكا المسيرية للسلام والتنمية الذي اقترحته خلال مفاوضات اتفاقية الشامل سيهيئ أساساً قاعدياً مؤسسياً لهذه الشراكة. ولكي ينجح هذا الإجراء يجب أن يعطي الدينكا والمسيرية فوائد مشتركة واضحة وملموسة تجعل منه موضوع تعاقد وتفاعل وتعاون جاذب بين الشمال والجنوب، ويجب أيضاً أن يعطي كلا الشمال والجنوب فائدة واضحة في وضع أبيي.
لقد كان رأيي دائماً أن هناك الكثير المشترك بين السودانيين والذي يتجاوز التقسيم الشمالي/ الجنوبي وذلك بأكثر مما يدرك السودانيون، ولكن ربما بذات المنطق كانت هناك نزعة لإقرار ما يفرّق بحيث تعطي هذه النزعة المتطرفين في كلا الطرفين شعارات للمطالبة بشرعية »أجندتهم« الشّقاقية. ومن المفارقة أن تأتي رؤية الوحدة داخل سودان جديد من الجنوب الذي ظل تاريخياً مرتبطاً بالانفصال، كما أن من الملائم أيضاً أن تستحوذ هذه الرؤية على خيال مناطق الشمال المهمشة التي تشكل الأغلبية. لقد كان التحدي الكبير للقيادة في المركز هو الاستجابة إيجابياً لمطالب الأغلبية الغالبة من الشعب السوداني من أجل سودان جديد ذي مساواة كاملة دون تمييز على أي أساسٍ من الأسس. وهذه رؤية كبيرة جداً ومُرْغِمة لأي زعيم يستأهل الشرعية القومية والدولية للبقاء. إن الاعتبار العملي الوحيد هو كيفية التخطيط لتدابير تحمي مصالح الأقلية المهيمنة [الآن] مع تخليها عن السلطة للأغلبية المرؤوسة [الآن]، فالشهامة مطلوبة على السواء من جانب أولئك الذين سيتخلَّوْن عن السيطرة والتحكم ومن أولئك المطلوب منهم تولّي السلطة ورسم خريطة مصير الأمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.