ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالفيديو.. سجاد بحري ينفجر غضباً في وجه زملائه ويكشف الحقائق: (مافي فنان محترم والغناي أكتر مني يلاقيني في مسرح)    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصف اليرموك غموض والتباس وتحديات أمام السياسة الخارجية
نشر في الصحافة يوم 11 - 11 - 2012

القصف الجوي على مصنع اليرموك الذي تشير معظم التحليلات إلى أن مصدره إسرائيل، والطريقة التى نفذ بها تؤكد حقيقة أن إسرائيل بامتلاكها للتقنية العالية وإجادة استخدامها تتفوق على كل الدول العربية مجتمعة وليس السودان وحده، فقد استطاعت مجموعة من الطائرات أو الصواريخ والأرجح أنها طائرات، أن تتخطى جميع أجهزة الرادار والرصد التى تمتلكها دول عربية على شواطئ البحر الأحمر الذى هو بحيرة عربية، دون أن يتم رصدها لمدة طيران استغرقت أكثر من أربع ساعات، ومعظم التقنية الرادارية المنشورة من الدول العربية على البحر الأحمر تقنية مستوردة من الدول الغربية، وغالباً من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن كما هو معلوم ومعلن من الإدارة الأمريكية فإن سياسة التسليح الأمريكية تقوم على الإبقاء على التفوق الإسرائيلى على جميع الدول العربية مستمراً طوال الوقت.
والتفوق الإسرائيلى على الدول العربية ليس جديداً، فقد ذكر لى السيد حسن الطيب وهو من خبراء الخدمة المدنية، أنه عندما كان يعمل فى القصر الجمهورى خلال حرب 1967م «نكسة 67م» تم توزيع راديوهات «زينس» المعروفة لهم فى القصر لمتابعة أخبار الحرب، وبينما كانوا ينتظرون دخول الجيوش العربية إلى القدس، سمعوا ندءاً عبر إذاعة «صوت العرب» يطلب من بعض الوحدات المصرية فى سيناء الانسحاب، فعلم فى تلك اللحظة أن أمراً جللا قد حدث، ولا بد أن إسرائيل قد نجحت فى تعطيل شبكة الاتصالات العسكرية المصرية وفقدت الوحدات الاتصال بقياداتها، وإلا ما تمت مخاطبتها عبر إذاعة «صوت العرب»، وقال إنه ذهب لتبليغ العميد عبد الحميد خير السيد كبير الياوران فى ذلك الوقت، فقال له يا ابنى الرئيس عبد الناصر أبلغ الرئيس الأزهرى بالأمر، وقال إن معظم سلاح الطيران المصرى قد تم تدميره على الأرض، وطلب منه الموافقة على استقبال ما تبقى من طائرات فى قاعدة وادى سيدنا، وكذلك استقبال الكلية الحربية فى منطقة جبل الأولياء.
وفى عام 1967م إسرائيل لم تكن تمتلك الطائرات ولا التقنية أو المهارات التى تمكنها من ملاحقة الطائرات المصرية فى الخرطوم، أما الآن فالأمر مختلف، فقد استطاعت الطائرات الإسرائيلية أن تصل إلى قلب السودان، ولم يعد للعالم العربى عمقه الاستراتيجى الذى كان، فالصواريخ ايضاً سبق أن وصلت إلى هذا العمق عندما تم ضرب مصنع الشفاء عام 1998م.
وإسرائيل لا تتفوق على العالم العربى عسكرياً فقط، ولكنها تتفوق عليه فى الزراعة والصناعة والتعليم والبحث العلمى، لانها تنفق على البحث العلمى أكثر من «20» ضعف ما ينفقه العالم العربى حسب مدونة أحمد زويل العلمية، وينشر علماؤها من البحوث والكتب العلمية مئات المرات أكثر مما ينشره العلماء والباحثون فى العالم العربى، وقد ذكر مهاتير محمد خلال زيارته للسودان أن ماليزيا تنفق 30% من ميزانيتها على التعليم، وتنفق إسرائيل 10% من الناتج المحلى الإجمالى على التعليم، بينما لا تتعدى النسبة فى المملكة المغربية 5% من الناتج المحلى الإجمالى، وتعتبر المغرب أكثر الدول العربية إنفاقاً على التعليم، وينفق السودان أقل من 4% على التعليم. والعار من القصف الإسرائيلى لا يلحق بالسودان وحده بالرغم من التنديد العربى الخجول به، ولكنه يلحق بسمعة وقدرات الدول العربية وجيوشها جميعاً التى استطاعت إسرائيل أن تسخر منها وتتخطى شبكة دفاعاتها الجوية، فهل الغارة كانت تمريناً لعملية المفاعل النووى الإيرانى؟ تختلف الروايات حول هذا الأمر.
وبتاريخ 29/10/2012م، بعد قصف مصنع اليرموك كتب جورج سمعان بصحيفة «الحياة» يقول إن الرسائل إلى إيران تأتى من واشنطن وليس من الخرطوم، مستبعداً بذلك ما تم الترويج له عبر بعض التحليلات، بأن قصف المصنع هو تمرين لضرب المفاعل النووى الإيرانى لأن المسافة بين مصنع اليرموك والمفاعل الإيرانى تكاد تكون واحدة «1900كم »، وقال سمعان إن قصف المصنع هو رسالة للحكومة السودانية، وتحليل جورج سمعان يتعارض مع ما نشرته صحيفة «الصنداى تايمز البريطانية» التى تحدثت عن 8 طائرات متعددة المهام، أربع منها قصفت المصنع واربع أخرى شاركت فى تأمين العملية، بالإضافة إلى طائرة صهريج قامت بتزويد الطائرات بالوقود أثناء الرحلة الطويلة، كما يختلف سمعان مع ما نقلته كل من صحيفتى «الوورلد تربيون الأمريكية والصنداى تايمز البريطانية» اللتان ذكرتا أن العملية تمرين لضرب المفاعل الإيرانى، وكانت المصادر السودانية قد تحدثت عن أربع طائرات، وتتفق كل المصادر على أن الطائرات قد نجحت فى تضليل شبكة الرادارات السعودية والمصرية والسودانية المنتشرة على البحر الأحمر، وإذا ما صدقت رواية الطائرات فبلا شك أن العديد من الدول في المنطقة تحتاج لمراجعة منظومة دفاعها الجوى، فقد ظلت هذه الطائرات تحلق على مدى أربع ساعات فوق البحر الأحمر الذى هو بحيرة عربية وبالقرب من السواحل العربية وداخل الأراضى السودانية، وتعود إلى قواعدها دون أن يرصدها أو يلاحقها أو يعترضها أحد!!
وقررت أن أمتنع عن الكتابة حول الاعتداء الجوى والتدمير الذى لحق بمصنع اليرموك، حتى نتبين الخيط الأبيض من الأسود بسبب تضارب المعلومات، ومع ذلك مازال الغموض وتضارب التصريحات والتسريبات هو سيد الموقف، فالغارة شبيهة بتلك التى حدثت لمصنع الشفاء للأدوية عام 1998م، وكنت قد التقيت بالبروف علي شمو فى الليلة التى أعقبت الحادث فى مناسبة اجتماعية وهو لا يستبعد أن الضربة قد تكون عن طريق هجوم صاروخى وهو احتمال، وربما كان الضوء الذى قال الناس إنهم رأوه قبل الحادث هو فى الواقع ضوء الانفجار بسبب الفارق الزمنى بين سرعة الضوء وسرعة الصوت، وليس بسبب طائرة ألقت قنبلة مضيئة للتمهيد للضربة كما ذكر بعض المواطنين، ونحن فى العادة كما هو معلوم للجميع نرى ضوء البرق قبل أن يصلنا صوت الرعد المدوى، وهذه رواية ضمن سلسلة الروايات.
والحديث الذى دار بينى وبين بروف شمو كان فى يوم الخميس 25/10/2012م، وبتاريخ 4/11/2012م ذكر وزير الخارجية فى حديث نقلته صحيفة «السودانى» عن برنامج «حتى تكتمل الصورة» فى قناة النيل الأزرق، قوله إننا لا نعلم ما إن كانت الضربة عن طريق طائرات أم صاروخ، وقال إنه علم بوصول السفن الإسرائيلية من وسائل الإعلام، وبلا شك فإن هذا يعتبر نصراً للإعلام السودانى الذى علم قبل وزير الخارجية بوصول السفن؟! وما فيش حد أحسن من حد، فقد سبق للرئيس بوش الأب أن قال إنه سمع ببداية حرب العراق الأولى من محطة CNN التى كانت تنقل لأول مرة فى تاريخ البث الفضائى على الهواء مباشرة بواسطة مراسلها بيتر أرنت من على سطح فندق الرشيد، أول حرب وأول موجة من الصواريخ الأمريكية التى كانت تمطر العاصمة بغداد.
وفى يوم السبت 3/11/2012م، قدم التلفزيون المصرى برنامجاً خصصه للنقاش حول زيارة وفد الأحزاب المصرية للسودان الذى زار المصنع وتفقد أثار القصف الجوى لمصنع اليرموك، وقد استمعت خلال البرنامج إلى مستوى رفيع من الحوار الموضوعى، وكان هناك شبه اتفاق على أن الاعتداء الذى تم على مصنع اليرموك هو من تدبير وفعل إسرائيلى، فليست هناك دولة فى المنطقة لها مصلحة فى القيام بمثل هذا العدوان بخلاف إسرائيل، وسواء أن صمتت إسرائيل أو أنكرت هذا العدوان فالجميع يعلم حقيقة هذا الفعل ودوافعه.
ومن الواضح أن المقصود بضربة مصنع اليرموك توجيه رسالة للحكومة السودانية بأنها لن تتمكن من امتلاك أسلحة دفاعية تمكنها من الصمود أمام التوترات الداخلية والصراعات المسلحة الداخلية التى تعانى منها، ولا أظن أن الولايات المتحدة أو إسرائيل تعتقد أن الحكومة السودانية التى تعلن دعمها السياسى لحماس متورطة فى عمليات تهريب منظم للسلاح إلى إسرائيل بالرغم من التصريحات الإسرائيلية التى تطلق للاستهلاك السياسى، فعمليات التهريب على الأرجح تقوم بها عصابات مسلحة بعيداً عن رقابة الحكومة بسبب مساحة السودان الشاسعة التى يصعب السيطرة عليها، والتهريب تجارة خارجة عن القانون تنتشر فى العديد من الدول، كما أن الحكومة السودانية ليست بالغباء الذى يجعلها تعتقد أن تتم عمليات نقل السلاح دون أن تكشفها الأقمار الاصطناعية التى تراقب ليس فقط السواحل السودانية، ولكن كل حبة رمل فى دارفور وغيرها.
ومفتاح تحسين علاقات السودان مع الدول الغربية أو إسرائيل فى يد الولايات المتحدة الأمريكة والحكومة السودانية، وكل ما بذلته الحكومة حتى الآن مع الإدارة الأمريكية لم يجد، ولم يساهم فى تقدم فى العلاقات السودانية الأمريكية، ولعل تجديد العقوبات الأمريكية الذى حدث قبل أسبوعين دليل واضح على تعثر هذا الملف الشائك، ويبقى السؤال ماذا تريد الولايات المتحدة من السودان؟
ويتردد بين أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية فى الداخل أن الولايات المتحدة تريد أن ترى إصلاحاً سياسياً واضحاً يحدث فى السودان، وهى تريد أن ترى نهاية سلمية للصراع المسلح فى بعض مناطق السودان، وأن تتاح الفرصة للجميع للمشاركة الفاعلة، ولكن مثل هذا الحديث ينطبق عليه المثل الذى يقول «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أكذبك» ذلك لأن العلاقات الأمريكية السودانية خلال فترة الديمقراطية الأخيرة لم تشهد تطوراً ملموساً أيضاً، وقد عانت حكومة الصادق المهدى الأخيرة قبل الإنقاذ من العديد من المشكلات الاقتصادية والحرب فى الجنوب، ولم تجد عوناً ملموساً من واشنطن حتى تهاوت عليها الضربات بفعل الحرب فى الجنوب والأوضاع الاقتصادية المتردية، ولم تتقدم واشنطن باقتراحات أو تقوم بجهد ملموس لوضع حد للأوضاع المتأزمة فى جنوب السودان، وكان الدور الأمريكى دوراً سالباً وغير مشجع للنقلة الديمقراطية التى حدثت فى السودان بعد انتفاضة أبريل 1985م.
ومن خلال التحليلات التى رصدتها فى صحف الخرطوم تتباين آراء الكتاب بين من يعتقدون أن على الحكومة أن تعيد النظر فى علاقاتها الخارجية وأن تقلل من درجة ارتباطها بكل من إيران وحركة حماس، لأن مثل ذلك الارتباط يساهم فى تصنيف الحكومة السودانية ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب ويجلب غضب الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذى يغلق الباب أمام كل الفرص لإصلاح العلاقات معها، وهى الدولة الوحيدة التى تستطيع أن تمنع إسرائيل من العربدة فى الأجواء العربية والمنطقة عموماً، وهناك من يرون أن على الحكومة أن ترتبط بتحالفات واضحة وقوية مع إيران وروسيا والصين حتى تضمن مساندة هذه الدول لها فى الساحة الدولية فى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الأخرى، كما هو حادث الآن مع سوريا التى تحظى بدعم روسى وصينى قوى تقف خلفه إيران بدرجة كبيرة، ولكن هذه الأخيرة تظل هى أيضاً أمنية بعيدة المنال، فكل من الصين وروسيا لم تساندا السودان بوقفة قوية يمكن الاعتماد عليها حتى الآن فى مجلس الأمن، وبذل الجهد فى هذا الجانب غير مضمون العواقب.
وسبق أن تناولت علاقات السودان الخارجية فى أكثر من مناسبة، وفى اعتقادى أن استراتيجية علاقاتنا الخارجية ينبغى أن ترتكز فى المقام الأول على إقامة تحالف قوى مع مصر، فهناك قضايا استراتيجية بين السودان ومصر تظل هى العامل الأساسى فى تلك العلاقة بغض النظر عن توجهات الحكومتين، وفى مقدمتها ملف المياه الذى تهدده التطلعات الجديدة لدول وسط وشرق أفريقيا، وثانيها التداخل السكانى والاقتصادى المرشح للتمدد والتطور أكثر، إذ أن أكبر عدد للسودانيين فى الخارج موجود فى مصر بصورة دائمة، كما أن تدفقات العمالة ورؤوس الأموال المصرية إلى السودان تتزايد مع الأيام، واعتقد أن علاقاتنا مع جميع الدول يجب أن تتم بالتنسيق مع مصر، وذلك انطلاقاً من معطيات تاريخية ومصالح مشتركة فريدة لا مثيل لها مع الدول الأخرى البعيدة والقريبة، ولعلنى أتفق مع الذين حذروا من الاندفاع فى سياسة سباق تسلح مكلف لا نستطيع تحمل تبعاته المالية والسياسية، فالوقاية كما قالوا خير من العلاج، والوقاية تتم باتباع منهج معتدل ومتوازن فى السياسة الدولية بعيداً عن مناطحة الكبار ومكرهم.
لقد ظلت السياسة الخارجية السودانية في كثير من الأوقات تجد نفسها فى موقف لا تحسد عليه، فعندما أيد الرئيس نميرى الرئيس السادات بعد زيارته لإسرائيل وتوقيعه لاتفاقية كامب ديفيد، واجه السودان موقفاً صعباً من الدول العربية التى عارضت الاتفاقية، وحتى الولايات المتحدة التى كانت تحتفظ بعلاقات جيدة مع حكومة مايو غيرت موقفها بعد إعلان النميرى تطبيق القوانين الإسلامية، ولم تشفع له وقفته ومساندته لكامب ديفيد وتخلت عنه حتى سقط نظامه، وإذا أيد السودان كامب ديفيد يعاقب، وإذا أسس علاقات مع إيران وحماس يعاقب؟!
وفى ظل المساعي المبذولة لتوسيع نطاق الحريات الأربع بين السودان ومصر لا بد من سعي السودان لتطوير تلك العلاقة حتى تصبح تعاوناً يتطور إلى أعلى مستوى وتنسيق مع مصر، ففى ظل الأوضاع الدولية الحالية تعتبر مصر الدولة رقم «13» من حيث موازين القوة العسكرية، ويعتبر الجيش المصرى من أقوى الجيوش فى العالم وفى المنطقة بعد إسرائيل، وشبكة الدفاع الجوى المصرية وثقلها الإقليمى والدولى هو الذى يستطيع أن يوفر حماية للسودان، وإذا انضم إليها السودان ربما تصبح الدولتان رقم «10» بين دول العالم، ومصر هى الدولة الوحيدة التى تستطيع أن توفر قوة ردع لكل منطقة وادى النيل، والمصالح فى هذا العالم تحميها قوة الردع قبل الحرب، ولا بد أن نذكر هنا انه فى ظل اتفاقية الدفاع المشترك التى تم توقيعها مع مصر خلال فترة الرئيس نميرى، كانت التوترات والحشود العسكرية مع إحدى دول الجوار تهدأ وتتراجع بمجرد أن يهبط وزير الدفاع المصرى المشير عبد الحليم أبو غزالة فى مطار الخرطوم، ثم يغادر فى مساء نفس اليوم، وكما قال د. تيتاوى رئيس اتحاد الصحافيين فى موقف سابق «كل قرد يطلع جبلايته».
ونستطيع بقليل من التدبير السياسى الحكيم وسياسة خارجية معتدلة، أن نجعل السودان يعمل ضمن مجموعة سياسية إقليمية توفر للسودان قدرات ردع دفاعية دون أن ننزلق فى هوة إنفاق عسكرى غير مجدٍ ويتسبب فى تعطيل العديد من المشروعات التنموية المهمة التى تحتاج إليها البلاد.
المقابلة التى أجراها وزير الخارجية مع الطاهر حسن التوم والتصريحات التى أدلى بها عبر قناة النيل الأزرق، فيها الكثير من الذى ينبغى التوقف عنده، ويعكس ارتباكاً بين أجهزة الدولة، فالوزير لا يعلم عن سفن حربية توقفت فى ميناء بورتسودان، ولا يعلم ما إن كانت الضربة من طائرات أو صواريخ، واقرَّ بعدم وجود تناغم بين الجهات المكلفة بإدارة الشأن الخارجى، وقال إن الكثير من الأحداث يتم الاستماع إليها من الإعلام الأجنبى، ومثل هذه الأقوال ينبغى ألا تطلق فى الهواء لأنها تعكس واقعاً يعطى انطباعاً سالباً عن أداء الدولة، اما وأنها قد خرجت إلى العلن فينبغى التوقف عندها بجدية.
صحيفة «الشرق الأوسط اللندنية» التى اشتهر كتابها بالسخرية من المسؤولين السودانيين فى كثير من عهود الحكم الديمقراطية وغير الديمقراطية بدءاً من عبد الرحمن الراشد مروراً بسمير عطا الله وعثمان ميرغنى وآخرهم طارق الحميد الذى تلقف بتاريخ الإثنين 5/11/2012م قولاً ساخراً منسوباً لوزير الدفاع ووظفه على طريقة البرنامج المعروف «طاش ما طاش»، ولا أظن أنه ورد على لسانه فحواه «أن الطيارة كانت طافية أنوارها فى الظلام.. نعمل شنو؟»، يستغل بعض كتابها الذين يخلطون بين الجد والهزل فى كثير من الأحيان حالة البلبلة والتضارب فى التصريحات التى تنطلق بدون حساب فى بعض الأوقات من بعض المسؤولين السودانيين ويوظفونها بطريقة غير موضوعية، ويبدو أن السودان بلد لا بواكى له فى الإعلام العربى اللندنى الذى يتعامل مع الواقع العربى بثقافة «يا غلام اعطه مائة دينار»، إذا أيد كامب ديفيد أو عارضها وإذا ساند القضية الفلسطينية أو عارضها، فالسودان ليست له دنانير ينفقها على الصحافة اللندنية، وهذا هو التحدى الذى يواجه سياسة السودان الخارجية وإعلامها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.