مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خصخصة الدفاع في ظل العولمة العسكرية 1-2
نشر في السوداني يوم 14 - 05 - 2012

تلجأ الحكومات في العالم لخصخصة مؤسسات أو إدارات أو قطاعات حكومية لعدة أسباب متباينة،
ومنها عندما لاتستطيع إدارتها بالصورة المستهدفة التي تكفل استمراريتها، أو لتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار، أو عندما ترغب في تسريع عجلة تطورها، أو لرفع الإنتاج و الإنتاجية، أو التنافسية داخل قطاعات و إدارات الأركان نفسها، أو عندما ترغب في أن يكون القطاع منافساً عالمياً، وهذه الأخيرة هي مبحثنا.
ومثلما أن الخصخصة تحد من تدخل الحكومة في القطاع الاقتصادي رغم أهمية القطاع ورغم الخوف من وقوعه في براثن قراصنة الاقتصاد ومغتالي الأمم، فإنك تجد أن نمو القطاع الاقتصادي صار محسوداً بعد الخصخصة، وبمثل ذلك فيمكن أن تحد الخصخصة من تدخل الحكومة في القطاع العسكري مع كل المحاذير، و لكن ما يحدث هو تحقق النمو العسكري المنشود، ويصبح القطاع العسكري أو الأمني محسوداً بعد حين !
وفي عالم متسارع التطور عسكرياً، تسيطر عليه العولمة العسكرية والأمنية، وتصبح فيه غرف المنزل أهدافاً واضحة في شاشة داخل منزل عدو في الطرف الآخر من العالم، وأصبح همس الهواتف المحمولة مسموعاً في الفضاء وفي قارات أخرى، وأصبحت الطائرات والصواريخ المعادية لا تحترم مجالاً جوياً أو سيادة وطنية، واختلفت معاني السيادة في ظل ارتعاب القانون الدولي من السلاح الدولي، كان لا بد من تطوير أنظمة الدفاع البحري والبري و الجوي لتكون عالمية المواصفات و معولمة المعايير مستجيبة للمتغيرات، فتخطيط وتجهيز وتحديث الدفاع الجوي – كمثال خاص - ليس شأناً مرتبطاً بالأحداث و القدرات والمهددات الداخلية، ولكنه مرتبط بقدرات الآخرين والأحداث في البيئة الخارجية.
ولم يعد شأناً خاصاً و سرياً معرفة إمكانات و قدرات الدول، بل يمكن معرفة كل سلاح لديها ما لم يكن مصنوعاً داخل البلاد بموارد بشرية و مواد خام محلية، وحتى هذه تصل إلى كثير من أجهزة الاستخبارات في العالم، وقد تغيرت مفاهيم الصراع تبعاً لذلك، بعد أن تمت عولمة المعلومات الأمنية نفسها ! مما يستدعي تفكيراً مغايراً عما سبق في التخطيط بأنواعه، وتغيير أسس ما تم البناء عليه في الماضي، بل و ربما تغيير العقائد العسكرية نفسها حتى تستطيع التعامل مع الشرسنة التي حدثت للعالم مؤخراً، في ظل تناقص الموارد الطبيعية، والموارد الأخلاقية! وفي ظل التطور الذي حدث من حولنا تبعاً لذلك، دون أن نشعر، حتى أن الحركات المتمردة في العالم صار لها هياكل تجالس هياكل الحكومات، وتجالس زعماء الدول، وتشتري السلاح من الشركات دون وسائط تمويهية، ويتم تخصيص بنود صرف عليها في موازنات الدول الإرهابية الكبرى المسيطرة على ما يسمى بمجلس الأمن.
وقد دخل عهد حديث، صارت فيه الدول تقوم بالتحليل النفسي الكامل للقادة و لصفات قبائلهم وماضيهم وأصدقائهم ولخلفياتهم وبيئاتهم التي نشأوا فيها لمعرفة جميع جوانب نفسياتهم و قدراتهم الذهنية و النفسية على السواء لمعرفة كيفية إدارتهم للمعارك العسكرية والاقتصادية والسياسية، ومعرفة نقاط ضعفهم والمزالق التي يمكن إيقاعهم فيها، بل صار من العلوم كيفية استغلال نقاط "القوة" لدى الخصم في إيقاعه بمزلق يحسب كبراً وهو في كهفه وفي سعيه أنه يحسن صنعاً ! فصار بذلك بقاء القائد العسكري في موقعه لفترة طويلة مهدداً أمنياً خطيراً، ليس عليه وعلى مؤسسته ولكن على البلاد التي وسدت إليه أمر حمايتها بإذن الله. وصار لا بد من وضع دورات زمنية محددة لبقاء وزراء الدفاع و القادة العسكريين في مقاعدهم بل والقادة السياسيين وصانعي القرار و كباتن المفاوضات، لا يهم معها مدى كفاءة القائد ونجاحاته.. والآن هناك مراكز دراسات دولية ومستشاريات أمنية و ثكنات للتخطيط و صنع الفكر ومعاهد جامعات تسهم جميعها في رفد الحكومات الأخرى و قواتها المسلحة بكل دراسة مما يخطر على بالنا، أو ما لم نصل إليه بعد – بطبيعة الحال - من آفاق و رؤى حديثة في الفكر العسكري والأمني الحديث و المتجدد بتسارع، والمستدام بوتيرة لا تمكننا من التقاط أنفاسنا بالطريقة التي نخطط بها ونسعى بها في الأرض وفي السماء!
وقد تغيرت المفاهيم والمناهج في ظل الانفتاح الاجتماعي العالمي وتكنولوجيا الاتصالات و المواصلات و المراقبة، حتى في المجال الأمني و المخابراتي، فلم تصبح عملية جمع المعلومة هي الشغل الشاغل مثلما كانت في الماضي، ولم تصبح تحدياً مثيراً أو مهماً لضباط المخابرات و إدارات المصادر، بقدر ما صار التركيز الأهم هو في القدرات الاستثنائية على تحليل المعلومات وتوظيفها، وفي المهارات عند تصنيف المعلومات والاستفادة منها بصورة فعالة.
وفي مجتمعات العالم الثالث المتخلفة، والموبوءة بالعصبية القبلية المقدمة على العصبية الوطنية والولاء القومي، فإنك تجد بلداً مثل السودان، لا يتحرج ولا يتورع المواطن فيه عن كشف اسم مواطن آخر على أنه يعمل في جهاز الأمن أو المخابرات، بل أنه يمكن لأي مواطن أو مقيم أن يدون قائمة بأسماء التابعين للأجهزة الأمنية في السودان عبر اللقاءات الاجتماعية العابرة والونسات! ففي مثل هذه المجتمعات التي قامت بنفسها بعولمة أمنها الذاتي و بكشف عورتها، استهتاراً منها أو ضعفاً في الحس الأمني، أو ظناً منها أنها تكيد على الحكومات التي تعارضها، فإن مفهوم العمل الأمني نفسه الذي يحفظ البلاد يجب عليه أن يتغير و يواكب هذه المتغيرات في المجتمع المحلي والمجتمع العالمي، ولا يمكن أن تنجح النظريات الأكاديمية التي قامت وأنشئت على مرتكزات هي غير التي في السودان، وفي غير الزمان الذي نحن جزء من مكوناته.
وأصبح أكثر من ثلاثة أرباع المعلومات الأمنية تأتي من مصادر مفتوحة ومتاحة، مما يرمي بالعبء و الجهد على التصنيف و التحليل و التوظيف، لذا يمكن في عهد العولمة الاعتماد على الخصخصة في هذا الجانب، خصوصاً أن مصادر المعلومات لجميع أجهزة المخابرات والاستخبارات في العالم هي ليست دوماً من مصادر وطنية، وتتنوع ما بين بشرية و تكنولوجية تأتي بالمعلومة الدقيقة و المفصلة والسريعة، فلا يمكن بالتالي للمصدر الوطني المحلي أن ينافس هذه المصادر والشبكات العالمية، دون الانخراط فيها بصيغة أو بأخرى.
وإن هناك كثيراً من المعلومات التي لا جدوى من إخفائها، بل يكون أحياناً من الحكمة تسريب بعضها، كنوع من الردع لمن تسول له نفسه، خصوصاً الفئة التي أرادنا الله أن نرهبها بمعرفتها لشئ من قوتنا التي استطعنا إعدادها، وهم : َوآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ.
فعند شراء أي معدات عسكرية، فالعالم يعرفها قبل أن نشتريها وقبل أن يعرفها بقية أركان الجيش! وعندما تتم المناورات العسكرية المشتركة، فإن معرفة الأطراف الأخرى لإمكانياتنا، تتعدى المعدات، إلى التشكيلات ونظم الإدارة العسكرية، والتعبئة و الجاهزية، والتكتيكات المتبعة وغيرها من تفصيلات.
فالخصخصة من ناحية تشبه المناورات العسكرية المشتركة، التي لا بد منها لأي جيش حديث طموح له تحديات إقليمية، ولكنها في نفس الوقت تكشف نقاط الضعف للطرف الحليف، وهنا تبدأ الموازنة بين ما يمكن كشفه لفائدة التدريب و التحديث و الكفاءة، وما يجب إخفاؤه لفائدة التأمين و السيادة.
مع الانتباه لعدم جدوى أن تكون إدارة ما أو سلاح ما خفياً على الآخرين، وهو غير ذي جدوى في المعركة لتطور العالم من حولنا، وتجاوزه لهذه المحطة التي نقف عليها، ونحافظ على سريتها !
لذا يبدو من غير المنطقي تفنيد الخصخصة بحجة كشف معلومات حساسة، فهذه التصنيفات للمعلومات قد تغيرت مع العولمة، ومن يلتزم بالنهج القديم يتعداه العالم و يسبقه، ويظل هو في تخلفه العسكري يظن أنه يحتضن كنزاً من الأسرار والمعلومات، لا يستطيع هو نفسه أن يستفيد منها ! أو يقي نفسه بها شر الضربات الصاروخية و الطلعات الجوية والأذرع المتطاولة.
ومما يجدر بالذكر أن الردع لدينا يجب أن يكون قاسياً وقاصماً ، وأن تكون آليات الردع مواكبة للقوى الإقليمية، بل تفوقها بمراحل حتى يكون الردع حقيقياً، وهو الردع الذي وصفه الله في كتابه بأنه (تُرْهِبُونَ بِهِ) ، فالقوة المماثلة لقوة خصومك لا ترهب أحداً، بل تجعل الاحتمالات مفتوحة للطرفين، وتجعل احتمالات المغامرة والمخاطرة عالية، لذا نتساءل هل بالإمكان خصخصة وسائل الردع، لتكون عالمية المواصفات، ولتجعلنا في موقف إقليمي و عالمي أفضل ممن حولنا في موازين القوى العسكرية، و موازين السيادة والهيبة ؟
لقد قرأنا في وسائل الإعلام قبل ثلاثة أعوام فقط في 2009 أن السيد وزير الدفاع الكريم قد عقد صفقة لشراء أنظمة دفاع جوي من إحدى الجمهوريات، أشار الإعلام الروسي إلى أنها بانتسير المعروفة روسية الصنع "قصيرة المدى"، ومعلوم بالضرورة أن سرية التأمين والإعداد لا تعني سرية الردع والدفاع، بل أن الإعلان عن امتلاك "بعض" وسائل الردع هو نوع من الدفاع المسبق عن النفس، لذا صرح وذكر وزير الدفاع –أعانه الله على حمايتنا وأرضنا- أن السودان سيبدأ في هذا المجال "من حيث انتهى الآخرون"، وقد أفرحنا وزيرنا المجتهد الهمام بذلك رغم تأخر الإعلان. وفهمنا من ذلك – وقتها- أن ميزانية الدفاع لا تضيع هباءً منثورا.
ولكن جوهر الأمر ليس في قدراتنا -المجردة- نحن، بل هو "أين انتهى الآخرون" مثلما ذكر وزير الدفاع الحالي، وما هي قدرات الآخرين، وأين موقعنا منها حينذاك و الآن ؟ فاللغة هي لغة (التوازن) العسكري، فهي ليست كفة واحدة نملأها فرحين منكفئين على ذاتنا، فخورين بقدراتنا المحلية وبما استوردته تم استيراده أو تجميعه أو تصنيعه، دون أن نحسب ما يوجد في الكفة الأخرى للميزان عند دول الإقليم و حلفائهم من قدرات وقوات وحجم واستعداد وجهوزية وكفاءة نوعية و فعالية وتكنولوجيا ومعلومات وتحالفات و "عقودات مستقبلية".
مثال ذلك، أن إثيوبيا القريبة هذه لها أكثر من 30 مقاتلة ميج، وأكثر من 20 مقاتلة سوخوي، فماذا لو أرسلت شيئاً من طائراتها بتنسيق مع مركبات الأمم المتحدة التي تراقب عبر موظفيها بعض مدن البلاد ليلاً و نهاراً خارجة عن اتفاقيتي سوما و سوفا ويمكنها بحسب ميثاق الأمم المتحدة أن تتحول من الفصل السادس للسابع مستخدمة المادة 42 دون إذننا ودون تنبيهنا؟
أما الميج 29 التي بهرنا بها الطيارون السودانيون في عرض عام 2008 العسكري، فإن لإرتريا في شرق السودان مثلها، فما هي قدراتنا الدفاعية التي تمنع دخولها أجواءنا من الشرق على حين غرة ؟ وهل تم التدرب على إصابة الأهداف الجوية المتحركة ؟ ولو على أجهزة المحاكي simulators ؟
وإن الدول التي لديها واجهات بحرية وموانئ استراتيجية قد تحتاج إلى خصخصة الدفاع عن مياهها الإقليمية و شريطها الساحلي و الأراضي الداخلية، لارتفاع الكلفة من رادارات بحرية إلى أنظمة دفاع جوي لسفن السطح (مثل الطرادات والفرقاطات الخفيفة)، وإلى صواريخ سطح- جو قادرة على حماية الموانئ والمدن الساحلية..
أما مدافع (م.ط.) البسيطة فهي لا تفي بالغرض إلا للطيران المنخفض، ولا شيء يجبر مقاتلات اليوم على الطيران المنخفض لتكون في مرمى مضادات الطائرات البسيطة، إلا وجود أنظمة دفاع جوي صاروخية طويلة المدى، أو متوسطة المدى على الأقل.
أما الدول منفتحة الأجواء، فتحتاج إلى التدرب على المناورات العسكرية المشتركة، وهذه المناورات تكشف من المعلومات الحساسة أكثر مما تكشفه الخصخصة! فتحتاج إلى المناورات السنوية الدورية للتدرب على التنسيق بين مقاتلاتها بصواريخها جو- جو، وبين أنظمتها للدفاع الجوي أرض- جو، حتى لا تفجع يوماً بنيرانها الصديقة وهي تتعقب الطائرات الغازية، وفي خضم ذلك يبرز تساؤل حول القدرات الإلكترونية على التعامل مع صواريخ الإعاقة أو طائرات التشويش الإلكتروني..
ويبرز لدينا وسط ذلك سؤال عن القدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة عبر شد الأطراف، أو تحمل أي حصار على موانئنا، وإن كانت لدينا إمكانيات منع ضربات "Blitz" لجسور العاصمة، مع وجود سيناريو الطوارئ إن حدث ذلك، للتعامل مع الكوارث الصناعية والطبيعية! وهل يحتاج الدفاع المدني كذلك إلى خصخصة ليزداد قدرة و تطوراً ؟
وما حدث مصاحباً لبعض الحادثات العسكرية كالتداعيات "الاقتصادية" والاجتماعية و والسياسية و "الدبلوماسية" يشير لحاجة وزير الدفاع الكريم – أعانه الله على مسؤولياته – ومعه وزراء آخرون للتنسيق للقيام بتغييرات حتمية حديثة تطال بعض الرؤى والسياسات الكلية و الجزئية و(التنسيق المسبق والمتواصل) مع وزارات و مستشاريات أمنية و جهات حكومية أخرى، حيث لا يستقيم في أي كيان وطني أن يكون الإعداد الشامل للدولة للدفاع قبل أكثر من ألفي سنة في عهود سن تزو الصيني و هنيبعل القرطاجي و الإسكندر المقدوني و بطرس الروسي و رتشارد الإنجليزي و صلاح الدين الكردي و النبي محمد القرشي هو أشمل اقتصادياً و عسكرياً و سياسياً و معنوياً واجتماعياً، وأكثر مناسبة للظروف الإقليمية والدولية "وقتها"، من العهود التي تلت ذلك.
ولا يغيب عنا أن الشركات الضخمة متعددة الجنسيات وأحادية الاتجاه صارت تؤثر في صنع القرار العالمي، بل تمارس عبر منظمات خفية و أخريات و جمعيات التأثير على صنع القرارات الوطنية، بعلم أو بدون علم المنومين مغناطيسياً ! وفي هذا تشترك شركات النفط أو الغذاء أو الخدمات العسكرية والأمنية و جهات "أخرى".. وأصبح هذا العمل معترفاً به بحسب الأعراف وإن رفضته القوانين، فأضحت للشركات العسكرية والأمنية أسهماً في بورصة نيويورك وأسواق الأسهم العالمية، ودخلت دعومات التمرد في العالم الثالث موازنات و ميزانيات دول الاستعمار الحديث.
ومن الأمثلة على جهود الخصخصة التي تم تقنينها هو ما قام به ديك تشيني و دونالد رامسفيلد إبان حروب الخليج وما بعدها وما بعد ضربة سبتمبر، حيث كانت محاولات رامسفيلد المشهورة لجعل واجبات جندي القوات المسلحة تقتصر على القتال المباشر فقط، وأن تقوم الشركات المتعاقد معها بكل الأدوار الأخرى في الجيش الأمريكي، ونجح فيها وفي تحويل العقائد العسكرية في عدة دول في العالم، مما يستدعي إعادة النظر في كثير من الخطط بعد تغير العقيدة لدى القوى العظمى ومن يدور في فلكها من حلفاء و أتباع و عبيد، في خطوة نحو التحكم و عولمة العمل العسكري و الأمني بتركيزه في أيدي الشركات القابضة على مقاليد المال و الحديد و النار. علماً بأن خصخصة العمل العسكري بدأت فكرتها في أمريكا منذ عهد الرئيس الأول جورج واشنطن الذي كان يشجع بعض الشركات التي تقوم ببناء السفن البحرية وتقوم بتسليحها وذلك في العام 1794 عندما تم بناء أشهر سفينة حربية وقتها والمسماة بالدستور، عبر القطاع الخاص.
بل تجاوزت الخصخصة في أمريكا العمل العسكري إلى العمل الأمني رغم تشكيك روبرت جيتس في الجدوى "المالية" لذلك، وغير بعيدة محاولات خصخصة وكالة المخابرات المركزية (CIA)، والتي أرادت فيها اتباع خطى وكالة (وليس مجلس) الأمن القومي الأمريكي في بعض إداراته. وتم الاستناد على حقيقة عدم سرية أغلب المعلومات في عهد العولمة المعلوماتية الذي نعيشه الآن، وإن هناك وكالات خاصة للعمل الأمني وللتحليل والمراقبة في عدة بلدان بالعالم، قد تملك من المعلومات ما لا تملكه الحكومات، وتصرف من ميزانيتها الخاصة، ومصرح لها بالعمل، وتشاركها بعض مراكز الدراسات و التفكير..
وقد قامت وزارة الدفاع البريطانية بخصخصة الأبحاث العسكرية قبل أكثر من عشر سنوات، مع احتفاظها بحق الاعتراض على بعض العمليات، وكانت خطوة الوزارة في بريطانيا بداعي (تقليل التكلفة ورفع الكفاءة) بإدخال تنافسية القطاع الخاص التجاري في المعادلة. وأوكل الأمر إلى شركة كاينتك َQinetiQ والتي كان شخصي الضعيف من الذين مروا في الاختبارات الأولية للعمل بها في عام تكوينها رغم أني أجنبي تماماً، كمثال للانفتاح المنضبط الذي لديهم، ولكن تم الإقصاء لاحقا ربما لانتماء جواز السفر لدولة تخاف الله قبل بريطانيا وأمريكا!
أما إسرائيل هذه التي انتهكت أراضينا وضربتنا مرتين، والتي تمارس أقصى الحذر في شؤونها العسكرية و الأمنية، فقد كانت هناك خصخصة لبعض الصناعات العسكرية فيها، وكذلك في أوكرانيا والأرجنتين وعدة دول أخرى قوية وربما الهند قد شرعت فعلياً كذلك، رغم الجدل المستمر في الهند حول هذا الأمر، ولكن المعارضة له تأتي أغلبها من نقابات العمال في الهند و طبقة البروليتاريا التي تتوجس دوماً من فقدان الوظائف بالخصخصة، فتأتي معارضتها من حيث إنه لا أحد يستطيع توقع من سيبقى في مقعده ومن سيغادر، وليس من واقع الحرص على المعلومات الحساسة التي ستكشف للجهات الخاصة أو للمصادر شبه المفتوحة، علماً بأن الهند لا تنام إلا متوجسة من اكتساح باكستاني أو مفاجآت كشميرية أو ضربات طالبانية مؤلمة لها.
م. أ ُبي عزالدين عوض
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.