قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحكم الثنائي 1898 - 1955 جينات الأزمة وإشراقات الإبداع
في روح نصوص الدستور القادم: ذاكرة تاريخ وخبرة أهل السودان (1- 4)
نشر في الصحافة يوم 06 - 10 - 2012

إن عالمنا المعاصر يشهد علوا للامم التي استطاعت ان تعيد فهم التاريخ بشكل جيد وجديد: بينما تتحجر الامم التي تفشل في صيرورة تاريخها: نحن بحاجة ماسة لأن ننتقل من تقديس التاريخ بصفته قدرا محتوما الى اعادة فهم للتاريخ بصفته فاعلية حققتها الاسلاف وتفتح بدلا من ان تغلق علينا نوافذ جديدة للاتيان بفعاليات جديدة تتجاوز ما سبق وليست مطالبة له..
د. قاسم عبده - اعادة قراءة التاريخ - ص8
(1)
يرجع المفكر الاكاديمي البريطاني (بيتر وود وارد) اهتمام (انجلترا) بالسودان لقيامها باحتلال (مصر) منذ عام 1882 ، بل ان (وادي النيل) باكمله اضحى تحت نظرها الاستراتيجي، فقد اصبحت قناة السويس ، والبحر الاحمر جزءا من مجالها الحيوي، ولم يكن قرار الزحف العسكري نحو امدرمان لاسقاط الدولة المهدية، بعيدا عن تلك المعادلة والتي كان تنفيذها قد بدأ بالفعل ، حال التقدم نحو دنقلا في عام 1896 ، والى نهاية سيناريو معركة كرري في 2 سبتمبر 1898 ودون دخول في تفاصيل تحيل بشأنها الى امهات المراجع، فان التدبير جوهري من قبل بريطانيا التي رددت ورسخت مفهوم الحكم التركي الفاسد وما ترتب عليه ، من رفض وطني انتهى بثورة عارمة عليه ، هددت المصالح الاوربية، السودان ، دون ان تجرح مشاعر مصر تجاه احساسها بسيادتها عليه وخرج دهاقنة السياسة الاستعمارية لما وراء البحار (سالسبوري وكرومر) بصيغة الحكم الثنائي.. ولقد صممت بحيث الا يتم الافصاح عن السيادة .. قام بتوقيع الاتفاقية كل من غالي باشا رئيس الوزراء المصري عن خديوي مصر، وكان ذلك بتاريخ 19 يناير 1899 وكان لتلك الاتفاقية ملحقها من (10 يونيو 1899م) والذي اضحت بموجبه (سواكن) كسائر بلاد السودان في احكام الاتفاقية.
من اهم بنود تلك الاتفاقية الثنائية التي لم يراع فيها تمثيل اهل البلاد هي (اتفاقية غنائم) النص على حق التوسع باسم الحكومتين متى ما خرجت عن (الحضرة الخديوية)، وان تشارك حكومة بريطانيا بما لها في حق الفتح في وضع النظام القانوني والاداري وفي اجراء تنفيذ مفعوله وتوسيع نطاقه في المستقبل، ورفع بناء على تلك الاتفاقية علما كل من بريطانيا ومصر على مقر الحاكم العام الذي فوضت اليه الاتفاقية الرئاسة العسكرية والمدنية تحت مسمى حاكم عموم السودان والذي يعين بأمر عال من الخديوي بناء على طلب من حكومة جلالة ملكة بريطانيا... ويلاحظ ان ذلك الحاكم العام - قد احتفظ وفي نفس الوقت آنذاك بوظيفة سردار الجيش المصري، وقد اورد بيتر وود وارد ان الاتفاقية كانت لعبة مكشوفة صممتها ونفذتها بريطانيا وان مصر هي التي تحملت بالفعل تكاليف تلك اللعبة اذ اكتشفت لاحقا انها لم تحصد من الغنيمة سوى دور رمزي ، حاولت فيما بعد ان تصححه ليكون دورا محوريا، وواصلت (الحملة العسكرية) دورها المحوري في استئصال الثورة المهدية، فكرا وتبشيرا لتطارد وتقتل الخليفة عبدالله وقياداته العسكرية،في ام دبيكرات وابني المهدي في الشكاية واسر الامير عثمان دقنة، ورصدت تحركات السلطان علي دينار لتغتاله في 1916 ، ولتواصل الادارة البريطانية دورها الاستراتيجي في متابعة استئصال كل مظاهر الثورة المهدية و(الاحتجاجات الفكرية ..الاستقطاب وتكملة البناء الثقافي والاداري والسياسي وانشاء مؤسسات المجتمع البديل، مثل كلية غردون التذكارية والتوسع في التبشير المسيحي وانشاء الاجهزة المرفقية ذات الطابع الاستراتيجي (السكة حديد، التلغراف، والمراكب ، وكانت بداية تلك النشأة المرفقية هي مؤسسات السكرتير الاداري والسكرتير القضائي وتم اعادة توزيع السودان اقليميا على اساس المديريات التي يرأس كل منها بريطاني من العسكريين ولم تخل تلك الادارة من معينات بشرية من اهل مصر من المسيحيين ومن الشوام بصفة اساسية سواء في مجال الاستخبارات والامن والادارة والحسابات وبعض المصالح الفنية..اورد كثير من الباحثين ان البريطانيين قد انفردوا بمقاليد السلطة والثروة وان حكمهم وادارتهم قد اعتمدت على الضبط العسكري بغرض الانضباط المهني وبالحذر الشديد والصرامة الاشد، تجاه كل محاولات الاحتجاج والرفض، وفي جانب آخر لجأت الادارة البريطانية لاستقطاب زعماء العشائر في اوساط القبائل وفي استقطاب اشد لزعماء الطوائف الدينية والطرق الصوفية ولم تكن ادارة ما وراء البحار بعيدة عن شغلها الاساسي، في عزل السودان عن مصر وهي السياسة التي سعى ومضى السير ونجت في تنفيذها بفهم لا يلين رغم المفارقة في كونه ضابط في جيش مصر ومدير لقسم استخبارات السودان، وهو الذي ادار بالفعل الحملة العسكرية ضد سيادة السودان، تحت حكم المهدي، (راجع جمال الشريف ، الصراع السياسي على السودان).
(2)
كانت المقاومة على الرغم من الصرامة الظاهرة في ضرب التحركات الوطنية، تنتشر وتغلي في كل انحاء البلاد.. ويقسم الاستاذ ابواسكندر السوداني عبدالمنعم حسن الحواتي في كتابه عن الجيوبولتيك في السودان ، هذه المقاومة الى
- مقاومة دينية ترفض الوجود الاجنبي المسيحي.
-مقاومة قبيلة عشائرية، ترفض محاولات التقليل من صلاحياتها او دمجها (جبال النوبة والجنوب).
- مقاومة مدينة سياسية، بسبب زيادة الوعي الوطني في رئاسات الايام (الجمعيات الثقافية) ام درمان ، شندي ، حلفا ، الابيض ، الفاشر.
ولقد اورد بيتر وود وارد ملاحظة جديرة بالتوقف.. وهي ان السمة المشتركة لحركات المقاومة في الجنوب والشمال بما في ذلك بالضرورة جبال النوبة ، تتمثل في عدم توافق الحياة في دولة مركزية والسودان الدولة المضطربة ص 39 .. ويرى الاستاذ جمال الشريف ص 477 انها مقاومة ذات طابع فردي ولكن المقاومة المنظمة التي اخذت الطابع الوطني القومي (ط، و. ق) باشتراك جميع فئات المجتمع قد ظهرت خلال الفترة 1919 - 1924 بسبب اثر نفوذ الحركة الوطنية المصرية والتي تبلورت في ثورة 1919 وهو ما شكل فيما بعد في السودان نواة جمعيتي الاتحاد السوداني 1921 ، اللواء الابيض 1923 وهما ما شكلا فيما بعد نواة تنظيم العسكري ، المدني ، الذي وسم حياتنا السياسية فيما بعد بالانقلابات العسكرية، وكان غريبا جدا من ذلك المسار ان تضرب الصفوة الدينية والعشائرية، ثورة 1924 ولتصدر بيانا بادانتها، وهي مسألة تستحق من اهل التاريخ والسياسة التوقف امامها ، للبحث والتمحيص والاستخلاص: هل كان ما صدر تكتيكيا ، بعد ان وضح حزب الحركة العسكرية الوطنية، حتى لا يطالها العقاب ام هو موقف مبدئي ، له اسبابه ودوافعه..
يورد (جورج ستيورات سايمز)بعد وصوله للخرطوم في عام 1933 ان ثمة ما يشكل ارهاصات لمن سماهم (بالجبهة الوطنية الجديدة).. وانها سوف تنتظم في اقرب وقت من الشباب المتعلمين الذين سوف يتجهون الي مصر، فان هذه الجبهة سوف تضم ايضا من هجروا فكر المهدي ، والتي تم تشجيعها على نبذ ارتداء الجبة لترتدي الزي الحديث، وللغرابة حذر جورج ستيورات سايمز كما ورد في كتابه من ان هذه الجبهة سوف تطالب بتكوين دولة سودانية (تشكيل حكومة وطنية مركزية).. لتمارس الوظائف القومية (راجع جعفر محمد علي بخيت الادارة البريطانية والحركة الوطنية - ص167).. ولقد استهدف سايمز فيما بعد تقويض القبلية، وسياسة الحكم المباشر وجذب قيادات الطلاب، في كلية غردون للعمل في الوظائف الحكومية.. لاحظ درجة الاستقطاب لملء فراغ الثورة المهدية (بديل مجتمع الحكم الثنائي المطلوب).. مضى سايمز في فتح المدارس الحديثة دون الثانوية فهدف لخلق مجموعة كبيرة في المتعلمين الذين يجب ان يعتمد عليهم لتطور البلاد اعتمادا كبيرا ولم تكن (مصر) بعيدة عن ذات النهج الاستراتيجي في بناء الاجيال التي تدافع عن وجودها في السودان، فكان لها وسائلها العلمية والفكرية وهو ما وجد اقبالا ليس له نظير من جيل تلك الفترة التي اعقبت ثورة 1924 .. ولقد عنَّ لي (صدق) نبوءة سايمز حين تحدث عن ارهاصات الجبهة الوطنية الجديدة فقد اورد احد اهم تقارير الاستخبارات البريطانية فيما بعد خطورة من يحملون جينات الحركة الوطنية المصرية من القاهرة للخرطوم وهو ما حصل بالفعل في نشأة (حزبي حزب الشيوعي السوداني) و(حركة الاخوان المسلمين).. في السودان:وصف التقرير الاستخباراتي ذلك التحرك بكونه:
-------------
THE SUDAN HAD AL READY AHD ITS UNFORTUNATE ERIEYCE OF NATIONALIST ERUPTION , UNDER THE INPUTS OF THE EGYPTIAN MOVEMENTS INITS
REVOLWRY STAGE: A NUMBER OF THE EDUCATIATED GENERATION ORGAIVISED ANAGITATION AIMING INDEPENDANCE, INUNION WITH EGYPT.
-------------
وقد اكد مثل ذلك الاجتهاد الواقع، اي السير جون ما في (Sir John Maffy).. حين صرح عند وصوله 1926 بضرورة (التوسع في الادارة الاهلية) كترياق مضاد للجراثيم السياسية الواردة من القاهرة.
----------
WE OUGHT TO GET WITH EXTENSIONS AND EXPANSION NATIVE ADMISTRAION IN EVERY DIRECTIONTHERE BY STERLISING AND LOCALISING THE POLITICAL GERMS WHICH MUST SPREAD ROM THE LOWER VALLY TO KHARTOUM.
----------
في كل الاحوال كان (الصراع بائنا وظاهرا بين ثقافة وطنية ذات اهل ديني مثلتها (عمامات الشيوخ)، تطلعات وقناعات (طبقة المتعلمين الجدد، بين من استهواهم (الطربوش) او اخذتهم (البرنيطة) اعجابا بالسلوك والمضمون.. وهي (ذات الجينات) التي شكلت سياسة دون غرابة تيارات الاستقلالية... والاتحاديين او ربما كانت هي ذات قوى الختمية والانصار الاجتماعية - كما وصفتها (الاستخبارات البريطانية)..
٭ خيب (المتعلمون) من (أهل الثقافة) ظن (دهاقنة السياسة)، في (مصر) وفي بريطانيا وكان لهم في (تاريخهم السياسي) وقيمهم الاجتماعية ما يصبو الى الاستقلال، وقد رأى د.جعفر محمد علي بخيت، (ص 202) ان من اصول الاسباب نشأة مؤتمر الخريجين العام، في عام 1939م هو رغبتهم في وجود هيئة استشارية، تعبر عن وجهة نظرهم، في اعقاب ثورة 1924م وقد رفعت هذه الجماعة شعار (السودان للسودانيين) ومن مصادرها الفكرية (جمعية اولاد الهاشماب) يحدوها نداء انصاري مازال عندهم مقيما بالوجدان، ولقد ابرز تقرير قدمه ج.ج (بني) مدير الامن العام، وقتها 1936م، تقريرا اوضح فيه ان فكرة انشاء هيئة استشارية من الخريجين بدأت ارهاصاتها حال التوقيع على اتفاقية 1936م، حيث قام النحاس باشا تحت ضغط بريطاني، عرفت فيما بعد باتفاقية الصداقة والشرف، (راجع د.بركات موسى الحواتي قراءة في العلاقات السودانية المصرية ص 104، وكان يصر على فكرة الهيئة الاستشارية، امام البريطانيين كل من (المفتي الشيخ السيد أحمد الفيل) والشيخ سيد أحمد عثمان القاضي، واورد التقرير ان الطبقة المتعلمة تشعر بان صوتها يجب ان يصغى له، بشأن مستقبلهم وفق بنود المعاهدة، وفي كل الاحوال فلم تجد الفكرة قبولا سواء من (جيلاني) او (آدم سترونج).
٭ لأن الفكرة مازالت كامنة في عقول ووجدان شباب السودان الذي تعلم في فصول كلية غردون، فقد نظموا انفسهم فكريا، في صيغة منتديات ثقافية، (الجارون) و(الهاشماب)، وربما في غيرها من (حواضر ومدن السودان الاخرى)، واذا كان (نادي الخريجين) قد تأسس بالفعل، فقد تميز بصراع حيوي، بين (الاستقلاليين والاتحاديين أدى لاحقاً الى كل تطورات السودان السياسية والدستورية، سواء بين اهل المواقف الجامدة، او المرنة او الانتهازيين من ذوي الغرض الخاص، او المنكفيين فكريا او المنفتحين الى المستقبل، فكان ما نرى من احزاب سياسية، وما نعيش من انقلابات عسكرية، وما يهدر من ثروات في صراع السلطة المتبادل يمينا او وسطا او يسارا، كان الوطني الاتحادي وحزب الامة والجبهة المعادية للاستعمار الاخوان المسلمين، وكان ما هو كائن في تاريخ لاحق شكل مؤتمر الخريجين منذ بدايات تأسيسه (رأس الحربة) في عملية التطور السياسي والدستوري في البلاد ويلاحظ ان (مواجهات المؤتمر) للسلطة البريطانية، على وجه التحديد.. دون المصرية، قد تميزت باللباقة والادب والقدرة على التفاوض والمناورة، وهي احد سمات صراعنا السياسي فيما بعد.. كما افسد التدخل العسكري، رغم ضروراته المسلحة في بعض الاحوال، احتمى نشاط المؤتمر السياسي بالنشاط الاجتماعي والثقافي وتناول مسائل الجنوب والجنينة وانتهت خطوطه الحمراء برفع المذكر الشهيرة في ابريل 1942م حين كان ابراهيم أحمد رئيسا للمؤتمر فقد طالبت المذكرة الحاكم العام بمنح السودان (حق تقرير المصير) وهي مما حاولت الادارة البريطانية الاستجابة من خلال صيغة المجلس الاستشاري لشمال السودان 1943م والتي تطورت فيما بعد لتكون (صيغة الجمعية التشريعية) 1948م والتي حاربتها التيارات الاتحادية والجبهة المعادية للاستعمار والاخوان المسلمين، ولعلي اسأل ماذا كان يفيد تلك التيارات في هذه الصيغة في سياق التطور السياسي والدستوري.
٭ تحرك تيار الاتحاديين، فيما يشبه الانقضاض في دورة المؤتمر العام 1945م إذ قام بتفسير مصطلح تقرير المصير الواردة في مذكرة ابريل 1942م قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر، تحت التاج المصري.. وقد قاد تيار الاتحاديين منذ ذلك الوقت حملة شرسة ضد الجمعية التشريعية واعتبرها مسرحية وسيناريو، تهدف الحكومة البريطانية من ورائه الى تسليم السلطة لحزب الامة وتيار الاستقلاليين.. وترى ان ذلك كان (استقلالا صورياً) يوقف المد الوحدوي تجاه مصر، ومضى ذلك الصراع الى نهاياته باتفاقية 12 فبراير 1953 بين كل من مصر وبريطانيا، حيث يمنح السودان (حق تقرير المصير) وكان قد سبق ذلك وفق خطة بين التيارات الاتحادية ورعاية مصرية توحيدها في حزب واحد هو الحزب الوطني الاتحادي (الجمعة 13 اكتوبر 1952م) وبناء على تلك الاتفاقيات اجريت اول انتخابات سودانية والتي اعلنت نتائجها في 29 نوفمبر 1953م وليفوز الحزب الوطني الاتحادي بالاغلبية التي مكنته من الحكم، وكانت مفردات النتيجة على النحو التالي:
- 51 مقعدا للحزب الوطني الاتحادي.
- 22 مقعدا لحزب الامة.
- 11 مقعدا للمستقلين.
- 9 مقاعد للجنوبيين.
- 3 مقاعد للحزب الجمهوري الاشتراكي.
- مقعد واحد للجبهة المعادية للاستعمار.
٭ بدأ التلاعب بالديمقراطية، بصورة غير اخلاقية، حيث تحولت فكرة الانتخابات النبيلة الى سوق رخيص، تداوله قطبا الصراع آنذاك (الوطني الاتحادي وحزب الامة) على الاخص بين النواب المستقلين والنواب الجنوبيين.. وربما الحزب الجمهوري الاشتراكي)..
٭ وكان اعلان الاستقلال في 19 ديسمبر 1955م ممهورا بدماء مواجهات اول مارس 1954م.
نتابع ان شاء الله..
ملاحظات غير عابرة:
٭ دروس التطور السياسي والدستوري في مراحل ما بعد ثورة 1924م تبدو جديرة بالتأمل والتدبر. فهي نواة التدخل او التنسيق العسكري في السياسة في السودان).
٭ (دروس ما بعد اول انتخابات) هل تستطيع ان تجيب على مبررات (التدخل العسكري) لمرات ثلاث واستلام السلطة واعلان فشل الممارسة الحزبية. اي (تتم الانقلابات العسكرية باسم الديمقراطية) وراجعوا كل بيانات عبود (1958، نميري 1969، وعمر حسن أحمد البشير 1989م).
٭ هل ثمة تصور ترفقه القوى السياسية لنفسها، عن نموذج ديمقراطي يؤطر لتجربة الممارسة السياسية.
٭ نأمل ان تعجل كلية القانون جامعة النيلين بمبادرتها في اقتراح مسودة الدستور القادم، فهي جهد اكاديمي مميز.
٭ وادعو الاستاذ محمد خير البدوي، ليدلي بشهادته وغيره..
فقد قال امين التوم ساتي شهادته وقال جعفر حمد شهادته وقال المحجوب شهادته رحمهم الله..
وبقي ان نسمع من الاخرين.
٭ هل بالامكان ان نسمع عن منتدى بعنوان (في نقد العقل السياسي السوداني).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.