أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبعاد اجتماعية للنزاع الإثني بجنوب كردفان
نشر في شبكة الشروق يوم 30 - 11 - 2010

في التاسع من يناير من العام القادم سيقف السودان كله برهة حتى يسترد أنفاسه من مسيرة أكثر من 50 عاماً أعقبت الاستقلال، كان لأبناء القوميات المكونة للدولة الفتية ملاحظات جوهرية عليها أدت لحمل السلاح.
وكان لابد من التوقف من أجل تصحيح المسار، بل إن هذا التوقف جاء متأخراً وبضغوط دولية وإقليمية ومحلية عديدة الشيء الذي يجعلنا ربما لا نستطيع التحكم في نتائجه إلا بجهد جهيد وضبط النفس ووزن الأمور بميزان الحكمة.
ولعله من أهم دواعي هذا الانضباط أن يقوم استفتاء جنوب السودان في موعده المحدد دون أي عراقيل مع الاستعداد النفسي والذهني للقبول بنتائجه مهما كانت حتى نجنب بلادنا ما لا تحمد عقباه إلى جانب الظهور أمام العالم بمظهر الأمة التي تحترم تعهداتها.
هذا إلى جانب الإيفاء بالمشورة الشعبية لجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق كما يجب عدم الاستهانة بملاحظات أبناء تلك الولايات حول طبيعة تطبيق بروتوكولات المنطقتين والإصلاحات المطلوب إدخالها على نظام الحكم في المرحلة القادمة.
من الجانب الآخر على أبناء المنطقتين خصوصاً جنوب كردفان ألا يرفعوا سقف التوقعات لدى المواطنين إلى ما فوق المتفق عليه لأن ذلك لن يتحقق ولن يصلح وقوداً لحرب أخرى يمكن أن يتم كسبها مع أنها سوف تخلف خسائر لا داعي لها.
والتوقعات التي أعنيها هي حديث بعض المثقفين من المحسوبين على الحركة الشعبية من أنهم باتوا ينظرون للمشورة الشعبية على أساس أنها حق تقرير مصير.
بيع الطير في الهواء
يقول الشاعر أمل دنقل
حدود الممالك رسمتها السنابك
والركابان ميزان عدل تميل مع السيف حيث يميل
وكل إنسان طبعاً يسمي حربه عادلة لا لشيء سواء أنها حربه هو، وكذا أمل دنقل ينظر للركابان التي رسمت أمجاد العرب الغابرة أو العابرة بأنها ميزان عدل، وربما تكون في نظر الآخرين غير ذلك.
لكن الشيء المهم أن حدود الدول والقوانين التي تحكمها تكون بلا معنى دون سلطة تحميها وتنفذها بالقوة الجبرية أو التلويح بها، وكذلك المفاهيم العدلية والحقوقية التي تحكمت في صياغتها القانونية توازنات القوة العسكرية.
ولذلك حينما كانت الصفة الغالبة على الحروب أواسط القرن التاسع عشر وحتى قبيل منتصف القرن العشرين هي أنها حروب خارجية.
وكانت مدلولات مصطلح حق تقرير المصير تشير أو تعني حق الشعب في تقرير مصيره من الاستعمار الأجنبي.
حروب داخليّة
لكن تقريباً ببزوغ شمس ستينيات القرن العشرين كانت الحروب الخارجية قد طوت راياتها وغادرت الجيوش الأجنبية كل صقع في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
"
الحروب الداخلية بتوازناتها فرضت تعديلات على الصياغات القانونية القديمة والتي كما قلنا قد فرضتها هي الأخرى توازنات قوة عسكرية مختلفة
"
لتفتح المجال لحروب داخلية ربما تكون بتشجيع من سادة الأمس الذين لم يكونوا كلهم قد وطنوا النفس على ترك الأراضي التي استحلبوها عسلاً في حلقوهم فظهر الصراع بين مكونات الأمة الواحدة والتي اكتشفت أنه ما كان هناك شيء يوحدها سواء كراهية المستعمر.
الحروب الداخلية بتوازناتها فرضت تعديلات على الصياغات القانونية القديمة والتي كما قلنا قد فرضتها هي الأخرى توازنات قوة عسكرية مختلفة.
لذلك يكون بلا جدوى التحجج بالصياغات الفنية القانونية لأنها ليست منزلة وإنما فرضها أناس لا يميزهم الورع والتقوى وتوخي العدل بشكل مطلق.
وإنما لأنهم ببساطة يستطيعون أن يفعلوا ما فعلوا لذلك عرفت مفاهيم حقوق الإنسان ومن ضمنها حق تقرير المصير طريقها إلى الأدب القانوني كما يقول فاروق أبو عيسى.
وقد ظهرت بصياغتها الجديدة والتي تشمل حق القومية المعينة أن تحدد عما إذا كانت تريد أن تعيش في إطار الدولة الأم أم أنها تريد الاستقلال.
وذلك بعد أحداث يوغسلافيا والتي هللنا لها جميعاً لأنها تحمل خلاصاً لمسلمي البوسنة من انتهاكات عصابات الصرب العنصرية.
وما كنا ندري أنها سوف تفتح الباب لمطالبات أخرى انداحت حلقاتها حتى وصلتنا في أفريقيا كما يقول الراحل عبد الخالق عن الحجر الذي ألقى به لينين في مستنقع الرأسمالية.
توازن القوى العسكرية
هذا هو حق تقرير المصير منذ أن عرف طريقه للأدب القانوني في الميثاق العالي لحقوق الإنسان، وفي العهدين الدوليين بعد نهاية الحرب.
وأورده لينين في الأدب السياسي عن القوميات، مشيراً بذلك إلى حقيقة عسكرية جديدة في توازن القوى العسكرية الذي أعقب الحرب الأولى.
والذي يمكن أن تصدر عنه تشريعات مختلفة كما ورد في أحداث يوغسلافيا وكما وافق عليه التجمع الديمقراطي المعارض في مقررات أسمرا للقضايا المصيرية، وكما ورد في اتفاقية نيفاشا.
ولا معنى له أن يرد في بروتوكول جنوب كردفان تحت مسمى "المشورة الشعبية" والتي تعني مشورة شعب الولاية حول رؤيته فيما جرى من تطبيق للاتفاقية والإصلاحات الواجب إدخالها على نظام الحكم ومستوى الخدمات والتنمية وإشراك المواطنين في الحكم.
والخروج على هذا التفسير يعني جر الولاية لحرب جديدة لن تأخذ مسار حرب الجنوب إذا قدر للأوضاع أن تنفجر بين الدولتين إذا اختار الجنوب الانفصال أو الاستقلال.
ومع ذلك تظل لأبناء الولاية مطالبهم العادلة باعتبارهم قد حرموا من التنمية والخدمات والتي انحصرت في نطاق ضيق من السودان الوسطى النيلي.
كما أنهم مثلوا في السلطة المركزية بل حتى في ولايتهم تمثيلاً لا يتناسب مع عدد السكان، ولا مع إسهام الولاية في الناتج القومي.
ولا حتى مع تكوين الشعور القومي المتمثل في عطاء فرقة النوبة الغربية و"بلوك ستجي وخمسجي" والتي لعبت دوراً مهماً في إزكاء الإحساس بالوطنية السودانية من خلال البلاء الحسن للعساكر النوبة في شرق السودان ومؤخرة الجبهة في القاهرة وفي طبرق وقبرص وقيادة سلاح الهجانة بالخرطوم.
نزاع حول ملكية الأرض
لا يستطيع كائن من كان أن يقلل من أهمية الاختلافات الاثنية والعرقية بين المجموعات النوبية التي تسكن جنوب كردفان، وبين المجموعات المنحدرة من أصول عربية.
"
الغلبة في معظم أرجاء ولاية جنوب كردفان للإسلام والذي عرفته المنطقة من قبل تأسيس دولة سنار، على أيدي ملوك تقلي المنحدرين من الشمال
"
كما لا يستطيع أيضاً كائن من كان أن يقلل من أهمية الاختلاف بين تلك المجموعات بل وسكان الولاية عموماً وأهل الشمال النيلي والوسط على الأقل في إطار جدلية المركز والهامش، هذا إلى جانب وجود معتبر للاختلاف الديني.
ولكن من خلال تجوالي في تلك الأصقاع أستطيع أن أقول إن الوجود المسيحي منحصر في جنوب الولاية وإن الغلبة في معظم أرجاء الولاية للإسلام والذي عرفته المنطقة من قبل تأسيس دولة سنار، على أيدي ملوك تقلي المنحدرين من الشمال.
وعليه أستطيع أن أقول إن التناقض الديني ليس هو العامل الأساس في نزاع جنوب كردفان، على عكس جنوب السودان.
وإذا أصبح السودان دولة إسلامية صرفة فإن مسيحيي الولاية يمكن أن يعاملوا معاملة غير المسلمين في العاصمة ويمكن مراعاة حقوقهم ليس وفق نيفاشا أو دستور السودان الانتقالي ولكن وفق الآية 42 من سورة المائدة.
(فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
لكن للنزاع في جنوب كردفان أبعاد اجتماعية جعلتها علاقة المركز بالهامش تبدو وكأنها نزاعاً أثنياً، وتلك قيمة لابد من عزلها عن تداعياتها المختلفة والنظر إليها في ذلك البعد حتى يمكن تكوين وعي حقيقي بها.
وأهم تلك الأبعاد هي البعد المتعلق بالنزاع حول ملكية الأرض والذي تتحكم فيه عدة مفاهيم مثل المزاعم المؤسسة للملكية والمفاهيم التي خلفتها الزراعة الآلية، إلى جانب نزاع المزارعين والرعاة، الذي يسهم فيه طابع الحياة بعرض السافنا من الأطلنطي إلى الهندي.
ويعتبر نزاع السودان مركزه إلى جانب أن السودان يشكل مركز نزاعات أخرى هي صراع القرن الأفريقي والبحيرات لذا فإن استقرار السودان يتوقف عليه ليس فقط استقلال أفريقيا ولكن استقرار ذلك القطاع بعرض الكرة الأرضية.
مزاعم تؤسس لملكية الأرض
حينما زرت اللواء معاش عابدين إسماعيل أحد أعيان قبيلة النوبة الصبي في منزله بالدلنج لأخذ إفادته حول النزاع حول ملكية منطقة الفرشاية الواقعة غرب المدينة قال لي ضاحكاً إن الشاب الذي أنتقدني على صفحات صحيفة أجراس الحرية وهو من قبيلة الحوازمة هو ابن أخت السيد عابدين، فاحترت في أمري وهنا تدخل أحد أعيان قبيلة البرقد وهو الذي أصطحبني إلى منزل عابدين وقال لي إن كل الحوازمة أمهاتهم من النوبة الصبي.
وترجع القصة إلى أنني قمت بإجراء تحقيق صحفي حول اشتباكات حدثت في المنطقة بين قبيلة البرقد والمعاليا راح ضحيتها عدد من الأفراد تحت عنوان: جنوب كردفان جنون الإبل ومسارات الذخيرة، فتصدى لي أحد أبناء قبيلة الحوازمة دار بخوتة وفنّد آرائي، وذلك لتعلق النزاع بالعلاقة بين الحوازمة دار بخوتة والنوبة الصبي.
اعتقادات محلية
فالبرقد يعتقدون أن هنالك جهة في المنطقة قد أتت بقبيلة المعاليا التي تسكن في جنوب دارفور بغرض المناصرة، والأصابع تشير إلى الحوازمة مما قاد إلى جدال حول ملكية المنطقة، والتي يصر العمدة الضاي عمدة دار بخوتة على أنها دار قبيلته وأن القبائل التي تسكنها تقع في نطاق عموديته.
"
النزاع في جنوب كردفان له أبعاد اجتماعية جعلتها علاقة المركز بالهامش تبدو وكأنها نزاعاً أثنياً
"
في حين تعتبر قبائل البرقد والهوسا وغيرها أن الحوازمة وافدون للمنطقة مثلهم مثل بقية القبائل، وأن الأرض أصلاً ملك للنوبة الصبي، وأن عمودية دار بخوته هي أصلاً عمودية رحل.
وهنا كان لابد للنوبة الصبي أن يتدخلوا في الصراع خصوصاً وأنهم قد تضرروا من وجود قبيلة المعاليا التي يتبادل الجميع الاتهامات حول مقدمها للمنطقة.
ويقولون إنها قبل نزاعها مع البرقد كانت قد دخلت في نزاع مسلح مع النوبة الصبي وأن هذه القبيلة في أقل من عام كانت قد أشعلت المنطقة وامتد تأثيرها إلى الجبال الشرقية، وتخصصت في سرقة الإبل.
وقد فشلت السلطات المحلية عدة مرات في أن تصل إلى زعيم هذه القبيلة من أجل عقد مجالس الصلح ودفع الديات والذي تم مؤخراً في منطقة الحمادي وسوف أعود إلى هذا النزاع الذي يحمل دلالات تتعلق بالأداء الوظيفي للدولة.
الحوازمة ترعى الصلح
ورغم أن قبيلة الحوازمة تنكر علاقتها بالمعاليا بل إن "الأمير بقادي ناظر عموم الحوازمة قد لعب دوراً مهماً في الوصول إلى الأمير تمساح زعيم المعاليا وهو الذي رعى الصلح والذي أقيم في منزله على طرف الحزام الرملي بالحمادي.
لكن يبدو أن تلك القبائل لها أدبياتها في التعامل مع بعضها البعض حيث لعب النوبة على كرت الملكية خصوصاً بعد تعرض زعيمهم لحادث سطو على طريق الدلنج الفرشاية مصحوباً بتوجيه إهانات لا تليق بزعيم.
حيث أعلنوا أن الأرض من الفرشاية حتى منطقة الشوشاية التي تشكل الحد الفاصل بين دار الحوازمة ودار البديرية، ومن الناحية الإدارية تشكل الحد الفاصل بين ولايتي جنوب كردفان وشمالها هي ملك للنوبة الصبي وأن الشوشاية هذا هو في الأصل جدهم، وتلك الأرض تشمل كل أرض قبيلة الحوازمة.
هذا الزعم جاء رداً على زعم آخر للحوازمة يقول إن النوبة أصلاً سكان الجبال وإن حدودهم هي حدود ظل الحجر، في حين أن العرب هم أهل السهول منذ قديم الزمان.
والحوازمة يقولون إنهم لا يعرفون غير هذه الأرض التي خلقوا عليها، لكن النوبة يقولون إن الحوازمة أتوا في تاريخ معين، وأنهم قد سكنوا هذه السهول وفق عهود ومواثيق تآخي أبرمت بين كل من بيوت النوبة وآخر من بيوت الحوازمة وأن جد العمدة الضاي زعيم الحوازمة دار بخوته قد تآخى مع بيت العمدة ترتور عمدة النوبة الصبي.
الإنجليز اهتموا بحدود القبائل
لكن مهما يكن فإن هذه القبائل قد سكنت كلها تلك الأرض قبل الاستعمار الإنجليزي وأن السلطة الإنجليزية هي السلطة الوحيدة التي اهتمت بتوضيح حدود ديار القبائل ورسمت لها خرط بذل فيها جهد وقيل أنها أودعت مبنى المديرية في الدلنج ولا مناص من اعتمادها."
السلطة الإنجليزية هي السلطة الوحيدة التي اهتمت بتوضيح حدود ديار القبائل ورسمت لها خرط
"
هذا إن وجدت، فقد علمت من أحد الموظفين بالمحلية أنها قد أنزلت من رفوفها ووضعت في صناديق وفي خلال طوافنا لم نحصل سواء على خريطة واحدة رسمها المستر هنتر مفتش الدلنج عام 1944م.
أما الطريقة التي اتبعها الإنجليز في تحديد ديار القبائل فقد اعتمدت على فتح الطريق بين الأبيض وجبال النوبة وتنظيفه من الأشجار حتى تسير مواكب الإنجليز بلا عوائق وكل قبيلة كانت تملك الأرض التي تقوم بتنظيفها حتى يصل الطريق إلى منطقة تلودي المقر الإداري للجبال وعليه كل قبيلة تعرف جيرانها من كل ناحية.
الجبال الشرقية حالها لا يختلف
أما في منطقة الجبال الشرقية فإن الحال لا يختلف عن ماهو عليه في الجبال الغربية حيث تعيش قبيلة المعاليا بنفس الطريقة مثيرة الأسئلة حول مقدمها.
ما يبرز سؤال ملكية الأرض ويظهر الخلاف هذه المرة بين قبيلتين عربيتين هما كنانة وأولاد أحميد والنزاع ليس حول ملكية الأرض التي يعترفون أنها تقع ضمن حدود مملكة تقلي، ولكن حول الإدارة وأقدمية الحضور إلى المنطقة.
كما أن هناك نزاع آخر بين أولاد علي والنوبة وانتهى بتسوية وتعويضات دفعتها الحكومة ولا يدري أحد أين ذهبت، المهم أن أهل الضحايا لم يستلموها.
وفي كل هذه النزاعات يظهر التدخل السالب للمركز أو السلطة حيث أنها تناصر مجموعة ضد الأخرى ويبدو أن الحكومة منذ عهد الإنجليز كانت تعتمد على القبائل العربية في تأديب المجموعات الأخرى الخارجة على سلطانها، كما ثبت أنها اعتمدت على الكبابيش في تأديب الفور حينما ثاروا عليها بقيادة علي دينار.
وإن وضع الإدارة بيد القبائل العربية في جنوب كردفان يبدو أنه جاء خصماً على مواثيق التآخي بين القبائل كما تعكسها حالة الحوازمة مع النوبة الصبي وحالة كنانة مع تقلي.
وهي مواثيق مكتوبة يقسم فيها المضيف أن يحمي من يقيمون في كنفه من ما يحمي منه نفسه وولده، وأن عليهم ما على أهل المنطقة.
بل إن ملك تقلي كان ينظر إلى زعماء القبائل العربية كأولاده وهم ينظرون إليه كأبيهم إلى أن جاءت السلطة المركزية وجعلتهم سنداً لها ووضعتهم فوق الجميع وأصبحوا يستمدون سلطانهم منها وليس من الأعراف القبلية، وهذه سياسة لابد من تصحيحها لمصلحة استقرار المنطقة.
وأذكر أنني قد سألت أحد سلاطين الدينكا نقوك في إحدى زياراتي للأبيض لماذا تريدون الانضمام للجنوب، فقال لي (لأن ليس لنا حكومة في الشمال تحمينا وأن الخرطوم دائماً تتدخل لصالح المسيرية في النزاع بيننا وبينهم)، في حين أن السلطة يجب أن تكون محايدة بين المجموعات السكانية التي تقع تحت إمرتها.
وهذه الأسباب يمكن أن تدفع مجموعات عديدة للبحث عن سلطة تحميها إذا عجزت الخرطوم عن ذلك، هذا إلى جانب أن تواجد السلطة في تلك الأصقاع ضعيف ضعفاً يغري بالخروج عليها حيث أن عدد أفراد الشرطة في منطقة الفرشاية التي شهدت نزاع المعاليا والبرقد والصبي لم يكن يتعدى 7 أفراد، وإن قوة الشرطة التي جاءت من حاضرة المنطقة الدلنج لم تستطع أن تقيم خطاً عازلاً بين المتحاربين وإنما اكتفت بإخلاء الجثث وارسالها لمستشفى الدلنج لتحديد أسباب الوفاة والتي جاءت حسب تقرير المعمل الجنائي أنها بسبب طلق ناري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.