تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القرآن جدلية الأصل والمعاصرة
نشر في شبكة الشروق يوم 03 - 07 - 2012

أجرت قناة "الشروق" الفضائية وضمن برنامجها الأسبوعي "مقاربات"، سلسلة لقاءات فكرية مع أ.د التيجاني عبدالقادر حامد، أستاذ الفكر السياسي الإسلامي بجامعة زايد بالإمارات، حول الأسلمة والتأصيل، والخطاب السياسي للحركات الإسلامية، وتجربة الحركة الإسلامية السودانية.
واستهل د. الجيلي علي البشير منتج ومعد البرنامج الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة لقاءاته مه أ.د التيجاني عبد القادر قائلا: "المحاولات المتكررة التي يقوم بها دعاة التجديد الديني لإعادة تفسير القرآن، هي في اعتقادنا محاولات يقصد بها استخلاص عناصر الدين الخالدة من التجارب التراثية وتعديتها للواقع المجتمعي الجديد عبر تربية منظمة ومتواصلة لتنقية وإصلاح الجهاز المفاهيمي لعناصر الأمة التي يراد النهوض بها.
وبالطبع فإن إعادة تركيب الجهاز المفاهيمي قد تتضمّن إعادة تفسير القرآن، وليس ذلك أمراً جديداً في ذاته، فقد ظل عشرات المفسرين يعيدون تفسير القرآن في شتى بقاع العالم الإسلامي، فما هو الجديد؟.
قد يقول قائل الجديد هو أن إعادة التفسير قد تجيء هذه المرة مقترنة بالعمل على إعادة البناء الاجتماعي، بعبارة أخرى إن البناء المعرفي صار يرتبط بالبناء الاجتماعي خاصة في مجالي السلطة السياسية والثروة.
للغوص في لجة هذه المفاهيم، نواصل في "مقاربات" حوارنا مع البروفيسور التيجاني عبدالقادر، المفكر الإسلامي وصاحب العبارة التي قدمنا بها الحلقة".
دعوة قديمة للشهيد سيد قطب تناول فيها إعادة تفسير القرآن وإعادة تركيب المجتمع، نرى أن هذه العبارة تكاد تقفز من ثنايا عباراتك بإصلاح الجهاز المفاهيمي للأمة؟
دعني أشرح بصورة بسيطة فكرة الجهاز المفاهيمي هذه لأنها تساعدنا في توضيح قضية التفسير وعلاقته بالواقع، دعنا نأخذ مثالاً لو أمرت شخصاً بأن يثبِّت هذا الإعلان على الحائط، وعندما ذهب لتثبيته، وجد أن الحائط من الصخر ولا يمكن أن يُخترق فماذا يفعل؟..
"
الجهاز المفاهيمي، هو الوسيط الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يتعامل مع الواقع ويتعامل مع نصوص الوحي إذا كان مسلماً
"
يرجع مرة أخرى للجهة الآمرة، يقول لا بد أن نثبِّت هذا الإعلان حتى لو اضطررنا لتكسير جزء من الحائط فتقول له لا تكسر الحائط، ولكن إبحث عن طريقة أخرى لتثبيت الإعلان، فيبحث عن طريقة أخرى وعن ثالثة، ثم يرجع لك حتى يتمكَّن من تنفيذ الأمر وفقاً للواقع الذي يقابله.
-طبعاً- بتكرار الزمن والتجربة يتعلّم ما هي الحوائط المناسبة لتثبيت الإعلان، وما هو المقصود بالإعلان فلا يعود إليك، لأنه من التجربة المتكررة ومن ملاحظة عاداتك في الأمر والتصويب ومن ذكائه الخاص لا يحتاج ثانية للمراجعة.
فإذا تكوّنت له من هذه العناصر الثلاثة ما يسمى بالجهاز المفاهيمي أصبح لديه فهم يمكنه من التصرف والتعامل مع مثل هذه القضية.
لكن إذا تغيَّرت الظروف مرة أخرى وتغيَّرت أنواع الحيطان وتغيَّرت أنواع الإعلانات وتغيَّر الجمهور، فهو لن يتغيَّر، سيظل بنفس الجهاز القديم يصر بنفس الطريقة ولا يدرك بأن الإعلانات مثلاً أصبحت إلكترونية والجمهور أصبح لا يرى بهذه الصورة.
وهكذا فإذا استمر يلصق الإعلان بنفس الصورة القديمة فنحن نقول إن هذا الرجل لديه مشكلة في جهازه المفاهيمي.
لأن الجهاز المفاهيمي تكوّن في مرحلة تاريخية معينة وفقاً لتجربة واقعية معينة ثم تجمّد على ذلك الأساس، فمثل هذا الرجل يحتاج إلى كورس جديد لنعدِّل فيه جهازه المفاهيمي ونضيف إليه معلومات جديدة، ونقول له إن الأمر ثابت نريد ظهور الإعلان.
لكن الوسائل تغيَّرت والحوائط تغيَّرت والجمهور تغيَّر والمجتمع تغيَّر، فلا بد أن تتغيّر في طريقتك، وهذا هو المقصود بمسألة الجهاز المفاهيمي، هو الوسيط الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يتعامل مع الواقع ويتعامل مع نصوص الوحي إذا كان مسلماً.
فإذاً، الإنسان المفسر أو الإنسان الفقيه عندما يواجه بالواقع يحتاج أن يرجع بالنص حتى يوائم بين النص وبين الواقع، فإذا وجد أن الواقع لا يتواءم مع النص يحتاج أن يسائل النص سؤالاً بعد سؤال: هل هذا الأمر حتمي أم هناك طريقة أخرى.
فالمساءلة بين النص وبين الواقع تكون هناك جدلية مستمرة جيئةً وذهاباً بين الواقع وبين النص القرآني حتى نتوصَّل للطريقة المثلى لنذهب إليها.
وهذا ما قصدنا بفكرة إعادة تفسير القرآن، في كلِّ مرحلة نحتاج فيها إلى إعادة ترتيب المجتمع لأن المجتمع يمر بتحديات وتطورات، والمعرفة تزداد وغيره، فتنشأ أوضاع جديدة مما تقتضي قراءة جديدة وفهماً جديداً للأمر.
الأمر ثابت لكن يحتاج أن نتناوله ونتفهَّمه ونقرأه بصورة تجعله يتناسب مع الواقع.
من كتاباتك، أنت تدعو لقراءة النص وفق منطقه الداخلي بعيداً عن الإسقاط... ما هي الخطوات المنهجية التي يتبناها بروفيسور التيجاني لهذه القراءة بهذه الصورة؟
هذا سؤال جيد، النص له منطق، مثلما للظاهرة الطبيعية أيضاً منطق داخلي، النص القرآني هو أيضاً ظاهرة لها منطق داخلي، فأنت لا بد أن تحيط بهذا المنطق الداخلي من خلال قراءات متكررة ومتأنية.
نحن في تقديري نحتاج إلى أن نقرأ النص القرآني من ناحيتين أو قراءتين: أولى: أن يضع القارئ نفسه في بيئة التنزيل الأولى التي تنزل فيها النص، لأننا غير مخاطبين بالنص مباشرة وإنما مخاطبون بالنص من خلال البيئة التي نزل فيها، فهو نزل بلغة عربية في بيئة عربية معيّنة، فلا بد في القراءة الأولى أن تضع نفسك في بيئة النص حتى تستوعب المغزى والمعنى والإشارات الأساسية للنص.
ثم تعود إلى واقعك في القرن الواحد والعشرين، فتعيد قراءة النص وفقاً للسقف المعرفي الذي وفره الجهد الإنساني والتجربة الإنسانية في هذا الموضوع.
قراءتان، تذهب وتجيء بين القراءة الأولى والقراءة الثانية، ويمكن أن تقول هناك قراءة ثالثة إن تطابق النص والواقع الوجودي.
بهذه الطريقة نستطيع أن نتمكّن من إدراك النص روحاً وليس فقط لفظاً.
ولحسن الحظ أن النص القرآني يساعدنا في هذه العملية، فنحن لا نبتدع شيئاً جديداً، فهو مرتّب بصورة إذا صبرت يقودك إلى معانيه وينفتح بك إلى المعنى الذي يريد.
المفردة القرآنية بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؟
هذه نقطة تراثية حصل فيها جدل كثير بين المفسرين، بعضهم بالغ في مسألة عربية القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، فقالوا كلَّ من عرف اللسان العربي لا يحتاج لشرح، إذا أنت عرفت اللسان العربي لا تحتاج إلى تفسير، فأنت عرفت القرآن.
"
مفردات القرآن تفسّر بعضها بعضاً، وليس بالضرورة أن تفسَّر بالقاموس اللغوي العربي
"
واعترض عليهم آخرون فقالوا إن اللغة العربية ليست حاكماً على المفردة القرآنية وإنما المفردة القرآنية هي التي تفسِّر المفردة العربية، وهذا جدل على درجة عالية من الأهمية وانتهوا فيه للقول إن هنالك قاموساً قرآنياً.
يعني أن مفردات القرآن تفسّر بعضها بعضاً، وليس بالضرورة أن تفسَّر بالقاموس اللغوي العربي، لكن تستفيد وتستعين به لكن القرآن عنده سياق داخلي وله ألفاظ لها أشباه وقرائن، فتأخذ اللفظة القرآنية أو المفردة القرآنية وتربطها بأشباهها في الاستخدامات القرآنية الأخرى فيتضح لك معناها.
هذا هو المقصود بالمنطق الداخلي أو القاموس القرآني، وقد يكون في بعض الأحيان متفقاً مع القاموس اللغوي، وفي بعض الأحيان مختلفاً عن القاموس اللغوي، لأن القرآن يسير على عادات العرب في اللسان العربي
لكنه في بعض الأحيان يشتق مصطلحاتٍ ومفاهيمَ جديدةً لم يكن للعرب معرفة بها، لأن الذخيرة المعرفية التي يريد القرآن أن يعرضها من خلال اللغة العربية، أكبر من طاقة الإنسان العربي البدوي، فالإنسان العربي يستخدم مفرداتٍ في حدود بسيطة.
لكن القرآن فجّر المفردة العربية بمعانٍ ما كانت تخطر مثلاً إلى الشاعر لبيد بخاطره.
سياقات النص بين المفردة والمفردة التي تجاورها وبين الآية والتي تجاورها والسور وفق منظومة النظم عند الإمام الجرجاني؟
صحيح، طبعاً القرآن وحدة واحدة، ليست وحدة موضوعية فقط وإنما وحدة عضوية، بمعنى أن كل سورة من سور القرآن وضعت في مكانها المناسب، وكل آية من آيات السورة وضعت في مكانها المناسب، وهذه السور والآيات هي نسيج واحد متسق تمام الاتساق.
فإذا نظرت إلى ما سبق هذه الآية من السياق، تفهم لماذا جيء بهذه الآية في هذا السياق في اتساق منطقي كامل بين مفردات القرآن، وإذا لم ننتبه لهذه الخاصية السياقية في القرآن سنجعل القرآن عضينا ونضرب بعضه ببعض.
وفقاً لهذا الحديث كما قال القرطبي وآخرون... هل القرآن سورة واحدة؟
قبل القرطبي كان الزمخشري، وهو صاحب القدح المعلى في هذا الفن ويعتبر أن القرآن سياق واحد ثم جاء من بعده الرازي، على الرغم من اختلافاته مع الزمخشري، لكنه أكد في تفسيره التفسير الكبير أن القرآن هو قطعة واحدة وسياق واحد.
وقبلهم النيسابوري أيضاً الذي كان يعتمد على مسألة السياق القرآني ثم الزركشي في البرهان في علوم القرآن أورد هذه الأقاويل وأبدع في تقديري في إثبات السياق القرآني.
وأهميته بالنسبة للمفسر والدارس للقرآن الكريم، هم طائفة من المفسرين ذهبوا في هذا الاتجاه وهناك آخرون اعترضوا عليهم.
هل تعطينا أمثلة لذلك؟
أنا كنت أدرس مثلاً في مسألتي الهجرة والربا، في مسألة الهجرة هناك سور كثيرة في القرآن المكي تتحدث عن هجرات قام بها أنبياء سابقون في سورة إبراهيم وغيرها.
"
القارئ العادي قد يستغرب ورود الحديث عن الربا في وسط الحروب بسورة "الروم" مثلا، لكن لما تدقق تجد أن الربا وتحريمه في الرؤية القرآنية مرتبط بالقتال وتحريمه
"
بعض المفسرين قد يذهبون إلى القول إن هذه آيات مدنية أو قريبة جداً من فترة الهجرة، لكن ليس ذلك بالضرورة.
في تقديري أن السياق الذي وردت فيه هذه الآيات هو سياق مكي وفيه تهيئة للرسول عليه الصلاة والسلام لموضوع الهجرة، وفيه تبصير له بمآلات النبوات وبصورة واضحة جداً فلا يوجد ما يضطرنا أن نقول إن هذه الآيات نزلت في المدينة، هي نزلت في مواقعها.
مثال آخر، نظرت فيه في مسألة الربا، من السور التي نزل فيها تحريم الربا، سورة الروم فعندما تقرأ سورة الروم تجد أن السياق يتحدث عن الحروب المتطاولة (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)، ثم تجربة موسى وفرعون، ثم يرجع إلى تجربة نوح، وهي قضايا بعيدة في نفس هذا السياق، ثم يأتي حديث عن الربا.
فالقارئ العادي قد يستغرب ورود الحديث عن الربا في وسط الحروب، لكن لما تدقق تجد أن الربا وتحريمه في الرؤية القرآنية مرتبط بالقتال وتحريمه بصورة من الصور وكأنما التمويل الربوي له ارتباط بصورة من الصور بالتمويل العسكري والعتاد العسكري.
ولما تقرأ التجربة العسكرية للإمبراطورية الرومانية وحروباتها العديدة وتدرس التاريخ الاقتصادي للدولة الرومانية على وجه الخصوص تجد أن الربا كانت له مكانة خاصة في الاقتصاد الروماني والإقراض بالربا وهكذا.
ولقد تابعت هذا الأمر ووجدت حتى كلمة "كلندر" التي نستعملها الآن ترجع في أصولها للغة الرومانية، وكان "الكلندر" عندهم هو نوعاً من الدفاتر يستخدم لرصد القروض الربوية فيسمونه "كلندر" باعتباره دفتر الربا.
فممارسة الربا وعلاقتها بالحروب وبالدولة الرومانية وضعفها وقوتها أمر شائع بين الدارسين حتى إن بعضهم يقول إن سبب سقوط الإمبراطورية الرومانية هو سبب اقتصادي وليس عسكرياً.
فإذاً صار من المناسب أنه طالما الحديث عن الروم ومعاركهم يرد فيه حديث عن الربا، وفيه تحذير للمسلمين على وجه الخصوص أي أنكم ستخوضون حروباً وتقاتلون، إحذروا التجربة الرومانية التي أودت بهم.
إذاً، هناك مناسبة كبيرة جداً والآية في مكانها تماماً وفي سياقها داخل السورة، والسورة نفسها لها منطق يحكم هذه الأشياء وكثير من المستشرقين لا يتضح لهم هذا الأمر.
القارئ العادي قد لا ينتبه لهذا الأمر، هل هذا يحتاج لقدرات خاصة لينتبه الشخص إلى السياق؟
طبعاً يحتاج، كل كتاب الزركشي في "البرهان في علوم القرآن"، يستخرج الأدوات التي تنبهك إلى مراعاة السياق والانتباه إلى السياق، فيقول لك هنا يوجد التفات وهنا تقديم وهنا حزف وهنا استعارة، وإذا لم تنتبه إلى هذه الأدوات اللغوية الدقيقية يفلت منك المعنى تماماً فتصبح كل آية لوحدها ولا رابط بينها.
وهناك مسألة أخرى، مسألة الضمائر في السياق القرآني، وفي ذلك اختصار شديد، النص القرآني نص مضغوط ونص مكثّف جداً، لذلك تجد الضمائر تستخدم بصورة إذا لم تنتبه لها لا تفهم مَنْ المتحدّث ومَنْ المخاطب، وهذه كلها تقتضي الانتباه لنفهم السياق الذي يأتي فيه الكلام.
عند البروفيسور التيجاني يظهر الاهتمام بنظام العلاقات الدلالية بين الألفاظ، فهو ينفتح بالمفردة القرآنية على عدد من المفردات التي تشكِّل معها حقول دلالية يرتب من كل ذلك نسق ومفاهيم؟
أنا أعتقد أنه كما أن التكوين الاجتماعي يقوم على أسر وعائلات وأولي قربى بينهم علاقة قربى ونسب ودم، كذلك المفردات القرآنية تنتظم في شكل عائلات مفاهمية، أنا أسميها شبكات مفاهيمية بينها علاقة قربى وعلاقة نسب وعلاقة رحم فتنفتح على بعضها بعضاً.
فإذا استطعت أن تكتشف -مثلاً- العائلة التي ينتسب إليها دكتور الجيلي، فأستطيع دون أن أعرف دكتور الجيلي أن أتعرَّف على بعض الخصائص التي يمكن أن أجدها عند الدكتور الجيلي، لأنني تعرَّفت على العائلة، فلا بد أن تكون هناك صلة نسب أو صلة، تربطه بهذه العائلة وإلا لما كان من هذه العائلة.
وكذلك المفاهيم هي عائلات بينها أنساب وقربى، فإذا فهمت شبكة المفاهيم تستطيع أن تفهم بسرعة النسب والعلاقات القائمة بينها، لأن كل مفهوم ينفتح بك حتى تكتشف الشبكة وبالتالي القرآن كله بهذه الصورة يكون شبكات متداخلة من المفاهيم المتعاضدة والمترابطة.
"
القرآن كان يمكن أن يستخدم مفردة أخرى مثل القرية الكبيرة أو العاصمة أو الحاضرة، لكن اختيرت كلمة أم القرى وهي المدينة الرئيسية والكبيرة
"
وأعطيك أمثلة، خذ مثلاً مفردة مثل مفردة (الأم) لم ترد في القرآن الكريم، وفي اللغة العربية هناك ذخيرة من المفردات الأخرى يمكن أن تستخدم في معنى الأم مثل الوالدة، لكن القرآن في بعض السياقات يستخدم الوالدة والوالدات وفي بعض السياقات يستخدم لفظ الأم.
وهذه ليست مجرد صدفة أو تنويعاً، بل عندما يختار لفظ الأم يقصد شيئاً معيناً وعندما يختار لفظ الوالدة يقصد شيئاً معيناً، ومعنى الأم البيولوجية معروف، و(أم موسى) لماذا لم يقل والدة فالأمومة فيها معنى إضافي، الوالدية فقط الإنجاب، لكن الأم فيها ولادة وزيادة هي زيادة بالتغذية والتربية، ولذلك استخدمت كلمة أم موسى.
مفردة الأم هي مفردة مقصودة في الاستخدام القرآني ولا يمكن الاستعاضة في بعض المواضع بغيرها، وهذه مفردة واحدة في موضع واحد ثم لهذه المفردة نظير في موقع آخر ويستخدم في الإشارة إلى مكة أم القرى وأن الله سبحانه وتعالى: (ما كان ربك ليهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً).
كان يمكن أن يستخدم مفردة أخرى مثل القرية الكبيرة أو العاصمة أو الحاضرة، لكن اختيرت كلمة أم القرى وهي المدينة الرئيسية والكبيرة، لكن السؤال هنا ما هي المناسبة لماذا استخدمت كلمة أم لأن أيضاً فيها معنى التغذية والحماية والحضانة وغيره.
فكأنما مفهوم الأم البيولوجية الصغير يتصل بمفهوم الأم المدينية، لأن المدينة هي مكان الحماية الأوسع من حماية الأسرة وتربية أوسع من تربية الأسرة وأمن، وكذلك فالإنسان ينمو في حضن أمه ويتطوّر، ولكن لن يبلغ التطور مداه إلا أن يكون في وسط أوسع من وسط الأم والأسرة.
فلذلك في مناسبة يتحدث عن المدينة باعتبارها أم المدينة، بهذا المعنى هي فعلاً أم اجتماعية وأم ثقافية وأم قانونية لا شك في ذلك، ثم يكتمل هذا المعنى حينما يستخدم كلمة أم في موقع آخر (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات).
هذه أمومة أخرى ليست الأمومة البيولوجية ولا الأمومة الجغرافية المكانية، إنما أمومة الكتاب فما هي العلاقة بين هذه المفردات الثلاث، لأن أمهات الكتاب هي الأصول القيمية والأصول الاعتقادية الجامعة التي توجه سلوك الأفراد وتربيهم.
فالتربية والأمن والاستقرار لا يكون إلا وفقاً لهذه المنظومة الفكرية والقيمية التي يأتي بها الكتاب، فهي الآيات المحكمات التي لا تقوم المدينة ولا تستقر إلا على أساس هذه البينات من الكتاب، فإذاً الثلاثة متسقة مع بعض عائلة واحدة.
فلذلك الذي لا يلاحظ هذه المفردات يعتقد أنها مصادفة، قال أم الكتاب في جهة وأم القرى في جهة وأم موسى في جهة، لكن لو نظرت إليها تلاحظ أنها فعلاً تعطي مؤشراً إلى مفهوم وإلى معنى مهم جداً، وبالتالي إذا لم نلحظها المعنى يتقطع فلا بد أن نلحظ هذه المعاني في تداخلها حتى تفيدنا في الأحكام وفي فهم الأحكام.
بروفيسور، أنت أشرت إلى أن نظريات السياق ليست حديثة ومن الأقدمين من تحدثوا عنها فما هي الجدوى والفائدة من التعامل مع القرآن في إطار نظريات السياق؟
في جدوى علمية وجدوى عملية، أن الأقدمين تحدثوا عن نظرية النظم ونظرية السياق منذ زمن عبدالقادر الجرجاني، ولاحظوا هذه الخاصية واهتموا بها اهتماماً كبيراً، لكن نحن نحاول أن نستثمر هذا من الناحية العلمية ومن الناحية العملية.
وأعطيك مثالاً، في الأحكام طبعاً المنظومة المفاهيمية أو الشبكة المفاهيمية ميزتها أنها تلقي أضواءً على الأحكام القانونية وتعطينا مدىً من التعليل للحكم، فالفقيه مهتم بالأحكام والأصولي أيضاً مهتم بالأحكام.
إذا سرق سارق مثلاً الفقيه والأصولي همهما إقامة الحد على السارق وبالتالي يحاولان بقدر الإمكان أن يكيِّفا الفعل مع الحكم، وهل تنطبق عليه الشروط أم لا تنطبق، ولا يتعدى إلى أبعد من ذلك.
لكن الإنسان الذي يحاول أن يدخل المدخل المفاهيمي لا ينظر فقط إلى حدّ السرقة وإنما ينظر إلى مفهوم الفقر لأن هناك ارتباطاً، فنحاول أن ننظر لشبكة المفاهيم المصاحبة للحكم.
فبالتالي إذا درسنا مفهوم الفقر وما يتصل به من شبكات مفاهيم سنكتشف التعليل والفلسفة وأركان النظام الذي يتم فيه هذا القانون أو يأتي في سياق هذا القانون.
فقد نكتشف أن هناك أنواعاً من السرقات أو أنواعاً من الأفعال تختلف من أنواع لأخرى، وقد نكتشف أن المجرم الحقيقي ليس السارق وإنما المجرم هو النظام كله والذي ينبغي أن تقطع يده مثلاً ليس المجرم هذا، وإنما يمكن أن تقطع يد وزير المالية مثلاً لأنه أهمل أو أضاع.
إذاً، المفهوم يعطيك إضاءات كاشفة توضّح لك الحكم والسياق وتعطيك فكرة عن الأبعاد الاجتماعية والأبعاد الاقتصادية.
لعل هذا الذي جعل بعض الناس ينظرون إلى قضايا الحدود كأنما هي قضايا مبتورة؟
ينظرون إليها كأنما هي قضية قانونية فقط، وكأنما القانون منفصل عن السياق الاجتماعي والسياسي وعن النظم وغيره، وهذا طبعاً خطأ ومشكلة كبيرة.
فالمفاهيم المقصود بها إظهار النظم إذا كانت مفاهيم في المجال السياسي فتظهر لنا أبعاد وأركان النظم السياسية، وإذا كانت مفاهيم في المجال الاجتماعي تظهر لنا أبعاد النظام الاجتماعي الذي في إطاره تطبق القوانين وتفهم الأحكام القانونية.
فإذا فصلنا الأحكام القانونية من الشبكة المفاهيمية المصاحبة لها نكون فقدنا روح القانون نفسه، فقدنا روح الشريعة، وفقدنا مقاصد الشريعة الأساسية.
طبعاً هناك فقهاء آخرون انتبهوا لهذه القضية وربطوها بمسألة العلة والمقاصد، فكيف نفهم العلة والمقاصد نفهمها بشبكة المفاهيم.
لذلك أي حكم من الأحكام أحيط بشبكة هائلة من المفاهيم، وهذه المفاهيم لا تجدها مباشرة في مجال الأحكام يمكن أن تجدها في القصة، أثناء القصص القرآنية تنثر عليك مفاهيم كثيرة جداً.
فإذا اعتقدت أن الأحكام فقط في آيات الأحكام فأنت تكون مخطئاً فالقصص هي الشبكة المفاهيمية والمعرفية التي تساعدك في تفهم الأحكام القانونية، فكثير من المفسرين اجتزأوا بآيات الأحكام وحددوها.
نحن لا نستخدم القصص كأحكام لكن نستخدمها كفاهيم تعطينا إضاءات كاشفة للأحكام وإلا لجعلنا ثلاثة أرباع القرآن لا معنى له.
السياق الخارجي وأسباب النزول والتاريخ الثقافي والاجتماعي هل بالضرورة أحدث إشكالات تاريخية ورهنت النص لأزمنة وأمكنة محددة؟
نحن في الأول كنا نتحدَّث عن بنية الخطاب الداخلية وأسباب النزول تدخل في بيئة الخطاب، طبعاً أي خطاب حتى الخطاب البشري له بيئة ثقافية واجتماعية لا يمكن أن يفهم الخطاب خارجها، فيجب أن لا نفصل بين البيئة وبين الخطاب، لكن ليس حتماً أن نقول إن النص لا يمكن أن يفهم إلا بالبيئة الخارجية، لكن البيئة التي ينزل فيها النص تساعد فعلاً في توضيح أبعاد النص.
طبعاً العلوم التراثية التي اشتغلت بهذا المجال وضحت، خاصة علم أسباب النزول حاول أن يعطينا خلفية كاملة عن الخلفية الاجتماعية والسياسية التي نزل فيها القرآن الكريم لكن هم نفسهم علماء.
أسباب النزول يقولون إن العبرة بعموم النص وليس بخصوص السبب هذه مجرد مناسبات والنص يتعداها، لكن طبعاً الجمود عند أسباب النزول ومحاولة حصر النص بهذه الصورة في أسباب النزول يكون مضراً لأن النص لديه طلاقة أكثر بكثير من أسباب النزول وغيره من علوم الوسائل وليست علوم المقاصد.
هل تقتضي المعاصرة في دراسات القرآن الكريم قطيعة جذرية مع مناهج البحث التراثية؟
لا توجد قطيعة، لأنه حتى العلماء الذين قاموا بتقعيد علم أسباب النزول، انفتحوا به على علم آخر هو علم السيرة نفسها ثم انفتحوا به على علم الحديث ثم على علم الرجال ثم على علم التاريخ، إذاً هي حلقات بعضها يقود إلى بعض، وبالتالي انتهوا بها إلى أشبه ما يكون بعلوم الاجتماع.
فإذا أخذت مثلاً ابن خلدون وهو فقيه مالكي وقاضٍ وعالم اجتماع، فكثيرون يقولون إن ابن خلدون عبقري لأنه ابتدع نظرية في علم الاجتماع ليس لها سابقة، وهذا حديث غير صحيح.
الصحيح، أن ابن خلدون نظر في هذه العلوم التراثية وحاول أن يطور وقد أبدع، ولكن ليس من فراغ وإنما استصحب كثيراً من الإشارات التي قال بها الأوائل في هذا المجال فلا انقطاع حتى في العلوم العصرية الحاضرة.
الآن يمكن أن تستخدم، مثل علم اجتماع المعرفة هذا علم حديث نسبياً لو نظرت في هذا العلم هو تقريباً نفس علم الرجال عند علماء الحديث الذين حاولوا من خلاله جمع خلفيات ومعلومات عن الشخص الذي روى الحديث وعن استقامته وعدله، وكذا هذا هو بالضبط علم اجتماع المعرفة الحديث الآن.
إن العالم ليس فقط بنظريته وإنما بخلفيته الاجتماعية وبمصالحه وانحيازاته فيدرسون هذه الخلفية فتلقي أضواء كثيرة جداً على الافتراضات التي يقوم بها. إذاً، يمكن أن نستخدم علم اجتماع المعرفة ونحن ندرس التراث ويمكن أيضاً للمحدثين أن يدرسوا بعض علوم التراث فليس هناك انقطاع ولا ينبغي أن يكون هناك انقطاع.
الذين يستندون على علوم التراث يقولون إن المناهج التراثية هي محصلة لجهود بنيت من داخل لغة النص وعلى ضوء معايشته وعلى وعي حقيقي بمفهوم النص فكأنما يركنون إلى أنه ينبغي دراسة النص وفق المناهج التراثية فقط؟
المناهج التراثية هي معطيات بيئة معينة وعصر ومجتمع معين، فالقرن الثاني له معطيات تختلف من القرن الرابع والفترة العباسية تختلف عن غيرها فليست هناك فترة ذهبية واحدة.
معايشة الفترة للنص، ألا يعطيها أفضلية على غيرها من الفترات؟
تقصد فترة التنزيل، بالتأكيد هي تختلف لأنها عهد الصحابة الذين عايشوا النص وشاهدوا التجربة وشاركوا فيها، فطبيعي أن يكون لهم وضعية خاصة فالذي شاهد التنزيل وعايش الرسول عليه الصلاة والسلام يختلف عن الذي أتى بعده.
فنحن كل معرفتنا ببيئة النص هي من خلال هذا الجيل ورواياتها وليس لدينا أي مدخل آخر لمعرفة البيئة التي تنزل فيها النص إلا من خلال الروايات التي نسبت للصحابة عليهم رضوان الله، فنحن لا بد أن نستفيد من هذا المخزون وهذا التراث العظيم.
ولكنني قصدت أن هناك علوماً أخرى تساعد في فهم النص غير علوم التنزيل لأنه ليس النص ولا كل القرآن ولا كل الآيات القرآنية يمكن أن نقرنها بأسباب نزول، فهناك آيات نزلت ليست لها أسباب ظاهرية من البيئة وتتحدث عن قضايا لا توجد لها مناسبة في البيئة في ذلك الوقت، وهذه يمكن أن نستعين في فهمها بعلوم أخرى.
الدعوات للحداثة والتفريق بين مستويات مختلفة للخطاب الإلهي كالتفريق بين الوحي والتنزيل والقرآن والمصحف والشفهي والمكتوب... كيف تنظر إلى مثل هذه القضايا؟
القرآن نفسه في بعض الأحيان يستخدم كلمة قرآن وفي بعض الأحيان يستخدم كلمة تنزيل وكلها تفهم في سياقاتها القرآنية، فحينما يستخدم أنزل ليس كما يستخدم نزل وعندما يستخدم كلمة قرآن ليس كما يستخدم كلمة كتاب.
ولكن إذا نظرنا في السياق الذي أُستخدمت فيه هذه الألفاظ، نستطيع اكتشاف العلاقات والحقول الدلالية لهذه الألفاظ بدون تعسف وبدون تحكم خارجي أي لا نأتي بشيء مسبق ونحاول إسقاطه على النص القرآني.
أنا أخشى أن الحداثيين لديهم رؤى وأفكار مسبقة استخرجت بصورة مستقلة ثم يحاولون إسقاطها على النص القرآني، لكن الأفضل أن نستمع للنص القرآني هو يفصح عن نفسه ويشير إلى معانيه بصورة مناسبة جداً لا تحوجنا إلى أي تبريرات خارجية بهذه الصورة.
هل هذا هو الذي فتح الباب لمشكلات مع الحداثيين الذين تحدثوا عن إشكاليات النص مثل نصر حامد أبوزيد واركون وغيرهم من الذين تناولوا ظواهر النص في القرآن الكريم؟
هناك اختلاف بين هذين المفكرين، طبعاً نصر حامد أبوزيد، كان متتبعاً للتفسير العقلي للقرآن الكريم، وكان مهتماً بقضايا التأويل عند المعتزلة ولعل كتاباته الأساسية كانت عن المعتزلة وفكرة التأويل، وأن النص يصرف من ظاهره القريب إلى معنى آخر بعيد، وهذا تأويل عقلي ولغوي. والأوائل انتبهوا إلى هذا. والتأويل والصرف من الظاهر إلى معنى آخر لا يكون إلا وفقاً لشروط أيضاً والمدخل المفاهيمي هو الذي يوفر هذه الشروط، فأنا لا أؤول تأويلاً مع الخيال إنما يكون تأويلي محكوماً بالنسق المفاهيمي الذي يحيط بالنص.
بالتالي المفهوم يكون محدداً للتأويل هذه مسألة في غاية الأهمية، فنصر حامد أبوزيد والمجموعة الحداثية الأخرى لا يكترثون كثيراً لشبكة المفاهيم المصاحبة وإنما يحاولون أن يأولوا تأويلاً عقلياً محضاً، وفي هذا ظلم للنص.
هذا يقودنا للحديث عن عقلنة النص القرآني واعتبار علوم القرآن التي اتبعها علماء المسلمين الأولين علوماً متحجرة حجَّمت من دراسة النص بصورة عقلانية؟
طبعاً هذا يعتمد على ماذا نعني بالعقل، فنحن نقصد بالعقل الإدراك المنظم.
فالعقل نفسه بهذا المعنى هو وحي من الله، كما يقول الإمام الغزالي إن العقل شرع من الداخل والشرع عقل من الخارج نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.
لا يوجد تناقض بين العقل والشرع بهذا المعنى.
والنص القرآني يفترض أن الإنسان عاقل ويفترض أنه حكيم، وبالتالي يخاطبه على أساس أنه عاقل.
وعندما نقول عقلنة النص القرآني كأنما نثير تهويلاً أكثر من اللازم وتخويفاً وإرهاباً، فالنص القرآني أصلاً يسير على مقتضى العقل ويخاطب العقل والسياقات الموجودة فيه، مراعية للعقل فهو ليس نصاً هلامياً أو منفصلاً عن العقل بل فيه منطق عقلاني قوي واحتجاج عقلاني متسق بصورة كاملة.
فلا يوجد إشكال أن نتابع هذا المنطق والحجاج القرآني ونصل به إلى النهايات التي يريد القرآن أن ينتهي إليها، فلا يوجد إشكال في هذا المعنى ولا توجد قراءة أصلاً تغفل العقل، لا الأولين ولا اللاحقين كلهم يلاحظون أنه حتى مسألة السياق القرآني التي نتكلم عنها ليست سياقاً لفظياً فقط إنما هو سياق منطقي فهو عمل مقدمات وتمهيد حتى يسوق القارئ نحو الحجة ويلزمه إلزاماً منطقياً فالسياق المنطقي نفسه جزء من الترتيب وتكوين النص القرآني.
أين الخطورة في عدم اكتشاف النسق المفاهيمي في القرآن الكريم؟
إذا لم نكتشف النسق المفاهيمي سنقع في مسألة القول بالنسخ ولا نستطيع رفع التناقضات الظاهرية التي توجد بين آية وأخرى، فنتسرع بأن نقول هذه الآية نسخت هذه ولكن إذا راعينا مسألة النسق والسياق فترتفع مشكلة النص فلا يوجد نسخ، ولكن اتساق ويمكن أن نكتشف أن هناك تخصيصاً، أن تخصص آية بآية أخرى، وهناك عام ومطلق ولكن خصص في آيات أخرى فبينته بصورة واضحة، وهذا التخصيص والتبيين يتضح من السياق، فإذا أنت انتبهت للسياق والمفاهيم تلاحظ أن الآيات مضطردة بصورة كاملة ليس فيها إشكال وطبعاً من الفوائد الأخرى أنه يرفع الفهم الظاهري للنصوص.
"
أ.د التيجاني: إذا لم نكتشف النسق المفاهيمي سنقع في مسألة القول بالنسخ ولا نستطيع رفع التناقضات الظاهرية التي توجد بين آية وأخرى
"
هناك أناس يفهمون النصوص الفهم الظاهري الذي توحي به ظواهر الألفاظ، وكمثال الآية: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً).
فقد دار بين المفسرين جدل كثير جد في ورود النار، فقالوا إن معناها أن كل إنسان حتماً يدخل هذه النار بمعنى أنهم فسروا واردها بمعنى داخلها، ولكن إذا تمهلت ونظرت في نظير هذه الآية في مكان آخر، فتجد في قصة سيدنا موسى: "فلما ورد ماء مدين وجد أمة من الناس يسقون"، وورد هنا ليست بمعنى دخل في البئر، ولكن بمعنى وصل، فإذا جمعت ورد هنا وورد هناك فتعني كلمة ورد هنا وصل، وإن منكم إلا واردها بمعنى واصل.
فإذاً، مراعاة المفاهيم هذه مهمة جداً في تفسير القرآن، وخذ مثلاً مفردة الأهل ترد في القرآن والمفسرون أحياناً يحدثون معارك حولها: (فقال ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح).
واختلف المفسرون اختلافات كثيرة حول معنى إنه ليس من أهلك، قال بعضهم أي بمعنى أنه ليس من أهل دينك، وقال بعضهم لم يكن ابنه شرعياً، وقال بعضهم كان ابن زوجته وأوردوا قراءة لتبرير هذه الآراء مع إننا لو جمعنا مفردة الأهل هذه حيثما وردت في القرآن الكريم وتأملنا فيها يتضح لنا ما هو المقصود بها، هل مقصود بها الملة الدينية أم العصبة، ومتى تستخدم هنا ومتى تستخدم هنا. والقرآن دقيق لو صبرنا عليه لحلت الإشكالات.
من خلال تجربتك الشخصية في مدارسة القرآن الكريم، وصلت إلى القرآن المكي وأصوله السياسية على غير المعهود عند الناس بأن القرآن المكي كتاب عقيدة والقرآن المدني هو كتاب الدولة؟
نعم، كل أطروحة الكتاب كانت قائمة على نقض هذه المقولة والكلام السائد عند الناس أن يقولوا إن القرآن المكي كله كان يتحدث عن قضية الألوهية والعقيدة، ثم جاءت التشريعات والتفاصيل والسياسة والاقتصاد كانت في الفترة المدنية لأنها فترة الدولة.
وأنا درست السور القرآنية المفصل والقصار والطوال، فوجدت هذا أن هذا الحديث لا يستقيم وأن المبادئ والقيم السياسية الكبرى والأساسية موجودة في القرآن المكي وطرحت سؤالاً: إذا كان أصلاً هذه القيم وهذه الموجهات المقصود بها أن تنزل هناك في فترة التشريع، فلماذا تحبس حتى تأتي الدولة، لأنه لم تكن هناك دولة في مكة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.