السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الديمقراطية الليبرالية والإسلام

يعيش الشعب السوداني الصبور حلم التحول الديمقراطي وتداول السلطة الذي كان أحد النتائج الايجابية لإتفاقية نيفاشا. و يأمل أن يصبح هذا الحلم الجميل واقعا معاشا بالطرق السلمية و دون «مقالعة». ولتحقيق ذلك ولتجنيب السودان شر «المقالعة» التي ليست في حمله وقدراته المتواضعة، لابد من البدء بتشكيل آليات قومية متفق عليها لوضع دستور دائم وقانون انتخابات تسد فيةه الثغرات التي ظهرت في انتخابات 2010، و مفوضية انتخابات من قضاة يتميزون بمهنية عالية، وجدول زمني لرفع حالة الطواريء باستثناء مناطق التمرد المسلح. وإظهارا لحسن?النوايا لابد من إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين أو محاكمة من لديه قضية. وحقيقة فإن الحوار الثناني الذي دار ويدور من حين لآخر بين المؤتمر الوطني و حزب الأمة أوالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل أو المنتديات التي ينظمها المؤتمر الوطني في الولايات وفق رؤيته وأجندته وبرامجه، رغم اهميتها، تخدم المؤتمر الوطني وحده، و لا تقود للتحول الديمقراطي السليم وتبادل السلطة. كما أن تشكيل الحكومة ذات القاعدة العريضة، لاتساعد في تطوير الممارسة الديمقراطية القويمة في السودان كما أوضحت سابقا (الصحافة 16 فبراير 2011)، بل عبء على?موازنة الدولة الضعيفة أصلا. فهي تضخم إداري بلا مبرر له سوى إبقاء حكومة المؤتمر الوطني على سدة الحكم. كما أن مسح رؤى الولايات حول مشروع الدستور الذي أجراه مجلس الولايات يساعد في تحديد رؤية المؤتمر الوطني فقط حول الدستور، وهذا بالطبع طيب بقى على أحزاب المعارضة أن تجري مثل هذا المسح وسط جماهيرها. ومنذ 2005 ومع ارتفاع سقف حرية الصحافة بدأت بعض الصحف بإدارة حوار حضاري استناري حول قضايا المرحلة القادمة، خاصة بعد ثورة الشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. وفي ذهني من أهم هذه القضايا معاني مفاهيم الديم?رطية والحرية و الليبرالية في علاقاتها مع الإسلام. لأن الإتفاق حول هذه المفاهيم يساعد في التوصل لوفاق حول قضايا المرحلة وأهمها التوصل لدستور دائم يؤطر لإرساء نظام ديمقراطي مستدام وتداول حضاري للسلطة كمرتكز أساسي للتنمية المستدامة.
هنالك قناعة تامة على مستوى العالم بأن الديمقراطية الليبرالية هي نظام الحكم الأمثل الذي يوفر حياة كريمة وآمنة وسعيدة للإنسان. فالديمقراطية الليبرالية هي النظام الذي يعترف رسميا وشرعيا بالتنوع الإثني والقبلي والديني ويحترم الرأي الآخر في المجتمع في إطار الوحدة القومية. هذه رؤية دول الغرب ومعظم دول العالم بما في ذلك معظم الدول العربية. والانتفاضات والثورات التي اجتاحت بعض الدول العربية والإسلامية حاليا أكبر دليل على ذلك. وقد تختلف الشعوب في هذا الأمر مما يولد الصراعات السياسية في العديد من الدول، كما أن ثورة ?قانة المعلومات التي انتظمت العالم جعلته مترابطا ارتباطا وثيقا تتأثر فية الدول ببعضها البعض. وفي وجود النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه أمريكا وأوربا الغربية (الحكومة العالمية الخفية) مع ضعف وتبعية الدول العربية والإسلامية لابد من أخذها في الإعتبار عند تأسيس نظام سياسي في أية دولة، خاصة إذا كانت من دول العالم الثالث. فلقد اصبح للنظام العالمي الجديد مؤسسات مسئولة عن مراقبة الدول وتجاوزاتها في إطار مفاهيم الديمقراطية الليبرالية وقد تتمخض هذه المراقبة عن عقوبات اقتصادية أو غزو شامل في حالة العراق أو هجوم ع?كري في حالة ليبيا. فالدول الحكيمة هي التي لا تنسى أبدا أن عليها رقابة دولية قوية عبر مؤسسات عالمية لا يفوتها شيء من تجاوزات الدول، خاصة وهنالك معارضة، مهما كانت ضعيفة، في كل الدول التي لا تطبق الديمقراطية الليبرالية. هذه المعارضة إذا ضاق صدرها وسدت أمامها كل الطرق تستقوى بالحكومة الخفية كما حدث في ليبيا.
لا يوجد في القرآن نص صريح يحرم أو يمنع تطبيق نظام الديمقراطية الليبرالية أو مقوماتها. فالديمقراطية آلية شورى يشارك فيها كل المجتمع. قال تعالى:»والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون» الشورى (38). كانت الإشارة للمؤمنين، فهم لايبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه. غير أن الشورى لم تطبق على أصولها في التاريخ الإسلامي بعد عهد النبي عليه الصلاة والسلام و الخلفاء الراشدين، الذين لايمكن مقارنة حكمهم بحكم من أتوا بعدهم من البشر في العصرين الأموي والعباسي باستثناء ما لقب بالخليفة الخامس ?مر بن عبد العزيز رضي الله عنه. وبالطبع لايمكن مقارنة حكم الخلفاء الراشدين بأى حكم ايا كان في عصرنا هذا. فالأوقع أن لا ينفرد تنظيم سياسي مهما إدعى من تمسكه بالإسلام بالحكم لأنه معرض للفساد والإفساد كما دلت تجربة كل النظم الشمولية أو الديمقراطيات المزيفة. والأوقع والأسلم تعزيز و بناء المجتمع المسلم أولا بنشر الوعي الإسلامي القويم و تقديم القدوة الحسنة، فلا يستقيم أن يدعو التنظيم الحاكم للقيم الإسلامية القويمة ويمارس نقيضها، قال عزّ من قائل في سورة الصف:»يايها الذين ءامنوا لما تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقت? عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3)».
إن كلمة ليبرالية تعريب للكلمة الفرنسية Liberte. و الليبرالية تعني لغويا الحرية. وتختلف النظم الاقتصادية والسياسية عند تطبيقها. فتحت مظلة النظام الرأسمالي تعني الحرية أن يفعل الفرد ما يشاء ويمتلك ما يستطيع شراؤه. وقد يغتنى الفرد من التجارة أو الصناعة مثلا و تتفاقم حريته آليا لتصبح احتكارا يجعله يتحكم في السلع وأسعارها مما يمكنه، لو أراد من استغلال الآخرين وسلبهم حرياتهم. و قد يصبح في مقدور الفرد الثري، في الدول النامية الفقيرة خاصة، شراء الأصوات ودخول البرلمان والتحكم في سياسة الدولة كما حدث في مصر أثناء حك? حسني مبارك. وفي الدول الصناعية الكبرى يصبح في مقدور الشخص الثري التأثير في سياسة الحزب الذي ينتمي إليه، فلو تولى حزبه سدة الحكم قد تتحول حرية هذا الفرد الرأسمالي إلى عبودية للآخرين في بلدان العالم الثالث.
وتحت مظلة نظام الإشتراكية العلمية الملتزمة لا توجد حرية فردية مطلقة ولكن تكون حرية الفرد نسبية في إطار استراتيجية وخطة و برنامج الحزب. والحرية على ضمورها متاحة لأعضاء الحزب والمتعاطفين معه والديكتاتورية والقمع لأعداء الحزب المصنفين بأعداء الشعب وهم نظريا طبقة الرأسمالية ولكن عمليا هم أصحاب الرأى الآخر حتى ولو كانوا عمالا. ويعمل الحزب على هدم العلاقات الرأسمالية التي تقوم على الاحتكار والاستغلال بإلغاء الملكية الفردية ونزع كافة وسائل الانتاج والإعلام والثقافة والتعليم والخدمات، وهلم جرا، وإدارتها وفق خطة ال?ولة لصالح الشعب. وبذلك يكون النظام سلطويا قهريا منغلقا على نفسه ومستندا على القوات النظامية والأمن لحمايته. وبتطبيق الاشتراكية العلمية في الاتحاد السوفيتي و أوربا الشرقية ظهرت بعض الثغرات في النظرية. ظهرت طبقة المنتفعين، أعضاء الأجهزة العليا في الحزب، كما تكونت مراكز قوى عملت على تصفية بعضها البعض عبر تاريح الحركة الشيوعية. واستشرى الخوف من أجهزة الأمن و انتشر الفساد في المؤسسات البيروقراطية. وفتر حماس العمال والمزارعين في الجمعيات التعاونية لأن الأحلام التي تمنوها لم تتحقق، ولذلك ضعف إنتاجهم. وحتى بعد تطب?ق نظام الحوافز والمكافآت لشحذ الهمم، همدت عزيمتهم لخيبة الأمل التي أصابت عامة العمال والمزارعين وهم يرون فساد القيادة وتميزها الواضح. وقد يحدث نفس الشيء في دولة قهرية سلطوية وإن ادعت تطبيق الشريعة الإسلامية. وفي مرحلة النظام الشيوعي، الحلم الذي لم يتحقق، تنبأت الشيوعية بأن الإنتاج سوف يصبح من الكثرة والوفرة بحيث يأخذ كل واحد حسب حاجته ويعمل كل واحد حسب طاقته في مجتمع نموذجي تنتهي فيه الطبقات والصراع الطبقي، حلم بعيد المنال ارتكز على نظرية خيالية هي الحتمية المادية للتاريخ. لقد بنى كارل ماركس نظريته على ظرو? القرن التاسع عشر الصناعية المتخلفة حيث العامل يدوي وكادح ومطحون وبالكاد يجد قوت يومه. فقد تنبأ باتساع شقة الخلاف بين البورجوازية والبروليتاريا في الدول الرأسمالية مما يفجر الثورة. ولكن ماحدث كان العكس نتيجة لبعض المعالجات الاقتصادية و الاجتماعية التي طبقت في هذه الدول. ولقد تنبأ ماركس بأن الثورة الشيوعية لن تخرج من مجتمع متخلف و إنما من مجتمع صناعي رأسمالي، ولكن بالعكس خرجت قوية نسبيا من مجتمع زراعي متخلف. وتنبأ بالأزمة الاقتصادية الماحقة التي تسحق النظام الرأسمالي بسبب ازدياد إجمالي الإنتاج عن معدل الطل? وضعف القدرة الشرائية نتيجة لفقر العمال المدقع. وبالعكس ارتفع اجر العمال في دول أوربية كثيرة إلى مستوى الرفاهية. لقد أثبت التاريخ أن أكبر ضعف أصيل في النظرية الماركسية هو الحتمية المادية للتاريخ المبنية على العامل الاقتصادي وحده مع اهمال العوامل الأخرى القومية والنفسية والعنصرية والعقائدية التي قد تكون أهم من العامل الاقتصادي. واكبر دليل على ذلك نشأة الدين الإسلامي الذي لم يكن نتيجة لصراع طبقي في مجتمع قريش الجاهلي.
لم يحدد القرآن منهجا سياسيا أودستورا محددا، فلقد أراد الله أن يفتح باب الإجتهاد والأخذ بالعلوم واستنباط المناهج والأحكام من الظروف المتغيرة في العصور المختلفة دون إلزام كل البشر بمنهج سماوي محدد. واكتفى القرآن بوضع أحكام ومقومات للحكم عامة ولكنها أزلية صالحة لكل زمان ومكان. فشرط الحكم الراشد احترام حرية الفرد وأمنه وسلامته. فحياة الفرد في الإسلام لها قيمة تعادل قيمة كل الناس لقوله تعالى: «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أح?ا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون» المائدة (32). والشرط الثاني هو العدالة الإجتماعية لقوله تعالى:»يايها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم» التوبة (34)، والإنفاق يتم أساسا بالزكاة وهي تكليف إجباري، غير أن باب التبرع مفتوح اختياريا لمن يستطيع. ولقد نص القرآن على الملكية الفردية وأباحها، ولكن لم يطلقها بدون حدود لقوله تعالى في سورة النس?ء (32):» ولا تتمنّوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن....». ولقد حافظ الإسلام على حرمة الفرد وحرمة بيته وأسراره، فنهى عن التجسس وعن دخول البيوت بدون إذن أواقتحام المنازل عنوة. وقصة سيدنا عمر بن الخطاب مع الذين كانوا يعاقرون الخمر في دارهم خير مثال للالتزام بالدين. أما الشرط الثالث فهو الشورى، شورة الحاكم للصفوة من أهل الرأي، حتى لا ينفرد بالسلطة ويتجبر. لقوله تعالى في سورة ق (45):» ما أنت عليهم بجبار» و في سورة الغاشية:» فذكر إنما أنت مذكر(21) لست عليهم بمصيطر(22?». ويجوز تفسير الصفوة في عصرنا هذا بأعضاء البرلمان وسائر المجالس ومنظمات المجتمع الرسمية والشعبية وكل طرف معني بقضية ما. كما نهى الإسلام عن العنصرية وحدد معيارا واحدا لقياس درجة احترام الناس لأي فرد لقوله تعالى في سورة الحجرات (13):» يايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير» فلا يكون الإكرام بالجنس أو العرق أو اللون أو القبيلة ولكن بالتقوى، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:» لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». كما أن الدين الإسلامي د?ن وسطي لقوله تعالى في سورة البقرة (143): «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...». لا يمين ولا يسار وإنما صراط الاعتدال الذي يسمى الصراط المستقيم، وهو الوسط الجدلي الذي يوفق بين النقيضين ثم يتجاوزهما في وحدة عضوية، لقوله تعالى في سورة الفرقان (67):»والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما». فالاعتدال هنا هو تركيب بين النقيضين الإسراف والبخل، والشجاعة بين الجبن والتهور. فالنهج الإسلامي هو التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجموع، فهو تركيب جدلي يجمع بين حسن?ت النظامين ثم يضيف نعمة الإشباع والسكينة والطمأنينة الدينية.
اعطى الإسلام الإنسان الحرية الشخصية وحرية المعتقد أو اختيار الدين وحرية الفكر. فمن أصول الإسلام المؤكدة مسألة حرية اختيار الدين لقوله تعالى:» لا إكراه في الدين» ولقوله في سورة الكهف (29):» وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر....». و رغم كل ما فعله المشركون من أهل مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابهم عليهم رضوان الله لم يجبرهم على الإسلام أو يقتل أحدا منهم لأنه لم يعلن اسلامه. ولم يسجل التاريخ حالة واحدة أجبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم زميا أو نصرانيا أو يهوديا على اعتناق الإسلام. ?في الإسلام انت حر ما لم تضر غيرك : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». لقد فطر الله الإنسان على التفكير وهو ما ميزه عن الحيوان، وقد حث الإسلام المسلمين على الإيمان بالله عن طريق التفكير في خلق السموات والأرض. وأكبر شاهد على حرية الفكر في الإسلام تعدد المذاهب السياسية والفرق والطرق الدينية ومدارس الاجتهاد ومبدأ الشورى الذي أمر به الله عزّ وجلّ. ولم يمنع الإسلام اعمال الفكر والاستفادة من ثقافات الأمم التي سبقته والمجاورة له والمتعاملة معه.
ولقد صان الإسلام حرية المعتقد. وبالرغم من أنه حارب الوثنية حربا لا هوادة فيها سمح للمسيحية واليهودية أن تعيشا في ظل دستوره الخالد. وأباح للنصارى أن يقيموا الكنائس ويظهروا الصلبان ويسيروا بها في المواكب. وفي مصر حرس المسلمون والمسيحيون الكنائس حتى لا يهاجمها المتطرفون والبلطجية. وحرية العمل في الإسلام شاهد من شواهد الفطرة. وحرم الله عز وجل كل مفاسد الإنسان في الأرض.
وعموما اتخذ المفكرون الاسلاميون المواقف التالية من الليبرالية: الرفض التام، أوالقبول التام، أوالقبول في حدود مايتفق مع الدين الإسلامي. والموقف الأخير موقف وسطي مقبول لدى عامة المسلمين. والحرية في الإسلام هي في إطار مصلحة الملة ومضبوطة بالأوامر والنواهي التي جاء بها القرآن وموضحة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم. و تعتمد الفلسفة الاقتصادية الإسلامية نظم الاقتصاد الحر إلا ما يتعارض مع الدين الإسلامي. وبهذا الشرط الأساسي يمكن للاقتصاديين الإسلاميين الاستفادة من نظم الاقتصاد الليبرالي. وبنفس القدر تلتقي الفلسفة?السياسية الإسلامية بتلك الليبرالية التي لا تتعارض مع الدين الإسلامي.
وإذا قلنا إن الليبرالية ترتكز على ثلاثة مباديء هي الفردية والحرية والتعددية. فالمنهج الديمقراطي الليبرالي يرتكز على فكرة القانون الطبيعي وهو أن مصلحة المجموعة تتحقق بسعي الفرد لتحقيق مصلحته. ولقد أعطى الإسلام الإنسان الحرية الشخصية وحرية المعتقد أو اختيار الدين وحرية الفكر. وكما أوضحنا سابقا تجمع كل المذاهب والطوائف والطرق الإسلامية على نص القرآن (الدين الإسلامي) ولكن قد تختلف في تفسير بعض آياته (الفكرالإسلامي)، لذلك يمكن القول بأن في الإسلام تعددية. ومعظم نظم الديمقراطية الليبرالية وآلياتها لا تتعارض مع ?لإسلام ومن أهمها الاقتصاد الحر الذي يطبق حاليا مع بعض التعديلات في بعض الدول العربية بما في ذلك السودان. والمعضلة الرئيسية هي الفصل الكامل للدين عن الدولة (العلمانية الحقيقية) والتي لا وجود لها في السودان كما اوضحت في المقال الذي أشرت إليه سابقا. و إذا أجرينا بعض التعديلات في نظام الديمقراطية الليبرالية لإزالة أي تعارض بين الديمقراطية الليبرالية في بريطانيا مثلا والنظام الإسلامي وإذا تدرجنا في تطبيق الحدود سوف نتغلب على هذه المعضلة ونحافظ على وحدة الملة ونتقي شر الصراعات التي لا طائل منها ونتفرغ لتحقيق الت?مية المستدامة وتوفير الظروف الملائمة لإرساء ركائز الدولة الإسلامية. فالدولة الإسلامية هي الدولة المثالية دولة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه مثلا، و هي الأمنية المنشودة ولذلك لابد أن تؤسس بقناعة تامة من الشعب السوداني و يلزم أن تنطلق من البرلمان بعد ان يصل المجتمع درجة عالية من الاستنارة والاقتناع فالإيمان بتطبيقها. وإلى ذلك علينا أن ندرس ونتدبر انطلاقة تركيا عبر تاريخها الطويل من علمانية أتاتورك الحقيقة الشاملة، التي لم يكن لها وجود أصلا في السودان، إلى الإسلام تحت مظلة الديمقراطية الليبرالية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.