قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية (19 – 20)
نشر في الصيحة يوم 17 - 04 - 2025


على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية
(19 – 20)
"لنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكُنْ مُنحنياً"
مارتن لوثر كينج
دولة الجيش ودولة الشعب
د. النور حمد
لا أريد أن يفهم مما سبق ذكره أن انخفاض كلفة المعيشة في مصر مقارنةً بالسودان، قد كان نتيجةً لقوة الاقتصاد المصري، أو لحسن إدارة النخب العسكرية المصرية للاقتصاد، وهي نخبٌ بقيت في السلطة على مدى 73 عامًا. يعود إنخفاض كلفة المعيشة في مصر للدعم الحكومي للسلع. وهي ظاهرةٌ أخذت في التفاقم منذ حدوث ما سُمىَّ "الانفتاح"، في فترة حكم الرئيس الراحل، أنور السادات. منذ ذلك التاريخ، أضحت مصر دولةً معتمدةً، إلى حدٍّ كبيرٍ جدًا، على العون الأجنبي. لقد قدَّمت النخب العسكرية المصرية، في العقود الخمسة الأخيرة من هذه الثلاثة وسبعين عامًا، أسوأ أنموذج لتحوِّل الجيش إلى مؤسسةٍ اقتصاديةٍ مهيمنةٍ على الدولة ومواردها. أصبح الجيش المصري أخطبوطًا اقتصاديًا مهيمنًا سائر جوانب اقتصاد الدولة؛ من تجارةٍ وصناعةٍ وخدماتٍ واستثمارٍ في شتى المجالات، وإنشاءاتٍ، وغير ذلك. يقول عزمي بشارة في توصيف علاقة الجيش المصري بالدولة: "حصل الجيش منذ تولي المشير عبد الحليم أبو غزالة وزارة الدفاع (في نهاية عهد السادات وخلال عهد مبارك)، على امتيازاتٍ كثيرةٍ، بما في ذلك حقه في حسابٍ بنكيٍّ غير حساب الحكومة، والقيام بنشاطات اقتصادية وخدماتية وإسكان وغيره بحجة ضرورة تلبية حاجاته وحاجات ضباطه، بعيدًا عن أزمات الاقتصاد المصري، ما رفعه فوق المجتمع المصري وقضاياه. وتضاعفت هذه الامتيازات في مرحلة مبارك ووزير دفاعه طنطاوي، حتى تحولت إلى نوع من إدارة ذاتية اقتصادية وعسكرية للقوات المسلحة؛ بحيث تأسس مجتمع عسكري أو جمهورية ضباط ذات اقتصادٍ موازٍ، وشبكة خدمات خاصة. وهي ظاهرةٌ مصريةٌ بالغة الخصوصية". (راجع مجلة "سياسات عربية"، العدد 22، مجلد 4 سبتمبر 2016). هذا الأنموذج المصري الكليبتوقراطي القح، جرى نقله إلى السودان بحذافيره. فالجيش والقوى الأمنية من جهاز أمنٍ بكل أذرعه، وجهاز شرطة بكل تفرعاته، أصبح يقوم بنشاطاتٍ اقتصاديةٍ وخدماتيةٍ وإسكانٍ وغير ذلك بحجة ضرورة تلبية حاجاته وحاجات ضباطه، بعيدًا عن أزمات الاقتصاد السوداني، وبعيدًا عن معاناة عامة الشعب، ما رفع هذه الأجهزة الأمنية فوق المجتمع السوداني وقضاياه.
هذا النموذج المصري الذي وصفه عزمي بشارة بأنه خصوصية مصرية، عبر الحدود إلى السودان نتيجةٍ للهيمنة الاستخباراتية المصرية على قيادات الجيش السوداني، خاصة عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، التي تأكد أن نظام ما تسمى الحركة الإسلامية في السودان هو الذي وقف وراءها. وهو أمر استخدمته مصر في ابتزاز النظام السوداني بدعمها للعقوبات الدولية التي فُرضت عليه، ثم جعلت نفسها وسيطًا إقليميا ودوليًا لرفعها. ولم يكن غرض النظام المصري من ممارسة الضغوط على النظام السوداني إزاحته عن السلطة، وهو ما يريده الشعب السوداني، وإنما إضعافه ليصبح خاضعًا لها خضوعًا تامًا. وقد تحقق لها ذلك بالفعل، خاصة في هذه الفترة التي سيطر فيها على مقاليد الأمور في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان. وقليلاً، قليلاً، نقلت مصر نموذج سيطرة الجيش على الاقتصاد التي جرت في مصر إلى عسكر السودان، لتجعل منهم، في ظل رضوخهم التام لها وسيلةً لشفط موارد السودان ولاستلحاقه بمصر بطريقةٍ بالغة النعومة. بذلك أصبحت المؤسستان العسكريتان في كلٍّ من مصر والسودان، تديران البلدين عبر أنموذج تكامليٍّ واحدٍ هو أنموذج الدولة الكليبتوقراطية الموازية. أي، دولة الجيش التي تضخمت على حساب دولة الشعب وأضحت تدير اقتصادًا منفصلا خاصًا بها غير مرتبط باقتصاد الدولة التي تديره مؤسساتها. لقد أضحى السودان في فترة حكم البرهان، التي امتدت حتى الآن لست سنوات، يسير بخطىً حثيثة لكي يصبح مستعمرةً مصرية.
انتهى الأمر في السودان بأن سيطرت الدولة الموازية للتنظيم الإسلامي وجيشه المؤدلج على 80% من الاقتصاد السوداني، وفقًا لما صرح به رئيس وزراء الفترة الانتقالية، عبد الله حمدوك، الذي انقلب عليه الفريق البرهان، بتعليماتٍ مصرية: "حمدوك لازم يمشي". فالبرهان يريد القضاء على ثورة ديسمبر مهما كلفه ذلك، ليحقق رؤيا والده التي تنبأت له بحكم السودان، وليقضي لبانةَ شبقِهِ الشخصيِّ العارمِ للسلطة. ومن الجانب الآخر، يريد التنظيم الإخواني السوداني وحزبه الحاكم، المؤتمر الوطني، العودة إلى السلطة بأي سبيل. وقد وافقت رغبة هذين الطرفين السودانيين رغبة النظام المصري، بل وانطبقت عليها انطباقًا كاملا. فهذا الحلف الثلاثي يتشارك، وبقوة، غرض القضاء على الثورة السودانية وإبعاد بعبع التحول الديمقراطي الذي طالما حاربته مصر في السودان. هكذا تطابقت رغبات هذا الثلاثي ليدخل السودان في هذه الحرب المدمرة التي سيكون المنتفع الوحيد منها في نهاية المطاف النظام المصري، إذا سارت الأمور وفق ما يخطط ويناور. وإذا لم تنتبه القوى السياسية المدنية السودانية المتشرذمة إلى الانغماس المصري في الشأن السوداني، خاصةً منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018 فسوف يلتفون قريبًا ولن يجدوا أي أثر للسودان الذي عرفوه.
مصر تعيش على غيرها
انخفاض كلفة المعيشة في مصر وتماسك الدولة المصرية وأمنها واستقرارها النسبي، وتمتُّع مُدنها بمزايا عيش الحداثة، التي اجتذبت كثيرًا من السودانيين للهجرة إليها ليست نتيجةً لنظامٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ مقتدر، وإنما لأن الجيش المصري الممسك بالسلطة بقوة السلاح عرف كيف يجعل مصر تعيش على حساب غيرها. فمصر لا تنفك تتلقى أمولاً ضخمة من المجتمعين الدولي والإقليمي الخليجي، لاعتباراتٍ سياسية محضة؛ مرَّةً من السعودية، ومرَّةً من قطر، ومرَّةً من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومرَّةً من الكويت، إلخ. ويجري ذلك وفقًا لتقلُّبات مصالح هذه الدول الخليجية مع تقلُّب الأحوال المصرية الداخلية وتقلب الأحوال العربية بصورةٍ عامة. وعلى سبيل المثال، قدمت قطر لمصر في فترة حكم محمد مرسي حزمةً أوليةً من المساعدات المالية بلغت 2.5 مليار دولارًا؛ منها نصف مليار في صورة منحة، وملياران عبارة عن ودائع. وقال وزير الخارجية القطري آنذاك، حمد بن جاسم آل ثاني، إن الدوحة تتباحث مع القاهرة لتحويل جزء من وديعتها إلى منحة، ليصبح إجمالي قيمة المنحة القطرية مليار دولار، بينما يتضاعف حجم الوديعة إلى أربعة مليارات دولارا. (راجع: الجزيرة نت على الرابط: https://shorturl.at/1aP0M). والسبب في ذلك الدعم القطري لمصر في تلك الفترة، هو مساعدة حكومة الأخوان المسلمين برئاسة محمد مرسي، بعد أن وصلوا إلى السلطة في مصر.
وما أن أطاح الفرق عبد الفتاح السيسي بالرئيس المنتخب محمد مرسى، دخلت كل من السعودية ودولة الإمارات على الخط لدعم النظام العسكري الجديد الذي قوَّض حكم الإخوان المسلمين. ففي 13 مارس/ آذار 2015، أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، وحاكم دبي، خلال مشاركته في مؤتمر القمة الاقتصادية بشرم الشيخ، أن المساعدات الإماراتية لمصر بلغت خلال العامين اللذين سبقا ذلك المؤتمر، أكثر من 51 مليار درهما. وقد شملت مجالاتٍ حيويةً كالتعليم والتدريب والإسكان والنقل والمواصلات والرعاية الصحية والأمن الغذائي والطاقة. وفي نفس تلك الفترة أعلنت الكويت عن مساعداتٍ لمصر قيمتها 4 مليار دولارًا في صورة معونةٍ عاجلةٍ لدعم الشعب المصري في مواجهة ما أسمته "الأوضاع الدقيقة"، التي يمر بها. ويقول موقع بي بي سي العربية، إن مساعدات كلٍّ من السعودية والإمارات بلغت جملتها 8 مليار دولارًا. (راجع: موقع بي بي سي العربية على الرابط: https://shorturl.at/hO8y5).
الشاهد أن تدفق المال الخليجي على مصر لم يتوقف قط وظل مستمرًا إلى الآن. ففي فبراير 2024، نقل موقع "عربي21" عن مصادر خاصة، أن رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، قدم مساعداتٍ ماليةً عاجلةً لمصر بهدف تخفيف الاحتقان الشعبي المتنامي ضد رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية. فالإمارات، وفقًا لتلك المصادر، تسعى لمساعدة نظام السيسي للتخفيف من حدة غلاء المعيشة الذي يعاني منه المواطن المصري. وكذلك، لضبط سوق العملة الصعبة، لضمان استقرار النظام ومنع تفاقم الغضب الشعبي. وذكر الموقع، أيضًا، أن مصر تعاني من أزماتٍ اقتصاديةٍ خطيرةٍ قد تطيح بنظام السيسي، الأمر الذي يقلق داعميه الإقليميين والدوليين، في ظل ديونٍ خارجيةٍ تعدت 165 مليار دولارا. يضاف إلى ذلك، تراجع دخل البلاد من إيرادات قناة السويس، ومن قطاع السياحة، وانخفض معدَّل تحويلات المصريين العاملين بالخارج. وذكر الموقع أن رئيس هيئة الاستثمار في مصر حسام هيبة، أن تحالفًا إماراتيًّا، "المجموعة الاستثمارية كونسورتيوم" سيقود تطوير مشروع مدينة رأس الحكمة السياحي الذي يبعد بمسافة 350 كيلومترا شمال غرب القاهرة، بقيمة استثماراتٍ تبلغ 22 مليار دولارا. (راجع: موقع عربي 21، على الرابط: https://shorturl.at/J1QPL).
أما موقع Fikra Forum الذي يصف نفسه بأن قد جرى إنشاؤه بمبادرة من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فيقول: في عام 2013، أرسلت الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في إشارة إلى تأييدها الإطاحة بالرئيس التابع لجماعة "الإخوان المسلمين" محمد مرسي، 23 مليار دولارًا من الهبات والودائع النقدية. وكذلك، شحناتٍ من الوقود في الأشهر الثمانية عشر التي تلت الانقلاب العسكري. وعلاوةً على ذلك، عندما خفّضت مصر قيمة الجنيه المصري بنسبة 50 في المئة في عام 2016، أودعت المملكة العربية السعودية حوالي 3 مليارات دولارا، وأودعت الإمارات حوالي مليار دولارًا، في "البنك المركزي المصري". ويقول الموقع، مع ذلك، لا توجد بيانات دقيقة وموحدة تحدد حجم المساعدات التي حصلت عليها مصر من دول الخليج. لكن الموقع يضيف قائلاً: إن جريدة "القبس "الكويتية نقلت عن مصادر في "البنك المركزي المصري" في آذار/مارس 2019، أن الدعم الذي تلقته القاهرة من دول "مجلس التعاون الخليجي"، منذ عام 2011، وصل إلى 92 مليار دولارا. ومع إضافة مبلغ بقيمة 22 مليار دولار تعهدت به دول الخليج لمصر في نيسان/أبريل 2022، يكون حجم المساعدات الخليجية لمصر قد بلغ نحو 114 مليار دولار. (راجع: موقع Fikra على الرابط: https://shorturl.at/QsAZM). (الخطوط تحت السطور من وضعي). ويقول محمد حسنين هيكل إن مصر من أكبر الدول تلقيًّا للمعونات. وأنها في فترة الثلاثين سنة من حكم مبارك حصلت على ترليون دولارًا من المعونات والمساعدات والتدفقات النقدية. وأضاف هيكل إن تلك المعونات والمساعدات والتدفقات لم يجر استخدامها على نحوٍ سليم. (راجع يوتيوب على الرابط: https://shorturl.at/BfJrP).
تاريخٌ طويلٌ من المعونات
في الفترة التي حكم فيها الرئيس جمال عبد الناصر مصر، والتي امتدت لقرابة العشرين عامًا، حصلت مصر على وضعيةٍ متميِّزةٍ في العالم العربي. فقد نال الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر، ما يمكن أن نطلق عليه صفة "الزعيم العام" للعالم العربي. نال جمال عبد الناصر تلك الوضعية عبر خطبه النارية التي استهدفت إيقاظ الشعور القومي، وخوضه حرب القنال عقب تأميمه قناة السويس، ثم توعده المستمر لإسرائيل بالمواجهة العسكرية. وقد ساعدته في كل أولئك حالة الحرب الباردة القائمة آنذاك، ودعم الاتحاد السوفييتي له، إلى جانب ما رسَّخه الإعلام المصري في الذهن العربي من أن الاتحاد السوفيتي هو صديق الشعوب المضطهدة، وحاميها.
في تلك الفترة كانت دول الخليج محمياتٍ بريطانيةٍ وكان اليمن الجنوبي محميةً بريطانية، أيضًا، وكان هجوم إعلام عبد الناصر منصبًّا على السعودية بوصفها بؤرةً رجعية وأنها وكيلة الامبريالية والاستعمار الغربي في المنطقة. لكن، عقب الهزيمة الساحقة التي تلقتها الجيوش العربية، وعلى رأسها الجيش المصري في حرب 1967، جرى مؤتمر الخرطوم وحدث فيه الصلح بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز. ومنذ تلك الانعطافة التاريخية شرعت السعودية وغيرها من الدول العربية في تقديم العون المالي لمصر. ويمكن القول أن السنوات القليلة التي سبقت وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والسنتين اللتين أعقبتا وفاته، وأيلولة السلطة للرئيس أنور السادات، قد شهدت العديد من التحولات الكبيرة في الساحة العربية.
من التحولات التي جرت، آنذاك، سيطرة أحزاب البعث على كل من العراق وسوريا. وكان ذلك بين نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي. كما شهدت بداية عقد السبعينات استقلال اليمن الجنوبي وكل المحميات البريطانية في الخليج من الوصاية البريطانية. في نفس تلك الفترة، أيضًا، حدث انقلاب جعفر نميري في السودان على النظام الديمقراطي، وحدث انقلاب العقيد معمر القذافي على النظام الملكي في ليبيا. واصطف كلٌّ من نميري والقذافي وراء ناصر بقوة، حتى أوشك ثلاثتهم على إقامة وحدة ثلاثية تضم كلا من مصر والسودان وليبيا. لكن، بموت جمال عبد الناصر، ومحاولة الشيوعيين السودانيين الانقلاب على نظام جعفر نميري في السودان، تحول نميري ليصبح قريبًا من السادات، الذي كان قد بدأ الانقلاب على توجهات عبد الناصر اليسارية، ليصبح حليفًا للغرب. وبسبب ذلك، ابتعد القذافي عن كلٍّ من مصر والسودان، منتهجًا خطًا يساريًا، راديكاليًا، وناصب كلاًّ من السادات ونميري العداء. وقادت انعطافة أنور السادات نحو الغرب إلى توقيعه اتفاقية كامب ديفيد مع الإسرائيليين في عام 1978.
الشاهد، أن التوجه غربًا وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد جلبا عونًا لمصر كانت في أمس الحاجة إليه. يقول عبد الحافظ الصاوي، بعد توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل "كامب ديفيد" في نهاية سبعينيات القرن العشرين، تعهدت أميركا بتقديم معونة اقتصادية وفنية لمصر وإسرائيل، وحصلت مصر، منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، من المعونة الأميركية، على قرابة أربعين مليار دولار، تضمنت مشروعات للبنية الأساسية والمعونات الغذائية. هذا، فضلا عن المعونة العسكرية المقدمة لمصر سنويًّا، بحدود مليار دولار، وكانت تأتي في شكل أسلحة ومعدات عسكرية من أميركا. (موقع الجزيرة نت على الرابط: https://shorturl.at/BxjS4).
يمكن أن نخلص مما تقدم أن مصر دولة غارقة في الديون، وتعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة. وكل فترات حكمها منذ الثورة المصرية في خمسينات القرن الماضي، التي أدارها الجيش، لم تفلح في أن تضع البلاد في طريق النمو والازدهار المعافى. ظلت الأنظمة المصرية تعيش على إدعاء زعامةٍ للعرب غربت شمسها. وهي زعامة صنعها جمال عبد الناصر في ظرفٍ كان حينها مواتيًا لخلق صورة الزعيم البطل الأوحد. والآن، فإن مصر والسودان دولتان تعيشان أزمةً مزمنةً ممتدةً، وكلتاهما مرزوءتان بالحكم العسكري الأوليغاركي الكليبتوقراطي. تملك الدولتان معًا مقومات دولتين كبيرتين يمكن أن تكونا متعاونتين متآذرتين مقتدرتين وليستا بحاجةٍ إلى تسول المعونات. غير أن العسكرية الأوليغاركية أقعدت الدولتين، بل وجعلتهما حربًا على بعضهما، خاصة من جانب مصر التي ظلت تعمل على طول المدى على إضعاف الدولة السودانية بغرض الهيمنة عليها. لو جرى تصحيح هذا الوضع وقام التعاون بين الدولتين على أساسٍ معافى من هذه الأمراض المزمنة لأصبح حال الدولتين مختلفًا تمامًا مما هو عليه اليوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.