كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بدر الدين سليمان .. حلم التنوير السوداني
نشر في السوداني يوم 17 - 02 - 2012

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
قد يكون صحيحا أن زمان الناس هداوة بال، لكن زمن الأستاذ بدر الدين سليمان يتخطى هدوء البال ليصبح قصة في البحث عن الوطنية.
كان بدر الدين مشغولا الذهن والوجدان بالقضية الوطنية منذ سنوات طفولته وشبابه فقد ولد في الكوة في العام 1933، وتنامت مشاعره خلال مراحل العمر من ما كان يسمعه من والده الأستاذ محمد أحمد سليمان رحمه الله وغيره من المعلمين الأفذاذ الذين شاركوا في تطوير حركة العلم والمعرفة في البلاد.
والحديث عن تأثير الوالد الأستاذ محمد أحمد سليمان ودوره في الحركة الوطنية يطول ويمتد، ونكتفي هنا بصورة قلمية نادرة رسمها الأستاذ الدريري محمد عثمان في الفصل المعنون شخصيات لا تنسى من كتابه (مذكراتي) الصادر في 1961م.
جاء في صفحات 104 و105 و106 و107 من الكتاب: كان محمد أحمد سليمان نادرة من نوادر رجال التعليم في السودان كان مخلصا لمهنته، مخلصا لوطنه ضحي من أجلها بجهده ووقته ومستقبله وأخيرا ضحى من أجلها بروحه. ولنبدأ من البداية كان محمد أحمد سليمان أحد المدرسين البارزين بوزارة المعارف المشهورين بالقدرة وحسن الفهم وكثرة التجارب والحذق. وكنت أعرف هذه الصفات فيه كما أعرف فيه الوطنية والغيرة على التعليم والإدراك العالي لواجباته. ولهذا السبب قد قصدته بمجرد أن اصبحت مدرسة بورتسودان الأهلية حقيقة عملية بما جمعنا من مال وبذلنا من استعداد. وكنت أشعر بأن قبول رجل مرموق من رجال التعليم الحكومي وينتظره مستقبل باهر لنظارة مدرسة أهلية أمرا ليس سهلا. ولكن حسن ظني به جعلني لا أتردد في مخاطبته في هذا الشأن، وكان يدفعني إلى اختياره بالذات أمران:
أولهما: رغبتي في تأسيس المدرسة من الناحية الأكاديمية تأسيسا صحيحا سليما لا مطعن فيه بحيث تحصل على تقدير الناس واحترامهم وبالتالي إقبالهم وثقتهم.
ثانيا: رغبتي في أن تقوم هذه المدرسة وهدفها إذكاء الروح القوية في نفوس الطلبة وهي مسألة مهمة وخطيرة بالنسبة لمنطقة من السهل أن تندلج فيها الثغرات القبلية والمفاهيم الخاطئة التي كثر معتنقوها تخبطا وجهلا.
وقد كان محمد أحمد سليمان عند حسن ظني، فاستجاب لطلبي بعد أن عرف مهمة المدرسة. ولم يلن للإغراء ولم تثنه المخاوف .. لقد كان أمامه في وزارة المعارف مستقبلا ضخما فتركه. وكان أمامه في التعليم الأهلي طريقا غير معبد، بل طريقا وعرا قل سالكوه يحف به الظلام من كل جانب وتتنازعه شتى الاحتمالات، فلم يبال. إن تصرفه في ذلك الوقت ومع تلك الظروف لم يكن عاديا. ودعاه قبل قبول استقالته من مصلحة المعارف المستر أسكوت نائب المدير وأخذ يحاول إقناعه بالعدول عن الاستقالة .. ذكره بأن التعليم الأهلي لم يستقر بعد وذكره بما ينتظره في المعارف من مستقبل ثم ذكره بمدة خدمته .. غير أن محمد أحمد سليمان ظل مصرا على موقفه. وأقبل محمد أحمد سليمان على العمل في المدرسة إقبالا شديدا. كانت معركة الإنشاء وخاصة في بورتسودان معركة طاحنة واصل فيها الليل بالنهار .. لقد كان مجهودا ضخما أثر على صحته وأصيب بداء الرئة. ولم يكن يستمع إلى نصيحتي وأنا أطالبه بالاشفاق على نفسه فلا يرهقها بما لا تطيق وكان يستمر في بذل جهوده وهو يقول: إنني أعرف مرضي، وأعرف مصيري ومن الخير لي أن أموت شهيدا في ميدان الواجب الأكبر .. ميدان التعليم. ومضت المدرسة في طريقها. وشكا إلي كثيرون من أباء الطلبة بأن الشركات ودور الأعمال في بورتسودان لا تقبل خريجي المدرسة من السودانيين وتؤثر عليهم الأجانب. وانتهزت أول فرصة قابلت فيها الحاكم العام عند زيارته لبورتسودان وتحدثت إليه في الموضوع. وقلت له إن أبناء البلاد أحق بأن يجدوا مجالا في مناصب الشركات ودور الأعمال من غيرهم. وقال لي إن الشركات تقوم على أساس تجاري ويتطلب عملها خبرة ومرانا في هذا الميدان، وليس عندكم تعليم تجاري، فكيف توظف الشركات ودور الأعمال أشخاصا لا تستفيد منهم؟ وحدثت محمد أحمد سليمان ما دار بيني وبين الحاكم العام. فقال لي دون تردد: إذن فليكن لدينا في المدرسة الأهلية ببورتسودان تعليم تجاري وسافر إلى مصر وأحضر معدات التعليم التجاري ماكينات كتابه عربي وإنجليزي وكتبا ومدرسين ومناهج الخ. وانشأ القسم التجاري في ستة أشهر فقط. وبعد سنتين فقط ظهرت الدفعة الأولى من خريجي هذا القسم، حيث تلقفتهم الشركات ودور الأعمال جميعا. وكان عدد خريجي هذه الدفعة عدد لا يستهان به من أبناء البلاد. وقد سبقت المدرسة الأهلية بذلك التعليم الحكومي التجاري. وكانت المدرسة الأهلية في بورتسودان تدرس لهذا القسم بالليل مما مكن الكثيرون من الموظفين وغيرهم ممن يعملون في النهار من الالتحاق به. وكانت بذلك فائدة مزدوجة. ومات محمد أحمد سليمان من تأثير المجهود الكبير الذي بذله .. مات كما يموت البطل في وسط المعركة شجاعا قويا أبيا، لم يستسلم لم يتقهقر، لم يخفف اللواء. فسلام عليه بين الشهداء.
انتهت شهادة الأستاذ الدرديري محمد عثمان، وتكمن أهميتها في أن الشاهد هنا هو أحد الرجال المحترمين في تاريخ السودان المعاصر، إضافة إلى أن الكل في ساحة السياسة يبحث عن دور أو موقف، ولكن قد يبدو هذا الدور ملتبسا ومخادعا في كثير من الأحيان، لكن مواقف الأستاذ محمد أحمد سليمان كان جلية وواضحة في مجمل سيرته الحياتية الناصعة خلال عمره القصير في الحياة نفسها.
فقد بدر الدين الوالد في سن مبكرة، لكن القدر الذي أخرجه من مدرسة الوالد محمد أحمد سليمان، أدخله في جامعة الخال التجاني الماحي، وفي كنف العلامة التجاني الماحي تعلم بدر الدين أهمية تحديد موقع المجتمع السوداني في السياق التاريخي عبر جهد منهجي يمزج المعرفة الحديثة بالواقع الاجتماعي للحياة السودانية.
وغرست تلك الأجواء المفعمة بالروح الوطنية الوثابة في ذهن بدر الدين الكثير من المعاني والقيم التي ظلت تلازمه في رحلته مجهولة الأمد في البحث عن الوطنية. ولذا التحق في صباه الباكر بالحركة السودانية للتحرر الوطني التي اجتهدت في ذلك الوقت في نشر الوعي الديمقراطي، بهدف (حصار بذرة الاستبداد التي تشيد لنفسها موقعا في أرضية البناء القائم الآن). لكن هذه الحركة انقسمت إلى تيارين الأول بقيادة عبد الخالق محجوب عثمان والذي سمى نفسه بالحزب الشيوعي السوداني، والثاني بقيادة عوض محمد عبد الرازق والذي سمي بالحركة الديمقراطية السودانية. وقد لا يسع المجال هنا للخوض في التفاصيل، لكن للتدليل على العمق الفكري للتيار الذي وقف معه بدر الدين يستحسن أن نستعرض فقرات من وثيقة عوض عبد الرازق الذي دعت إلى: تحجيم الخط اليساري المتعجل الداعي للقفز فوق المراحل بتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي (ماركسي لينيني) مستندا على العمَّال والمزارعين والمثقفين الثوريين، لأن طبقة العمَّال في بلادنا مازالت طبقة وليدة تنحصر في عمَّال الخدمات (سكة حديد، البريد، موانئ، نقل نهري) وهؤلاء جميعا دورهم مساعد وثانوي. فالعمَّال طبقة مازالت في طور التكوين ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل إلا في ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التي من مسئولياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعي واسع يجعل من العمَّال طبقة قائدة وقادرة على بناء حزبها الطليعي القوي الذي يسير بها وبالمجتمع نحو الاشتراكية.
أما المزارعون والنص للوثيقة: فيطابقون في وعيهم مستوى الإنتاج الزراعي، فالزراعة في كل السودان ما زالت زراعة اكتفائية (subsistent agriculture)الإعاشة موسمية وحتى أرقى أشكالها مشروع الجزيرة ضعيفة وليست ذات أثر. ولم يشكل المزارعون كطبقة اجتماعية ذات هموم ومطالب ووعي يؤهلها لتحقيق تحالف العمال والمزارعين.
انتهى الاقتباس من وثيقة الأستاذ عوض عبد الرازق التي قدمها إلى مؤتمر الحركة السودانية للتحرر الوطني في أكتوبر 1952. وقد أحسن الأستاذ مهدي إسماعيل مهدي عثمان صنعا حين أعاد نشر هذه الوثيقة في الموقع الإلكتروني المتميز (سودانايل)، نقلا عن نسخة خطية بخط الأستاذ عوض عبد الرزاق كانت من محفوظات الراحل عبده دهب، قدمها له الصديق القديم خالد دهب رد الله غربته.
أهمية هذه الوثيقة أنها تحتوي على استشراف يرنو لواقع سياسي سوداني، مازالت أطروحات أحزابنا بكافة مسمياتها ومراحلها في حاجة ماسة له، خاصة حين نراه يحذرنا قبل 60 عاما من (أن طريق التعجل السياسي ينذر بفقدان الحركة السودانية للتحررالوطني مواقعها كطليعة ديمقراطية يلتف حولها أكثر أبناء شعبنا ذكاءا، وإذا تعارضت مع قيم وتراث فإنشاء حزب شيوعي يدعو إلى الاشتراكية لم يحن أوانه بعد وربما يدفع نحو المقامرة التي لا تراعي المراحل، وقد يحدث شرخا عظيما في وجدان المجتمع ويهدم كل البناء ولعمري إنه طريق الفشل).
ونمضي في خطوة جرئية ثانية لندلل على أهمية قراءة هذه الوثيقة حين نقرأ نصا يقول إن (الحركة السودانية للتحرر الوطني غرست أقدامها عميقا في أوساط الشعب باجتذابها العناصر المستنيرة والفئات الأكثر وعيا أو مصلحة (طلابا، موظفين، عمَّالا.. إلخ)، مما يرشحها لأن تلعب دورا مهما في البناء الوطني الديمقراطي بالرغم من وجود عقبات أساسية نوجزها في أن من مهددات للتطور الديمقراطي اليسارية الطفولية التي تتعجل الإنجازات وتتجاوز المراحل في التطور الوطني بغرض فرض خيارات تتناسب مع الظروف الموضوعية على نحو الدعوة لتحويل الحركة السودانية للتحرر الوطني لحزب شيوعي مما يؤسس للعزلة والقطيعة بين الشيوعيين والديمقراطيين وينفرط عقد تحالفاتهم ودورها الرائد كمنبر ديمقراطي تأسس من خلال نضال الديمقراطيين والوطنيين بالدرجة الأولى).
وعودة لصاحبنا بدر الدين، فإن أهمية الاستطراد السابق تكمن في أنه يمثل البدايات الأولى لحلم التنوير السوداني الذي غازل أفكار بدر الدين في تلك السن الباكرة، خاصة بعد فصله من جامعة الخرطوم، بسبب نشاطه السياسي، والتي كان سكرتيرا لاتحاد طلابها.
ولعل حلم التنوير هو ما يدفع بدر الدين الذي درس القانون في مصر إلى الحرص الشديد على أن يقدم من كتاب حياته الملئ بالتجارب والأسرار، إفادات للجيل الجديد عن الاستثمار في حب الوطن.
اهتمام بدر الدين بالشأن العام نقله من ماعون الحركة السودانية للتحرر الوطني إلى وعاء الوطن الأكبر، وهكذا أصبح من قادة الجمعية الوطنية التي تمثل اليسار المعتدل. وفوق كل هذا فإن مهنته كمحام جعلته أقرب إلى القضايا العامة.
وكغيره من المهتمين بالشأن العام، انتخب رئيسا لنادي الخريجين، وكغيره من المهنيين البارزين دعي إلى المشاركة في جلسات المؤتمر التأسيسي للاتحاد الاشتراكي السوداني. وأغلب الظن أن بدر الدين لفت الأنظار بمناقشاته وأطروحاته عند إعداد ميثاق العمل الوطني. وكانت مجالس الخرطوم في بدايات مايو ترشحه سفيرا للسودان في إحدى الدول. وبدأت رحلته مع مايو عندما زاره الدكتور منصور خالد في منزله، وأبلغه نيابة عن الرئيس الراحل جعفر نميري أنهم يرغبون في تعينه رقيبا لمجلس الشعب الأول. وطبعا قبل بدر الدين وأسهم مع آخرين في إعداد وصياغة دستور السودان الدائم.
وقبل العودة لحلم التنوير السوداني الذي يقوده بدر الدين سليمان، فإن الاستطرادات السابقة تسعى لتأسيس قراءة جديدة لشخصيته، ذلك أن المجتمع السوداني في (قعدات طق الحنك) قد يرسم صورا للشخصية العامة تكون في غالب الأحيان بعيدة كل البعد عن شخصيته. وقد يفاقم من هذه الصور افتقار الصحافة السودانية إلى كتابة (بروفايل) الشخصية وفق مقاييسه العالمية. مناسبة هذا الحديث أن صورة بدر الدين في بعض الأحيان قد تظهره في صورة (المعتد بنفسه) في أحسن الأوصاف أو (المتعجرف المتسلط) في أسوأ الأوصاف. هذه الصورة غير حقيقية على الإطلاق، فبدر الدين كما يعرفه كل من تعامل معه عن قرب (نموذج للدماثة والنبل وسماحة الخلق والتواضع الإنساني).
إضافة إلى كل هذا يجسد بدر الدين نموذجا لباحث مخلص ومفكر مجتهد في السياسة والاقتصاد، رغم أنه خريج قانون. ولعل بدر الدين المسكون بموسوعية العلامة التجاني الماحي منذ الصبا الباكر، تراه في كل ما يكتب يقتطف فقرة ما أو يستعير لهجة أو تركيبا لغويا، وأغلب محاولاته تقترب من الجوهر الذي يتطلب إدراك التغييرات الأساسية التي طرأت على القيم وما يصاحب هذا التغيير من عناء قسوة على روح الإنسان واستقامة رؤيته للأحداث والمشاكل.
ومن يقرأ سطور كتاب الأستاذ بدر الدين سليمان (بدائل جديدة للنمو نتائج النمو الأخلاقية) الذي سيطرح في الأسواق خلال هذا الأسبوع، سيدرك من السطر الأول انحياز بدر الدين التام لقيم العدالة الاجتماعية وحقوق المهمشين.
ويقدم هذا الكتاب الذي يأتي في 152 صفحة باللغتين العربية والإنجليزية، إنجازا مهما يتميز بالجدة خصوصا في ربط السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكد هذا الكتاب أيضا أن مؤلفه مثقف رفيع يجتهد في أن يضع لنفسه مكانة بارزة في خارطة الفكر السوداني المعاصر. ويضيف هذا الكتاب للمكتبة السودانية جهدا فكريا مهما في تحليل العلاقة المتشابكة المعقدة بين السياسة والاقتصاد والمجتمع، وما يسفر عنها من تعقيدات وخصومات وآحن.
ويعد اهتمام الكتاب بالثقافة من أجل التنمية ناقوسا لإثارة الانتباه إلى المضمون الحقيقي للتنمية المتمثل أساسا في الإنسان.
إن قراءة كتاب الأستاذ بدر الدين سليمان تكشف عددا من الخصائص والسمات المهمة لأسلوبه كباحث موسوعي، لا يتطرق إلى موضوع من الموضوعات إلا بعد الإحاطة بكل ما كتب عنه من الباحثين الغربيين والعرب. ومن بين هذه السمات الالتزام بصرامة المنهج العلمي مع الحرص على وضوح الأفكار وبنائها في السياق الذي يخدم الفكرة الأساسية للموضوع.
كما تكشف قراءة كتاب بدر الدين عن الطابع الحداثي لمنظومة أفكاره، وتشديده على فكرة الدولة المدنية بديلا لدولة القبيلة، والانحياز التام إلى قيم العدالة الاجتماعية عبر اهتمامه بفكرة العلاقة بين الدولة والمجتمع. بل يريد بدر الدين بكتابه هذا أن ينقلنا من مجتمع الشيخوخة السياسية إلى مجتمع تصنع الأجيال الجديدة فيها كتابة عصر سوداني جديد بفكر جديد وبذهنية جديدة. وفكرة النقل هذه واضحة جدا في باب الكتاب المعنون (موعود لا مفقود)، وهي رسالة الوطن الموعود (الوطن الذي يحمل في أحشائه أرواح عالم لا يموت ... روح أفريقيا الأم ... روح المجد العربي التليد ... ووحي الرسالة الخالدة).
إن الدعوة لقراءة كتاب (نموذج بديل للنمو نتائج النمو الأخلاقية) في الحقيقة ليست دعوة للاحتفاء بسيرة مفكر وسياسيي رفيع المستوى فقط، بل هي أيضا دعوة للتعرف على منظومة فكرية عقلانية تنحاز لقيم النهضة السودانية وتضع يدها على الكثير مما يعتور الحياة السياسية والاجتماعية في مجتمعنا. وتقترح إيجاد البدائل التي يرى بدر الدين أنها يمكن أن تحقق التنمية الحقيقية للمجتمع عبر ترشيد العلاقة بين المؤسسات السياسية الرسمية وتفعيل دور المجتمع المدني في صياغة الحراك السياسي والاجتماعي اللازم لتحقيق التنمية والنهضة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.