السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاجراءات الاقتصادية ضعيفة ومتأخرة ولن توقف التدهور
عن الوضع الاقتصادي الراهن والموازنة المُعدلة لعام 2012م؟
نشر في الصحافة يوم 25 - 06 - 2012

وصل التدهور في الاقتصاد درجة بعيدة بعد أن طفحت إلى السطح كل التشوهات التي كانت تغطي عليها موارد البترول. فعندما فقدت الدولة هذا المورد ظهرت كل علامات الأزمة الإقتصادية المعروفة بلعنة الموارد والتي تتبع المرض الهولندي عندما تسيئ الدولة توظيف مواردها. حيث أخذت القطاعات الإنتاجية دوراً ثانوياً، وإستشرى سوء إدارة المال العام والفساد إضافة إلى تراكم الدين الداخلي والخارجي.
ومما فاقم من الأزمة الإقتصادية هو استمرار الحروب الأهلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والتوتر مع دولة جنوب السودان وغزو هجليج.
وأكبر الدلالات هي الزيادة المتسارعة في مجمل الاسعار التي أدت إلى غلاء فاحش بحيث أصبح مصدراً رئيسياً للقلق لكافة الناس من جميع مشارب الحياة المختلفة ولا سيما الشرائح الفقيرة. فقد فاقت معدلات التضخم ال30 % بنهاية مايو 2012، والدلالة الأخرى هي فقدان قيمة العملة الوطنية وتوسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي في ظل عدم قدرة الدولة توفير النقد الأجنبي لتلبية إحتياجات البلاد- فتباطأت عجلة الإنتاج لتصبح البلاد في وضع واضح من الركود التضخمي.
مع تفاقم الأزمة الإقتصادية أعلنت الإجراءات الأخيرة لتعالج الفجوة في الميزان الداخلي (موازنة الدولة) والميزان الخارجي (العجز في الحساب الجاري) - وهي إجراءات في مجملها أتخذت لمعالجة:
1- عدم واقعية موازنة 2012م التي بُنيت على تمنيات لايرادات خارجية من رسوم عبور وخدمات بترول واقتراض خارجي.
2- الآثار المترتبة من إصلاح واحد رئيسي وهو إصلاح سياسة سعر الصرف بزيادة 63% على السعر الرسمي ليصبح الدولار المتعامل به رسمياً 4.4 جنيه. هذا الإصلاح وإن تأخر كثيراً كان لا بد من إتخاذه بعد توسع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى 100%.فقد كان هذا الخلل من أكبر العوامل المؤثرة سلباً على الإقتصاد، فقد نتج منه:
أ- الدعم غير المباشر لمشتريات الحكومة بالنقد الأجنبي وإلتزاماتها الخارجية.
ب- الحد من تدفق النقد الأجنبي من الصادرات.
ت- الحد من تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية.
ث- شراء الذهب من قِبَل البنك المركزي بأسعار مُجزية أقرب للسعر الموازي أدى إلى ضخ نقود ذات طابع تضخمي (Inject high powered money) مما أدى إلى زيادة في عرض النقود بضغوط تضخمية كبيرة.
ج- عدم الإستقرار في سعر الصرف أدى أيضاً إلى توقف تدفق الإستثمارات الأجنبية.
أما الاجراءات الأخرى التي أعلنها رئيس الدولة في البرلمان(18/06/2012) وأجملها وزير ماليته في الموازنة المُعدلة لعام 2012م فهي ليست بالاصلاحات بل هي معالجات- هنا وهنالك- لجلب موارد للدولة لتتعامل مع افرازات إصلاح سعر الصرف بينما هي ماضيه في ما هي فيه من سوء إدارة للمال العام وصرف متضخم على أجهزة الأمن والدفاع لتمويل الحرب الدائرة في الحدود الجنوبية للبلاد.
رفع الدعم عن المحروقات:
ومن أهم هذه الإجراءات التي أتخذت هي رفع الدعم عن المحروقات لتخفيض إنفاق الدولة وبالأصح لعدم قدرة الدولة على إستيراد إحتياجات البلاد البترولية بعد إنفصال الجنوب وأزمة هجليج وخصوصاً بالسعر الجديد للدولار فجاءت الزيادة المقترحة ب59% على البنزين و30% على الجازولين.
مع تسليمنا بأن سياسة الدعم هي ليست بالأمثل إلا أن البديل في ظل سياسات هذه الحكومة يلقي بأعباء على المواطن لا تطاق. فإن زيادة أسعار البنزين والجازولين سينعكس مباشرة على مجمل أسعار السلع والخدمات مما يزيد من الضغوط التضخمية. فالتضخم يلقي بعبئه على الفقير قبل الغني لأن الغني لديه خيارات لحفظ أمواله وقيمة ممتلكاته ولكن الفقير لا يملك غير دخله الضئيل الذي سرعان ما يأكله التضخم.
كانت التوصية من صندوق النقد الدولي منذ عام 2006م:رفع الدعم تدريجياً وإستبدال هذا الدعم بشبكة أمان إجتماعي تستهدف الفقراء مباشرة، كالتحويلات النقدية والعينية والحصص الغذائية (برامج التغذية المدرسية) وأيضاً الكبونات.
ومن المعلوم لذوي الدراية بمثل هذه الشبكات أن نجاحها في إستهداف الفقراء يتطلب-
* تحديد القطاعات المستهدفة بدقة، ويتم الإستفادة هنا من المسوحات الأخيرة لتحديد الفقراء وأماكنهم.
* تحديد نظم الدفع.
* تحديد أطر الرصد والتقييم ونظام إدارة هذا الدعم المباشر.
ولكن ماذا فعلت الحكومة لرفع العبء عن الفقراء؟
1- منحة لموظفين الدولة- 100 جنيه لكل موظف.
* وهي لا تساوي شيئا إلا للموظفين الذين يتقاضون الحد الأدنى من الأجور ولكنها طُبقت على جميع المستويات.
* زادت فاتورة المرتبات من غير أثر واضح، الموازنة جاءت ب 10% زيادة في بند الأجور والمرتبات بالرغم من أن موظفي الدولة يمثلون أقل من 2-3% من القوى العاملة.
2- دعم 750 أسرة فقيرة دعما مباشرا بتحويلات مالية - زيادة 250 ألف من العدد الذي صاحب رفع الدعم في يناير 2011م. لكن وزيرة الرعاية الإجتماعية نفسها أقرت أن هذا الدعم نفذ فقط لعدد 100 ألف أسرة فقيرة
3- بعض المعالجات الأخرى الصغيرة للمعاشيين وإدخال الأسر في مظلة التأمين الصحي، ولكن التنفيذ فيها في السابق كان ضعيفاً جداً.
لذلك، ليس لدينا أي ثقة بأن هذه الحكومة ستتخذ إجراءات كفيلة بحماية الفقراء، ولو بالجزء القليل، من الآثار المترتبة من رفع الدعم.
منع التجنيب:
لقد كثر الحديث لدرجة الملل عن التجنيب وولاية المالية على المال العام وتفعيل قانون الاجراءات المالية والمحاسبية حتى أصبحت كالأسطوانة المشروخة.ولكن لا حياة لمن تنادي، فهل يا ترى سيختلف الأمر هذه المرة؟
قد جاء في تقرير المراجع العام 2010م عدد 11 وزارة تجنب بحوالي 250 مليون مجنبة- من أهمها وزارة الدفاع والشرطة.أضف إلى ذلك الوزارات الأخرى المعروفة بالتجنيب وهي:
- وزارة الكهرباء ووحدة السدود التي لم تخضع للمراجعة.
- وزارة النفط-:وهي مسئولة عن تحصيل مبيوعات المحروقات.بالاضافة الى أن المؤسسة السودانية للنفط ظلت تتحصل على 3% من المبيعات النفطية مقابل إدارتها لقطاع البترول. ويلاحظ ان العمولة تخصم من عائدات الصادر والمحلي قبل خصم الالتزامات من قروض وغيرها ، ولا تخضع المؤسسة السودانية للنفط للمراجعة. وقد تم تقدير هذه العمولة في تقرير المراجع العام لعام 2010م بمبلغ 500 مليون جنيه.
والأمرّ أن وزير المالية نفسه يجنب الأموال!!- طالع صحيفة الوطن 14 يونيو 2012، فكيف لنا أن نثق به لكي يمنع التجنيب؟
فإذا تم جمع الأموال المُجنبه لدى الوزارات والهيئات الحكومية كان يمكن أن توفر الجزء اليسير من الموارد لسد عجز الموازنة.
إعادة هيكلة الدولة لخفض الإنفاق:
أما الحديث عن إعادة هيكلة الدولة، بالرغم من أنه إصلاح مطلوب، إلا أنه جاء في شكل تقليص فقط للترهل في عدد الدستوريين إتحادياً وولائياً وأثره على الموازنة لا يتعدى ال 1%.إذاً فهوليس إصلاحاً بل إجراء أريد به إلهاء المواطن مع تحقيق ربما أهداف سياسية أخرى لا نعلمها.
ان إعادة الهيكلة الحقيقية للدولة والتي يمكن أن يكون لها أثر كبير على موازنة الدولة يتطلب إعادة النظر في مجمل النظام الفيدرالي في البلاد وإعادة هيكلة الخدمة المدنية وهي إصلاحات سياسية جذرية تتطلب توافقاً مع كل القوى السياسية.
زيادة الإيرادات:
هذا من حيث الإنفاق أما الإجراءات التي أتخذت لزيادة الإيرادات فأهمها هي الزيادة على ضريبة القيمة المُضافة من 15% إلى 17% وزيادة ضريبة التنمية من 10% إلى 13%. والإجراءان لهما أثر تضخمي واضح. كان ممكناً تفادي الزيادة في ضريبة القيمة المُضافة بزيادة الجُهد الضريبي وتوسيع المظلة الضريبية أفقياً لتفادي الآثار الضارة لزيادة الضريبة ولكن يبدو أن وزارة المالية تريد الحلول السريعة السهلة. والمعروف أن ضريبة القيمة المضافة تستهدف المستهلك لذلك يتأثر الفقير أكثر من الغني بهذه الزيادة إذ أنها تمسه في صلب إحتياجاته الأساسية.
هنالك إجراء آخر أتخذ لجلب موارد للدولة على حساب المواطن وهو فرض رسم تركيز على السكر. فمع تحرير سلعة السكر يصبح السعر المستورد أعلى من المنتج المحلي فتستفيد الدولة من هذا الفارق في الرسم الجديد.
جاءت مجمل هذه الإجراءات بأعباء إضافية على المواطن بأثرها التضخمي. ومع كل ذلك وضح من الموازنة المُعدلة أن العجز التشغيلي أي الفجوة بين الإيرادات والمصروفات الجارية ما زال يفوق ال 6 مليار - أي حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي ليتم تمويله بالآتي:
- زيادة في التمويل بالعجز وهو في حد ذاته إجراء تضخمي كما هو معلوم.
- زيادة في الإستدانة من الجمهور بإصدارات جديدة من الصكوك - أي زيادة في الدين الداخلي.
الدين الحكومي الداخلي
الاقتراض من الجمهور عن طريق اصدار سندات حكومية يمثل ممارسة راسخة تعتبر نظرياً وسيلة مقبولة لتمويل العجز الحكومي. لكن فيما يتعلق بالسودان، تقتضي الضرورة الاخذ بالمسائل التالية في الاعتبار:
أ- التكلفة العالية لاقتراض الحكومة المحلي ساهمت في توسيع عجز الموازنة. يتم اصدار الاوراق المالية الحكومية، بأرباح مرتفعة مما جعل تكلفة التمويل تمثل عبأً ثقيلا على موازنة- أدى إلى حلقة من خلق الديون وإصدار السندات يصعُب الخروج منها.
ب- لجوء الحكومة المتزايد للاقتراض الداخلي قد ادى لاقصاء القطاع الخاص. البنوك تفضل الإستثمار في الأوراق المالية نسبةً للعائد العالي وهي أقل مخاطرة.
ت- تراكم مُتأخرات الحكومة الداخلية يدُل على عدم قدرة موازنة الدولة على تحمُل عبء الدين المحلي المُتصاعد. وقد بدأت إشكالية المتأخرات المحلية في عام 2007م، عندما وصلت الى مبلغ 2,6 مليار جنيه سوداني. وقد دفعت المتأخرات الُمرحّلة الى عام 2008- بصورة جزئية- من حساب استقرار عائدات النفط الذي تجمعت فيه الأموال نتيجة لارتفاع الاسعار العالمية للنفط بصورة لا مثيل لها في ذلك العام. وبالرغم من ذلك بدأت المتأخرات تتراكم مجددا كما ورد في موازنة عام 2010ووصلت 16 مليار جنيه عام 2011
ث- ساهمت متأخرات الدين المحلي للحكومة في ارتفاع حجم القروض المتعثرة وأضعاف القطاع المصرفي.
«الشركات الرمادية» الشركات شبه الحكومية هي التي تتحصل على العقود الحكومية. ولأن إمكانياتها كبيرة فلها القدرة على تحمل تأخر الدفعيات، كما أنها، في الأصل، تتقدم بتكاليف مرتفعة لتنفيذ المشروع لتلافي أية خسارة ناتجة من تعثر الدفعيات الحكومية. وقد أدى ذلك إلى إرتفاع تكلفة المشاريع التنموية.
وبالرغم من كل هذه السلبيات لم تجد الإجراءات المُتخذة سبيلاً لسد عجز الموازنة سواء اللجوء للمزيد من الدين الداخلي وإعادة جدولة المتأخرات. هذا مع علم متخذي القرار- علم اليقين - أن هذا الدين Unsustainable وهو بمثابة قنبلة موقوتة.
التمويل بالعجز:
في الفترة الأخيرة صار إقتراض الحكومة من الجمهور أكثر صعوبة حيث أصبحت السندات الحكومية غير جاذبة وذلك لسببين - أولهما عدم إلتزام وزارة المالية بدفع المستحقات في الوقت المحدد لها، وثانياً لأن العائد من السندات أصبح سلبياً (negative return) نتيجةً لتصاعد معدل التضخم. وفي غياب الاقتراض الخارجي والداخلي، اصبح تمويل العجز يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض من البنك المركزي وتجاوز الحد المسموح به في الموازنة. ولا يوجد ادنى شك في أن فائض السيولة الناتج عن طباعة النقود لمقابلة إحتياجات الحكومة قدأدى الى ضغوط متزايدةعلى قيمة الجنيه ومعدل التضخم وتبعية السياسة النقدية للإحتياجات المالية.
ان هذا التكييف لدور البنك المركزي لتلبية إحتياجات الحكومة (وزارة المالية) من شأنه أن يقوّض (undermine)السياسة النقدية ويجهض أي جهود للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.لذلك لا بد من تغيير هذا الوضع لضمان إستقلال البنك المركزي لأداء دوره وأهمه الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وذلك بكبح جماح التضخم والحفاظ على معدلات تضخم متدنية وسعر صرف حقيقي مستقر.
الإقتراض الخارجي:
ان الإقتراض الخارجي لسد عجز الموازنة ليس متاحاً للسودان في الوقت الحاضر، نسبة لسوء علاقات الدولة الخارجية إضافة إلى متأخرات الدين الخارجي المتراكمة وخصوصاً تلك المتعلقة بمنظمات التنمية الدولية.
مما يحمد له في التعديل لموازنة عام 2012م هو وضع مبلغ واقعي للإقتراض الخارجي (568 مليون جنيه) ولكن الفارق بين هذا المبلغ والذي كان موجوداً في الموازنة الأصلية وهو 4.4 مليار جنيه يدل على إستخفاف وزارة المالية بعقول الناس. فماذا إستجد في الستة أشهر الأخيرة بالنسبة للإستدانة من الخارج لكي تنخفض فجأة مقدرة البلاد على الإقتراض بهذا الحد من ما يُعادل 1.6 مليار دولار إلى 129 مليون دولار أي بنسبة إنخفاض 1,260%-!!!
ومن المعلوم أن السودان لم يتمكن من الحصول على إعفاء للديون وفق المبادرات المطروحة وذلك نسبةً لتردي الأحوال الأمنية والسياسية في البلاد، لذلك ظلت متأخرات الدين الخارجي عقبة أمام حصول السودان على قروض مُيسرة من قِبَل المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي.
وباستثناء بعض الصناديق العربية والاقليمية، لا يستطيع السودان الحصول على القروض الخارجية الا من عدد قليل من البلدان « الصديقة» الراغبة في توفير القروض له إما لاسباب سياسية و/أو بشروط غير ميسرة. وقد ظلت الحكومة السودانية تلجأ باستمرار لهذا النوع من التمويل لمشاريع التنمية، كما لجأت اليه في الآونة الاخيرة ايضا كشكل من اشكال الدعم للموازنة/وميزان المدفوعات.
وكما هو معلوم تشكل القروض غير الميسرة خطورة على مقدرة البلاد على السداد أي تحمُل الدين وذلك لأسباب عديدة منها:
1- تقدم هذه القروض بمعدلات فائدة مرتفعة وجدول زمني قصير للسداد و/او فترة سماح قصيرة. مما يجعل المشروع المزمع تمويله باهظ التكاليف ويضع عبئاً على التمويل الحكومي.
2- وفي معظم الاحيان تتطلب مثل هذه القروض ضمانات على أساس المبيعات النفطية المستقبلية او المرتبطة بالبيع الآجل. وقد ضاعف هذا النهج في الإستدانة الخارجية من تعقيد اشكالية الدين عندما إنفصل جنوب السودان وفقد السودان صادراته النفطية.
ومن الحقائق الجديرة بالاعتبار، ان التعاقد على قروض بشروط غير ميسرة سيعرض للخطر فرص السودان في الحصول على اي تخفيف للعبء في ظل المبادرات الحالية مثل المبادرة المتعلقة بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون والمبادرة المتعددة الاطراف لتخفيف عبء الدين.
ولكن حتى هذه القروض الصعبة (بشروط عسيرة) أصبحت صعبة المنال للسودان.فمع فقدان مورد البترول،تقلصت جدارة الدولة الإئتمانية (التي تتمثل في قدرتها على خدمة الدين) أضف إلى ذلك الصعوبات الناجمة من العلاقات الخارجية المشبوهة. لذلك توقفت تماماً عجلة التنمية التي كانت تمول في معظمها بالاقتراض الخارجي. ووضح ذلك جلياً في الموازنة الجديدة إذ قلص الصرف على التنمية بنسبة 50%. ونعتقد أن حتى هذه النسبة الضئيلة من التنمية ستتوقف مع شح الموارد.
الخلاصة:
إن حزمة الإجراءات الإقتصادية التي تبنتها الدولة مع التعديل في موازنة عام 2012م لا يمكن لها أن توقف التدهور الإقتصادي، فقد جاءت ضعيفة ومتأخرة للغاية مع آثار تضخمية واضحة ألقت بالعبء الأكبر على المواطن. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار مجمل السلع والخدمات، والخطورة أن يفوق معدل التضخم الحاجز الذي بموجبه تدخل عوامل أخرى غير إقتصادية في تحديده مثل توقعات الناس بالإرتفاع المستمر في ظل شح في السلع. فيتحول التضخم إلى وحش يكتسب قوته من الزخم الخاص به ولا يمكن السيطرة عليه بالسياسات المالية والنقدية. ان توقعات المسئولين بأن الأسعار ستستقر بعد بضعة أشهر ليست بالواقعية في ظل إستمرار الحكومة في الإنفاق المترهل وإستنزاف موارد الدولة لتلبية إحتياجات الحروب الأهلية.
وفي ظل عدم إتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطن من الآثار المترتبة من رفع الدعم عن المحروقات وزيادة مجمل الأسعار، نتوقع أن يرتفع بصورة كبيرة عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر. فإذا كانت تقديرات الدولة بأن 46% من السكان يقعون تحت خط الفقر فمعنى هذا أن النسبة سترتفع بعد هذه الإجراءات لتصل إلى الغالبية العُظمى من السكان.
ونتوقع أيضاً أن لا ينفرج الوضع في الميزان الخارجي إذ أن زيادة الصادرات غير البترولية خلاف الذهب - تتطلب إصلاحات هيكلية لا يمكن أن تأتي بنتيجة في المدى القصير. أما المعالجات السريعة التي كان يمكن لها أن تنقذ البلاد مثل الإقتراض الخارجي ليس متوفراً لها كما ذكرنا آنفاً لاسباب سياسية. ومع عدم إمكانية الدولة توفير النقد الأجنبي لتلبية إحتياجات الإقتصاد، تتوقف عجلة الإنتاج ولن يجدي زيادة جمارك أو ضرائب فليس هنالك نشاط إقتصادي ليجلب إيرادات للدولة. وفي ظل هذا الوضع وتعاظُم الضغوط التضخمية هنالك خطورة أن يتفاقم الوضع لتفقد العملة الوطنية قيمتها بالكامل.
لذلك فإن الحديث عن إصلاح إقتصادي لا يصحبه إصلاح سياسي - لا يمكن له أن يوقف التدهور والمعاناة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.