أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة نجاح بهرت العالم
أطباء السودان الحفاة
نشر في الصحافة يوم 04 - 01 - 2013

لا شك أن دكتور حسن بلة الامين قد كسب الرهان تماما حين راهن على كتابه الفريد ( أطباء السودان الحفاة قصة نجاح بهرت العالم ) بقوله : ( إني على ثقة ان القارئ المثقف بغض النظر عن خلفيته و تخصصه ربما يجد ما يشده في الكتاب ) .
و يمضي في رهانه في فقرة اخرى قائلا : ( من شاء ان يقرأ الكتاب تراثا طبيا غير عادي فله ذلك ، و من شاء ان يقرأه لإعادة اكتشاف مفاهيم فسيجد بين ثناياه ما يمكن ان يعاد اكتشافه ، و من اراد ان يقرأه اساسا لبناء تنموي حضاري فله ذلك ، و من شاء ان يقرأه توثيقا و تحقيقا لكونه مشروعا و ليس برنامجا فله ذلك ، ومن اراد ان يقرأه لكل ذلك فله ذلك . ان ما كتبته بدءً لاستنهض به من يؤمنون بقابلية السودان للتطور ).
و بالفعل - و رغم انني لا اصف نفسي بالقارئ المثقف الا انني قد وجدت في الكتاب ما شدني اليه فقرأته بفصوله العشرين و صفحاته البالغة مائتين ثمانية و خمسين بنفس واحد و وجدت انني بالفعل قد جاءني زمن متعت فيه نفسي بالدهشة على حد التعبير المدهش للشاعر العظيم عمر الطيب الدوش و وجدتني اوافقه في كل وصف لكتابه بانه اساس لبناء تنموي حضاري و انه بالفعل استنهاض لهمم من يؤمنون بقابلية السودان للتطور و ازيد عليه بانه يصلح اساسا لما نسميه نحن الشيوعيين برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية في مجال الصحة و لطالما اشرنا الى ان الممرضين و المعلمين هم رسل الحزب في الريف ، و قد اشار الكاتب نفسه الى ان الصحة " قضية اجتماعية سياسية بالدرجة الاولى و ليس قضية تقنيات طبية او تقديم تقنيات لمعالجات حديثة " .
و انطلاقا من تقريره بان الصحة قضية اجتماعية سياسية نجده في اكثر من فقرة خلال كتابه القيم يشير الى ما جرته عشوائيات السياسة من مطبات دخلت فيه بلادنا و كان من الممكن تجنبها بقليل من الحكمة . فلدى حديثه عن المرحوم علي بدري او يوسف بدري و تردده عليهم و استفادته منهم يقول :" و كنت احدث نفسي منذ ذلك العهد ان لو كان هؤلاء الرجال الحكماء هم مرجعية الحكم و القرارات المهمة في السودان لما ادخلنا هؤلاء الجهلاء المسلطون و هو التعبير الذي استخدمه طيب الذكر " عبد الله الطيب " ضمن خطاب ارسله للكاتب في لندن لوصف الحكم العسكري الثاني - لقد ادخلنا الجهلاء المسلطون في دوائر الصراع العربي القذر الكدرة و ادخلنا الجهلاء المسطّلون في دوائر الصراع الافريقي القذر الكدرة - فلاحظ عزيزي القارئ المقابلة بين المسلّطين و المسطٍّلين .
و يعود الكاتب مرة اخرى الى ادانة اولئك الساسة و تفريطهم في وحدة السودان فيقول : " ان تصرفات الساسة عبر الخمسين عاما الماضية نالت من هذه الوحدة و لم تؤكدها و لم تحرص عليها و لم تفلح جميع الحكومات التي تعاقبت على السودان - بدرجات متفاوتة - في ادارة التنوع و جعله ضمانا لوحدة ارضه و شعبه " ، و في فقرة اخرى يتأسف بقوله :" و لكن مما يؤسف له فإن السودان خصوصا في الازمان المتأخرة هان على اهله و ولات امره فصار بلدا طاردا غير مستقر " .
في هذا الكتاب الذي نحن بصدده يسلط الدكتور حسن بلة الامين الاضواء على مؤسسة قابلة القرية في السودان حيث انشئت المدرسة الاولى لتدريب القابلات بمدينة أمدرمان في نوفمبر 1920 ، و سبق ذلك افتتاح مدرسة المساعدين الطبيين عام 1918 و اضيف انا من عندي انه في نفس ذلك العام 1918 تم تأسيس نادي الخريجين بأمدرمان و اذا كان المستر سامسونج رئيس النادي قد قال لدى افتتاحه بان هذا النادي سوف يلعب دورا مهما في تاريخ السودان فإننا نستطيع ان نقول بالفم المليان و القلم الواثق ان مدرسة القابلات بأمدرمان قد لعبت دورا مهما في تاريخ السودان اللاحق و ان لم تفعل هذه المدرسة أي شيء سوى انقاذ حياة النساء و المواليد لكفاها ، حيث كانت النساء قبل ذلك يعانين من الولادات المتعسرة و كانت عملية الولادة مرتبطة بالمضاعفات و الوفاة و كانت الولادة عملية مرعبة بسبب الختان و الممارسات غير الصحية و غير النظيفة للقابلات التقليديات غير المدربات " دايات الحبل " مما جعل جميع حالات الولادة غير طبيعية و غير مأمونة .
و يقول المؤلف انه لم يكتب هذا الكتاب لسد فجوة في ادبيات تدريب القابلات و لكن لاكتشافه ان برنامج تدريب القابلات بالسودان لم يكن برنامجا عاديا اذ احتضن و منذ انشائه قبل أكثر من تسعين عاما اغلب ان لم يكن كل المفاهيم السائدة اليوم و التي توصف " بالحديثة " الرعاية الصحية الاولية .
فقد اهدى المؤلف كتابه الى " ارواح نساء عظيمات صدقن النية فعملن فابدعن فاحيين الانفس . المس وولف و شقيقتها جيرترود ، الرائدتين المؤسستين الست جندية محمد صالح المعلمة الاولى و الست بتول محمد عيسى الرائدة التي لم تكذب اهلها و ظلت تعطي حتى آخر ايامها و الى الاحياء من الرجال و النساء اصحاب الرؤية الثاقبة و الحس الوطني العظيم الذين يسعون لتعزيز صحة الانسان في السودان و اسعاده .
و اذا كانت انسانية أي كاتب او فيلسوف تقاس بموقفه من المرأة فإننا نجد الدكتور حسن بلة يخصص الفصل الثاني من كتابه للحديث عن عظمة النساء و يستدل على ذلك بقول طبيبة الاطفال البريطانية الشهيرة " سيسلي وليامز " عن عمل النساء في المهن الطبية " ان النساء يمتلكن حضور البديهة و الصبر و الانضباط و تكامل الشخصية و يظهر كل ذلك في مقدرتهن الفائقة على الاستماع و التبسيط . الرجال لا يطيقون التكرار و يجدونه مملا و لكن النساء يدركن اهمية القيام بالعمل الذي يحتاج لتكرار و يجدن فيه رضاً و راحة نفسية و مثل هذا العمل لا يمكن الاستغناء عنه في رعاية الصغار و الضعفاء " .
و يصف الدكتور حسن بلة النساء بانهن اكثر التزاما بأخلاقيات المهنة و انهن اقرب للعمل من اجل الآخرين احتسابا و ليس اكتسابا و اكثر التزاما لمجتمعاتهن فهن يفضلن البقاء بقراهن و حول اهلهن و بذلك يلبين شرطا هاما من نجاح الخدمة الصحية الا هي الديمومة و الرعاية المتصلة .
و لقد تمثلت هذه الصفات : صفات الصبر و الانضباط و تكامل الشخصية و القدرة على الاستماع و التبسيط و الالتزام بأخلاقيات المهنة و العمل من اجل الآخرين احتسابا و ليس اكتسابا اكثر ما تمثلت في اولئك النسوة اللائي اهدى لهن كتابه : مس وولف و شقيقتها جيرترود ، الرائدتين المؤسستين الست جندية محمد صالح المعلمة الاولى و الست بتول محمد عيسى ، بالإضافة الى م بشائر عباس و احسان عبد الوهاب ، و ست السرة و ست عزة و ست الدون و يمكننا ان نضيف اليهم من عطبرة حليمة ماضي و أمونه ماضي و حليمة عزت و ستنا عثمان و آمنة نوري و عائشة احمد و من دامت لها الدنيا التي اسست مهنة الدايات في اليمن .
فمس وولف وصلت الى السودان في نوفمبر 1920 تحمل معها دمياء تستخدمها في التدريب و كانت قبل ذلك رئيسة تمريض في الفيوم بمصر ، اتت هذه المرأة لتبدأ من لا شيء - مدرسة أمدرمان لتدريب القابلات - و قد اقامت في بيت من بيوت الطين و كانت وسيلتها للتنقل حمارا مستأجرا او المشي على رجليها ، لم تطلب سكنا فاخرا او سيارة و لو طلبت لما استنكر ذلك عليها لان رصفاءها من الانجليز و هم علي مقربة منها كانوا يتمتعون بكل هذه الامتيازات، هكذا يكون نكران الذات و هكذا تكون القيادة الحقيقية تتنزل الى واقع الناس و لا تتعالى عليهم . و برغم معرفتها ببعض الكلمات باللغة العربية بالطريقة المصرية الا انه كان عليها ان تتعلم الدارجة السودانية لكي تلقى قبولا فاستطاعت ان تتمكن منها في وقت وجيز ، و يذكر المؤلف انه عند زيارته لها بإنجلترا بعد اكثر من ستين عاما من تقاعدها عن العمل في السودان اندهش حين سمع منها مقولة سودانية خالصة حين انكسر احد اواني القهوة حين اعدادها حيث قالت : ينكسر الشر " و يعلق د\كتور حسن بلة قائلا " ان تمكنها لما يمكن ان يسمى قاموس النساء في السودان في ذلك الوقت اكسبها احترام النساء و محبتهن " الى جانب مس وولف كانت هنالك جندية محمد صالح و التي اعتقد انها اسم على مسمى فهي بالفعل جندية و يصفها المؤلف بانها الاكثر تميزا و انها الرائدة الاولى العظيمة لمهنة التوليد في السودان و كانت احدى متدربات الفصل الثاني في العام 1921 و تصفها مس وولف بانها " الارملة الشابة الجميلة الذكية " و تتحدث عن شخصيتها الفذة المتكاملة و تفانيها في اداء الواجب مما ترك انطباعا جميلا لكل من تعرف عليها ، لقد ساعدت كثيرا في نشر مهنتي التوليد و التمريض .
حين اصيبت جندية بسرطان الثدي و تدهورت صحتها كتبت مس وولف ضمن تقريرها السنوي عام 1925 ( ان ذهاب الست جندية الذي اقترب سيكون اقصى ضربة للمدرسة انها امرأة ذات شخصية عظيمة و سيكون من الصعب ايجاد البديل لها ) .
حين توفيت جندية عام 1936 كتبت مس وولف بعاطفة جياشة :" في ذات يوم اتمنى ان توضع لوحة برونزية في مدرسة الدايات في ذكرى الست جندية صالح الباشداية الاولى في السودان لوفائها و تفانيها و شجاعتها . لقد توفيت جندية عندما كنت في اجازة مرضية في انجلترا و اخبرتني اختي جيرترود التي رأتها انها و هي ميتة اشبه بالمحارب المجاهد و لعل ذلك افضل ما يمكن ان يكتب على شاهد قبرها " . عند عودة مس وولف قامت هي و اختها بوضع شاهد على قبر جندية كتب عليه : " تذكار من سعادة السيدات وولف :- هذا قبر الست جندية صالح يسن ، داية متخرجة من مدرسة الدايات مدة خدمتها من 1921 الى 1935 توفيت يوم (19 / 11 / 1936) . و قد قام المؤلف بتصوير شاهد قبرها بمقابر احمد شرفي بأمدرمان . و في لمسة انسانية قامت الاخوات وولف بدفع اجرة البيت الصغير الذي كانت تسكنه جندية و قد قام الدكتور ديفيد مورلي بعمل اللوحة البرونزية التي تمنت مس وولف في مدرسة الدايات بأمدرمان وفاء لذكرى الست جندية صالح .
كل ما استرسلت في القراءة في هذا المؤلف القيم عن نماذج النساء اللائي بدأن العمل في تأسيس مدرسة القابلات في أمدرمان تجدني اتذكر النساء الايجابيات الراغبات و القابلات للتطور ضمن روايات الطيب صالح حسنة بت محمود و حواء بت العريبي ، و فاطمة بت جبر الدار و نعمة بت محمود التي كان محور حياتها حسب وصف الراوي الشعور بالمسئولية و القيام بتضحية ما ، و التي كانت تتمنى ان لو اسموها رحمة بدل نعمة .
فبالإضافة الى جندية صالح نطالع سيرة بتول محمد عيسى التي جاءت من رفاعة و لم تترك عملها الا عندما ارتاحت الى الرفيق الأعلى و لم تجن من حطام الدنيا شيئا بل انها على يقين بان ما قامت به في خدمة الغير كان صدقة جارية فغرست بذلك كل هذا التفاني في كل المتدربات اذ كانت لهن المثل الأعلى الذي يعتزى به ، و قد كتبت مس وولف قائلة : " كانت بتول الداية السودانية الرائدة في تعلم ركوب الدراجة و هي مرتدية ثوبها رغم المعارضة الشديدة لذلك . لقد كانت رغبتها و اصرارها هي المثال الذي مهد الطريق امام الدايات الاخريات لركوب الدراجة ، انها بحق امرأة غير عادية في توجهها و نظرتها للحياة " .
لم يؤثر العمر على ادائها فقد كانت تعمل بلا انقطاع كالنحلة داخل المدرسة و هي فوق الثمانين ، لم تتقاعد و لم تخلع مريلتها و ساعتها اعلى ذراعها الايسر حتى قبيل وفاتها انها صاحبة اطول و اروع سجل في عمل التوليد في السودان و في خدمة الناس .
و قد ذكر المؤلف انه حين قدم محاضرة عن الصحة الريفية لأطباء و طبيبات الدراسات العليا بكلية الطب جامعة الملك فيصل بالسعودية و اتى على ذكر بتول محمد عيسى و ما كانت تقوم به من ادوار ما كان من احدى الطبيبات الا ان وقفت و قالت : " هل بالإمكان ان نرتب زيارة للسودان لنقابل ست بتول و نرى ما تفعل ؟ " و ظلت هذه الطبيبة و زميلاتها و زملائها يلاحقونه لترتيب الزيارة التي لم تتم ، و في محاضرة اخرى قدمها المؤلف في مستشفى آخر قاطعه جراح سوداني قائلا باللغة الانجليزية ما ترجمته :" لقد جعلتني اشعر كما لم اشعر من قبل بالفخر كوني سودانيا " .
لله در اولئك النساء الشامخات اللائي اسسن مدرسة كان من اهدافها حسب ما هو مشار اليه في تقاريرها السنوية تحقيق وجود قابلة او اكثر نظيفة و متنورة و حسنة التدريب في كل قرية من قرى السودان و كانت القاعدة التي عمل بها مؤسسو البرنامج " فكِّر كبيرا و ابدأ صغيرا و لكن تحرك الآن " . لقد كان هدفهم الاكبر هو تغطية كل السودان بهذه الخدمة الحيوية الاساسية ثم بدأوا " صغيرا بمدرسة واحدة هي مدرسة الدايات في أمدرمان في العام 1921 و تدرجوا في فتح مدارس الدايات في الاقاليم ، و الذي يطّلع على تاريخ افتتاح المدارس يدرك معنى التدرج في التطوير و هنا لا يفوت المؤلف ان يقارن ذلك بالتوسع السريع و العشوائي في المؤسسات التعليمية و التدريبية في ايامنا هذه و ما ترتب عليه من تدني مستوى من يتخرجون في هذه المؤسسات و يقول المؤلف : " علينا ان نتعلم من هذا الدرس العظيم في النجاح عند تخطيط و تنفيذ أي برامج تعليمية او تنموية في بلادنا ان تجئ ضمن خطة مدروسة من اصحاب الرأي و الاختصاص لا من السياسيين الذين تهمهم المشاريع التفاخرية و الانطلاق من ثورة الى ثورة في التعليم يعني فتح عشرات الجامعات مرة واحدة دون ان تكون هناك البني التحتية او الاساتذة المؤهلون فتتحول المدارس الثانوية الى جامعات و المباني المستأجرة الى مؤسسات تعليمية " و اللبيب بالطبع بالإشارة يفهم او بالبلدي كدا " اسمعي يا جارة نقر الحجارة ".
لقد كانت الفقرة اعلاه من هذه المساهمة ضمن الفصل السادس عشر الذي جاء بعنوان " قابلة القرية : كيف تحقق النجاح الذي بهر العالم ؟ "
و بحسب المؤلف فالمتأمل في مسيرة مؤسسة القابلات منذ نشأتها يدرك ان المحافظة على الجذور الثقافية للمجتمع في التدريب كانت من اسباب نجاح القابلة في عملها ، كان لدى المؤسِسات قناعة بان الصدام مع الثقافة المحلية بغض النظر عن سلبياتها سيكون عامل هدم و كانت السياسية المتّبعة الاعتراف بواقع المجتمع و احترام عاداته و تقاليده اياً كانت ، و ان كانت هناك سلبيات فالإسلوب الناجح هو التدرج في التعامل معها ، و لذلك قضت مس وولف وقتا قبل بدء برنامج التدريب تتعلم اللغة المحلية و تكتشف العادات و التقاليد لكي لا تقع في صدام معها ، فعلى سبيل المثال تشجع القابلة و تسمح بالنساء كبيرات السن بدعم النفساء معنويا و نفسيا و تشجيعها حيث كان من المألوف ان يزدحم بيت المرأة النفساء بهؤلاء النسوة يتابعن الام في حالة المخاض خطوة بخطوة و طلقة بطلقة و عندئذ تقول كبراهن للبقية :" لندعو لفلانة و نبدأ بالصلاة على النبي و من ثم يبدأ الجميع في تكرار الاهزوجة الشهيرة :
يا حلال الحاملا
من غلاما جاهلا
البضيقا و يمهلا
جبريل ناجا ربو و جا
و حلالا الما بدور جزا
يا حلّال حلّها
و يا بلّال بلها
العقّد الامور الأمور هو بحلها
و بالطبع كان في ذلك رفع عظيم لمعنويات المرأة في المخاض و شعور بالأمان و الاطمئنان و ان الامور ستسير على ما يرام حتى النهاية السعيدة المرجوة و صرخة المولود للحياة . و كانت القابلة تعلّم الام الطريقة الصحيحة لاستحمام الطفل و تشارك الاسرة في رحلة الذهاب الى النهر في المناطق النيلية لغسل وجه و ارجل الوليد تيمنا بماء النيل المبارك .
و لم يكن من السهل استمالة الحوامل لعيادة رعاية الحُمّل عندما بدأت هذه العيادة و هنا تجلّت عبقرية مس وولف و من بعدها من الباشدايات السودانيات حين فكروا في استخدام مثل او تشبيه يسهل فهم النساء لأهمية متابعة الحمل فوجدن ضالتهن في الحَلّة فكان منطقهن مع النساء :" اذا كان لديك حلة على النار هل كنتِ لتتركين الطعام ليحرق و يتلف ام انك تكشفين الحَلة من وقت لآخر لترى حالة الطبخ ؟". لقد كان هذا المثال مقنعا و منطقيا للنساء فجئن لمتابعة الحمل في العيادة التي اقيمت في مدرسة الدايات و من يومها صار كشف الحَلّة مصطلحا معروفا للرعاية اثناء الحمل حتى في المستشفيات . بعد تبني مفهوم كشف الحَلّة جاءت النساء الحوامل بأعداد كبيرة في السنة الاولى 1930 و منذ ذلك الوقت صار كشف الحَلّة شيئا محبوبا لدى النساء .
و واصلت الدايات ابتكار الوسائل للتواصل مع النساء و سوف نواصل البلاغة في الايجاز و الواقعية في النصيحة و علاقة كل ذلك برعاية المرأة اثناء الحمل في نصائح الداية للمرأة الحامل :-
" الداية لازم تفّهم المرأة الحامل بالمَثَل فتخاطبها قائلة : لما دايرة تبني بيت يا قطية جديدة بتجيبي بنّا شاطر و لا بنّا غشيم ؟ لازم اساس البيت يتخته سمح و الشِعبة متينة في شان تسند العرِش و ان كان العرِش ما سمِح المطر بتخسّر البيت ، المرة الحامل لازم تشبه البنّا الشاطر في شان هي لازم تخُت اساس الجني سمِح لحدي العرش ان كان دايره صحتها و صحة الجنا تكون شديدة . الاهمال و الكسل في جية الحامل للكشف و لما هي ما بتسمع و لا بيستعمل نصايح الداية ممكن يسبب ضعف يا مرض للام و للجني في البطن ، و حتى ان كان الجنى يتولد حي و يعيش ممكن طول عمرو صحتو ما تكون شديدة بسبب الام ما ختت اساس سمح " .
و نتيجة لهذه الجهود الجبارة كان من الثمار المبكرة في مؤسسة القابلات ان تمت التغطية العالية بخدمة التوليد و وصولها الى الغالبية العظمى في القرى و الاحياء فمنذ اواخر الاربعينيات من القرن المنصرم تمت تغطية اكثر من 60% من السكان بهذه الخدمة الضرورية و انحسرت وفيات الامهات بسبب الحمل و الولادة و انحسرت وفيات الاطفال خصوصا من مرض التيتانوس و اجتازت المؤسسة اختبار الزمن .
بقي ان تعرف ان الباشدايات السودانيات المشرفات على هذه المدرسة كنّ أميّات لا يعرفن القراءة و الكتابة و هذا ما يؤكّد قابلية السوداني للتطّور الامر الذي نوّه له المؤلف منذ بداية الكتاب .
الفصل التاسع عشر من الكتاب خصصه الكاتب للواقع المُر لمؤسسة القابلات اليوم حيث تحسّر على مصير مدرسة القابلات بعد ان اصابها ما اصابها من تآكل حيث اهملت مدارس القابلات و لم تنشأ مدارس جديدة بل وصل الحال الى اغلاق بعض المدارس بمبرر ضعف الميزانيات لإجراء اعمال الصيانة و غيره و اهمل التدريب و الاشراف و تناقص عدد القابلات في القرى و الارياف و المناطق النائية و نتج عن ذلك ارتفاع غير مسبوق في وفيات الامهات حيث بلغ عدد وفيات الامهات بسبب الحمل و الولادة و فترة النفاس في عام 2009 ذروته و تراجع السودان للخلف ليحتل الصدارة في معدلات وفيات الامهات عالميا حيث وصل المعدل حسب الارقام الموثوقة بين 500 الى 2000 حالة وفاة في كل 100 ألف حالة ولادة فهذا اعلى معدل لوفيات الامهات في العالم .
و بالطبع فالحال من بعضو لأن العقلية الطفيلية الشريرة التي دمّرت مدرسة الدايات لتفتح الباب للمستشفيات الخاصة مستشفيات خمسة نجوم عالية التكاليف هي نفس العقلية الطفيلية الشريرة التي دمرت السكة حديد و مشروع الجزيرة و معهد بخت الرضا و مدرسة جبيت الصناعية و تواضع امامهم تأثير الثور في دكان الصيني لأن ذلك الثور المسكين اكتفى بان كسّر الصيني بحيث يمكنك ان تعالجه بصباع امير او خلافه و لكن الثور الذي سلطته الطفيلية على الصيني لم يكتفِ بان يكسِّر الصيني و لكنه بعد ان كسّره انسحك فيه و طحنه طحنا محوّلا اياه الى دقيق و هباء لا يمكن معالجته فقط تتعوض فيه صاحب العوض ، و بالفعل هم مجموعة اوباش جاءوا من الغابة لتوهم و ليتها كانت غابة طبيعية و لكنها غابة طبقية جمعت اسوأ ما في المملكتين : الانانية و الحقد الطبقي .
عطبرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.