وهل لديك الشجاعة الكافية بكشف المجرمين الحقيقيين في فض اعتصام القيادة يا حمدوك؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    في نصف قرن مع منصور خالد .. بقلم: فاروق عبد الرحمن عيسى/ دبلوماسي سابق/ لندن    كيف واجهت مؤسسة الطب السوداني اول وباء لمرض الايبولا (1976) الموت تحت ظلال الغابات الاستوائية .. ترجمة واعداد/ بروفيسور عوض محمد احمد    مسألة في البلاغة: تجري الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    حريّة سلام وعدالة: ساحة القيادة "الطّامة" .. ليلة الخِسّة، الغدر، الخيانة، وعار البّزة العسكرية السودانيّة .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن    سر اللاهوت والناسوت في النفس البشرية (دكتور علي بلدو نموذجا) .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    الخارجية الامريكى في ذكرى 3 يونيو: نحن نقف مع شعب وقادة السودان    قرارت مرتقبة لتنظيم عمل المخابز بالخرطوم تتضمن عقوبات صارمة    ترامب لا يحمي الأمريكيين.. لكن السوريين ممكن! .. بقلم: د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري    قصة قصيرة: صدفة نافرة .. بقلم: د. عمر عباس الطيب    الزكاة .. بقلم: الطيب النقر    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    تفشى فيروس كرونا كمؤشر جديد لانهيار النظام الاقتصادى الراسمالى العالمى .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    إيقاف مشروع تقنية الحشرة العقيمة جريمة كبرى .. بقلم: د.هجو إدريس محمد    غضبة الفهد الأسود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    الإسلام دين ودولة .. بقلم: الطيب النقر    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محاسن حسن المكي
نشر في الوطن يوم 13 - 11 - 2012

ليلة صيف رقَّ نسيمها وهدأ حتى حسبته (من أريج نسمات الشمال) كما صدح الراحلان / مبارك المغربي وعبدالعزيز محمد داؤد عليهما الرحمة .. وبالرغم من ذلك لم يدعوني هذا النسيم للنوم في راحة ورضى بعد تعب النهار فانتابتني الخواطر والذكريات والتداعيات .. وبينما أنا كذلك جذبني صوت من على البعد يشق أجواء الفضاء وعتمة الظلام وصار الصوت أكثر قرباً ووضوحاً وجلاءً ونقاءً حين أرهفت السمع حتى أدركت أنه ينبعث من احدى المحطات في إذاعة أمدرمان في احدى السهرات .. يحملها ويعطرها بالطرب والغناء المطرب الكبير د. عبدالكريم الكابلي حيث كان يتغنى في عزوبة ورخامة وتطريب برائعة الشاعر المفتن التيجاني حاج موسى (في عز الليل)
ساعة النسمة ترتاح
على هدب الدغش وتنوم
انا مساهر
فقد كانت كل مفردة منها تشكل وجداناً صادقاً وحباً خالصاً ونغماً دافئاً يتكئ عليه كل من يهوى الطرب الأصيل واللحن الجميل .. إذ أن الأستاذ الكابلي كان حصيلة لذلك العصر الذهبي الرائع في الغناء وخرجوا في عصر عامر بالطرب والمطربين الحقيقيين الذين لم يجُد الزمان بمثلهم .. فهو مبدع وخلاق وموسوعة ثقافية وأدبية وموسيقية، تعددت قدراته ومكانته الإبداعية وتباينت موضوعاته ولونياته اللحنية .. وشاعر رقيق وشفيف وأجمل ما كتب من أشعار تلك التي نظمها في حب الوطن وقد سلك لها طريقاً وجدانياً حاراً أطلق فيه لمشاعره العنان دونما قيود أو حدود، وهو من صفوة المثقفين الذين لهم إسهامات فاعلة في المحافل الاقليمية والدولية وببحثه الدؤوب وتنقيبه المستمر عن التراث كانت له محاضرات قيمة تتخللها نماذج غنائية تتحدث عن الاصالة والشجاعة والكرم والجماليات .. ومن الأغنيات الشعبية والتراثية تناول ما نظمته الشاعرة بنونه بت المك في مرثيتها الشهيرة وهي ترثي وتبكي أخيها «عمار» الذي أدركته المنبة وهو في فراشه بعيداً عن ساحات الحرب والوغي والقتال:
ما دايرلك الميتة أم رماداً شح
دايراك يوم لقاك بدميك تتوشح
الميت مسولب والعجاج اكتح
احي علي سيفو البسوي التح
ويمضي كابلي في مسيرته الإبداعية فقد كانت له اهتمامات كبيرة بأمر التوثيق قائلاً .. إن التوثيق هو بقاء ورصد التجربة الإنسانية في كل زمان ومكان.. ولولاه لما تعرفنا على حياة الذين سبقونا من الأمم وعلى عاداتهم وثقافتهم وحضاراتهم وفلسفاتهم .. وبحسه وذوقه الفني الرفيع درج على اختيار وإنتقاء مفرداته من فحول الشعراء وعمالقتهم .. فقد كانت له تجربة ناضجة مع الشاعر د. تاج السر الحسن في الأنشودة الخالدة «آسيا وأفريقيا» التي تمخضت عن مؤتمر «باندونج» الشهير الذي عقد باندونيسيا في خمسنيات القرن الماضي .. وحفلت القصيدة بذكر أسماء عواصم وبلدان ورموز سياسية وإجتماعية وأدبية لم تزل اصداؤها ذات رونق وبريق:
يا صحابي صانعي المجد لشعبي
يا شموعاً ضؤوها الاخضر قلبي
ياصحابي وعلى وهران يمشى اصدقائى
والقنال الحر يجري في دمائي
وأنا في قلب أفريقيا فدائي
وعلى يا ندونج تمتد سمائي
وبالفصحى تغنى للشاعر الحسين الحسن بثلاثة أعمال ظلت تتوهج كالدرر في خارطة الغناء السوداني وهي «طائر الهوى» «أكاد لا أصدق» ثم «إنني اعتذر» والتي شاعت بين الجمهور باسم «حبيبة عمري» وهذا المقطع:
ذكرت حد يثك ذاك الخجول
وصوتك ينساب منه الدرر
ذكرت أصابعك العابثات
بلا شئ الا قلوب البشر
وعدت تذكرت أن هواك
حرام على قلبي المنكسر
ومن ديوان «الناصريات» لشاعره الناصر قريب الله رسم لنا هذه اللوحة الأنيقة التي تجسد جمال الطبيعة وسحرها.
وفتاة لقيتها ثم تجنى
تمر السنط في انفراد الغزال
تمنح الغصن اسفلى قدميها
ويداها في صدر آخر عال
فيظل النهدان في خفقان الموج
والكشح مفرط في الهزال
وكما هو معلوم فإن تعدد الشعراء والالوان الشعرية يحدد الملامح الابداعية للفنان ويثري تجربته.. كما يتيح للمتلقى الذي يهتم بمسارات الفنون .. فرصة أكبر للتعرف على ألوان مختلفة من التعبير الوصفي والإبداعي .. لذا فقد كانت له وشائج وعلاقات مع شعراء كثر نذكر منهم محمد سعيد العباسي، الفيتوري إدريس جماع، د.حسن عباس صبحي عوض أحمد خليفة صديق مدثر وغيرهم، ومن أبرز الشعراء العرب نلمح الشاعر عباس محمود العقاد في «شذى زهر» وتغنى لشاعر بحريني لا أذكر اسمه باغنية «فضة»، أما الشاعر علي محمود طه المهندس فقد كانت «الجندول» رائعة الوطن العربي التي رددت باكثر من صوت مع تباين في اللونية اللحنية وقد عرفت بي «كليوباترا»
وهو يستهدي على المفرق زهرة
ويسوي بيد الفتنة شعره
لمحب لفّ بالساعد خصره
ليت هذا الليل لا يطلع فجره
وفي مجال الشعر العربي القديم تغنى للبحتري ابن المعتز زياد بن ابيه ثم المتنبي الذي يعشق شعره منذ مراحل مبكرة من عمره:
أرى ذلك القرب صار ازورارا
وصار طويل السلام اختصارا
تركتني اليوم في خجلة
أموت مراراً واحيا مراراً
أسارقك اللحظ مستحيياً
وازجر في الخيل مهدى سرارا
وأعلم أني إذا ما اعتذرت
اليك أراد إعتذاري إعتذارا
ولما كان كابلي من الذين تستنطقهم الكلمة الرصينة والاسلوب فقد تغنى من شعر الحقيبة للشاعر أبوصلاح من وصف الخنتيلة وغزال الروض وآخريات وبقوة صوته وأدائه المتميز كان له نصيب في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم .. فقد ترنم برائعة محمد المهدي المجذوب «اوبريت المولد»:
صلى يا ربي على خير البشر
الذي اسرج في ليل حراء
قمراً أسفر من بدر السماء
يقرأ الناس على اضوائه
حكمة الخلق واسرار البقاء
وينداح عطاؤه وإنتاجه وافراً وغزيراً .. فقد استطاع بعبقريته الفذة أن يؤدي بعض أغنيات المطربين الآخرين ليدحض ويفند المقولة السائدة «سمح الغنى في خشم سيدو» وبذات المهارة والنجاح الذي يصاحب أغنياته .. فقد تغنى لأمير العود حسن عطية بأغنية «لو أنت نسيت» و«يا ماري عند الاصيل» كلاهما للشاعر عبدالرحمن الريح .. وأيضاً الأغنية الوطنية «سعاد» .. ومن أعمال أبوداؤد شدا بأغنية «أحلام الحب» للشاعر محمد عبدالله الأمي من مدينة الابيض التي انجبت الشاعر العظيم محمد عوض الكريم القرشي الذي شكل ثنائية مذهلة مع الراحل عثمان الشفيع .. ردد له كابلي أغنية «الحالم سبانا» و«ملامة» أو لحن الحياة.
هذه ومضات مشرقة من دفق وإبداع هذا الفنان الإنسان الذي أثرى وجدان هذه الأمة بكل ما هو بديع وجميل .. عمل على انتشار الأغنية السودانية خارج الحدود بكل أصالتها وجمالياتها.. وهو من أولئك الرجال الذين يعمدون المسارح الاجنبية والمهرجانات والفعاليات بعلمهم وأدبهم وفنهم حتى صاروا لأوطانهم كالنجوم الزواهر في كافة المجالات.
فهو سفير السودان الدائم في هذا الصدد وأيضاً سفير النوايا الحسنة و«مرسال الشوق» بكل الشجن والألق والحب والجمال والسلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.