مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لكن هل ستواكبُ الولاياتُ المتحدة العالم المتغيِّر؟
فرانسيس فوكوياما:الديمقراطية ما زالت سائدة،
نشر في الصحافة يوم 20 - 06 - 2011

في الحوار التالي يتناول العالم السياسي فرانسيس فوكوياما قضية الاتحاد الأوربي المتفتت وماذا يجب على الغرب أن يتعلم من الصين وصلاحية الديمقراطية ومشاكلها. جدير بالذكر أن فوكوياما قد فرغ لتوِّه من نشر كتاب جديد بعنوان (أصول النظام السياسي) وهو سِفرٌ يبحث في تطور المؤسسات السياسية بدءاً من الصين القديمة وحتى الثورة الفرنسية. وقد أجرى معه محرر «شبكة وجهة النظر الدولية» مايكل إسكافيداس الحوار التالي في نيويورك، ونقلته عنه صحيفة كرستيان ساينس مونيتور. فإلى نصِّ الحوار:
مايكل إسكافيداس: من المدهش أن كتابك الجديد لم يكن أوربيَّ التوجه إذ إنك وضعت الصين في موضع الطليعة باعتبار أن الصينيين أول مجتمع عمل على تطوير مؤسسات الدولة، وكما تقول بالنص: «إن كثيراً من عناصر الدولة الحديثة التي نعرفها الآن ظهرت في تاريخٍ مبكرٍ جداً وهي أقدم من الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي الحديث، فهذه العناصر كانت موجودة سلفاً في الصين وذلك في القرن الثالث قبل الميلاد». وفي النهاية وكما توحي كلماتك «أن التجربة الصينية الرائدة نادراً ما يُشار إليها في التقارير الغربية المتعلقة بالتطور السياسي». فلماذا ترى القضية بهذا الشكل؟
فوكوياما: جزء من المشكلة هو أن تاريخ الصين تاريخ طويل ومعقد جداً بحيث من الصعب على الناس أن يفهموه على إجماله، ومعظم الناس في الغرب غير مطلعين على التاريخ الصيني السابق للقرن العشرين، فهم يعرفون فقط سلالة كينغ الحاكمة التي كانت آخر سلالة حاكمة ذوت واضمحلت وحلت محلها الثورة الوطنية في مطلع القرن العشرين. فعندما يفكر الغربيون في تاريخ الصين فإن معرفتهم به لا تتعدى أكثر من مائتي عام أو ثلاثمائة عام، وهذه مشكلة كبيرة لأن تلك الأسرة الحاكمة كانت في الحقيقة مضمحلة ومتحجرة في تلك المرحلة من تاريخ الصين ولم تكن تمثل ما كانت تبدو عليه الصين في الفترات المبكرة. وقد شهدت الصين بالطبع اضمحلالاً سياسياً لا في عهد سلالة كينغ الحاكمة فحسب ولكن في أوقاتٍ معلومة في تاريخها البالغ 2500 عام، لذا يعتمد وضع افتراضاتك حول الكيفية التي كانت بها المؤسسات الصينية نافذة على ماهية المرحلة الزمنية الصينية التي تبحث فيها.
ماذا يمكن أن يتعلم الغرب من الصين
إسكافيداس: قال لي مستشارك الراحل صموئيل هنتنغتون ذات مرة «هناك أشياء كثيرة يجب أن يتعلمها الغرب من الحضارات الأخرى، وفي الحقيقة أن زعماء دول مثل الصين واليابان يحاولون دائماً نقل بعض مبادئهم إلى الغرب. فالغرب يمكن له فقط أن يستفيد من تبادلٍ كهذا». ومع ذلك ظل الغرب دائماً يقاوم هذا التبادل حتى اليوم الذي أصبحت فيه الصين والهند عملاقين اقتصاديين، والآن ليس هناك بديل آخر سوى القبول بهذا التبادل.
فوكوياما: عموماً كان هنتنغتون صائباً ذلك أنه حتى إذا لم تكن هذه البلدان ناجحة اقتصادياً فلا تزال هناك أشياء مهمة يجب أن نتعلمها منها، فمثلاً نجد الصينيين كانوا دائماً ممتازين في الحكم البيروقراطي ذي الكفاءة العالية بشكلٍ لم تكن عليه المجتمعات الغربية. فالتعلم من تلك التجربة يعتبر أمراً أكثر إلحاحاً عندما تصبح هذه البلدان نافذة وقوية جداً وتصبح هناك حاجة مُلحَّة لفهم قدراتها ونقاط ضعفها. فواحدة من مشاكل الولايات المتحدة خلال الجيل الماضي هي أن الأمريكان لم يشعروا أن هناك الكثير الذي يمكن أن نتعلمه من بقية العالم لأن أمريكا كانت في غاية الهيمنة وأن اللغة الإنجليزية كانت لغة عالمية تقريباً. فالعالم قد تغير الآن ولكن الأمريكان لم يواكبوا بعد.
فشل مبدأ المحافظين الجُدد
إسكافيداس: لقد كنت ذات مرة من أنصار حركة المحافظين الجدد المتحمسين، ومن ثم خاب أملك فيها وتركتها. فما الذي أحبطك أكثر ما أحبطك من إخفاقات حركة المحافظين الجدد؟ أهي طموحات هيمنة حركة المحافظين الجدد المفرطة؟ أهي الحرب في العراق التي أيدتها في البداية وشجبتها لاحقاً؟ أهي عدم الثقة في نظام الرعاية الاجتماعية؟ أم هو رفضك لترتيبات الحكومة الأمريكية للعملية الاقتصادية التي أدت إلى انهيار عام 2008م الكارثي؟
فوكوياما: حسناً، قبل كل شيء لم تكن هناك حركة محافظين جدد بذات الطريقة التي كانت عليها وجود حركة شيوعية مثلاً، فلم تكن حركة المحافظين الجدد هي تلك الحركة المنظَّمة، لقد كانت مجرد مجموعة من المفكرين من ذوي الرأي العالمي لكن لم تكن هناك وجهة نظر محافظين جدد حول الاقتصاد مثلاً. وفي الواقع أن إيرفينج كريستول الذي كان أبَ حركة المحافظين الجدد كتب ذات مرة كتاباً بعنوان «تهليلتان للرأسمالية» قال فيه إن الرأسمالية لديها بعض الأوجه الجيدة بيد أن ذلك أمرٌ مشكوكٌ فيه أخلاقياً أيضاً، لذا يجب ألا نخلط بين حركة المحافظين الجدد وبين التحررية أو الريغانية [نسبة إلى رونالد ريغان] لأنهما لم تكونا شيئاً واحداً بالضرورة. لقد ظهرت الحركة حقيقة في الثلاثينيات عندما كان هناك انقسام بين الشيوعيين ومتعاطفيهم وأولئك المتعايشين مع القيم الديمقراطية العالمية، وهذا ما زلت اعتقده. إن حجتي الرئيسة حيال الطريقة التي تطورت بها حركة المحافظين الجدد في سنوات عقد الألفين هي أن الحركة كانت معتمدة كثيراً على القوة العسكرية الأمريكية ومرتبطة بها واعتقد أنها كانت وسيلة محدودة ولم تطبق تطبيقاً لائقاً في العراق أو في الحرب على الإرهاب. ولكن الاعتقاد بأن الديمقراطية هي قيمة عالمية وأن القوة الأمريكية يمكن أن تستخدم إيجابياً إذا تم ذلك الاستخدام بحكمةٍ وحصافة فذلك الاعتقاد هو ما زلت أؤمن به.
موت أسامة بن لادن يعني الكثير للولايات المتحدة
إسكافيداس: هل ترى أية قيمة في قتل أسامة بن لادن بالنسبة لأمريكا علاوةً على أثره العاطفي؟
فوكوياما: لا اعتقد أن القاعدة كانت قوة سياسية بتلك الأهمية حتى قبل مقتل أسامة بن لادن. فالتيار الرئيس في العالم العربي كان بالأحرى مختلفاً لبعض الوقت، فالعرب كما رأينا في الآونة الأخيرة كانوا راغبين في الديمقراطية والنضال ضد الحكم الاستبدادي. وربما كان مقتل أسامة بن لادن في بعض النواحي أكثر إرضاءً للأمريكان مما هو لأي أحدٍ في الشرق الأوسط.
تآكل الاتحاد الأوربي
إسكافيداس: تقول في كتابك الجديد «ما أن يفشل المجتمع في مجابهة أزمة مالية كبيرة عبر الإصلاح المؤسسي الجاد... فإنه يُغرى إلى اللجوء إلى مجموعة من الإصلاحات قصيرة الأجل التي من شأنها أن تعرِّي مؤسساته وتفسدها في النهاية». وأنت تضرب مثلاً بفرنسا وعجز الملكية الفرنسية في الحفاظ على التوازن بعد فشل الحزب الكبير في عام 1557م، نراك توصلت إلى أن الفشل في موازنة ميزانية البلاد قد أفضى إلى الإفلاس ونزع شرعية الدولة نفسها، الشيء الذي تمخض في النهاية عن الثورة الفرنسية. واليوم نجد كثيراً من بلدان الاتحاد الأوربي من اليونان إلى البرتغال تواجه أزمة مماثلة، فهل فَقَدَ المشروع الأوربي برُمَّته الشرعية وأصبح مُزعزعاً؟
فوكوياما: نعم لقد زعزعت أزمة الديون السيادية الاتحاد الأوربي، وأضف إلى ذلك أن الأزمة المالية ليست مشكلة أساساً بالنسبة لأوربا فحسب بل بالنسبة للولايات المتحدة واليابان أيضاً. فالطريقة الوحيدة في النهاية لحلِّ هذه الأزمة هي إعادة مفاوضة العَقد الاجتماعي الذي بُُني عليه العالم الديمقراطي الحديث لأنه ليس عقداً مستداماً. فلقد تمت مفاوضته في وقتٍ لم يُعمَّر فيه الناس طويلاً وكانت معدلات المواليد أعلى، ولكن لدينا الآن هذا التحول الديموغرافي الحقيقي الذي بات مستمراً خلال الجيل الماضي حيث لم تكن هناك كفاية في الشباب العامل ليعينوا أكابرهم على المستوى الذي يتوقعونه ويوعَدون به، فهذا يجعل إعادة التفاوض أمراً ضرورياً. الشيء الآخر هو أن كثيراً من البلدان مثل اليونان لم تنخرط مطلقاً في تحرير سوق العمل أو الإصلاحات الأخرى التي كانت ضرورية لتحسين إنتاجها، لذا فإن عدم قدرتها التنافسية موضوعٌ قيد النقاش جنباً إلى جنب مع الحفاظ على احتياطاتها المالية في آنٍ معاً. إن الذي يجعل أزمة أوربا حادة جداً هو عدم الشعور القوي بتضامنٍ أوربيٍّ عريض، فالألمان من الصعب أن يلعبوا دوراً مثالياً في القيادة.
لماذا لا يحبُّ الأوربيون الغرباء
إسكافيداس: هذا يعيد إلى الأذهان ملاحظة أبديتها في إحدى كتبك السابقة «الثقة» حيث تحدثت عن «الدرجة الأعلى من الثقة المشتركة بين العامل والإدارة في ألمانيا بالمقارنة إلى المجتمعات ذات التوجه الجماعي الأقل». ويبدو هذا واحداً من المشاكل الأكثر تحدياً وراء حالة القلاقل المالية الراهنة في أوربا، أي عقلية مكوناتها القومية المتنوعة غير القابلة للتجسير. فهل تتفق معي؟
فوكوياما: في كثير من الأوقات تستلزم الدرجة العالية من الثقة داخل مجتمعٍ ما درجة أقل من الثقة بالنسبة للناس الذين هم من خارج ذلك المجتمع، وربما كان هذا هو الحال مع الألمان فقد تعاطوا مع حاجتهم للإصلاح الاقتصادي بصورة ناجحة جداً إذ حرروا أسواق عملهم وأصبحوا أكثر قدرة على المنافسة خلال العشر سنوات إلى الخمس عشرة سنة الماضية. وهم يتوقعون الآن أن يتصرف الأناس الآخرون مثلهم فإذا لم يتصرف هؤلاء الآخرون مثلهم فلن يكونوا متعاطفين، وهذا يوضح أن يكون لديك تضامن بشروط قومية لكن لن يكون لديك بالشروط الأوربية الأوسع.
التاريخ مخاض الظروف غير المتوقعة
إسكافيداس: تقول في كتابك الجديد (أصول النظام السياسي): «إن الدول لا تتشبث بماضيها رغم أننا نجد في حالات كثيرة أن الأشياء التي حدثت قبل زمن طويل تظل تلقي بثقلها على طبيعة السياسة». فأنت تشير إلى أن مؤسسات الحكم تنشأ في كثير من الأحيان من الظروف الطارئة وغير المتوقعة لا من نظريةٍ تقدميةٍ ما.
فوكوياما: إذا أخذنا وجهة نظر التطور السياسي الطويلة نجد أن شيئاً واحداً يحدث بوضوح وهو أن تطور المؤسسات كثيراً ما يكون مخاض ظروفٍ عَرَضِية طارئة، فمن ناحية نجد أن حكم القانون أتى نتيجة لسعي الكنيسة الكاثوليكية للاستقلال في القرن الحادي عشر وأن بروز الديمقراطية كان بسبب وجود المؤسسات الإقطاعية في إنجلترا وأن الحكومة البرلمانية برزت من الحاجة إلى تحقيق التوازن بين سلطة القوى الجديدة وسلطة القوى القديمة. إن التاريخ يجب أن يقدم للناس تقييماً أفضل فحواه أن مؤسساتهم هي نتاج قدْرٍ معين من الحظ، واعتقد أيضاً أنه ما أنْ أفصحَ إصلاحٌ مؤسسيٌّ معين عن رسوخه ونفوذه واعتبر إصلاحاً شرعياً فإنه سينحو منحى الانتشار، وهذا ما كان يحدث للديمقراطية خلال السنوات القليلة الماضية. إن الانتفاضة العربية الأخيرة التي شهدت الديمقراطية تنتشر انتشاراً «عضوياً» يجب أن تعطينا نحن الأمريكان شعوراً أكثر تواضعاً بحدود بناء الدولة وبمحاولة زرع المؤسسات في المجتمعات الأخرى.
فساد السياسة بالمال
إسكافيداس: يبدو أن السياسة في الألفية الثالثة قد وقعت تحت فتنة المال مثلها مثل عالم المال والأعمال ومثل الفن والرياضة والتعليم. أوَلا يعمل ذلك على تقويض مُثُل الديمقر اطية الليبرالية؟
فوكوياما: لست متأكداً من أن هذا الأمر هو تحولٌ استثنائي، فالسياسة والمال ظلا مرتبطيْن دائماً، ففي كثير من المجتمعات الأقل تطوراً تجد ظاهرة المحاباة وهي ظاهرة عالمية في السياسة. ففي مناحٍ معينة نجد السياسة في كثيرٍ من المجتمعات الأوربية ومجتمعات أمريكا الشمالية أقلَّ فساداً مما كانت عليه قبل مائة عام، ومن الناحية الأخرى فقد حلَّت سياسة مجموعات المصلحة محلَّ أشكال المحسوبية القديمة بطريقةٍ يمكن أن تكون مدمِّرة لشرعية النظام الديمقراطي. وفي هذا الصدد اعتقد أن هناك مشكلة كبيرة مع الديمقراطية اليوم.
لماذا التقيتُ بقذافي ليبيا
إسكافيداس: هل صحيح أنك قضيت بعض الوقت تسدي فيه النصح للزعيم الليبي معمر القذافي نيابةً عن مجموعة مراقبة الشركة الاستشارية في عام 2007م 2008م؟
فوكوياما: لا لم أُسدِ له النصح. فالقذافي كان يريد مقابلتي لأنه قرأ كتبي وكانت لدينا بعض المناقشات، وكانت تلك الفترة التي كان يأمل أي أحد أن يكون هناك تحرير للمجتمع، لذا ظننتُ أن التعامل مع القذافي يمكن أن يعلِّمُهُ بعض الأشياء ولكن سرعان ما اكتشفت أنه غير قابل للتعلُّم، فهو غير منفتح على أية أفكار جديدة.
إسكافيداس: هل هناك أمل في أن يتحول الحاكم المستبد إلى حاكم ديمقراطي؟
فوكوياما: حدث هذا في الحالات التي تنازل فيها الحكام الاستبداديون عن السلطة طوعاً أو تحكموا في الثغرات التي فاجأت الناس: خذ جنوب إفريقيا وتركيا مثلاً، بل لديك في الفترات الماضية عددٌ من الأماكن كشرق أوربا نفسها والاتحاد السوفيتي السابق حيث لم يتوقع أحد حدوث التحرير. وأنت لن تعرف متى سيحدث هذا قبل وقته ما لم تحاول أن تتعامل مع الناس وتعرف ما إذا كانت هناك رغبة في تغيير المسار. في منتصف أعوام عقد الألفين تخلى القذافي عن برنامج أسلحته النووية وقد شطبته الولايات المتحدة من قائمة الإرهاب لأنه لم يكن في الحقيقة منهمكاً في ذاك النوع من النشاط النووي لبعض الوقت. لذا يجدر بنا أن نرى ما هي حدود الإصلاح في تلك الأنواع من الحالات.
هل نحن مُقدِمُون على سيناريو فرانكشتايني؟
إسكافيداس: تكهنتَ في كتابك (مستقبلنا لما بعد مرحلة البشرية) بأنه «لا يمكن أن تكون هناك نهاية للتاريخ دون نهايةٍ للعلوم والتكنولوجيا الطبيعية الحديثة». فهل تخشى من حدوث نوعٍ من السيناريو الفرانكشتايني؟
فوكوياما: القصة الفرانكشتانية أقل إثارة شيئاً ما، فالذي سيحدث هو التراكم البطئ للمعرفة حول الطب الحيوي الذي يساعدنا على معالجة السلوك البشري بكل أنواع الطرق الجديدة. هذا هو التحدي في الحقيقة، فكثير من الطب الحيوي سيستخدم بالطبع لأغراض علاجية وأن أي شخص يقبل بذلك. فالذي سيدخل في السياسة العامة هو دراسات معينة حول استخدام هذه التكنولوجيا لأغراضٍ غير ملائمة من خلال الهندسة وإساءة استخدام الاستنساخ وما شابه ذلك. فأنا لن أكون بالضرورة متفائلاً عندما يأتي الحديث عن التكنولوجيا واعتقد أنها يجب أن تنظم فوراً في الولايات المتحدة وخاصة أننا لم نعمل على تنظيم هذا النوع من الطب وفي رأيي أننا يجب أن نفعل ذلك.
ما تزال الديمقراطية هي المرحلة النهائية للتقدم التاريخي
إسكافيداس: إن أثر كتابك (نهاية التاريخ) الذي كانت فحوى فرضيته المتفائلة بعد سقوط حائط برلين أن كل صراعات العالم ستحل بأنموذج الديمقراطية الليبرالية قد رقى بك إلى مراقي الشهرة النجومية، كما أن بعض أفكارك في ذلك الكتاب قد استخدمت وأسيئ استخدامها بيد أن صداها ما زال يُرجَّع. فهل تنبأتَ بهذا الأثر القوي للكتاب حالة كتابتك إياه؟ وهل ظللتَ متفائلاً لأكثر من عشرين عاماً لاحقة؟
فوكوياما: لا، قطعاً لا! فأنا في الحقيقة لم أكن أظن أن أناساً كثيرين سيقرأون الكتاب. أما فيما يتعلق بمسألة التفاؤل فهي مسألة تعتمد على الإطار الزمني، فالسؤال الأساس كان هو «هل هناك عملية عصرنة وتجديد تقود إلى الديمقراطية بحيث تجعل الناس أفضل حالاً بالنتيجة؟ أي هل سيكون الناس أفضل حالاً نتيجة لذلك؟». فبالنسبة لي أن الإجابة على هذا السؤال ما تزال بالإيجاب. فعلى المدى القصير أي ما بين خمس سنوات إلى عشر سنوات يمكن أن تبدو الأشياء سيئة، فواضح أننا كانت لدينا بعد 11/9 مشاكلُ جمة مع التطرف الديني وكانت لدينا انتكاسات في الديمقراطية، ولكن الآن ربما يغيِّر الربيع العربي تلك المشاكل جزئياً، بيد أن ذلك التغيير نفسه قد يتحرك في الاتجاه المعاكس. والسؤال هو «هل سيكون في المدى البعيد شيءٌ كهذا التغيير بما يعكس تقدماً تاريخياً؟». ففي هذا الصدد ما أزال متفائلاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.