الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثورات الربيع العربي تعبير عن خلل هيكلي في النظام الاجتماعي و الاقتصادي و القانوني
أثر الإرهاب على التنمية الإجتماعية في الوطن العربي (33)
نشر في الصحافة يوم 10 - 01 - 2013

الدكتور منصور خالد مفكر موسوعي ،وقلم موضوعي ،كتب في شتى المجالات بعمق ورصد أحداثاً وظواهر مرت على المنطقة والعالم برؤية ثاقبة،وظل متابعاً دقيقاً للتطورات السياسية والإجتماعية وله عدة مؤلفات في هذه الشؤون مما أكسبه احترام وتقدير قادة ومفكرين في العالم.
وقد شارك مؤخراً في ندوة نظمتها جامعة الأمير نايف للدراسات الأمنية بورقة وجدت صدى طيباً في الندوة لمناقشتها (موضوع الإرهاب واثره على التنمية الاجتماعية في الوطن العربي).
وخص الدكتور منصور خالد "الصحافة" بالورقة التي قدمها في الندوة وستنشرها الصحيفة تباعاً تعميماً للفائدة.
جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية أنشأها الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز طيب الله ثراه لتعميق مفهوم الأمن في الوطن العربي وتطوير قدرات العاملين به.. وقد درجت الجامعة، إلى جانب الدورات التدريبية التي تعقدها، للعاملين في مجالات الأمن والشئون الاجتماعية على عقد ندوات بين الحين والآخر لتدارس القضايا ذات الصلة بالأمن بهدف بلورة رؤى مشتركة بشأنها..
وكان د.منصور خالد من بين من دعي لتقديم أوراق لتلك الندوة بحكم خبرته في القانون والإدارة وبالمؤسسات الدولية التي عمل في عدد منها.
3.الدولة والمجتمع المدني
3-1 علني وقد جئت لهذا الموقع في ورقتي أحمد أولاً للامير الراحل نايف بن عبد العزيز انشاءه لهذا الصرح المعرفي الذي سد فجوه كبيرة في مجال العلوم الامنية بين النظري والتطبيقي ، وبين المهني والمعرفي . أحمد ايضاً لرئيس الجامعة الواعي والوعِّي إفتطانه للعلاقة الجذرية بين أدوار الدولة والمؤسسات الإجتماعية ومنظمات المجتمع المدني في محاربة الارهاب وترتيبه لهذه الندوة للتدارس في هذا الأمر . فالاجراءات الامنية التي تتخذها الدولة لمحاربة الارهاب كجريمة قد تحقق الأمن بمعناه القانوني الاجرائي ولكنها لا تحقق الأمن الشامل . كما أن تلك الاجراءات قد تحد من الجريمة ومن التطرف المرئي ولكنها لا تستأصل الجريمة من جذورها بالقضاء على العوامل والظروف غير المرئية التي خلقتها ، أو وفرت البيئة الصالحة لنموها . كما أن الاستراتيجية الأمنية الفعالة هي تلك التي لا تفصل بين أمن السلطان وأمن المواطن ، وبين أمن الدولة وأمن المواطنين ، أو بين الأجهزة الأمنية المؤسسية وبين التنظيمات الشعبية التي تعمق من ادراك المواطن للأمن . فالأمن ، في الاصل ، حقوق و واجبات اذا لم يرعاها أي من الطرفين اختلت موازين العدالة.
3-2 هذه المفاهيم وتلك الأهداف كانت على رأس الاسباب التي دعت الأمم المتحدة لادماج منظمات المجتمع المدني في عملية القضاء على الارهاب بموجب قرار الجمعية العامة رقم (288/60) . في ذلك القرار تواضعت الحكومات على الاستراتيجية الدولية لمكافحة الارهاب موردة فيه نصاً يدعو الى اشراك الدول للمؤسسات الاجتماعية والمجتمع المدني ومنظماته في تعزيز جهودها لمحاربة الارهاب . وينم النص عن ادراك الدول لدور تلك المنظمات بما يتوفر لها من مزايا على رأسها الاستقلالية التي تتيح له هامشاً واسعاً من الحرية لنقد السياسات العامة للدولة . من المزايا ايضاً التصاق المنظمات بالأرض مما يجعلها اقدر من المؤسسات البيروقراطية على الاحساس بنبض الشارع . ولكن ، ما الذي نعنيه بالدولة ؟ وما الذي نعنيه بالمجتمع المدني ؟ وما الذي نعنيه بمنظمات المجتمع المدني ؟ الدولة باختصار شديد هي نظام الحكم القائم في مجتمع منظم (polity) يمارس السيادة وفق مبادئ القانون الدولي على التراب الوطني الذي يحتل . أما المجتمع المدني فهو ، بصورة عامة ، المجال الذي تتلاقى فيه جماعة من المواطنين خارج اطار العائلة أو الدولة أو السوق لتدفع بمصالحها المشتركة للامام . لهذا يطلق البعض على المجتمع المدني اسم القطاع الثالث بحسبان ان القطاعين الاول والثاني هما الدولة والسوق .
3-3 على أن ما يُُنعت بمنظمات المجتمع المدني ليس هو بحال رديفاً لذلك المجتمع أو معبراً وحيداً عنه . فالمجتمع المدني يضم طوائف دينية ، وأندية رياضية ، وجماعات عمالية غير منظمة ، وقطاع خاص ، وجماعات ذات اهتمامات نوعية مثل الفن والغناء والأدب الى جانب مجموعات مهمومة بقضايا ذات طابع محلي . منظمات المجتمع المدني ، في واقع الامر ، هي منظمات طوعية تضم افراداً يعطون بغير مقابل ويسعون عبر وسائل سلمية لتحقيق الخير العام في المجتمع الذي يعيشون فيه . تلك المنظمات تنأى بنفسها دوماً عن الصراعات الحزبية / العقائدية / السياسية / الدينية لأن إنغماسها في تلك الصراعات ينفي عنها أهم صفتين تميزانها : الإستقلالية والطوعية (independence and voluntarism) .وكثيراً ما تسعى الجماعات العقائدية او الأحزاب السياسية للتسلل إلى هذه المنظمات بهدف توجيهها لما تريد دون وعي منها بأن نجاحها في تلك المحاولة يفقد منظمات المجتمع المدني الموقع الاخلاقي المتميز (high moral ground) الذي تحتله . فقوة منظمات المجتمع المدني قوة اخلاقية لا تستمد من سلطة دستورية ، او تفويض شعبي ، أو مكانة دينية . ولعل هذا هو السبب الذي جعل بعض علماء السياسة يصفون المرحلة التي اعقبت إنهيار النموذج السوفييتي في شرق أوروبا بمرحلة عودة المجتمع المدني . وفي قول لعالم الاجتماع البرازيلي والرئيس السابق في بلاده فيرناندو هنريك كاردوسو في خطاب للجمعية العامة للامم المتحدة « ان ما يميز هذه التنظيمات هو ما اثبتت قدرتها على القيام به لتحقيق الخير العام عبر النقاش وإقتراح البدائل والسلوك النموذجي الذي يحتذي». وذهب كاردوسو للقول بان قوة تلك المنظمات هي قوة معنوية تخلق توازناً ما بين سلطة الدولة من ناحية ، وسلطة المجتمع المدني من ناحية أخرى . جاء ذلك الخطاب عندما اختارت الجمعية العامة للامم المتحدة الرئيس البرازيلي السابق ليترأس اللجنة التي انشأتها للبحث حول الاساليب الفعالة لمساهمة المجتمع المدني في محاربة الإرهاب .
3-4 انطلاقاً من الفقرة الفرعية «د» من قرار الجمعية العامة للامم المتحدة المشار اليه اعلاه ، والتي تدعو الدول لتشجيع المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني لكيما تشارك ، وفق مقتضى الحال ، في تعزيز الجهود الدولية لمحاربة الارهاب في اطار الاستراتيجية الاممية ، انعقد اكثر من مؤتمر للتوافق على الدور الذي يمكن لتلك المنظمات أن تلعبه في ذلك المجال بحكم خبرتها الميدانية في الدفاع عن حقوق المواطنين ، وبالتالي في الحفاظ على سلامة وامن المجتمع . من هذه المؤتمرات نشير الى اثنين : الأول هو مؤتمر برشلونة (14 -16مارس 2007 ) الذي شاركت فيه اكثر من ثلاثين منظمة من منظمات المجتمع المدني للتشاور حول الاساليب المثلى لترجمة الاستراتيجية الاممية لمكافحة الارهاب ودور المجتمع المدني في تحقيق تلك الاستراتيجية. اما الثاني فهو مؤتمر فيينا (14 -15 يوليو 2005) الذي دعت له منظمة الامن والتعاون في اوروبا بدعم من الامم المتحدة ، وشاركت فيه سبع وثلاثون منظمة من منظمات المجتمع المدني . الهدف من ذلك المؤتمر كان هو تحقيق ما أسماه المؤتمرون - نقلاًً عن قرار الجمعية العامة 288/70 - « التعزيز المشترك لاهداف حقوق الانسان والقانون الدولي في ذات الوقت الذي يُُحارب فيه الارهاب « (Mutually reinforcing respect of human rights goals and international law while fighting terrorism).
3-5 في المؤتمر الأول ُُطرحت اسئلة هامة لابد من الاجابة عليها ان كانت هناك رغبة حقيقية في التعاون الوثيق والصادق من اجل التعاون الفعال بين الدول ومنظمات المجتمع المدني . ونقول الصادق لان بعض الدول لا ترى في هذه المنظمات إلا شريكاًً مزعجاًً لا يمكن الاعتماد عليه اما لانها عصية على البرقرطة (bureaucratization) ، أو لان رؤيتها للارهاب ? رغم ادانتها له ? لا تتفق مع رؤى الدولة التي تعمل تلك المنظمات في اطار سيادتها . لهذا فان ابتغت الدول ان يكون لمنظمات المجتمع المدني دور في محاربة الارهاب فأول ما يتوجب عليها هو:
* انهاء الاحتكاك ? ان لم يكن العداء ? بين الدولة ومنظمات مجتمعها المدني .
* الابتعاد عن اية محاولات من جانب الدول لتحويل تلك المنظمات الى اجهزة التقاط أمنية بين قواعدها لان ذلك يفقدها طبيعتها المستقلة ويفرغها من محتواها الاخلاقي .
* تحديد واضح للاهداف المراد تحقيقها عبر الطرفين ، لا سيما الاتفاق على ما الذي يعنيان بالارهاب .
* خلق بيئة مواتية لحوار بناء بين الطرفين .
* الاتفاق على قنوات مشروعة للتواصل بين الطرفين وعلى درجة عالية من الشفافية .
* انشاء شبكات من المنظمات المدنية والحكومية كشراكات ذكية بين اصحاب المصلحة الحقيقية في الأمن الشامل ، الحكوميين منهم وغير الحكوميين .
* وضع استراتيجية شاملة لمكافحة الارهاب تستهدي بالاستراتيجية الاممية .
3-6 من التطورات الخطيرة في حملات محاربة الإرهاب في الدول الكبرى والصغرى إستغلال أجهزة الأمن للسلطات التي تمنحها لها قوانين محاربة الإرهاب للتعدي على حرمات المواطن بصورة تجهض ما تأمر به ، أو تنهي عنه ، مواثيق حقوق الانسان . مثال ذلك ما كشفته الصحافة الأمريكية عن العنف الذي مارسته تلك الأجهزة في العراق ضد من أطلق عليهم اسم الإرهابيين . من تلك الممارسات تعذيب المتهمين بالارهاب ، وايداع بعضهم في سجون خاصة ، والحيلولة بينهم وبين محاميي الدفاع عنهم . هذه الخروقات لحقوق الانسان ? وبعضها جسيم ? نبهت إليها منظمات حقوق الانسان في الولايات المتحدة وكشفت الغطاء عنه الصحافة الامريكية . ولربما كان على رأس تلك الخروفات تجاوز واحدة من القواعد الذهبية في القانون الامريكي ، بل وفي غيره من قوانين الدول الديموقراطية ، ذلك هو التزام المحاكم بتطبيق القانون وفق قواعد الاجراءات السائدة في البلاد وأصول المحاكمات المتبعة ، أو ما يطلق عليه . (due process of the law) وان لعبت الصحافة ومجموعات حقوق الانسان في الولايات المتحدة دوراًً فعالاًً في كشف تلك التجاوزات الا أن التجاوزات النظيرة في البلاد العربية لم تجد التنبيه ، ناهيك عن الإدانة من جانب الصحافة أو منظمات المجتمع المدني . هذه الغفلة حدثت رغم تعارض تلك الممارسات ليس فقط مع المواثيق الدولية ، بل أيضاًً مع دساتير هذه الدول. و نبدي ان الغرض من إيراد هذه المبادئ في دساتير الدول هو التحصين (enterenchment) الدستوري للحقوق لا أن تكون اضافة ديكورية للدستور. إن دور المجتمع المدني ككل، و دور منظماته على وجه خاص، في محاربة الإرهاب دور محوري في تبصير الدولة بالظروف المجتمعية التي تقود الى خلق بيئة يُبيض فيها الارهاب و يُفرخ دون أن تكون هذه المنظمات منافساً للدولة في السلطان كما تفعل الأحزاب المناهضة لها والتي تتبارى معها على استلام السلطة بالوسائل المشروعة حيناً ، وغير المشروعة حيناً آخر. كما أن الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني، في نهاية الأمر، هو دور استشاري، دعوي، قانوني، أو تواصلي، أي كاداة تواصل بين الدولة و المجتمع المدني. لهذا فان أي دولة تظلم نفسها ان وضعت منظمات المجتمع المدني في بلادها في صف الاعداء.
3-7 أما مؤتمر فيينا فقد توصل الى اجماع حول ضرورة تخلي الدول عن النظرة المحدودة للأمن، اي التعامل معه كواجب تستأثر به الأجهزة الأمنية (مؤسسات الأمن القومي) و أجهزة إنفاذ القانون (الشرطة والقضاء). هذه النظرة الحصرية للأمن تولد مفهوماً خاطئاً في عقول بعض العاملين بهذه الأجهزة من أن الأمن المقصود هو أمن الدولة في حين أن الهم الأكبر لاجهزة الامن، تماماً كما لمنظمات المجتمع المدني، ينبغي أن يتجه الى أمن المواطن، بمعنى أن يكون المواطن لا الدولة محوراً للأمن (citizen and not state- based security ). هذا النهج وحده هو الذي يحقق السلم الداخلي، فلا أمن لدولة يفتقد مواطنوها الإحساس بالأمن. ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالأمم المتحدة في تناولها لقضايا الأمن والإرهاب على الإشارات المتكررة لإصلاح القطاع الأمني (Security Sector Reform) حتى يكون اكثر تفاعلاً مع المجتمع الذي يخدمه.
3-8 على ضوء هذه المفاهيم دعا مؤتمرفيينا الى:
* حظر استخدام التعذيب في مكافحة الارهاب لان الارهاب لا يحارب بارهاب مماثل.
* حظرالخروقات الجسيمة لحقوق الانسان بدعوى محاربة الارهاب لان ذلك قد يؤجج من الارهاب أو يفاقم من الظروف المؤدية له، بدلاً عن كبح جماحه.
* نهى الدول عن اللجوء غير المناسب (improper) للحد من الحريات الاساسية بما في ذلك حرية العقيدة، حرية التعبير، حرية التنظيم.و بسبب من هذه الاحتمالات أوصى المؤتمر بضرورة الاتفاق على تحديد لمعنى الارهاب اكثر دقة من التعريفات السائدة حتى لا يفر المجرم بجرمه أو يؤخذ البرئ بذنب المجرم. و من المناسب أن نشير هنا الى انه حتى اللحظة الراهنة ليس هناك توصيف قانوني لاركان جريمة الارهاب متفق عليه و ملزم للجميع.
3-9 مما تقدم يتضح أن اهم الاهداف التي تسعى منظمات المجتمع المدني لتحقيقها هو ارساء مبدأ سيادة حكم القانون، بل أن الدولة التي تستهين بهذا المبدأ تصبح دولة خارجة على القانون (lawless) حتى وان كانت جادة في محاربة الجرائم، بما فيها جريمة الارهاب. هذا المبدأ اقره بوضوح مؤتمر فيينا حول الارهاب و حقوق الانسان. فرغم أن اغلب منظمات المجتمع المدني مهمومة بقضايا انسانية عديدة بعضها يتجاوز الوطن مثل تحرير الشعوب، حماية البيئة الطبيعية ، التنمية المستدامة، الاغاثة، الحوار بين الاديان و الحضارات، تحقيق اهداف الالفية الثالثة الا ان همها الاكبر هو حماية الحريات الاساسية للمواطن و تأكيد سيادة حكم القانون وفق عقد طوعي بين الحاكم و المحكوم يجعل المواطن يتنازل طواعية عن بعض حقوقه شريطة ان يقوم الحاكم بحسن التصرف في تلك الحقوق، و ان يراعي الحقوق التي يوفرها القانون الطبيعي للمواطن . هذا الالزام يعكسه ، علانية او ضمناً ، (explicity or tacitly) ، القانون الأسمى (الدستور) و الدستور هو القانون الذي يسود على كل قانون فرعي، او أمر اجرائي.
3-10 ان الوعي المشترك بهذه المفاهيم هو الذي يجعل التعاون ممكناً بين الدول، من ناحية و منظمات المجتمع المدني، من ناحية أخرى. و لا شك في أن هذا الوعي لن يتأتى الا بتوحيد الرؤية بين الدولة و المنظمات حول معنى الارهاب و ازالة التناقض المفهومي حول الأمن نفسه: أهو امن الدولة أم امن المجتمع. كلا الامرين يرتبطان ببعضهما البعض و لهذا لا يمكن وضعهما في صومعتين (silos) مستقلتين. فالاجهزة الامنية في كل العالم و عبر التاريخ مؤسسات لا معدى عنها من اجل حفظ الامن، و توفير السلامة العامة، و درء الجريمة طالما التزمت بالضوابط الدستورية. كما أن لمنظمات المجتمع المدني القدارة على اكتشاف، او لفت النظر الى ، بؤر الارهاب التي تتخلق في المجتمعات نتيجة لاوضاع اجتماعية و اقتصادية و قانونية .هي أيضاً في وضع يمكنها من تشخيص هذه الادواء و اقتراح الحلول لها ، وتوظيف قواعدها لبث الوعي بشأنها. هذا الجهد التشخيصي و التحليلي و التنويري و التعبوي قد يفيد كثيراً الدولة الراغبة في حلول جذرية للمشاكل الامنية، كما أن انكاره او التنكر له لا يعبر الا عن ضيق افق.
4. العالم العربي و الزلزال السياسي
4-1 لقد شهد العالم العربي منذ عام 2010 هزات زلزالية فتحت - او ينبغي ان تفتح- الابصار لما كان يمور تحت السطح من تيارات. هذه التيارات التي لم تهدأ حتى بعد أن برزت فوق السطح تعبر :
* اولاً عن قصر النظر او الثقة المفرطة بالنفس التي حالت دون استبصارها من جانب الدول مما جعل انفجارها يذهل الحكومات العربية، بل العالم بأسره.
* ثانياً العوامل التي أهاجت هذه التيارات كانت ذات وجوه عديدة: اجتماعية، سياسية، اقتصادية، تربوية مما يعني ان علاجها لن يكون ناجعاًً الا إن تم على وجه شامل.
* ثالثاً ان الاسباب التي فجرت تلك التيارات و اخرجتها الى السطح ما زالت قائمة، بل يزداد التعبير عنها حدة بسبب هامش الحرية الذي وفرته الانتفاضات الشعبية و الزخم الثوري الذي خلقته.
* رابعاً بروز الدور الفاعل لجماعات لم تكن جزءً من منظمات المجتمع المدني في تفجير البراكين الهائجة تحت الارض لم يدل فقط على وهن الدولة ، وانما ايضاًً على غيبوبة منظمات المجتمع المدني التي كانت قائمة يومذاك .
* خامساً اتخاذ تلك الجماعات لوسائل للتواصل الاجتماعي لا تخضع للرقابة الرسمية و هي وسائل يزيد من فعاليتها التحسين التكنولوجي المستمر لها.
* سادساً الدور الراهن لنفس الجماعات في تكييف الرأي العام حول المشاكل الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية القائمة و بالتالي ضرورة الحوار معها و تعبئتها وراء السياسات التي يمكن ان تقود الى حلول لتلك المشاكل بدلاً من محاولة الالتفاف على القضايا أو على الجماعات.
4-2 ولاشك في ان القضايا التي فجرت بركان الغضب في الربيع العربي عبرت عن خلل هيكلي في النظام الاجتماعي و الاقتصادي و القانوني في الاوطان العربية . ابلغ تعبير عن الخلل الاقتصادي تفشي الفقر و البطالة خاصة بين الشباب في دول حباها الله بثروات واسعة، الانفاق المبدد للثروات، و انتشار الفساد المنهجي. اما من الجانب القانوني كان من وجوه الخلل التقليص المريع لهامش الحريات بالقدر الذي سمح في بعض الدول باذلال كرامة المواطن دون مبالاة و ما صحبته من خروقات كبيرة لحرياته الاساسية . الخلل الأخير يضع الدول في موضع حرج ليس فقط لأنه يعجزها عن تحقيق اهدافها التنموية مما يقوض الامن الشامل للمجتمع، و انما ايضاً لالحاق تهمة عدم المسئولية بها لتنكرها للقيم الدولية المعيارية التي الزمت نفسها بها مثل رعاية حقوق الانسان، محاربة الفساد، الالتزام بمبادئ الحكم السليم. فجميع الدول العربية تبنت فرادى القرارات و المواثيق و العهود الدولية حول حقوق الانسان و الحكم السليم و محاربة الفساد، كما تبنت مجتمعة في قمة الألفية الثالثة للجمعية العامة للامم المتحدة كل المبادئ الهادية لهذه العهود و المواثيق. اضافة الى ذلك اتخذت الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب من هذه المبادئ اساساً لها . فمن بين ما نصت عليه الاتفاقية أن قواعد مكافحة الارهاب ترتكز على «المبادئ الاخلاقية و الدينية السامية، لا سيما احكام الشريعة الاسلامية و كذا بالتراث الانساني للامة العربية التي تنبذ كل اشكال العنف و الارهاب و تدعو الى حماية حقوق الانسان و هي الاحكام التي تتماشى مع مبادئ القانون الدولي و اسسه التي تقوم على تعاون الشعوب من اجل السلام». لهذا من المفارقات ان يتضمن التقرير الاخير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير بالقاهرة ? بعد ما سمى بالربيع العربي لا قبله- نقداًً مذهلاًً للقوانين والسياسات التي ما زالت تكبل التعبير، وبوجه خاص تقيد حرية الاعلام والصحافة .
4-3 و عندما نقول بان التيارات التي فجرتها انتفاضات الربيع العربي لم تهدأ بعد، بل زاد أوارها، فانما نعتمد في هذا الحكم على الارقام مثل ازدياد حجم البطالة ، و العجز عن ترشيد الادارة، و الجرأة التي امتلكتها الغالية الدينية التي كادت ان تتحول الى سلفية جذرية لا تقل خطراً على المجتمع من جماعة القاعدة. فالبطالة بين الشباب حسب احصائيات المعهد العربي للتخطيط ستبلغ في 2020 تسعة عشرة مليون عاطل. و في تقرير للبنك المركزي التونسي بلغت هذا العام البطالة بين الشريحة الشبابية في تونس - القطر الذي انطلقت فيه اول شرارة لثورة الشباب في الوطن العربي - 17.6 % بالقياس الى 13 % في عام 2010. مشكلة البطالة بين الشباب هذه لم تنجُ منها حتى الدول الموسرة ، إذ اكدت دراسة قامت بها مؤسسة الخليج للاستتثماربدعوة من مجلس دول الخليج العربي اهمية العناية بحديثي التخرج من المؤسسات التعليمية القائمة ، ودعت لانشاء صندوق لدعم المؤسسات الصغيرة و المتوسطة و صياغة برامج للارتقاء بالقدرات التصنيعية بين الشباب. تلك الدراسة تكشف عن ان معالجة البطالة لا تكون فقط بتوفير فرص العمل، بل قبل ذلك بتحسين مخرجات النظام التعليمي الذي لا ينتج اليوم قوى عاملة بل خريجين غير مؤهلين لسوق العمل. و يقودنا هذا الى تكرار القول بان نظام التعليم التلقيني المنغلق الذي لا يؤهل الطالب لسوق العمل، أو يخلق رابطة بينه و بين العالم الذي يعيش فيه، لا ينتهي بالشباب الى البطالة فحسب ، بل ايضاً لخلق ارض خصبة لنمو العناصر المحبطة اليائسة و تلك هي اسهل العناصر لافتراس الارهاب. ذلك النمط التعليمي يقود أيضاً بطبيعته القاصرة الى قطيعة كاملة بين طلابه و خريجيه وبين المسار الاجتماعي العام . و كلما زاد ابتعاد هؤلاء عن ذلك المسار تقوقعوا في دواخلهم وازداد نفورهم من المجتمع ، بل عداؤهم له .
4-4 من الظواهر الاخرى الفساد و عدم الشفافية في اتخاذ القرارات. الفساد ظاهرة عالمية و لعل الازمة الاقتصادية التي هزت امريكا و اوروبا قبل بضع اعوام قد كشفت عن حجم الفساد المنهجي في اقتصاد الغرب الرأسمالي، خاصة في المؤسسات المصرفية . مع ذلك، فقد تضافر عنصران في تمكين ذلك المجتمع من تجاوز تلك الأزمة و لو الى حين. العنصر الأول هو ثبات قواعد ذلك النظام سياسياً، و دبلوماسياً ، و عسكرياً ليس فقط على المستوى الداخلي ، بل أيضاً على مستوى العالم . أما الثاني فهو الشفافية في صنع القرار التي مكنت وسائل الاعلام في تلك الدول من وضع الاقتصاد و صُناعه و القوى المؤثرة عليه تحت المجهر. في ذات الوقت فان الضعف الهيكلي في الاقتصاد العربي يزيد الامر تعقيداً. فالفقر في الريف حيث الغالبية من اهل الوطن العربي هو نتاج للتهميش الاقتصادي لأهله بسبب الاولويات المختلة للتنمية. الابقاء على هذه الاولويات قاد الى عجز الدول العربية دون استثناءعن تحقيق أهم هدف من اهداف الالفية الثالثة ألا و هو تخفيض مستوى الفقر الى النصف في عام 2015. كما ان الانفاق العام ما زال يمنح الأولوية للانفاق الاداري و الامني و العسكري و لن يكون ذلك إلا على حساب التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. لهذا احسنت منظمة العمل العربي عملاً عندما طرحت كواحد من الوسائل لتطويق الفساد تقليص النفقات الادارية العامة. فالعلاقة بين الفقر و الارهاب ليست علاقة سببية او علاقة علة بمعلول و انما الفقر نتاج لكشكول من الادواء على رأسها الانفاق المبدد للثروة و الاولويات الخاطئة لذلك الانفاق .
5. ما العمل
5-1 لا شك في ان الظروف تختلف بين بلد و آخر من حيث نظام الحكم، و تطوره الدستوري ، و استعداد مجتمعه لقبول أية قيم معيارية للحكم تختلف عما ألفه ذلك المجتمع. في ذات الوقت فان العالم العربي لا يستطيع أن يتقوقع في داخله ، لا سيما و قد الزم نفسه، كما سلف القول ، باحترام العديد من العهود و المواثيق و القرارات الدولية المتعلقة بالحكم السليم ، و حقوق الانسان ، و محاربة الارهاب باستئصال جذوره. كما أن الارهاب الدولي بصورته التي شهدناها في مطلع الألفية الثالثة لم يعد فقط يمثل تهديداً للانظمة الحاكمة ، بل هو خطر على المجتمع كله . لهذا فان الاحاطة بذلك التهديد لن تتحقق الا بتعاون وثيق بين الدولة، من ناحية ، و المجتمع ممثلاً في منظماته الطوعية ، من ناحية أخرى.
5-2 و لربما كان من بين اوجه القصور في الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب التركيز على التعاون بين الاجهزة الرسمية في الدول في مجالات مثل تبادل المعلومات، تبادل الخبرات، التحريات المشتركة ، التعاون القضائي. هذه كلها امور ضرورية ، و لكن من الاهمية بمكان أيضاً الالتفات الى دور المجتمع المدني ان كان الامن الذي ننشده هو الامن الشامل . من جانب آخر فان الزلزال الذي هز المنطقة و توابعه اثارا قضايا هامة ليس من الحكمة تجاهلها. من هذه القضايا احترام قواعد الحكم السليم في داخل كل دولة ، انهاء الصراعات بين الدول وفي داخلها بازالة العوامل التي تولد الصراع ، مراجعة الاوضاع الاقتصادية القائمة و اثرها لا سيما على العناصر الضعيفة في المجتمع (الريف و الشباب) ؛ التعايش السلمي بين سكان المنطقة من اهل الكتاب بهدف الحفاظ على النسيج الاجتماعي في الدول المتعددة الاديان. جميع هذه الاشياء تؤثر تأثيراً مباشراً على الامن . كما أن الارقام التي أشرنا اليها قبل هنيهة حول تزايد البطالة بعد انفجار الربيع العربي لا تمثل تحدياً للاقتصاديين وحدهم بل تعني بقدر أكبر الحاكمين لأنها تنبئ عن كارثة امنية و تمهد الطريق لعنف مبرر. اضافة الى ذلك فان ما حدث في مصر مثل الاعتداء على الكنائس من جانب الغلاة من المسلمين امر لا يُصدَّق في بلد كان شيخه و فقيهه و محدثه و قاضيه الليث بن سعد يدعو في القرن الثاني الهجري لعدم الاعتداء على الكنائس ويقول: «الكنائس في مصر عمارة الدنيا و زينتها». يزيد الامر وبالاً استشراء حملات التكفير للخصوم في الرأي رغم ان تكفير المسلم بغي وعدوان بل هو عند الخلاف في الرأي تعطيل للتفكير لا يجوز في دين يحفل بالاشارات الى العقل اذ وردت في اياته كلمة يعقلون في ثلاث و عشرين موقعاً كما وردت كلمة تعقلون في خمس و عشرين . ولا نقول أن اولئك المكفرين لم يقرأوا هذه الايات ، بل نقول ان الذين يلجأون للتكفير في زمان التفكير لم يستبطنوا معاني الآيات من بعد أن قرأوها ، وما زالوا يقرأون . تلك الغلواء لم تفلح في الجامها حتى وثيقة الازهر التي تمثل اجتهاداً بريعاً للتوفيق بين مقاصد الشريعة ومفاهيم الحكم الصالح و حقوق الانسان التي تراضى عليها العالم الذي نعيش فيه.
5-3 علينا ان نعترف أيضاً بان قوى الربيع العربي من الشباب لم تفلح فقط في اقتلاع انظمة ظن سدنتها بانها باقية في الحكم الى ان يرث الله الارض، و انما افلحت أيضاً في دحض دعاوى الجماعات المتطرفة التي كانت تظن بان بيدها مفاتيح الملك. الجماعات المتطرفة جعلت من اقتلاع الانظمة القائمة أو على الاقل نزع الشرعية (delegitimization) عنها هدفاً رئيساً لها، كما انتابها ظن بان لا بديل لتلك الانظمة غيرها . رغم ذلك جاء غيرها ليقتلع الفراعين . و لكيما لا تتحول القوى الجديدة - باسلامييها وعلمانيها - الى جماعات منفلتة تلزم المبادرة الى خلق قنوات للتواصل و الحوار المفتوح معها باعتبارها جزءًً من المجتمع المدني ، بل هي المجتمع المدني الجديد . الحوار مع هذه المجموعات ينبغي أن يؤسس على عقد اجتماعي يعيد للمجتمع توازنه و يقوم على ثلاث عمد: الحرية، العدالة ، الكرامة الانسانية. هذا العقد لا يحد من قدرات الاجهزة الامنية و لا ينتقص من شرعيتها بل يضيف اليها و يزيد من كفاءتها. و وفقاً لهذا المفهوم ينبغي ان يدور حوار مع تلك التنظيمات للرد على الاسئلة التالية : ما هو الدور الذي يمكن ان تلعبه منظمات المجتمع المدني لتوطيد أمن المجتمع ؟ ما هو التصور المشترك لمفهوم الأمن الشامل ؟ ما هي قنوات التواصل الشفاف بين اجهزة الامن و منظمات المجتمع المدني الفاعلة ؟ كيف يمكن للدولة ان تُعين على بناء القدرات الذاتية للمنظمات بدلاً من السعي لتقويضها أو تدجينها ؟ كل هذا لابد أن يسبقه وعي بان الوجه الآخر لسيادة حكم القانون هو الارهاب بحسبان الارهاب تقويضاًً لسيادة القانون .
5-4 هذا الجهد لا يمكن اقتصاره على الدول منفردة بل لا بد من اطار اقليمي يحتويه لأن محاربة الارهاب، كما اوردنا من قبل، لن تتحقق إلا عبر التعاون الامني بين الدول . فدول اوربا الغربية والشرقية الى جانب دول امريكا الشمالية (56 دولة) ادراكاًً منها لأهمية معالجة المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و البيئية في بلادها من اجل محاربة الارهاب انشأت اكبر منظمة اقليمية تحت اسم منظمة الامن و التعاون في اوروبا .(Organization of Security and Co-operation in Europe- OSCE) والى جانب الدول الاوروبية الست وخمسين انضمت الى المنظمة - كدول مشاركة - اثنا عشر دولة منها بعض الدول العربية : اليابان، افغانستان، كوريا الجنوبية ، تايلند ، استراليا، منغوليا ، مصر، اسرائيل ، الاردن ، المغرب ، الجزائر، تونس. هذه المنظمة التي تتخذ من فيينا مقراً لها لا تعتبر نفسها منظمة لصنع القرار بل منبراً للحوار(Forum of Dialouge) حول الموضوعات التي تعزز الأمن العسكري لهذه الدول . و قد انتقت المنظمة من تلك الموضوعات حسب اهميتها: الحكم السليم، الشفافية في الاداء العام، التنمية و الرفاهية للمواطنين بحسبانهما حجر زاوية للأمن، الوعي البيئي، رعاية حقوق الانسان ، احترام حقوق الاقليات ، التسامح ، حرية التعبير، و سيادة حكم القانون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.