الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. حيدر ابراهيم: التاريخ يضمر الانتقام لمن لم يتعلموا منه، أو حاولوا تكراره بطريقة أقرب الى المأساة
في ندوة «دولتا السودان .... فرص ومخاطر ما بعد الانفصال»
نشر في الصحافة يوم 15 - 01 - 2012

افتتحت أمس بالعاصمة القطرية الدوحة فعاليات الندوة البحثية التي ينظمها مركز الجزيرة للدراسات على مدى يومين تحت عنوان «دولتا السودان .... فرص ومخاطر ما بعد الانفصال». وحدد مدير المركز الدكتور صلاح الزين في كلمته الافتتاحية أهمية الندوة البحثية في انها تطرح على الخبراء والمحللين والمهتمين أسئلة اساسية في محاولة لتفكيك وفهم الوضع في دولتي السودان ومن هذه الاسئلة: ما هي أبرز الملامح والتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في دولتي السودان بعد انفصال الجنوب؟- هل تسير الدولتان نحو مزيد من التوتر في علاقاتهما أم أن فرص الشراكة والتعاون ستنتصر وتدفعهما الى التصالح والتعاون؟ - ما مستقبل علاقات الدولتين بمنظومتي الجوار العربي والأفريقي؟- كيف تتفاعل القوى الدولية النافذة مع حدث الانفصال وما هي ملامح علاقاتها المستقبلية مع الدولتين؟- كيف يمكن تعزيز الاستقرار في الدولتين والتعاون بينهما والتكامل مع محيطهما الاقليمي؟، وتتيح «الصحافة» هنا عرضا موجزا لورقتين من اوراق اليوم الأول، الأولى قدمها مدير مركز الدراسات السودانية الدكتور حيدر ابراهيم علي بعنوان «دهاء التاريخ : قضايا الصراع في جمهورية السودان»، والثانية قدمها الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحيم حمدي بعنوان «الوضع الاقتصادي في الشمال والجنوب بعد الانفصال»:
دهاء التاريخ
الدكتور حيدر ابراهيم قال انه تعمد اسقاط جملة: بعد الانفصال في ورقته لانها تحدد مرحلة تاريخية بعينها، بينما قضايا الصراع في السودان، هي نفسها -في جوهرها- الممتدة منذ الاستقلال، ولن تكون مختلفة بعد الانفصال ، طالما ظلت السياسات والعقلية كما هي. ثم تحدث عن ان أزمة الحكم في السودانيين - الشمال والجنوب- بنيوية، أي في غياب الرؤية ثم تطبيق هذه الرؤية بمنهجية وعلمية علي الواقع. طارحا السؤال:لماذا لم تستطع الجهود الفكرية والاكاديمية ان تجنب السودان الوقوع في الكارثة الراهنة؟ حيث لا يوجد نقص في الخطط والافكار والتوصيات، ولكن بلا رؤية شاملة تصير كلها كلاما خاويا بلا معنى أو جدوى. فهذه التحديات والمشكلات مثل: الحدود، والنفط، والاصول والديون، وأبيي، والمياه، قضايا هامة ولكن تأتي بعد معرفة الاجابة علي سؤال:كيف يريد الجنوب أن يحكم دولته الوليدة -كما يقال؟ وكيف يريد الشمال ان يحكم ما تبقي من وطن بعد أن فرط في ثلثه؟ وفي هذه الحالة لا تجدي الينبغيات والنصائح بدون تحديد الرؤية. وتلازم وضوح الرؤية الارادة الوطنية باعتبارها شرط القدرة علي احداث التغيير.
ويشير ابراهيم الى ان قضايا الصراع التي تثيرها الندوة ذات جذور بعيدة، ولكن السودانيين وفي كل مرة يقفزون علي المرحلة السابقة دون تصفية حساباتهم الماضية بالنقد، والتأمل والتأسي بالعبر. وهذا يعني الاستخفاف بالتاريخ، وعدم التعامل معه بجدية. وكأن التاريخ يضمر الانتقام لمن لم يتعلموا منه، أو حاولوا تكراره بطريقة اقرب الي المأساة. وهذا ما يسميه « هيجل» دهاء التاريخ، أو مكر التاريخ، وهو ماكر كبير، وهو الآن يمارس صناعته هذه مع السودانيين - الشماليين والجنوبيين. والدولتان في اسوأ أحوال ممكنة، ونحن مبشرون بدولتين فاشلتين متجاورتين ستقومان بترحيل كل الاخفاقات الداخلية والأزمات الذاتية الي صراع خارجي مع الدولة الأم سابقا. وفي هذه الحالة لا يتوقف الصراع لأن هنالك - باستمرار- مؤامرة أو عدو خارجي. وهذا يعني عدم البحث عن الخطأ والقصور في الواقع والحياة، وبالتالي البعد عن الاسباب الفعلية وتوهم الاسباب. وهنا تغيب المعرفة والفكر وتسود الايديولوجيا أو الفكر الزائف. وهذه هي الاشكالية التي حكمت سياسة وفكر السودان منذ الاستقلال، وستظل مستمرة طالما ظل العقل والنهج كما هو، فلن يتغير شئ ويتكرر التاريخ ويتكرس الركود. وحل أو اكمال الاشكالية هو الطريق السليم لتكوين الرؤية .
ويقول ابراهيم ان السودان نال استقلاله دون أن يضع أي خطط لانجاز الوحدة الوطنية والتنمية باعتبارهما أساس أي دولة حديثة. وقد حسم تحدي التنمية بشعار:»تحرير لا تعمير». أما قضية بناء الجماعة القومية وحشدها حول برنامج أو مشروع قومي. ولم يكن من المنطقي أن تقوم الطائفتان الدينيتان بهذه المهمة، اذ كان يهمهما ابقاء مناطق النفوذ ثابتة مع صعوبة التحول من طائفة الي اخري. وحدث تغيير جديد تمثل في وسيلة اخري لاستغلال وتوظيف الدين عوضا عن الطريقة التقليدية العتيقة القائمة علي الولاء العاري من أي غطاء ايديولوجي. وهنا برز دور الجماعة أو الحركة الاسلامية ذات التعليم الحديث طارحة الشعار العاطفي الجذّاب الذي حوّل الفكر تماما عن الاهتمام المباشر بقضايا الوحدة الوطنية، والتنمية كاولويات مع المطلب الجديد الذي لا يخلو من قدسية. وقد دخل السودان-لسوء الحظ- مبكرا في جدل استنفد طاقاته، وخياله، وقدراته، حول دينية الدولة أو مدنيتها. ودخل السودان في هذا النفق بسبب استراتيجية الأخوان المسلمين السودانيين التي لم تدرك التنوع الثقافي في هذا البلد المعقد. وطغي صوت معركة الدستور الاسلامي علي كل الاصوات، ومثل هذا الوضع في بعض الاحيان ابتزازا وارهابا فكريا. فقد كان من الصعوبة الوقوف ضد هذا المطلب الا من قبل قلة صغيرة امتلكت الجرأة علي مخالفة الاجواء العامة المهيمنة.
ويسجل ابراهيم ملاحظته حول ان هذه القضية همّشت أو أزاحت القضايا الاستراتيجية والحيوية أي الدولة الوطنية الحديثة، والتنمية.
ويصف ابراهيم اتفاق السلام الشامل بالسلام المنقوص ويقدم تفسيره حول لماذا قاد الى انفصال الجنوب وانزواء مطلب التحول الديمقراطي ليمضي بعدها للحديث حول المستقبل المأزوم الذي تحدده قضايا الصراع الأصعب. فقد تبقت مشكلات معقدة وتهدد الاستقرار، مثل:- أبيي، جنوب النيل الازرق، جنوب كردفان، ودارفور. يضاف الي ذلك أن اقتصاد الشمال فقد ثلث موارده، ولم يصل الطرفان الي تسوية في موضوع عائدات النفط. ولم تتحقق التوقعات والآمال وعلي رأسها الأمن والاستقرار مما يعني جذب الاستثمارات. ويقول ان النظام السوداني يكرر الاخطاء وسوء التقدير، لانه يريد أن يبني المرحلة القادمة علي نفس الأسس التي انتجت الصراع الحالي الممتد منذ الاستقلال، أي الاصرار علي الدولة الدينية.
ثم يطرح ابراهيم السؤال: ما العمل؟ ويقول ان السودان المتبقي بعد الانفصال يقف في مفترق طرق تماما، طريق النهضة والتعافي واعادة التأهيل، او طريق الانهيار والسقوط والتفسخ. ويشير الى ان الانفصال دشن تاريخا طويلا من التخبط والفشل وعدم الجدية والغباء السياسي. فالانفصال صفعة التاريخ الطبيعية للسودانيين الذين فرطوا في فرص نادرة لتحقيق الاستحقاقات الوطنية وعلي رأسها الدولة المدنية الحديثة. وقد اصبح موقف السودان أكثر تعقيدا وهشاشة فقد ضعفت القدرات والموارد المادية والبشرية، وتناقص التعاطف والاهتمام. ويقول ان هذا الوضع الحرج يفرض علي السودانيين ضرورة الوصول سريعا الي عقد اجتماعي جديد أو مشروع قومي سوداني حديث وديمقراطي-رغم تشاؤم السودانيين من مصطلح مشروع. وهذا ملتقي فوق حزبي وعبر قبلي وجهوي وفئوى أي قومي مطلقا بدون أجندة خاصة. وهذا مطلب صعب ولكنه ضروري، في الحالة السودانية. اذ يتسم الوضع السوداني بقدر ملحوظ من التشرذم والانقسامية باعتبار أن السودانيين بعد المنع الطويل للعمل السياسي العلني ، فقدوا القدرة علي العمل الجماعي. فقد صارت الانقسامات والخلافات هي القاعدة داخل الاحزاب وفي علاقاتها البينية. وهذا في حد ذاته ، من التحديات أي تتسامي الأحزاب فوق خلافاتها الهامشية وتعمل معا من أجل أهداف قومية.
ويجزم ابراهيم ان أمام السودان نهجان لا ثالث لهما:النهضة من خلال عقد اجتماعي أو مشروع قومي لسودان حديث وديمقراطي. والخيار الثاني هو الانهيار وقد بدأ. ويقول ان الخلاص من حالة الصراع الراهنة يتمثل فى ضرورة الاسراع في التوصل الي عقد اجتماعي يركز علي:-
1/ الدولة المدنية بغض النظر عن المرجعيات المصاحبة لها.
2/ القبول بالآخر المختلف.
3/ نظام ديمقراطي يجمع بين محاسن التوافقية والتنافسية.
4/ تنمية من تحت الي فوق، وعادلة.
5/ سياسة خارجية قائمة علي الندية.
الوضع الاقتصادي
في ورقته عن الوضع الاقتصادي في الشمال والجنوب بعد الانفصال يقول عبد الرحيم حمدي ان السودان برغم الانفصال الا ان اقتصاده لايزال هو نفس الاقتصاد ولكن قسمة الموارد والاستخدامات فيه احدثت صدمة قاسية للطرفين لانه كان يعتمد الى حد كبير ، وان كان بنسب متفاوته، على عنصر واحد وهو البترول. ويقول ان تفاوت هذه النسب احدث مشكلة في الشمال اكثر مما في الجنوب حتى الان لان عائدات النفط في الشمال توقفت تماما« ما عدا جزءا قليلا ينتج في الجزء الشمالي لحدود 56 .. وطبعا ما ينتج في حقول اخر في الغرب» بينما استمر تدفق نفط الجنوب للسوق العالمي عبر الشمال واستمر استلام عائده بواسطة حكومة الجنوب انتظارا لاتفاق حول رسوم العبور ولهذا يقدر ان صدمة انحسار موارد البترول في الجنوب هي- حتى الان- الاخف مالم يحدث تطور سلبي في حالة عدم الاتفاق على اجراءات تسمح باستمرار عبوره الى الاسواق العالمية.
ويتحدث حمدي عن الاثر الثاني الصادم لاقتصاد الجنوب - بصورة اكبر واقتصاد الشمال بصورة اقل- وهو توقف تصدير السلع العادية من الشمال الى الجنوب - بقرار سياسي- وتعدادها 180 سلعة بما فيها منتجات البترول المكرر. مما انتج ندرة شديدة وغلاءا فاحشا في اسواق المدن الجنوبية ولا يعرف على وجه الدقة تأثير توقف او تعثر مرور ملايين الابقار الشمالية ورعايتها الى الداخل الجنوبي- ما بعد بحر العرب ولكن احد تلك الاثار السالبة بدا واضحا بعد ان اتجهت آلاف من ابقار الامبررو النيجيرية ، التي غزت الجنوب في السنوات الماضية ،الى مناطق جنوب النيل الازرق - ربما بضغوط سياسية فاحدثت تخريبا واضحا في الزراعات التقليدية هناك.
وهكذا يتفاوت تحديد آثار الانفصال في دولة جنوب السودان مابين القطاع الحديث الى القطاع الرعوي - الزراعي التقليدي مع توفر معلومات اكثر في القطاع الاول .. ولكن تبقى الحقيقة الواضحة هي أن الانفصال احدث آثارا سالبة فورية على المدى القصير للطرفين .. وان تلك الاثار السالبة ستظل تتفاعل لفترة طويلة قادمة خاصة في مجالي التجارة والرعي ولابد ان تظهر اثار ديمقرافية على كلا جانبي الحدود.
ويشير حمدي الى ان الاقتصاد الجنوبي ظل قبل الانفصال وسيظل بعده مرهونا على مورد واحد وهو البترول الذي يشكل 98% من ايرادات الخزينة العامة وان كان الانفصال قد زاد من حصة الجنوبيين في قسمة البترول من 50%« في سنوات الفترة الانتقالية الى 75% » بعد الانفصال وذلك بعد خصم حصة الشركات .. وتقدر هذه الزيادة على موارد البترول للجنوب بمليار الى مليار ونصف دولار سنويا على اكثر تقدير. فهيكل الموارد الذاتية للجنوب اذا سيظل مرهونا بالبترول الذي زاد حصة وان بدأ يتناقص انتاجا حتى وصل 380 ألف برميل نزولا من 500 ألف برميل يوميا واي زيادة في الانتاج رهينة باستثمارات جديدة وكبيرة من الشركات العاملة واي شركات جديدة - في مربع B- ولكن الشركات حساسة جدا وهو امر تشوبه الان ضبابيات كثيرة ..فمورد البترول متزايد ومتناقض في نفس الوقت.
ويتحدث حمدي عن مصدر اخر متوقع وهو المعونات الخارجية الموعود بها الجنوب تصريحا وضمنا وهذه دائما مشكلة كما اوضحت تجارب اوسلو مع فلسطين ومعنا وتجارب العراق وافغانستان فالمانحون يعدون ولايوفون وفي هذه المرة تضرب المانحين جائحة اقتصادية ومالية ماحقة مما يعني ان»الموعود المنتظر» سيكون بالتأكيد اقل كثيرا من المتوقع. وبالمؤشرات التي برزت حاليا فهناك حماس امريكي للمساعدات العسكرية للجيش لتحويله الى جيش احترافي- اكثر من المساعدات الاقتصادية وهناك حديث كثير من دوائر المانحين للتحذير من الفساد والمحاباة القبلية والصراع القبلي كمبرر- ربما- لعدم انفاذ الوعود السابقة. ويقول ان هذا المورد المعونات الخارجية لدولة الجنوب اذن اضحى منقوص المصداقية ولايمكن ترتيب موازنات ولا برامج تنمية عليه. واخيرا هناك مورد الاستثمار الاجنبي الخاص الذي يأتي لمشاريع التنمية وهذا مرتبط تماما باستقرار الاوضاع السياسية برؤية المستثمرين لوجود اطر مؤسسية وقانونية لاستقبال الاستثمار وحمايته. هذا امر يبقى حاليا في طي التخمين ولابد ان يمضي وقت قبل ان تستقر الاوضاع السياسية والقانونية والاقتصادية بصورة تغري المستثمرين الخواص بالاقدام على وضع اموالهم في الجنوب. هذه اذن هي معادلة الموارد وهي متأرجحة وغير مؤكدة وبالتالي يصعب تحديدها والبناء عليها وتقابلها في الناحية الاخرى معادلة المنصرفات وهنا تطول القائمة . فدولة الجنوب الجديدة تحتاج الى كل شئ.
1- اعادة تنظيم واستيعاب عشرات الالوف من الجنود والشرطة والامن في هياكل معروفة منضبطة الموارد والهياكل البشرية والجسدية PHYSICAL غير المتوفرة حاليا.
2- بنيات تحتية من طرق ومطارات.
3- خدمات ، مدارس ومستشفيات
4- ايواء على مستوى كبير لمئات الالوف من النازحين داخليا LOCALLY DISPLACED من دولة الشمال مما يقتضي صرفا هائلا على الهياكل المادية مهما كانت بساطتها.
5- بناء خدمة مدنية وقضائية في المستويات الوسيطة والدنيا.
باختصار المطلوب انشاء دولة من الصفر .. وفي اطار تنازع قبلي على الموارد كما حدث قبل فترة قليلة من النوير والمورلي « مشاكل الهامش تتحول هناك الى مشاكل تشمل الهامش والمركز!».
كل هذا يعني الحاجة الى موارد تتعدى المتاح بعشرات المرات ! ويعني هذا ان المشكلة هناك تتعدى الاقتصاد الى السياسة والاجتماع وتختلط بهما اختلاطا معقدا .. في جو مستعر من ثورة الآمال THE REVOLUTION OF RISING EXPECTATIONS التي تعلم اصحابها ثقافة اللجوء السريع الى البندقية لتحقيق مطالبهم الملحة والآنية بينما غابت فضيلة الصبر والتسامح من الجميع.
وعن مستقبل الاقتصاد في الشمال بعد الانفصال يقول حمدي ان مؤشرات نمو الاقتصاد في الشمال في السنوات العشر قبل الانفصال كانت تشير الى تضاعف حجم الاقتصاد عشرة مرات في السنوات 2000- 2010 «حسب البنك الدولي» ومتوسط نموه السنوي 7.2% في تلك الفترة « وهو معدل عالمي» واستقرار التضخم في حدود 7% حتى 2007 وارتفاع الى 13.7% في السنوات الثلاث الاخيرة وارتفع دخل الفرد من 1083جنيها عام 2000 الى 3998 عام 2010 « من ألف الى 4000 آلاف جنيه بتضاعف اربع مرات تقريبا» وارتفعت الايرادات والانفاق العام والانفاق على التنمية بنسب تتراوح بين 470% رالى 665% وبالتالي امكن زيادة التحويلات الى الجنوب من 12.5% من الدخل القومي الى 23.3% والولايات بنسبة اقل « من 22.5 الى 24.8» وانخفض نصيب الحكومة القومية من 65% الى 51.9% ويعني هذا انه تم فعلا اعادة توزيع الثروة في البلاد حسب اتفاقية نيفاشا. ومن ناحية اخرى زاد تدفق الاستثمار الاجنبي الخاص والعام من 1.6 مليار الى 3.5 مليار اخر الفترة ولكن حدثت في ذات الوقت ظواهر سلبية منها تسيد قطاع البترول للصادرات بنسبة 96.3% وتدهور سعر الصرف بعد عام 2007 وارتفع معدل نمو النقد سنويا الى 27% وبدأ التضخم في الزيادة وظهر سوق مواز للعملة.
آثار انفصال الجنوب
في هذا الجو الايجابي- عموما- والحديث لحمدي - حدث انفصال الجنوب منتصف 2011 واحدث صدمة عنيفة لاقتصاد الشمال فانخفض معدل الناتج الاجمالي الى 1.2% حسب البرنامج الثلاثي ولكن في ميزانية 2012 قدر ان يرتفع «باجراءات الميزانية» الى 2% فقط وارتفع معدل التضخم الى 23% ولكن الميزانية تتوقع له ان يستقر عند حدود 17% وذلك بعد تبني ميزانة انكماشية جدا في جانبيها النقدي والمالي.
وسيرتفع رغم هذا الدخل الفردي من 1572 دولارا عام 2010 الى 2111 دولارا عام 2012 ولكن السبب الرئيسي في هذا الارتفاع هو انخفاض حجم سكان الشمال. وقدر البرنامج الثلاثي - الذي وضع بعد اعلان الانفصال مباشرة- وظهرت عليه تعديلات في ميزانية 2012 - اي بعد ستة اشهر - وجود عجز يقدر بنصف مليون طن من الحبوب في الانتاج الزراعي ولكن ميزانية 2012 تقدر ان يكون هناك فائض بنفس الحجم بنهاية العام وسينخفض نصيب القطاع الصناعي من 24.7% الى 16.7% في عام 2010 لخروج البترول « باعتباره صناعة استخراجية» بينما يحافظ قطاع الخدمات - الاكثر نموا في السنوات الاخيرة - على نصيبه من الدخل القومي في حدود 45% مقارنة بالزراعة في حدود 35% من الناتج القومي الاجمالي.
وقد تم تبني برنامجا ثلاثيا للاعوام 2012- 2014 لتلافي صدمة خروج النفط ويستند البرنامج على اجراءات مالية ونقدية تقشفية قاسية لتخفيض المصروفات وتمويل برنامج انتاجي لسلع الصادرات غير البترولية « الذهب والقطن والصمغ والثروة الحيوانية» وسلع الواردات الاساسية «كالقمح والزيوت النباتية والسكر والمنتجات البترولية» ويعاني البرنامج من خلل في هيكل الايرادات اللازمة لتمويل هذا البرنامج وكذلك خلت ميزانية 2012 من اي ايرادات « بعد ان رفض المجلس الوطني رفع الدعم عن البترول الذي كان متوقعا ان يوفر 400 مليار جنيه».
وتبقى على الحكومة ان تعتمد على موردين:
الاول سد العجز من موارد داخلية كالاستلاف الداخلي من الجمهور والاستلاف من البنك المركزي - في اقل الحدود - والسحب من القروض الخارجية. وهناك برنامج لتسريع وتوسيع الاستثمارات البترولية في الشمال وتوزيع المربعات والامتيازات التي لم يفعل القائمون عليها شيئا مفيدا بالنسبة لها ولكن الاعتماد الاكبر هو على الاستثمار الخارجي لتمويل التنمية والسلع المشار اليها سابقا لاعادة هيكلة الموارد .. ولهذا فان هناك مجهودا كبيرا لتحسين قانون وبيئة الاستثمار الخارجي الخاص « والى حد ما الاستثمار العام للدول العربية في مجال الامن الغذائي العربي في السودان».
ويخلص حمدي الى ان الانفصال السياسي قد خلق مشكلة اقتصادية كبيرة لبلدين وقد تم هذا بصورة كافية بوقوع الانفصال.. ولم تسعفهما النوايا الحسنة في فترة الاشهر الستة التي اعقبت الانفصال ليسهل كل طرف للطرف الاخر الخروج من مأزق الانفصال الاقتصادي . بل ان العكس تماما قد حدث حيث لجأ الطرفان الى حد كبير الى التسويف والمشاكسة والمعاندة بصورة فاقمت الامر عليهما . ويقدر ان الامر لايزال قابلا للتدارك اذا خلصت النوايا او بدون ذلك اذا استبان الطرفان ان الاستمرار في نهج المعاكسة الاقتصادية سيزيد من مشاكل الطرفين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.