أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتابات
نشر في الصحافة يوم 17 - 04 - 2012


أحمد الفضل أحمد
تحركت «سيرة العريس» من المنزل بالجهة الجنوبية الطرفية للمدينة.. لفيف من الرجال والنساء والصبيان والفتيان والفتيات يقطعون المسافة على أقدامهم.. وفي المقدمة امرأة تحمل على منكبها ايقاع «الدلوكة» وعلى أديم جلدها المشدود الرسوم الملونة، وعلى الإيقاع تحمل معها الغناء الفتيات بعطورهن الفائحة والعبقة في الجو المبسوط اللطيف، وعلى سيماء الجميع الفرحة والمرح.. تسير قافلة البهجة بايقاع بطيء.. «وقمر السبعة» بادي الطلوع عند الأفق.
وكان «هو» يرسل وقدة نظراته المتلظية فوق الرؤوس اللامعة، وكانت «هي» تستقبل ذلك برموش عينيها الكبيرتين الحلوتين.. تديرهما.. وكان ذلك في أول فتوته في اقتحام براءة التجربة يتعلق على أهدابها وتلك هي «حُسْنَى».. تلك العلاقة الحميمة التي لن تعمر طويلا فيما بعد حين تأتي التفاصيل!!
تسير معنا الملائكة بالعديلة البيضاء..
وتفوح رائحة الخمرة والمجموع.. وتفرقع الزغاريد..
نحن أولاد العز.. نسير لديار عروستنا
المجلوة البهية.. المهيرة عقد الجلاد..
وعريسنا يربط هلال السعد على جبينه
وتعبر القافلة خط السكة الحديد من امام «السيمافور» ثم البوابة والمبنى الاسمنتي العتيق.. ومن الناحية الأخرى يبدو «جملون الجراج الاسود الكبير» تدخله وابورات المناورة الصغيرة، وكانت الخطوط ترزم ليل نهار قادمة وذاهبة بالمسافرين على العربات المقطورة البيضاء تطل من نوافذها الوجوه الغبشاء والمليحة المسافرة لتخوم الصحراء. وكانت المحطة الكبيرة تموج بالحركة في اول المساء.. وكانت القافلة تنحدر على لحن سيرها مع المحافظة على الفاصل الذي يفرق بين الجنسين مثل خطوط النار فلا يحدث الاحتكاك ويتطاير الشرر فالعين حمراء رقيبة ومتابعة!!
(أنا الغنيت للبلال.. الجاموس بحر الغزال)
أسد الخُش.. القلبو حار)
ومن بعد شارع الاسفلت العريض تبتدئ البيوت الحجرية المتلاصقة الصامتة ذات السياج الحديدي.. البيوت المغايرة تتطاول فوق حيطانها فروع وأوراق الحدائق الصغيرة داخل ساحاتها وأمام بواباتها.. وهذا بعيد عن تخطيط قلب المدينة وأطرافها على الجهات الشمالية الغربية والجنوبية.. فتتقوس البيوت حول النهر الذي يتعرج قبل انعطافته القوسية الكبرى ثم ينحدر ويترك وراءه جزائر الرمل.. وتتناثر على ضفته اليسرى الأكواخ والأعشاش وبيوت الطين الجالوصي تطل عليه وتبدو كحدوة الحصان.
تزحف المياه عند فصل «الدميرة» لأعتاب وسيقان أشجار «السنط والحراز والجميز والزونيا» وعندما ينحسر يترك وراءه الطين الأسود فيبذرون عليه حب «اللوبيا» التي يقابل نبتها فصل الشتاء الجاف.. أخيراً يضمر ذاك العاتي ويتراجع فكأنه قناة صغيرة أيام التحاريق وليس كذاك الهائج الغضبان الذي تفشل محاولات صده ومترسته بجوالات وأكياس التراب والرمل!!
وتحاول «حُسْنَى» جهدها أن تتمترس خلف القافلة ولا تبين للعيون ذات الإرسال المكشوف حواليها تتابعها وتترصدها، وكان «هو» يخطو في لحن سيره بجلالاته وقد امتلأ بما يكفي ومترعاً بلحن الغناء تقوده بصوتها المغنية ذائعة الصيت بالمدينة.. وكانت حنجرتها النحاسية ذات الأبعاد الغليظة والرفيعة ترسلها.. فهذا صوت «مطرق» على وصف العامة.. قد ورثته من أسلافها الذين كانوا لا يتحرجون ومسموح لهم اداء ذلك الدور بحرية وجرأة ويبرعون في الافصاح والبيان منطلقين من قاعدة وضعهم الاجتماعي..
وفي تلك البيوت كان القاطنون من عائلات «الأغاريق، اليونان وطوائف اخرى من اليهود ومقابل لها من الجهة الأخرى الهنود البنيان والأرمن وجيرانهم من القبط» الذين يتميزون بأكثرية وسط النزلاء.. فتعايشوا منذ أزمان بعيدة وانتشروا بين الناس، فأصبحوا داخل النسيج المداري.. ثم انفتحت ابواب تلك البيوت على مشهد القافلة على الشارع العريض هذا الشارع النظيف الذي يمتاز بخصوصيته الهادئة المتحفظة، حيث تنعدم الاصوات والضوضاء.. وترسل النظرات وانت تنحدر غرباً تجد بيوت «الشوام».. ويتخلل ذلك بعض مساكن سراة التجار وموظفي الخدمة المدنية الكبار.
وبعد عقد من الزمان أو يزيد قليلاً، وعلى التقريب من تاريخ موكب «السيرة» التي كنا نسير في صحبتها.. انقلبت الاوضاع رأساً على عقب.. فتناقص وجود «النزلاء» الذين انسحب بعضهم خارجاً عن الحدود..! فانهدمت جدران وقامت بنايات وعمارات، وانفتحت عيادات وصيدليات ومكاتب تجارية، وفي حقبة وجيزة انفتحت بعض دور الأحزاب الصغيرة.. وزاد اكتظاظ السيارات حتى ضاق الطريق على السابلة.. طريق أغبش ومترب!!
وقبل المحطة الأخيرة للوصول توقف الركب وتحلق الموكب في دائرة ثم تلاشت الانغام!!
وكانت «حُسْنَى» تحت نظره تماماً.. ثم انحرف بنظره قليلا وزاد عجبه، فنسى كل ما حوله من المجاميع حين رأى ذاته تماماً وعلى الجهة المقابلة حضوراً واقعياً وانعكاساً لصورته طبق الأصل وكأنها صورة منعكسة من مرآة صقيلة وعلى مقدار حجمه وطوله.. وكان مشهداً خاطفاً استمر لثوانٍ عديدة.. وذهل تماماً حينما حدق جيداً في قميصه المخطط بالأزرق والأحمر حتى ياقة القميص المطرزة ثم نفس لون البنطال الرمادي الجديد!!
وهذه صورته المنعكسة يراها ويستغرق في مشاهدتها بقوة تبين له كما هي حقيقة وجهاً لوجه.. وذهل عن الحفل ولم يقل لأحد بذلك.. وطمر وجه الاستعجاب في نفسه، ومرت بعد ذلك ازمان بها اتراح وافراح وتقلبات وزوابع من هوج الرياح العاصفة، فانتقلت من حال سعيد لحال مغاير مجحف ضنين بالعنف والقصف والسلب عنوة!!
وما بقي من «النزلاء» إلا من انقطع وتشبث وأوجد له موطناً وهوية وتمكيناً وتغير لسانه المحكي بعد أن اكتسب عادات وثقافات تجذرت وامتدت في الممارسة لدرجة رفع اليد بالفاتحة في العزاء والمشاطرة أمام السرادق المنصوب!!
وأما ذاك المراوغ العابث المفتتن بذاته فأين ذهب بعد مشهد الحفل؟ فلم يعاود الظهور أبداً طيلة السنوات المنصرمة، ولم يتحقق وجوده لي شخصياً الا حين كثرت التعليقات والاحاديث أخيراً عقب سفر «حُسْنَى» النهائي لموطنها الاصلي الذي نزح منه أسلافها الأوائل.. وأكملت مرحلتها الإعدادية والثانوية المختلطة، وكنا معا فأصبحت «قصتنا» مشهورة بين الزملاء والزميلات، وشعارها الصداقة الحميمة والوفاء والاخلاص والذي بلغ درجة عالية من الرهافة والشفافية التي جعلتني أقف تحت شباكها أغني لها وتتابعني بحساسية فائقة، فكانت أغنياتنا الحبيبة المشتركة بيننا تجمعنا حينما نلتقي نهاراً ونفترق مساءً، وقاسمنا الأكبر المطرب «فريد الأطرش» فتسمع لي وأنا تحت شباكها، ومن الخارج أقف أنشد لها وأغني.. أقف ووجهي في الجهة المقابلة وأصابعها تمسك بالمشط ترجل لي شعري السبط المرسل على جبهتي وقفاى!!
وقد سافرت «حُسْنَى» لجهة المشرق الادنى موطن اجدادها حين قرر الذي سافرت معه الرحيل بعد تحقيق بعض المكاسب، وانتهت قسمته المكتوبة هنا. ومن ناحيتها فإن أخبارها تجيء متقطعة لا تروى غليلاً!!
٭ الحنين لذاك الذي عابثني وتلاعب بي برهة:
في تلك الليلة البعيدة والتي لن أنساها قط فقد ملأ الفضاء المقابل لي.. واختفى.. واليوم فإني اطلبه بشدة مصاحباً لي بصورته الشبحية الهوائية لأرسله في مهمة عاجلة ليصل لأعتابها السنية بديلاً عني وبنسخته الزائفة الخبيثة.. وكثيراً ما ترامى لسمعي أفعال منسوبة لشخصي قمت بها أمام معارف وأصدقاء وأقارب وزملاء وهي في الحقيقة بعيدة عني جملة وتفصيلاً!!
وهذا في زعمهم حقيقي ومؤكد لا يحتاج لنفي، وحين يئست تركتهم لشأنهم في اعتقاداتهم الملتاثة، ولم أكشف لهم عن السر الحقيقي وراء ذلك على الإطلاق! فهذا شأنهم ولا داعي لكشف المستور والمسكوت عنه.
٭ أقوال متضاربة عن أفعاله الخارقة:
كان يتلبسني ويظهر إنابة عني في مختلف المواقع والمحلات عند 1 تناول الوجبات في عزومات الأفراح..
2 تأدية واجب العزاء في السرادقات..
حين 3 يُشاهد عند الاصائل على شاطئ النيل.
حين 4 يتحاوم في المناطق الشعبية الجديدة التي كانت فضاءات تخضر سابقاً مع هطول الامطار وتخضر «البلدات» بزراعة الذرة الرفيعة.. وتلك كانت أيام بعيدة، واليوم فهي بنايات ممتدة ومتراصة، وأثمانها في الحيازة كانت متهاودة الأسعار وليس بثمن اليوم الفاحش والخرافي.
5- وبلغني أنه قد رفع عني الحرج في تقاعسي عن أداء واجبات مهمة.. فكان إنابة عني يقصد تلك المناسبات ويغطيها، وكفاني مشقة الحضور وما يتبعه من واجبات ضرورية وملحقة.
6- وبلغني أيضا أنه في بعض المواقع والجهات يتصرف بصلف وعنجهية، ويبدو جاداً في موقف لا يصلح لذلك، ولا يعير بعض الشخصيات الكبيرة والمهمة كثير انتباه، وكثيراً ما يكتفي بالايماءات والاشارات والبسمات الصفراء ودون مجاملة ومشاركة وحدانية.. او قل اتصال إنساني ومباشر حميم!! مع الذين يلتقيهم..!!
وللحقيقة فإني أتخوف كثيراً من أن يرتكب حماقة ويتهور بجناية عظمى تهدر الكرامة والشرف والسمعة الطيبة بين الناس!!
وفي هذا الموقف العجيب والعصيب أقف محايداً من ثنائيتي العضوية الماثلة وتلك الأخرى «الشبحية الأثيرية» التي لا يمكن الوصول لها والقبض عليها بما ملكت من مغامرة وعبث وتهريج.. وكيف لي أن استجديه بأن نعقد اتفاقا في ألا يقدم على خطوة دون استشارتي وموافقتي، بحيث يمكنني ذلك من التنقل بحرية وسلاسة للأماكن التي أرغب في مشاهدتها والنفاذ لحصانتها اكتشافاً واختراقاً لمعالمها وحجبها وبواطنها وأسرارها وحياتها المغلقة المهضومة المستورة البعيدة الغامضة.. وفي كل ذلك إشباع لرغباتي المكبوتة اللاهبة التي لا تبوح بمصداقية لذاتها المنعكسة حتى!
ويا رفيقي لا أحوش عنك سراً ولا تمنع عني رغبة اشتهيها وفؤاد يقظ ممتلئ بالدراية والخبرة والمعاصرة والحداثة.. والأصالة وأحرس مستودع ملكيتي الخاصة كما أشاء باستحكام ومثابرة واحساس طروب وذكي لماح
واليوم فإن كثيراً من أصدقاء الرفقة قد ذهبوا او تشتتوا أيدى «حُسْنَى» العجيبة.. تفرقت بنا السبل ثم اختفت معالم كثيرة كانت راسخة على الطريق المقابل لمحطة السكة الحديد.. وما سلم شيء من الاذى والتخريب الذي وصل للبنايات التي انهارت تماما وخلت بيوتها ذات السقوف الحمراء القرميدية من ساكنيها، فمصتت حجارتها وتراصت قبوراً غير مصانة ومتصدعة «ببيوت القباب البيضاء» الصامتة والتي كانت متميزة وصالحة على مدار تقلبات الطقس برداً زمهريراً وكبسةً ورياحاً ثافية وحراً مستطيراً بالكتاحة والتراب الهائج الذي يصنع فراغات هوائية ومطبات.
أذهب لها ماشياً أتاتي لفريق «القطاطي» أبحث عن عيون الصيد النواعس تحت القباب الصغيرة فاشتل جنبها محبتي الفائقة وشدة عَرامي الفائض الذي لا يمكن حبسه ومترسة مجراه.. الدفاق!!
والله يجازي الذي كان سبباً في انقطاع انفاس الحياة، ذاك المنزوع من البركات، فاصبه يا ربي ومن على شاكلته من المخربين وعشاق الأذى.. اصبهم بالكساح والعمى والخرف المبكر والطشاش والتشويش والتخبط في الأقوال والأفعال وانسحاب وطمس الذاكرة والعجز عن التعبير والركاكة حتى ولو باللغة الشفاهية المحكية المتداولة بين العامة من الناس البسطاء، فليحنون جزاءً وفاقاً في ما بدر منهم من اخطاء وفظائع وانتهاكات صريحة في قطع عجلة التطور والتنامي وقفل البوابات على «المدرسة الإغريقية» التي بقيت حتى اليوم اطلالا واقفة استقبلت في ماضيها المناشط الاجتماعية والثقافية والعروض المسرحية التي عبرت من هنا، ونذكر أننا كنا اطفالا صغاراً شهدنا ميلاد مجيء المطرب اللامع «إبراهيم عوض» ببذلته الأنيقة البيضاء ومنديله الأحمر وشبابه المتفتق الجميل، وحين نزل من عربة القطار في المحطة القريبة وعلى مرمى حجر تدفقت الجموع المكتظة والخلق الكثير الذين اتوا يتدافرون وكسروا سياج الحديد تحت اقدامهم ليحظوا بمشاهدته اول ظهوره وبزوغ نجمه مع بداية تلك المرحلة الانتقالية.. ولم تكن تجد لك موقعاً لقدم داخل ساحة «المدرسة الإغريقية» التي ما يزال بنيانها قائماً وشامخاً ومسكوناً بالأرواح المطلوقة التي أتت من كل ناحية لملء الفراغ.
وحتى الآن فلا أحد يعلم عنه كثير شيء ذاك الذي لم يلتمس حضوراً معي، واسمع عنه الكثير، فيغيب فترات ويظهر ويبين ويتلاشى، ثم ألم بطرف من ألاعيبه وأفعاله الغامضة القلقة المتسيبة.. ذاك «الآخر» المتشرد!!
وكان أشد ما أغاظني خبر اقتحامه وظهوره في الليلة السياسية التي أقامها ذلك «الحزب» العريق الذي تعاطفت معه في بواكير وعي وقبل استنارتي المتأخرة بعد خوض تجارب طويلة من التقلبات، فاتسعت بيننا الهوة والجفوة أخيراً من عدم الاستلطاف والقبول لمواقفه المتكلسة وقصوره عن الاستشراف المستقبلي في قراءة مبكرة للمستجدات والمتغيرات الطارئة التي تساعد في خلقها قوى متعددة وذات مآرب شتى، وهو بعيد عنها بإيقاعه البطيء يجتر أمجاده القديمة فأين «أدبياته» ما بين الأصالة والخصوصية والانفتاح الحداثي العولمي الذي يقطع الانفاس ركضاً ولهاثاً.. ثم ما هي المبادئ التي لن تنهار ويتمسك بها اليوم كالاعمى الذي «مسكوه عصاية» لا يتركها ويتشبث بها؟!
٭ وقال لي صديقي القديم معاتباً في غلظة:
«لقد كنت هناك وحيداً جالساً قريباً من «المنصة» تتابع باهتمام وترخي سمعك للهتافية الغوغائية الديماجوجية التي تلف وتدور في الفراغات الهوائية تحصيلاً عن حاصل ماثل وكريه!
وكان بإمكانك أن تتملص من تلك الهيصة والتمثيلية الهزلية والتهريج الرخيص.. ولكنك بقيت في مكانك إلى ما بعد انفضاض الهرج وجمع الكراسي والأدوات وفوارغ الزجاج والبلاستيك.. ثم انتظرناك بعد الانفضاض وبحثنا عنك ولم نجدك ايها «الهزيل» الذي تحاول ستر مخازيك بالهندام الملون المرتب، وكأنك لم تكن موجوداً.. فهل هذه عملة تعملها؟!
لم أعلق بشيء ولعنته في سري!!
ولكني عاتبت ذلك الآخر الهلامي اللاصق بي:
«لماذا لا تجعل نفسك في دائرة المهم من الأمور النافعة، وتلم بطرف منها، وتأتيني بخبرها اليقين من مصادره دون إلحاقه بشائعات من المرجفين الجبناء الرعاديد لا يصدعون بقولة الحق المبين في زمان التسويق والمماطلات والالتفاف حول المواضيع المركزية.. وحتى أنه كان بمقدوري تقديم جهود واجتهادات إيجابية لهؤلاء المتاعيس من المخاليق المساكين الضعفاء.
ولكنك أيها الباهت الشبحي تشتغل بالفروع دون الأصول، وهل من عودة للزمن الجميل السالف الذي بقي في تلافيف الذاكرة تستعيده في مساحة الزمن السائب.. ومن هنا فإني أضمر اشياءً واشياءً قد أبوح باليسير منها، فتتجسد صورة «حُسْنَى» في ملامحها الثابتة ولا تتجسد «أنت» أيها الكسيح إلا من ورائي.. وأسألك للمرة الأخيرة أيها الفارغ الأجوف عديم الهمة، أن تسري لها في الليل الأدهم أو النهار الأبلج، وأن تنقل لي مشاهداتك بوسائطك المتقدمة من «الانترنت»، وهي هناك في «المشرق الأدنى»، وأن تنقل لي عبر القمر الاصطناعي سكناتها وحركاتها وملاحتها ووضاءتها، وهل ما تزال متعلقة على أحبال «فريد الأطرش»، وعن غرامي الأول الراسخ الذي لم يتحول، وكأنموذج مثالي يحكون عنه حتى اليوم!!
وإنك بما لك من حيلة ولزوجة ومقدرات سحرية خارقة ومن حيث أنه لا يكلفك ذلك جهداً فوق طاقتك، فأنت قادر على أن تمشي لها بالدروب التي تجيد مسالكها!!
أو بالكثير أن تطير محلقاً لها تُعاين من جهات السوق الغربية، وتحط وتخبرنا عن حالات ذلك «الزول الحَسِين» الذي عاش في الزمن الجميل المتيسر.. زمن القطارات الصاعدة والهابطة.. وتعج ساحة المحطة العامرة بالمودعين.. ثم مواسم الحجيج على الرصيف.. وكثيرون يذرفون دموعهم خلف الأحباب.. الذين مضوا وعبروا من هنا وعبرت «هي» من هنا كذلك، ولم يظهر أمامها ذلك «الآخر» إنابة عني مودعاً من بعيد يلوح لها كخدمة جليلة يقدمها لي بامتنان لن أنساها له، لتبقى حضوراً ممتداً ومتجسداً في لحظاتها الأخيرة المودعة.
سنوات ما قبل الكتابة
لؤي قور
حينما تتواطأ المدن!! (1)
فبراير.. يُحمل الذاكرة أكثر مما تتحمل، يمضي بها في دروب التذكر غير الممهدة، والتي لا تفضي إلا إلي بعض حسرة، وشبح ابتسامة تأسف علي كل ما كان حدوثه ممكناً .. ووضعته مدينتنا بلا سبب واضح في قائمة المستحيلات.
كان فبراير ينكأ في الذاكرة قديم الجراح، ويجعلها في أفضل حالاتها عرضة لمختلف المآسي والأوجاع. وكانت المدينة علي ما ألفتها في تلك الأمسية حين التقيتك في ذلك العام.. قلت لك أنه كان لمدينتنا تعريفها الخاص عندي، وهي لن تمنح يوماً ما ظلت تضن به في مختلف المواسم والعهود. وعليه لم تصيبني الدهشة مما كان من بعض أمرنا في تلك المدينة التي تضيق ولا تتسع. تخبو جذوة ما بداخلنا كلما منحنا شوارعها المتعبة مزيدأ من الخطوات.. والعشم والمسير. ولا أنكر أنني بدأت بالإنحياز اليها في زمن ما ناظراً لها من خلال عينيك، ومن خلال ما يمكن أن تنجبه كلماتك من أفكار، ومخيلتك من زوايا نظر.. وتعليقاتك من مفارقات لافتة. كنت تنظرين للمدينة على غير ما أنظر، وترجين منها ما لا أنتظر. فكان لدينا إذن وجهين لمدينة واحدة. كنت أستغرب أحياناً من طول مقامك بالمدينة ودهشتك مما يطفو على سطحها من قيود، ومن سلاسل، ومن جثث حية .. ومن أغلال. تستغربين أن تحمل مدينة في جوفها كل هذا التناقض، وكل ذلك الضيق، والسعة، والقبح، والجمال، ونظل نحملها فينا رغماً عن كل هذا وذاك. ولطالما احتلت بداخلنا خارطة المكان في ذلك الوجدان المتعب والشفيف.
على ذلك كان فبراير.. أيامه ولياليه.. معرض على الهواء الطلق في شارع النيل، وعربة عسكر تطلق نفيرها القبيح أن(خلاص يا شباب ياللا ياللا). قلت أنت ساعتها بأنك لم تفهمي شيئاً فهل هم (سدنة) النيل يقفلونه في وجه (العامة) حين دان لهم النيل والظلال؟ قلت لك حينها أن النيل يرزح تحت الإحتلال لسنوات، وواقع تحت أسر أنهك الضفة والموجات، وأن علينا إما أن نحرره، وإما أن نزوره هكذا في حياء آثم، ونقبل أن نرحل منه في صمت صارخ بعد أن حرمنا فيه رؤية المغيب. قلت أن لا مكان في هذه المدينة لعاشق، وقلت لك أن لا مكان في هذه المدينة لحرُ يري في حريته واحداً من الشروط الضرورية للحياة.. لكنك كنت متمسكة بها تلك في كل الظروف والأحوال. وعلى كل حال فقد بدأت بالتحرر من توجسي تجاه مدينتنا المختطفة تلك. لعله تأثير كلماتك في حق ما كانت عليه في شبابها من جمال، ولعله انحيازي لك حينما صرت أرى كل ما حولي بما يضفي عليه حضورك من ألوان. وهاهي المدينة تنتبه لما بيننا، يغلب عليها خبثها، وتبدأ في نسختها المشوهة بإغلاق كل ما يمكن أن يصل بيننا من دروب. قلت في المرة الأولى التي استشعرت فيها شرور مدينتنا بأنك اختبرت أقسى من ذلك وأمر، وقلت بأنك بطلة أغنية (عباد الشمس) التي لا تحفل بغياب البهجة، وأن من لا يهزه غياب البهجة لسنوات لا يمكن أن تعبث به نزوات مدينة مختطفة تأتمر بأمر غيرها .. قلت لك:(ماشي).. كنت أعرف أن ثمة خيبات أخرى علي الطريق، ولم أكن أعرف مدي ما يمكن أن يصل إليه وجدانك من حدود الإحتمال قبل أن ينفطر. مسحت دموعك في تلك الليلة، وقبلتني على خدي.. لعلك كنت تثأرين لما حل بداخلك من ضيم، ومن غضب، ومن استنكار. هي المرة الأولى التي تقبليني فيها على قارعة الطريق. وكنت أنظر لثورتك المتحدية في إعجاب، وفي دهشة، وفي سعادة.. أتحسس مكان القبلة كأني أخشى عليها من الضياع، واكتفيت بالابتسام. كان في قبلتك تمرد، وعصيان، وكثير احتجاج. كان تبيان لوجهة نظرك في فطرية الحرية، وبدع آخر الزمان ومستحدثاته التي حولت مدينتنا التي نعرف إلي أشباح وظلال. وكنت سعيداً بتلك القبلة دون امتنان لأذى المدينة الذي أخرج ما بداخلك لدائرة الفعل الصريح. قلت لك مقتبساً بيت من الشعر لنزار:(لو تدرين ما وجع المكان!) قلت أنت أن بلادنا هي أجمل البلاد، وأن علينا أن نجدد عهدنا مع النيل في كل أمسية، وأن لنا أن نستمتع بكل ما حوت شوارعها وأزقتها وحواريها من جمال، وبما حباها النيل من قداسة، ولما لذكرياتنا فيها من حميمية هي عصية على التغافل والنسيان. أذكر عبارتك الأثيرة والمتحسرة كلما هممنا بالعودة من النيل:(من يدري؟ لعلنا نأتي مرة أخري، بالرغم من كل ما حدث.. ويحدث) كنت تقولين :(هي دعوة لموافاة الغروب كما ألفناه وألفنا، وكما هو معتاد.. دعنا نعود يوماً، وليكن سعينا لوجه النيل بغض النظر عن كل ما حاق بملامح الضفة من تغير، وما أصاب الموجات من وهن ومن رتابة ومن خمول) وكنت أقول موافقاً على مضض :(من يدري لعلنا نعود ذات أمسية لوجه النيل، ولوجه الغربة.. والغروب). لكن النيل لم يرق لك في تلك الأمسية. كان هناك ثمة خيام على طول الضفة، تنتشر كالبثور ملوثة النيل، والغروب، والضفاف، لم نعرف التفسير في كل هذه ال(تحوطات الأمنية) على النيل، لكنك صرت أكثر حماساً للمغادرة.. وكان الضيق قد بلغ منك مبلغاً. قلت أن الإنسان لطالما شوه الطبيعة، وقلت لك بل التشوه البشري هو من الأمراض المعدية، والمميتة. علي ذلك كانت مدينتنا في تلك الأمسية من أمسيات فبراير، وعلي ذلك كان وجداننا متأرجحاً بين الحسرة والتوهان.. كنت تعتبين علي كثيراً حينما أحدثك عن الهجرة، والابتعاد، والرحيل. قلت أنك عدوة الهجرة والبعاد والإغتراب. اللهم إلا لفترات قصيرة من الزمن، لكن غياب السنين المتطاولة يمنح الغياب درجة علي الحضور هي غير مستحقة، ولا تمت للعدالة بصلة.. ماذا لو أنصفت المدينة وحذت حذو شمسنا التي تدفئ ولا تحرق؟ ورحيمة مثلها علي من يسعون تحتها من بشر ومن كائنات؟ كم كان حديثك متفائلاً، وبعيداً عما أرادوه لمدينتنا من ملامح، ومن مصير.. لكنك استشعرت كل ذلك في أمسية أخرى حين قررت أن لمدينتنا جمالها المرتبط بسنوات عمرها المديد، وما أحاط ويحيط بها من ظروف، وقلت أن الجمال مربوط بالظرف التاريخي الماثل، وأن علينا أن ننحاز للغياب ولو إلى حين.. من يدري؟ قلت ساعتها.. من يدري؟ فلعلها تعود ذات عام إلى بعض ما كانت عليه من بساطة، ومن وسامة، ومن جمال. أحسست بأنك خسرت رهانك معي في تلك الأمسية، وصرت حزيناً لأني كسبت في ذلك الرهان المربك، والذي يختلط فيه الواقع بالأمنيات.. كنت أشعر بأن المدينة تواطأت معي على ما كنت تحملينه لها في داخلك من مودة، ومن عشم، ومن استعداد للتعاطي معها في كل الظروف والأحوال. لكن مدينتنا المختطفة لم تكن تعرف غير الخبث والكراهية والتآمر وكانت خبيرة في فقه الإيلام .
ومدينة أخرى كانت محور حديثنا كثيراً في تلك الآونة.. كانت المدينة الملاذ، أو المدينة القبلة أو هكذا أردناها أن تكون. وكنت تسهبين في وصفها رغم أنك لم تحظي بزيارتها يوماً. كنت تتحدثين عنها في ثقة.. تضعين الخطط لحياة فيها تعد صباحاتها بالجمال، وتسلم ليلاتها لجميل الأحلام.. قلت:( لنذهب سوية إلى هناك، ولنبدأ منها قبل أن نزور معاً كل ما زرت وحيدة من مدن، ومن أماكن وأن تمشي معي في كل ما مشيت فيه وحيدة من شوارع، ومن دروب. قلت أن ال(رفقة) تجب ما قبلها، وعليه فقد كنت تريدين أن نتجول معاً في ما سلف واختبرته أنت من مدن، ومن دروب.. أن نتجول في الماضي البعيد بغية صنع ذاكرة مشتركة تمتد لسنوات في زمان ما قبل اللقيا، والتواصل، والحنين.. أعجبتني الفكرة، وراقتني أكثر حينما تخيلتها في اجترار عائداً من صحبتك في تلك الأمسية.. كنت قد أجريت بحوثاً عن مدينتك تلك التي أسرفت في وصفها. لا أكتمك أن جمالها باد للعيان، لكن رفقتك كانت أجمل ما سيطر على تفكيري وأنا أعدد محاسنها لنفسي. كان جمالها مأخوذ من جمال ما بيننا من رفقة، ومن سهولة، ومن انسجام. كنت أعرف أنك لطالما اقترحت الهدوء عنواناً لسنوات قادمة ننعم فيها بالوصال، وقلت أن مدينتنا القبلة تلك هي أفضل البقع لننشئ عليها ما انتخبناه لأنفسنا من حياة. لم أكن أثق بالمدن ولا زلت، لكني ونزولاً عند رغبتك منحت مدينتك القبلة جزءا من تفكيري.. قلت:( من يدري؟ فلعلها تكون أكثر رفقاً، وأكثر دراية ورغبة في منح ما يحتاج عاشقين ضنت عليهما مدينتهما بحقهما الفطري والمشروع في أن يذهبا بما بينهما إلى النيل، وأن يعمداه من عذب مياهه ذات غروب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.