أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صلاح حسن آمن بالديمقراطية الليبرالية وأنا أؤمن الآن بالانسانيات
الشاعر محمد المكي ابراهيم :
نشر في الصحافة يوم 26 - 07 - 2011

شهدت قاعة ودعة بمعهد الدراسات الأسيوية والأفريقية جامعة الخرطوم قراءات للشاعر محمد المكي ابراهيم نظمها اتحاد الكتاب السودانيين بالتعاون مع مدارك للنشر ... كما قدمت بعض الشهادات والافادات حول تجربته الابداعية من بعض المهتمين بكتابات محمد المكي الابداعية ... أدار الحوار في الجلسة الشاعر كمال الجزولي ... وقد كان الحضور مقدراً ونوعياً ضم كل محبي وزملاء وأصدقاء ود المكي وبعض الاعلاميين ... بدءاَ بدأ الحديث كمال الجزولي عن بداية معرفته بالشاعر محمد المكي ، وكان وقتها يعمل صحافياً مع الأستاذ صديق محيسي والشاعر المرحوم محمود محمد مدني في صحيفة السودان الجديد ... وكانت هي الفترة التي عاد فيها مكي من باريس ... وكان وقتها يعمل في الخارجية ...مضيفاً والذي عرفني بالتحديد به بعد عودته من الخارج هو الصديق المرحوم علي عبد القيوم ... في تلك الفترة انبهر الناس بالاكتوبريات ولكن أتيح لي أن أطلع على بعض الدفاتر الخاصة بمكي وكان يسكن بالقرب من كنيسة بحري ...في ذلك الدفتر وجدت قصائد مختلفة ليست على ما اعتاد أن يكتبه مكي لكن حتى على ما اعتدناه نحن في الشعر السوداني ... وأذكر من تلك القصائد ظهيرة على الشاطئ ، وسعدت جداً قبل أيام عندما كنا في ضيافة زملائه في الخارجية مكي من نفسه قال سيقرأ قصيدة غير معروفة للناس كثيراً مهملة ومسكينة وأنا أعتقد أنها لا مسكينة ولا مهملة ويعرفها الناس لذلك أرجو أن يفتتح لنا بها ودالمكي قراءاته لهذه الأمسية ...ما شدَ انتباهي لهذه القصيدة هو أن الناس تتحدث عادةً عن الصورة الشعرية كما لو كان القصد منها الفتوغرفي لكني لاحظت في ظهيرة على الشاطئ السينماتوغرفي هو يلتقط صور متحركة في شكل سيناريو يلتقط كما يكتب السينارست نهار أو ليل أو صبح في حواره وتوصيفه وهي كانت موجودة عند المتنبي:-
وقفت ومافي الموت شق لواقف ....كأنك في دفن الردى وهو نائم
أو أتوك يجرون الحديد لأنهم ...سروا بجياد ما لهن قوادم
لكن في شعر التفعيلة عند صلاح عبد الصبور والسيَاب كان التقاط الصورة الشعرية الصورة الثابتة فقط ، في هذه القصيدة الصورة الموارة بالحركة وبالمصادفة البحتة ... أيضاً قبيل عودة مكي هذه المرة كنا في أنس رائق بالدوحة مع عبدالله البشير والنور حمد ومحمد سليمان عبد الرحيم وكنا نتآنس مثل هذا الأنس فقلت لهم هذا الانطباع عن السينماتوغرافي في شعر محمد المكي وقرأت لهم هذه القصيدة ...
بعد تحية كل الشعب السوداني ممثل في الحضور أضاف ود المكي بأنه سعيد بعودته الى السودان لرؤية هذا الحضور ، والذي من بينهم أصدقاء قدماء جداً ، على رأسهم أمير الشعراء عبدالله شابو ، والصديق الياس فتح الرحمن ، والزميل السفير نور الدين ساتي ، وصديق لم تلده أيام الزمالة سعادة السفير جمال محمد ابراهيم الذي نصرني واستخرج لي جواز سفر عندما منعت الحكومة استخراج جواز سفر لي ...بعد تلك الكلمات قال سأقرأ لكم تلك القصيدة المسكينة وهي عن غابة الخرطوم وكانت في تلك الفترة في اتجاه الغرب عبارة عن سهل واسع من الخضرة في شفة النيل ، ذات مرة ذهبنا الى هناك انا وصديقي المفقود عثمان سليمان سنادة قضينا بها بعض الوقت وراقبنا المراكب وصيادين الأسماك الى أن انقضت فترة الظهيرة وغادرناها فجاء ميلاد هذه القصيدة التي سأقرأها عليكم :-
بالخضرة المنتصرة وبالغصون المزهرة
ينبسط السهل ويرتمي من شفة النيل
وبالعزوبة المنهمرة تبلل الرياح دوائر العشب
وتحتمي من حمرة الشمس بخمرة الصباح
تبوئي أيتها الرياح تموجي كأنما وشاح
وتستمر القراءة حتى نهاية القصيدة وهي طويلة ... ثم تبدأ أولى الافادات بالشاعر عبد الله شابو الذي تلا شهادته عبر قصيدته أغنية لمكي ابراهيم والتي قال فيها :-
عندما أسلم كفيه الوديدين احتفاءً
شال وجه الفجر دفءً وانبهاءاً وعباءة
قمت أمشي يا حبيبي الخُيلاء
واعتنقنا قمة التشكيل كلا مطلقا
واستحلنا شفقاً
صرت إمكانا خرافياً وُثوقا
صرت وجداً وارتقاء
آه يا طيفاً كما لمح الفجاءة
جئت ليلى
جئت مصباحاً وسلوى
هاهنا السجادُ وبالرحب تفضل
أنت شجرت السماء
ثم تلى الشاعر شابو في شهادته الشاعر الياس فتح الرحمن مبتدئاً افادته حينما انتشر الرأس شيباً قلت لنا
اننا ذاهبون الى وطن رائع كزمان بهيج
ذاهبون الى جنة الله في الأرض
الى الماء والنهر نحو الحقول الجميلة
والمدن الضاحكة
وقلنا لك كادت الفرحة أن تقتلنا
قلت لنا
اننا ذاهبون الى قبة البرلمان حينها نتأمل تعويذتك تلك ونعانقك عناقاً طويلاً تود الحديقة أن صفى والمدى قد تهجب والورد يصحو وعاد الزمان ربيعاً ولك الربيع تمثل .... فرح بسط خيوطه وتمدد في حديقة شوقنا القديم القديم ... ولما كانت الفرحة أعقب من يقظة حراسنا نام الجميع والباب مفتوح على مصراعيه ... يدخل امام ممشوق ويصيح صائح أن الحي الله والدائم الله والبلد راحت في حق الله ... تخرج الأرض أثقالها ثم يبدأ يوم من الخوف تحت ظلام جديد نتذكر ما حدث قبلها كان للطلبة نشيدك الأول وللأربعاءالثاني وللقرشي الثالث وللثورة الرابع وللانفصال الخامس وللشعب نشيدك السادس
وتستمر الشهادات والافادات حول رؤى وابداعات الشاعر محمد المكي ابراهيم وتتخللها القراءات الشعرية والتعليقات التي يقدمها هو وكذلك التي يقدمها الشاعر كمال الجزولي ، حكى الجزولي قصة محمد المكي في بداية ذهابه الى أمريكا قائلاً كنت أعتقد عندما يسافر ود المكي الى أمريكا ستتلقفه المنظمات والمؤسسات ولكنه اتصل بعد كم شهر وقبل أن أطلب منه أن يرسل لي بعض الدولارات قال لي مافي أي شغل ولا حاجة فقلت له كيف يا مكي ؟ قال لي والله مافي شغل ، قلت له الامم المتحدة انت عملت بها من قبل الا تجد عمل بها الآن ؟ قال لي اشتغلت بها وكان معنا كوفي عنان لكن اذا ذهبت اليه الآن لا أستطيع مقابلته .. فقلت له انت زول شاعر وكاتب مهم ومفكر فقال لي والله يا كمال منو البعرف عيشة في سوق الغزل ....اليوم أرى عيشة تتربع في سوق غزلها فماذا تقول ؟ أقول شكراً لكم جميعاً وشكراً على هاتين القصيدتين قمتان في الروعة ما قرأه الشاعر شابو قصيدة رائعة وجمال مطلق ،و الذي تلاه الياس قصيدة ضمن فيها كل أعمالي الشعرية وهي اقتباسات ليس محايدة وانما اقتباسات مفعلة بوضعها في سياغها وحقيقة أحس بألم الياس الكبير ما ندر ما نجد من يحدثنا عن ابتهاج او انفراج او سعادة مهما كانت صغيرة وآلآمنا طالت وانا من مؤرخي هذه الآلام ، في 21 يوليو 1978م استضاف السودان مؤتمر القمة الأفريقية الرابع عشر كانت الأحوال مختلفة كانت السماء تمطر منذ السادس عشر وعندما جاءت الوفود كان الطقس ربيعياً وكان هنالك رخاء وهمي لكن عندما سافر آخر وفد وكنا نستخدم عربات النقل الميكانيكي تم استلامها في ذات اليوم وكنا نود أن نعود للوزارة لأداء أعمالنا لم يكن أمامنا خيار سوى أن نركب عربات التراب وطبعاً هم أولاد بلد ورجال كرام ... منذ ذلك اليوم لعله يوم 25 /7 / 1978م وحتى اليوم ونحن من سفارة الى سفارة ومنذ ذلك اليوم اختفى الخبز ، والبنزين وكل شئ وأصبحنا لا نأمن على أنفسنا حتى الماء وما يتبعه من وسخ ولا نأمن وجود الخبز لأبنائنا ولا الوقود لسياراتنا وظل الحال هو الحال ... ظل الانسان يتضايق في أساسياته الكبرى الشراب والتعليم وغير ذلك ... لا أحمل أحد خروجي من عملي أو وظيفتي وأضم تجربتي لأخواني وأخواتي الذين تسبب الصالح العام في تدمير حياتهم وتشريد أولادهم وهم بلا شك أبطال وأصحاب تضحيات ومظاليم وربنا في صف المظلوم ...
ثم قرأ
اندهمت مسالك الحنين لم يعد لطفلة تركتها وعود
الى آخر القصيدة
ثم تحدث بعد ذلك دكتور صديق أم بدي عن علاقته التي بدأت بود المكي مع اغتنائه ديوانه أمتي في 1971م ، ثم أضاف أن ود المكي ابتدع لغة واستطاع أن يعبر بها عن معاني خاصة وهي كلمات كثيرة ساغها الدكتور في افادته عن تجربة ود المكي الابداعية وختم بسؤال حول جديد ود المكي في الكتابة الشعرية والأدبية قائلاً ماذا حدث بينه وبين شيطان الشعر أو قرينه ؟ وقد حكي الدكتور ما دار من حوار بين أحد شعراء الكبابيش ، فتحدث ود المكي قائلاً
أذكر أن مولانا صلاح حسن عندما خرج من السجن قال آمنت بالديمقراطية الليبرالية وانا الآن آمنت بأن الانسانيات تجمع الشعر والاقتصاد والشعر الشعبي .
الافادات كثيرة وطويلة تحدث سعادة السفير نور الدين ساتي والدكتور النور حمد ونختم الافادات بافادة السفير جمال محمد ابراهيم وهي بعنوان أحزان مشروخة في وطن مشروخ فبدأها قائلاً :-
هَلْ أعانق فيكِ رجالَ الجوازاتِ
أخبرَهُم أنّني
مُنذ أعوام
لمْ أتنفّس بَعضَ هواءِ الوَطَنْ
وَلمْ أرَ أنجُمَهُ
أو يُظلّلني غيمُهُ المُحتقنْ . .
لِماذا لجوازاتِ السَّفرِ قِصصٌ معَ صديقنا الشَّاعر السّفير . . ؟
قبلَ نحو أعوامٍ خمسةٍ، أوقفَ الشّاعرُ السّفير مُحمّدُ المكّي ابراهيم قلمَهُ، يَمتدح وقفةَ الأستاذِ صلاح الباشا، ووقفتي المتواضعة، حتى نُعيد للسفير ثقته في مؤسسةٍ إنتمى إليها عُمراً طويلا، ولقد كانَ واحداً من روّادها، وأحد بُناة تقاليدها وقد وهنَ رسوخها في العقدينِ الأخيرين في عينِ كلِّ متابع. ساءهُ وَهوَ في مَقامهِ القسريّ في الولايات المتحدة ، أنْ تعمد سَفارةُ بلادهِ إلى الإبطاءِ بلْ والمُمَاطلة في تجديدِ جوازسفرِهِ الدّبلوماسي. وَلعلّ المَكيّ دُهشَ وَسألَ نفسَه : وَلِمَ المُمَانعة وَالتمَنُّع ، وَلربَّما أحسنَ الظنّ شاعرنا، وَمَا صدّقَ أنّ الجواز السوداني صارَ مجلبة للشكوكِ، يُحرَزَ غِطاءاً لشُبهةٍ، وَلا يَرتاح لرؤيتهِ ضُباطُ الهِجرةِ في مَطارات النّاس، البعيدةِ وَالقريبة.
كُنتُ أدير شئونَ الإعلامِ في وزارةِ الخارجيةِ آنذاك، كما كنت مشغولاً بترتيبِ مهمةِ النطق الرّسمي، أعيدُ بِناءَ هيكلهِ، وقد كانَ في وقتٍ سابقٍ، نُطقاً «أبكماً» لو جاز ليَ التعبير، فأرسيتُ بقُدراتٍ شَخصيّةٍ مُتواضعة للوزارةِ صوتاً وَصيتا في الساحاتِ الإعلامية مِن حولنا . لم أكن أغفل عن مقالةٍ أو كلمةِ افتتاحٍ في صحيفةٍ أو مَحضِ تعليقٍ هُنا أو هُناك ، إلّا ونظرتُ فيهِ، وأعددتُ لهُ مَا يناسبهُ مِن حُجةٍ أوَ مِن إجراء . حينَ أرسلَ الباشا عتابَهُ لوزارةِ الخارجية في صفحاتِ الصّحف، كونها لا تحفل بسفيرٍ مثل محمد المكي، فتحجب عنهُ حقّهُ في الجوازِ الدّبلوماسي، وهوَ السّفيرُ القامة ، السّفير الأُمّة ، مَا صدّقتُ أولَ الأمرِ مَا كتبَ صديقنا صلاح الباشا ، ولكنّي استيقنتُ وتألّمتُ، فكتبتُ للوزير المختصّ شيئاً عن ذلكَ في مُذكّرة ألفتُ النّظرَ فيها لمعالجة خللٍ في التعاملِ مع سفيرٍ وشاعرٍ، صَارَ لصيْقا بوجدانِ الأمّةِ في كلِّ شِعرهِ وفي قصائدهِ الأوكتوبرية تحديداً ومَا بعدها، ناهيكَ عنْ أدائه الدبلوماسيّ المَرموق. كُنتُ أعرف أنّ في بعضِ سفاراتنا مَنْ توهّمَ أنّ مِن صّلاحياتِه، مَا قد يُبيح لهُ قبضَ الرّوحِ ، لا قبضَ جوازات السفر فحسْب. لمْ يكُن ما تعرّض لهُ مُحمد المكيّ، شأناً قُنصلياً عابراً يُتركَ لدبلوماسيٍ ناشيءٍ يتمرّن عليهِ، بل كانَ أمراً يتصل بتقديرِ الوزارةِ لِسفيرٍ مِن أقدرِ سُفرائها، وفي مَرحلةٍ مِن أدقِّ مَراحلِ مَسيرتِها، كما يتعلّق بجواز سفرٍ لرمزٍ كبيرٍ من رُموْز الأدبِ في السّودان، وَعلى مستوى ساحةِ الأدبِ العربي . استصدرتُ تفويضاً مؤسسيّاً، ثمّ أبرقتُ السفارةَ في واشنطن لمنحِ السَّفير جوازَ سفرِه الدبلوماسيّ، وَقد أنجزوا ما طلبنا مِنهُم .
كنتُ أدرك أنّي أؤدي واجباً مهنياً، مَا توقّعتُ أنْ يلتفت إليهِ مُحمد المكيّ ، وَلكنّهُ ، وبِحسِّ الشّاعرِ اللمَّاحِ لا السَّفير ، كتبَ مَقالَهُ الحَميْمَ يُقدّر مَا فعلنا، يقولُ إنّهُ استعادَ إحساساً إفتقده لسنين ، كون وزارةُ الخارجية ، تُعلنَ شيئاً مِن الوفاءِ لمنسوبيها . كانَ الشَّاعرُ السّفيرُ يُدرك أنّنا مِن جيلٍ عاصرَ بذلهم، وَتساقينا مِن حِكمتهم سلسبيلا، وَلن تذهبَ تقاليدُ الدبلوماسيةِ الحقيقيةِ ، في فوْرةِ حمَاسِ الرّساليّات التي روّجَ لها مُروّجون كذَبة، وأنّ في وزارة الخارجية لا يَزال، بريقٌ مِن الوفاءِ يُرى.
وأستميحُ الشّاعرَ السَّفيرَ لأوردَ فقرةً ممّا كتبَ في ذلك:
(وقد أعادَ ليَ السفير جمال شيئاً عزيزاً كنت على وشك افتقاده هوَ الوفاءُ في أهل الوزارة الأم ، فإنني قد ساقيتهم من الودّ أصفاه، ولم أجرؤ يوماً من الأيام على استنكار بقائهم في مراكزهم أو مطالبتهم أن يأخذوا أنفسهم بما أخذت به نفسي من الأمر، فذلك تمجيد للذات أربأ بنفسي، عنه كما أنه ينطوي على كثير من التدليس .. أقول إن زميلي جمالا قد أعاد لي ثقتي بالرجال في الوزارة الأم. )
عرّابُ الغابةِ والصّحراءِ . المُمسِكُ بخرائطِ الرِّحلةِ إلى مُكوّنات الهُويّة في نقطةِ تلاقي مَسارِها السّوداني ، حِزاماً مِن سَواحل البّحرِ الأحمر مُمتدّا إلى الغربِ حتى حوافِ المُحيط، معَ مَسَارها الجُغرافي مِنْ الجنوبِ إلى الشمال. هُما مَساران حمَلا مِن مُمسِكاتِ الهُويّة تنوّع ثقافاتها ، كما حملا تنوّعِ مناخاتها الجُغرافية. ها نَحنُ ، وَقد هَزَمنا التنوعَ في خاصرةِ الوطن الجنوبية، وَكأنّ الخطابَ الثقافيَ باتَ عروبياً مَحضاً في الشمال . نسمعُ مِن بعضِ الأصواتِ السياسيةِ، بعدَ انجلاءِ الاستفتاءِ عَن نشوءِ دولةِ السّودان الجنوبي، أن الحمدَ للهِ فقد زالتْ مَسوْغاتُ «الدّغمسةِ»، وَتفَاصلنا عرباً وزنوجاً، في بصر ذوي الغرضِ . عرباً وأفارقة، عندَ مَنْ لا يرَى الشمسَ مِن رمَدِ. فيمَا نحنُ في حقيقةِ الصّورةِ، قد أشرفنا على حقيقةٍ ماثلةٍ لا مراء فيها : أنّ بقاءنا بقاءاً مُستداما، يتحقّق بإدراكِ واقعِ تنوّعنا الثقافي ، غاباتٍ وصحارى . يزيد ذلك من أعباءِ الفِكر السوداني، لأنْ يَقتحم أكاديمياً طروحاتِ الهُويّة وَالإنتماءِ، بأعمَقِ مِمّا أنجزنا في العقودِ السّالفة.
عرّابُ التثاقف الخُلاسي، لربّما لنْ يُرضيك قولي ، وَلربّما أثارَ بعضَ حُنقكَ علينا ، وَلكن لنْ يعفيكَ هذا الذي نحنُ تورَّطنا فيهِ الآن مِن بعضِ مسئوليةٍ ، تأخذُنا مِن جديدٍ لنبصرَ أزمَتنا وَنحنُ في طريقِ التشكُّل الطويلِ لأنْ نكونَ أمّة ، مثلمَا تصوّرتَ أن يَتحقق ذلكَ مُنذ ديوانكَ الأولِ، «أمّتي» :
( أوّاهُ ها حُلمي يطيش وها أنا متوجّهٌ نأياً يطول تعزيّا
نُسكاً سأرقص، أشربُ الخمرَ الزؤامَ
أسُبّ تاريخي هناك تشفيّا
أوّاه ها خوف النكوص يشلّ أقدامي
ويُرجعني اليك مصليّا
مُتنكّباً رُمْحاً ، أطاعن صخرةً
لا أنتمي أبداً إليك وَلا أطيقُ تخليّا
سأظلّ أصرخُ ها هُنا
حتى يَموت توهّج الحُمّى وَينطفيءُ الشّباب .)
لم تكن الغابةُ والصحراءُ كما أردتموها، محضَ إطارٍ أو مَقولة صَمّاء، بل هيَ حَراكٌ وليستْ مدرسة . هيَ الفكرةُ تتفاعل ولا تنغلق . هيَ في مسيرنا نحو تشكيل المَصيْر، ليكون صَيْرورةً وَتحولاً واستشرافا. لن أحوّل جلستُنا هذهِ إلى حفلٍ للتفاكرالمَحض، بل هي للإحتفاء ، وللفرح بعودة صوتٍ من أصوات الشِّعرِ في الوطن. سيدوم الترحيب والفرح، أيّها العزيز، ما صدحتَ بيننا، وتلألأت قصيداً باهرا . .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.