شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدلولاتُ دخولِ اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية حيز النفاذ
نشر في حريات يوم 25 - 05 - 2014


[email protected]
1
أخيراً دخلتْ اتفاقيةُ الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية حيز النفاذ. فقد اكتمل هذا الأسبوع العدد المطلوب من وثائق التصديق والقبول والموافقة على الاتفاقية والبالغ خمسةٌ وثلاثون صكاً، بعد أن أودعت دولة فيتنام صك موافقتها على الاتفاقية يوم 19 مايو عام 2014. وأصبحت فيتنام بهذا الدولة الخامسة والثلاثين، وهو العدد المطلوب بموجب الاتفاقية. عليه فسوف يبدأ نفاذ الاتفاقية في 17 أغسطس عام 2014، أي بعد تسعين يوماً من تاريخ الصك الخامس والثلاثين، كما تقضي بذلك الاتفاقية.
وهكذا أصبحتْ للمجاري المائية الدولية اتفاقيةٌ تحكم استخداماتها وحمايتها وإدارتها، وانتفتْ عنها أخيراً صفة أنها المورد الطبيعي الرئيسي الوحيد الذي لا تحكمه اتفاقية دولية، ويعتمد على القانون الدولي العرفي.
سوف نناقش في هذا المقال تاريخ الاتفاقية ومعالمها الرئيسية، ونعدّد الدول التي أصبحت أطرافاً في الاتفاقية. وسوف نلتفت بعد ذلك إلى مدلولات دخول الاتفاقية حيز النفاذ على حوض النيل ودوله، خاصةً السودان.
2
تاريخ الاتفاقية:
في 8 ديسمبر عام 1970 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 2669 (الدورة 25) بعنوان "التطور التدريجي لقواعد القانون الدولي المتعلّقة بالمجاري المائية الدولية وتدوينها." أشار القرار إلى المشاكل القانونية المتعلّقة باستخدام المجاري المائية الدولية، وإلى أن ذلك الاستخدام ما يزال يستند إلى قواعد القانون العرفي. وطلب القرار إلى لجنة القانون الدولي أن "تباشر دراسة القانون المتعلّق بوجوه استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، بقصد تطوّرِه التدريجي وتدوينه."
3
إعداد الاتفاقية:
عملاً بالقرار 2669 لعام 1970، بدأت لجنة القانون الدولي العمل في موضوع المجاري المائية الدولية في أوائل عام 1971. ومن الواضح أن المهمة كانت في غايةٍ من التعقيد والصعوبة. فقد تطلّب الأمر ثلاثةً وعشرين عاماً، وخمسة مقررين، وخمسة عشر تقريراً قبل أن تتوصّل اللجنة إلى اتفاقٍ على المشروع النهائي لمواد الاتفاقية في عام 1994.
وقد تبيّن أن عدداً من المسائل هي في حقيقة الأمر مسائل خلافية وتتّسم بالتعقيد حتى بالنسبة لأعضاء لجنة القانون الدولي نفسها. وكان من ضمن تلك المسائل تعريف مصطلح "المجاري المائية الدولية"؛ والمياه الجوفية العابرة للحدود؛ واتفاقات المجاري المائية القائمة وعلاقتها بالاتفاقية؛ والعلاقة بين مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول وبين الالتزام بعدم التسبّب في ضررٍ ذي شأن، وإجراءات تسوية المنازعات وآلياتها. وانتهى الأمر بحلِّ الخلافات حول تلك المسائل، واتفقت لجنة القانون الدولي على مشروع الاتفاقية وقدّمتها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1994، تحت مسمى "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية."
4
إجازة الاتفاقية بواسطة الأمم المتحدة:
في 21 مايو عام 1997، وبعد مناقشةٍ مطوّلة للمشروع الذي قدّمته لجنة القانون الدولي، بصيغته المعدّلة من جانب الفريق العامل، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 51/229 باعتماد الاتفاقية. وصوّت لصالح الاتفاقية مائةٌ وثلاث من الدول، وصوّتت ضدها ثلاثُ دولٍ (بوروندي وتركيا والصين) فقط، مع امتناع سبعٍ وعشرين دولة عن التصويت.
وقد صوّت السودان لصالح الاتفاقية ومعه كينيا من دول حوض النيل، بينما امتنعت مصر وإثيوبيا وتنزانيا ورواندا عن التصويت، ولم تشارك يوغندا والكونغو وإريتريا في التصويت، وصوّتت بوروندي ضد الاتفاقية. ولم تنضم أيٌ من دول حوض النيل للاتفاقية بعد.
5
المعالم الرئيسية للاتفاقية:
تُعدُّ اتفاقية الأمم المتحدة اتفاقيةً إطارية تهدف إلى كفالة استخدام المجاري المائية الدولية، وتنميتها والحفاظ عليها وإدارتها وحمايتها، وتعزيز استخدامها بصورة مثلى ومستدامة من قِبَل أجيال الحاضر والمستقبل. واعتبارها اتفاقيةً إطاريةًنابعٌ من أنها تتناول بعض الجوانب الإجرائية الأساسية وثلّة قليلة من الجوانب الموضوعية، وتترك التفاصيل للدول المشاطئة لتكملها في اتفاقاتٍ فيما بينها تأخذ في الاعتبار الخصائص المحدّدة للمجرى المائي المعني. ولتلك الاتفاقات أن تتبنّى أحكام الاتفاقية أو تُكيّفها.
وتنقسم الاتفاقية إلى سبعة أبواب، وتتألف من 37 مادة. بالإضافة إلى ذلك، تتضمّن الاتفاقية مرفقاَ بشأن "التحكيم" يتألف من 14 مادة. وتشمل المجالات الرئيسية التي تتناولها الاتفاقية تعريف مصطلح "المجرى المائي"، واتفاقات المجرى المائي، والانتفاع المنصف والمعقول، والالتزام بعدم التسبّب في ضررٍ ذي شأن، والإخطار المتعلق بالتدابير المزمع اتخاذها، والحماية والصون والإدارة، وتسوية المنازعات.
6
تتناول المادة 3 من الاتفاقية مسألة اتفاقات المجرى المائي. وتشير هذه المادة إلى أن الاتفاقية لا تؤثر في حقوق أو التزامات دولة المجرى المائي الناشئة عن اتفاقات نافذة. إلا أن المادة تطلب من الأطراف النظر، عند اللزوم، في كيفية مواءمة هذه الاتفاقات مع المبادئ الأساسية للاتفاقية. إضافةً إلى ذلك، تنصُّ المادة على أنه إذا كان بعض دول مجرى مائي دولي معين، لا كلها، أطرافاً في اتفاقٍ ما، فإنه لا يؤثر شيء مما ينصّ عليه مثل ذلك الاتفاق في ما لدول المجرى المائي التي ليست أطرافاً في مثل ذلك الاتفاق، من حقوق والتزامات بمقتضى هذه الاتفاقية. وهكذا، فإن الاتفاقية تحاول التوفيق بين حق الدول في عقد اتفاقات، والمساواة في حق الدول المشاطئة الأخرى في المجرى المائي المشترك.
7
ويتناول الباب الثاني مبادئ عامة تبدأ بمبدأ "الانتفاع والمشاركة المنصفان والمعقولان." وتنصّ المادة الخامسة من الاتفاقية على حق كل دولة من دول المجرى في أن تنتفع في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقةٍ منصفةٍ ومعقولة. وتُلزم الاتفاقية هذه الدول بأن تستخدم المجرى المائي الدولي وتُنمّيه بغية الانتفاع به بصورةٍ مثلى ومستدامة والحصول على فوائد منه، مع مراعاة مصالح دول المجرى المائي المعنيّة، على نحوٍ يتفق مع توفير الحماية الكافية للمجرى المائي. وتجمع هذه المادة بين حقوق وواجبات دول المجرى. وتشير إلى الحق في أن تشارك دول المجرى المائي في استخدام المجرى المائي الدولي وتنميته وحمايته بطريقة منصفة ومعقولة، على أن تشمل هذه المشاركة حق الانتفاع بالمجرى المائي، وواجب التعاون في حمايته وتنميته على النحو المنصوص عليه في الاتفاقية.
وتُفصِّل المادة 6 عوامل وظروف محدّدة ينبغي أخذها في الاعتبار لتحديد مفهوم الانتفاع المنصف والمعقول. وتنصّ هذه المادة على أن الانتفاع بمجرى مائي دولي بطريقة منصفة ومعقولة يتطلّب أخذ جميع العوامل والظروف ذات الصلة في الاعتبار، ومنها ما يلي:
(1) العوامل الجغرافية والهيدروغرافية والهيدرولوجية والمناخية والإيكولوجية وغيرها من العوامل ذات الصفة الطبيعية؛
(2) الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدول المجرى المائي المعنية؛
(3) السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي في كل دولةٍ من دول المجرى المائي؛
(4) آثار استخدام أو استخدامات المجرى المائي في إحدى دول المجرى المائي على غيرها من دول المجرى المائي؛
(5) الاستخدامات القائمة والمحتملة للمجرى المائي؛
(6) حفظ الموارد المائية للمجرى المائي وحمايتها وتنميتها والاقتصاد في استخدامها وتكاليف التدابير المتّخذة في هذا الصدد؛
(7) مدى توافر بدائل، ذات قيمة مقارنة، لاستخدام معين مزمع أو قائم.
وتنص المادة 6 أيضاً على أن الوزن الممنوح لكل عامل من العوامل يُحدّد وفقاً لأهميته مقارنةً بأهمية العوامل الأخرى ذات الصلة.
وتتناول الاتفاقية أيضا، في المادة 7، مسألة الالتزام بعدم التسبّب في ضررٍ ذي شأن، وتستوجب أن تتخذ دول المجرى المائي، عند الانتفاع بالمجرى المائي المشترك، كل التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبّب في ضررٍ ذي شأن لغيرها من دول المجرى المائي.
8
الانتفاع المنصف والمعقول وعدم التسبّب في ضرر:
اتضح بدايةً صعوبة الاتفاق على أيٍ من القاعدتين (الانتفاع المنصف والمعقول أم عدم التسبب في ضررٍ ذي شأن) لها الأولوية على الأخرى. وشغل ذلك الأمر لجنة القانون الدولي طيلة فترة عملها على الاتفاقية. وتعامل كل مقررٍ مع هذه المسألة بشكلٍ مختلف، وذلك إما بالمساواة بين المبدأين أو بإخضاع أحدهما للآخر. وفي هذا الصدد ينبغي توضيح أن الدول المشاطئة السفلى تميل إلى تفضيل قاعدة عدم إلحاق الضرر، ذلك لأن هذه القاعدة توفّر الحماية للاستخدامات القائمة من الآثار الناجمة عن الأنشطة التي تقوم بها الدول الواقعة في أعالى المجرى. وعلى عكس ذلك، فإن الدول المشاطئة العليا تميل إلى تفضيل مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، لأنه يتيح مجالاً أكبر للدول للانتفاع بحصّتها من المجرى المائي من خلال أنشطةٍ قد تؤثّر على الدول الواقعة في أسفل المجرى.
غير أن القناعة التي تسود الآن بين خبراء قانون المياه الدولي هي أن الاتفاقية قد جعلت الالتزام بعدم التسبّب في ضررٍ ذي شأن خاضعاً للانتفاع المنصف والمعقول. ويرتكز هذا الاستنتاج على القراءة المتمعّنة والمتأنّية للمواد 5 و6 و7 من الاتفاقية. فالمادة 6 تُورِد عددا من العوامل لتحديد مفهوم الانتفاع المنصف والمعقول. وتشمل هذه العوامل (1) "آثار استخدام أو استخدامات المجرى المائي في إحدى دول المجرى المائي على غيرها من دول المجرى المائي"، (2) "الاستخدامات القائمة والمحتملة للمجرى المائي". عليه فإن هذه الاستخدامات القائمة والمحتملة هي عوامل لتحديد الانتفاع المنصف والمعقول.
إضافةً إلى ذلك، فإن المادة 7 (1) من الاتفاقية تلزم دول المجرى المائي، عند الانتفاع بمجرى مائي دولي داخل أراضيها، باتخاذ كل التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبّب في ضرر ذي شأن لدول المجرى المائي الأخرى. ومع ذلك، فعند حدوث ضررٍ ذي شأن لدولة أخرى من دول المجرى المائي، فإن المادة 7 (2) تقتضي أن تتخذ الدولة التي تسبّبت في الضرر مراعاة مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول.
عليه، فإن القراءة المتأنية للمواد 5 و 6 و 7 من الاتفاقية من شأنها أن تفضي إلى استنتاج أن الالتزام بعدم التسبّب في ضررٍ ذي شأن قد أُخْضِعَ بالفعل لمبدأ الانتفاع المنصف والمعقول. وبالتالي، يمكن استخلاص أن مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول هو المبدأ الأساسي والتوجيهي لاتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية وللقانون الدولي للمياه.
9
وقد أيّدت هذا الرأي محكمة العدل الدولية في قضية نهر الدانوب بين هنغاريا وسلوفاكيا. وقد بتّت المحكمة في هذه القضية في شهر سبتمبر عام 1997، أي بعد أربعة أشهرٍ فقط من تاريخ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتفاقية المجاري المائية الدولية. ففي هذه القضية أكّدت المحكمة على مفهوم الانتفاع المنصف والمعقول حين قضت بأن "يتم تنفيذ البرنامج المتعدد الأغراض، في شكل وحدة منفردة منسقة، لاستخدام المجرى المائي وتنميته وحمايته، بشكلٍ منصفٍ ومعقول." ولم تشر المحكمة إلى الالتزام بعدم التسبّب في ضرر. كما أكّدت المحكمة على أنه لكل دولةٍ حقٌ أساسيٌ في المجرى المائي المشترك.
10
تناولت الاتفاقية أيضاً مبدأ الإخطار المسبق وفصلّت في عدّة مواد واجبات الدولة التي تنوي إقامة المشروع في إخطار بقية الدول المشاطئة ومدّها بالمعلومات المتعلّقة بالمشروع بما في ذلك تقرير التقييم البيئي. ويجب توضيح أن إلزامية الإخطار تنطبق على كل الدول سواءٌ كانت في أسافل المجرى أم في أعاليه. كما تناولت الاتفاقية مسألة حماية بيئة المجرى المائي الدولي ومنع التلوث وتخفيضه ومكافحته. واختتمت بمادةٍ مطولة عن تسوية المنازعات، مع ملحقٍ للاتفاقية عن التحكيم.
11
الدول الأعضاء في الاتفاقية:
كما ذكرنا أعلاه، فقد قامت خمسٌ وثلاثون دولة من أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا بالتصديق أو قبول أو الموافقة على الاتفاقية حتى الآن، مما أدخل الاتفاقية حيز النفاذ. وهذه الدول هي:
من أوروبا: فنلندا، النرويج، المجر، السويد، هولندا، البرتغال، المانيا، اسبانيا، اليونان، فرنسا، الدنمارك، لكسمبرج، ايطاليا، الجبل الأسود، المملكة المتحدة، ايرلندا.
من أفريقيا: جنوب افريقيا، ناميبيا، غينيا بيساو، بوركينا فاسو، نيجيريا، النيجر، بنين، تشاد، وساحل العاج.
من الشرق الأوسط: سوريا، لبنان، الأردن، العراق، ليبيا، تونس، قطر، المغرب.
من آسيا: أوزبكستان وفيتنام.
ولم تنضم للاتفاقية حتى الآن أي دولة من الأمريكتين.
ومن المؤكّد أن دخول الاتفاقية حيز النفاذ سوف يدفع بالكثير من الدول بالانضمام إليها، مثلما حدث ويحدث مع الاتفاقيات الدولية الأخرى. فالنجاح له الكثير من الآباء، بينما الفشل دائماً يتيم الأبوين.
12
الاتفاقية ودول حوض النيل:
لقد ظلّت المجاري المائية الدولية بلا اتفاقٍ دولي يوضح حقوق وواجبات دول المجرى، وظلت المحاكم الدولية ولجان التحكيم تعتمد على القانون العرفي. عليه فإن دخول اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية حيز النفاذ بعد سبعة عشر عاماً من إجازتها بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحدة هو إنجازٌ ضخم وإضافةٌ كبيرة للقانون الدولي. كما أن دخول الاتفاقية حيز النفاذ هو تأكيدٌ لتبنّي دول الاتفاقية لمبدأ التعاون حول المجاري المائية الدولية.
إن القانون الدولي للمياه هو قانون التعاون. فالتعاون هو الوسيلة الوحيدة للاستفادة القصوى من المجرى المائي المشترك وإدارته وحمايته. وقد شدّدت الاتفاقية على ضرورة وأهمية التعاون، واشتملت على كلمة "تعاون" ومشتقاتها خمس عشرة مرة. عليه فيبدو غريباً أن لا تكون هناك دولة نيلية واحدة بين الدول التي صادقت أو وافقت على اتفاقية الأمم المتحدة رغم الحديث المتواصل والمكرّر لهذه الدول عن ضرورة وحتمية التعاون حول مياه النيل.
غير أن إصرار مصر والسودان على إلزامية اتفاقيات عام 1902، و1929 و1959 هو السبب الرئيسي لإحجام دول المنبع عن الانضمام للاتفاقية بسبب حق النقض الذي تدعيه مصر والسودان بموجب هذه الاتفاقيات على مشاريع دول المنبع. وتتخوّف دول المنبع من أن أي إخطارٍ لمصر والسودان من جانبها بموجب الاتفاقية سوف يتم تفسيره بواسطة مصر والسودان كقبولٍ من دول المنبع لهذه الاتفاقيات، بما في ذلك حق النقض.
وهكذا تقف اتفاقيات 1902، و1929، و1959 سدّاً ضخماً في وجه التعاون، ليس فقط في المحيط الإقليمي لحوض النيل، بل تتعداه إلى المحيط الدولي المتمثّل في اتفاقية المجاري المائية الدولية.
13
السودان والاتفاقية:
لقد صوّت السودان لصالح الاتفاقية في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 مايو عام 1997، وأشاد بها كتابةً إلى احدى لجان الاتفاقية. لكن وفده عاد إلى الخرطوم وبدا عليه الارتباك والتخبّط. لم يوصِ الوفد بتوقيع السودان على الاتفاقية، ثم بدأ يتراجع ويتخذ منها موقفاً منتقداً يوضح عدم الفهم بأساسيات الاتفاقية. فقد ظلّ بعض المستشارين الحكوميين السابقين يكرّرون أن تعريف المجرى المائي الدولي بمقتضى الاتفاقية يفتح الباب لإسرائيل لتصبح دولةً مشاطئة لنهر النيل. وهذا جهلٌ كاملٌ بالاتفاقية التي صارت ثماني دول عربية حتى اليوم أطرافاً فيها، بينما ترفضها إسرائيل التي يدّعي مستشارونا أنها المستفيد الأول منها. وكانت مصر قد تبنّت ذلك التفسير في الماضي ولكنها تراجعت عنه.
كما يدّعي بعض هؤلاء المستشارين السودانيين أن الاتفاقية تضع تسعيرة للمياه وتفصّل أسس بيعها وشرائها بين الدول. وهذا محض هراء فليست هناك مثل هذه النصوص في الاتفاقية.
ولا بد للقارئ أن يتساءل لماذا صوّت وفد السودان لصالح الاتفاقية وأشاد بها ابتداءً إذا كان لديه مثل هذه التفسيرات لنصوصها؟ لا بد أن الضغوط المصرية على السودان بأن لا يوقّعَ أو ينضمَ للاتفاقية هي السبب الرئيسي لهذا الموقف السوداني المضطرب والمرتبك. فمصر (التي امتنعت عن التصويت) تعارض الاتفاقية لأنها تعتقد أن الاتفاقية لا تعطي الوزن اللازم للحقوق المكتسبة، وأن الاتفاقية ترجّح مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول.
ولا بد من التذكير أن اتفاقية الأمم المتحدة اتفاقيةٌ إطارية تترك للدول المشاطئة مجمل الحرية للتفاوض على التفاصيل وتضمين ما اتفقت عليه في اتفاقاتٍ تأخذ في الاعتبار الخصائص المحدّدة للمجرى المائي المعني.
14
إنني آمل أن يراجع القانونيون في وزارتي الخارجية والعدل، والفنيون في وزارة الموارد المائية، موقف السودان من هذه الاتفاقية. وأوصي بشدّة أن يوافق السودان على الاتفاقية على وجه السرعة لكي نلحق بركب الدول المتحضّرة التي انضمّت وستنضمُّ إليها.
وقد أكّدت تلك الدول بذلك الانضمام قناعتها بضرورة التعاون في مجال المجاري المائية الدولية بغرض حمايتها وإدارتها وتعزيز استخدامها بصورةٍ مثلى ومستدامة من قِبَلِ أجيال الحاضر والمستقبل. وهذه قناعاتٌ يجب أن يتبنّاها السودان أيضاً بالانضمام لهذه الاتفاقية، وليس بالشعارات الجوفاء والهتافات التي أضرّت وتُضِرُّ كثيراً بمصداقية السودان الإقليمية والدولية.
15
لمزيدٍ من المعلومات حول اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية راجع المحاضرة التي ألقاها الكاتب، بناءً على طلب الأمم المتحدة، عن القانون الدولي للمياه، والمنشورة بستِّ لغاتٍ (انجليزية، عربية، فرنسية، اسبانية، روسية، وصينية) بموقع الأمم المتحدة الالكتروني (مكتبة القانون الدولي)،
http://legal.un.org/avl/ls/Salman_IW_video_2.html
وكذلك بموقع الكاتب الالكتروني:
http://www.salmanmasalman.org/journal-articles/


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.