قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي بعض القوم بالنعم هكذا ترجم لسان الشاعر القديم ما اجترحت قريحته من حكمة إذ لا شك في أن أمر المؤمن كله خير كما جاء في الحديث النبوي الشريف، وطالما ان الأمر كذلك يمكن استشفاف كم الفوائد التي يمكن أن تعود على البلاد ومنكوبي السيول والأمطار التي ضربت أرجاء العاصمة وبعض الولايات فأحالت حياة البقاع التي أتت عليها إلى جحيم لا يطاق يبعث على الإشفاق واستدرار العطف لاسيما تلكم المناطق التي منيت بضربة ثنائية من قبضتي الأمطار من السماء والسيول من مرتفع الأرض فأوشكت أن تكون أثرا بعد عين يمكن أن يعلق على مكانها لافتة كانت هنا قرية أو حي، فليست الكرياب ومرابيع الشريف وقرى محلية الفاو شرقي ولاية الجزيرة إلا خير مثال . فما حاق ببعض بقاع العاصمة وأحيائها وبعض الولايات على ما خلفه من دمار وتشريد وتكبيد خسائر مادية وفي الأرواح يجب التوقف عند محرابه مليا والعكوف على استخراج الحكمة منه لتلافي وقعه مستقبلا، إذ إن كل شواهد ودلائل ما حدث لأهل الكرياب ومرابيع الشريف وحي النصر ومدينتي الفتح وبعض قرى البطانة شرقي الجزيرة تدل على أن ثمة قصور متراكم كان بالإمكان تفادي آثاره من الجهات الرسمية إن فطنت إلى معاجلة آثار الأمطار والسيول والفيضان قبل وقوعها، إذ إن ما خلفته الأمطار والسيول اخيرا لم يكن مفاجئا لأي متابع بل حتى للسلطات التي تقاعست عن القيام بواجبها الوقائي فآثرت التعامل مع المعالجات بعد وقوع ما لا يحمد عقباه ولا يحتمل آثاره وتداعياته من انهيارات المباني والمنازل وتداعي المؤسسات العامة خاضعة ذليلة إلى الأرض لتمحى بين غمضة جفن و انتباهه من حيز الوجود علاوة على تشرد مئات بل آلاف المواطنين المغلوب على أمرهم فيتدحرجون من خانة حد الكفاف إلى منزلة العوز والفقر المدقع جراء فقدان المأوى وأسباب الاستقرار وتلف الأثاث الأمر الذي يكبد أي عائل أسرة بل كل الأسرة ما لا يطيق اقتصاديا من تبعات إعادة الإعمار التي تتضاعف تكلفتها يوما إثر آخر في ظل تقاصر وتراجع مصادر الدخل وقلتها على تعذر أسباب الوصول إليها وليت أن الأمر واقف عند هذا الحد من التراجع إذ إن السوق ترفض آلته الصدئة التي حدت شفرتها سياسة التحرير الاقتصادي المتبعة على غير هدى ولا كتاب منير فغدت بردا وسلاما على التجار والموردين والمتسلقين والنفعيين، ونارا وجحيما لا يطاق على من سواهم من العالمين باستثناء أصحاب الحظوة والتمكين إذ يتعين على من هلك منزله أو تداعت على أثاثه المهترئ البالي غير الغالي من العمال متوسطي الحال أن يعمل لأكثر من سنة حتى يتسنى له توفير ما يعدل تأسيس غرفة واحدة مقاس (4*4) أمتار من المواد الثابتة . وحتى لا نظل عند مربع الفشل والقبوع في دائرة عدم القدرة علينا الاعتراف بالتقصير أولا ومن ثم الانتقال لرسم خارطة طريق للخروج من محنة السيول والأمطار التي رفضت الحكومة وجميع أجهزتها ووقفت (ألف أحمر) أمام وصفها بالكارثة استنادا على المعايير العالمية لتوصيف الكارثة أو لتقديرات والي الخرطوم الذي يرى أن لفظ الكارثة عنده لا يجوز إطلاقه إلا بموت نصف الأمة المتأثرة، بيد أن الكارثة عندي ليست في ما حل بأهل الكرياب ومرابيع الشريف ومدينتي الفتح وخلافها من البؤر على فداحته وصعوبة وقعه على أهل تلك المناطق بل الكارثة تتجسد بشحمها وتقدل بلحمها في عدم اتعاظ حكومة الخرطوم وعجزها عن استنباط الحكمة من سوابق فواجع السيول والأمطار في السنوات الماضية التي تكاد تكون مشابهة لما نزل بها وهوى على رأسها من تأثر بعض منسوبيها، وتحريا للأمانة لابد من الاعتراف أن حكومة ولاية الخرطوم تبذل وتخصص أموالا طائلة كل عام لمجابهة آثار الخريف بيد ثمة ما يؤخذ عليها تأخر العمل في تأهيل وتأسيس المصارف بجانب تشتت الجهود على أرجاء العاصمة على اتساعها فلا يكاد يحس ركز أو أثر على أرض الواقع ففي تقديري إن عكفت الولاية على تخصيص ما تفرده بأكمله للمصارف ومعالجة الأمطار والسيول لحل معضلات مدينة الخرطوم في العام الأول ومن ثم الانتقال إلى بحري فأم درمان لكان للميزانيات المخصصة للأمطار أثر على أرض الواقع، لكن إن ظلت الولاية في إتباع ما تنتهج من سياسة لن يكتب لها النجاح فيما تصبو إليه ولو بعد ألف سنة وستظل تلدغ من جحر المعاناة ليس مرة أو مرتين بل على الدوام . وأم الكوارث عندي وعند كل ذي قلب نابض بالحياء ومخافة الله تسرب المعونات والإغاثة إلى الأسواق عوضا عن إيصالها إلى مستحقيها من قبل أناس تربع الجشع على قلوبهم وران الطمع على صدورهم فأعمى بصائرهم فلا يرون في فواجع الآخرين المعدمين إلا فرصة سانحة للتكسب الآني. فيا والي الخرطوم أو لست المحاسب أمام الله عما حل ببعض رعيتك من ابتلاء رباني بالأمطار والسيول ؟ وما اقترفته بعض الأيادي الآثمة التي امتدت إلى ما جاد به الآخرون عليهم من معونات ؟ فبحق هؤلاء أرينا في المعتدين عقوبة وتقريعا وردعا يكون عظة لكل من تسول له نفسه مد يده للمال العام، وإلا فلنكن على موعد مع موجات جديدة من النهب المصلح عند النكبات والأزمات .