والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أهم حجج المفكر المصرى اسلام بحيرى ضد تقديس صحيحى البخارى ومسلم
نشر في حريات يوم 27 - 04 - 2015


البخاري ومسلم بين العصمة والبشرية
إسلام بحيري
البخارى ومسلم من أعظم العلماء فى إخراج الأحاديث لكنهما بشر يصيب ويخطئ
(ليست محاولة للتشكيك فى البخارى ومسلم) هذا هو العنوان الذى نشرته (اليوم السابع) فى عددها الأول, ورغم أنى لست من كتب هذا العنوان, بل هو مما استنبطه الزملاء الأعزاء القائمون على ذلك مما كتبت, إلا أننى قد أعجبت بالعنوان أيما إعجاب، وقلت لعله ينقذنا وينقذنى من سيل اتهامات متوقع لكل باحث حاول رد أحاديث فى البخارى أو مسلم, وبعد ذلك عمدت فى ثنايا المقالات السابقة إلى ذكر الكثير من الاستدلالات التى تؤكد أن تضعيف حديث فى كتابى البخارى ومسلم أمر جائز وطبيعى يخضع لأساليب النقد العلمى ولا يؤدى لكفر ولا فسوق ولا عصيان, ورغم ذلك كله فقد نالتنا ولاحقتنا الاتهامات المتوقعة للدفاع عن البخارى ومسلم لمجرد منازعتهما بتضعيف أحاديث وردت فيهما, وعندها سألت نفسى: ألهذا الحد أصبح العقل المسلم يقدس بشرا ممن خلق الله، ويعصمه من الزلل والخطأ العارض أو المنهجى؟! ولأن شيوخ الضلال صوروا للناس أن كتابى البخارى ومسلم هما القرآن الثانى وأن الأمة فى السلف والخلف اجتمعت على صحة كل حرف فيهما, رغم أن ذلك لا يصح شرعا ولا عقلا, لذا فإن هذه المقالة مهداة للعقول المظلمة المغيبة التى تخلط المفاهيم وتشتم وتسب وتُكَفِّر بلا أدنى أثارة من علم، ولا طرف من دليل, ونبدؤها بالتأكيد على عدة حقائق هامة يجب توضيحها:
1- لا يجب تصديق الكاذبين الذين يدَّعون أن من يُضعِّف ولو حديثا واحدا فى كتابى البخارى أو مسلم إنما يسعى لهدم السُنَّة, لأن ذلك القول هو أكذب الكذب, فإن السنة الفعلية والقولية بكل أنواعها ثابتة كالجبل الراسخ لا يمكن لأحد أن يهدمها أو يشكك فيها, وثباتها الذى نقصده يتخطى بمراحل كتاب البخارى أو غيره, لأن البخارى ولد عام 194 من الهجرة فهل ضاعت السُنَّة وضاع الإسلام قرنين من الزمان من قبل ولادته؟ لا بل كان الإسلام قرآنا ثابتا وسنة صحيحة منقولة قبل البخارى وبعده, فلا يخلطن الكذابون بين تضعيف حديث فى البخارى وبين هدم السُنَّة النبوية، فمال هذا وتلك؟ وكيف للسُنَّة المحمدية بعلو شأنها أن يهدمها تضعيف حديث فى كتاب من صنع البشر! ولو أن ذلك يهدم السُنَّة فهم إذن يتحدثون عن دين هش أوهى من بيت العنكبوت, وما الإسلام العظيم كذلك أبدا, لذا فلا يجب على العقلاء الخلط بين السُنَّة بكامل مفهومها وبين كتابى والبخارى ومسلم.
2- يجب على العقلاء التخلص من آفة فكرية هامة عند الكلام عن هذين الكتابين على عظيم قدرهما, وهى آفة التعامل معهما كالقرآن العظيم من حيث الرفض والقبول, فلا يجب أن نعتقد بأى حال وتحت أى ظرف أن كتابى البخارى ومسلم هما باقة كاملة مثل القرآن فإما قبولهما جميعا أو ردهما جميعا وأنه لا خيار ثالث أمامنا, فذلك فهم عليل وقول مردود, لأن القرآن الكريم وحده هو الذى إذا ما رُدَّ منه ولو آية واحدة فكأنه رُدَّ جميعا وكُفِرَ به, ولكن كتابى البخارى ومسلم ليسا كذلك, فيجوز عقلا وشرعا رد بعض ما أخرجاه بالدليل وقبول البعض الغالب, وذلك لأن ما تضمناه بين دفتيهما إنما هو ما اجتهدوا وظنوا قدر جهدهم أنه من كلام وأفعال وأيام رسول الله, وذلك لا يعنى بالضرورة أن كله على إطلاقه صحيح لأنهم بشر يمر بهم الخطأ العارض كالسهو, ويعتريهم كذلك الخطأ المنهجى.
3- لا يعتقدن أحد بأن تضعيف أو المنازعة بتضعيف حديث فى كتابى البخارى ومسلم إنما يعد كما يروج الجهلاء تكذيبا لرسول الله, فهذا محال من كل وجه, فنحن لو رأينا وسمعنا رسول الله يأمرنا لسجدنا تحت أقدامه مذعنين لأمره, ولكن الحال مع ما جُمع فى الكتب يختلف عن ذلك, لأن الكلام تناقلته أجيال متطاولة لم يكونوا بالصدق ولا النزاهة والكفاءة ولا حتى الذاكرة التى تجعلنا نتيقن أن هذا الكلام أو الفعل صدر عن رسول الله إلا بالدليل, لذا فإننا حين نُضعِّف حديثا عند البخارى أو مسلم, إنما نحن نُكذِّب من نقل عن رسول الله أو حكى عنه أو عليه, ولسنا نُكذِّب المصطفى ولا نستطيع وحاشانا أن نفعل.
4- كما يجب التوضيح أنه ليس كل ما بين دفتى البخارى ومسلم كلاما قاله الرسول أو فعله أو ما يعرف فى علم مصطلح الحديث أنه حديث «مرفوع لرسول الله» بمعنى أنه هو الذى قاله أو فعله, بل البخارى ومسلم وكافة المسانيد والسنن, تمتلئ بالأحاديث الموقوفة -التى تنتهى إلى صحابى- وحتى لو كان الحديث مرفوعا للرسول جاز للباحثين من خلال التقيد بقواعد القبول والرد أن يتعقبوا المتون -النصوص- والأسانيد ولا ملامة فى ذلك ولا معيب.
5- يجب إعادة تدوير وفهم الألفاظ المشهورة التى اخترعها شيوخ الضلال وأشهرها كلمات «الطعن والتشكيك», لأن هذه الألفاظ ألصقت زورا وجهلا بمن يُضعِّف حديثا فى البخارى أو مسلم رغم أن ذلك لا طعنا ولا تشكيكا, فأما الطعن فهو أن يطعن أحدهم مثلا فى شرف أو نسب أو عقيدة البخارى فهذا هو الطعن الذى نعلمه, ومثل ذلك ما وقع بين الإمام الذهلى وبين البخارى وكان بينهما ما كان, أما كلمة «التشكيك» فالتشكيك الذى نعلمه أن يخرج باحث ليشكك فى الأصول التى استقرأها العلماء حول الشروط التى وضعها لنفسه البخارى أو التى كتبها مسلم فى مقدمة كتابه لقبول الرواية, وذلك للتشكيك فى أصل جمع البخارى أو مسلم للأحاديث, فذلك هو التشكيك الحق, أما رد أحاديث بعينها عندهما فليس بطعن ولا تشكيك كما أشاع الجهلة هذه المصطلحات المكذوبة حتى باتت وكأنها الحقيقة.
6- والحقيقة تقول إن البخارى ومسلم من أجَل علماء هذا العلم, وكانا أكثر المتقدمين والمتأخرين من العلماء عناية وحرصا فى إخراج الحديث الصحيح وهذا ما يشهد به كل العقلاء, ولكن ذلك أيضا لا يخرجهما عن كونهما بشرا ممن خلق يأكلان الطعام ويمشيان فى الأسواق, فلا يصح أن يكون كتاباهما قرآنا منزلا من فوق سبع سماوات, بل الحق أن أكثر ما أخرجاه من الصحيح وأقله من الضعيف المردود لمخالفته القرآن والسنة والعقل, لذا فإننا نعتقد أنه قد آن أوان تفعيل المقولة الخالدة لإمام دار الهجرة الإمام مالك: «كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر» ولا شك أن البخارى ومسلم داخلان تحت لواء هذا الكل الذى قصده الإمام مالك.
7- استكمالا للمفاهيم المغلوطة فقد فاجأنى الدكتور عبدالمهدى عبدالقادر رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين, فى الحلقة التى جمعتنى معه فى تلفزيون أوربت بقول أضحكنى وأبكانى فى آن, فقد قال جازما «إن كتاب البخارى معصوم من الخطأ» واستشهد بآية: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» النساء 115, على اعتبار أن من ضَعَّف حديثا فى البخارى فهو قد خرق الإجماع, وسبيله إلى النار حتما, وذلك الاستدلال من أبطل الباطل، فالآية بالأساس لا علاقة لها بالإجماع أبدا, ثم لو تأولناها على ذلك لكان كل من خالف الإجماع حتى الفقهى مآله إلى نار جهنم وذلك ما لم يقل به حتى الشافعى صاحب المذهب ومخترع الإجماع, ولعلمى التام أن وهم الإجماع هذا إن اعتبرته دليلا- على البخارى ومسلم لم يحدث أبدا على مر العصور فقد ولَّد ذلك عدة أسئلة طرحت نفسها ووجب الإجابة عنها.
السؤال الأول الذى يطرح نفسه: هل وقعت بعض الأخطاء المنهجية فى البخارى ومسلم مما يجرى على البشر؟ بالطبع نعم.. ومنها:
1- أخرج البخارى «2661» فى حديث الإفك عما كان من وقعة فى المسجد بين الأوس والجزرج «فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه: إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك». والمعروف إجماعا أن سعدا بن معاذ كان قد استشهد قبل واقعة الإفك وذلك بعد وقعة الخندق فى السنة الخامسة من الهجرة, كما أنه لا شك أن واقعة الإفك التى يذكرها البخارى كانت بعد وقعة بنى المصطلق فى السنة السادسة، لذا فإن البخارى أورد فى القصة قول الصحابى الجليل سعد بن معاذ وكان قد استشهد قبل الواقعة بعام على الأقل, وقد رد على البخارى هذا الخطأ الكثير من العلماء وجاء فى زاد المعاد (3/237-238): «فإن سعدا بن معاذ لا يختلف أحد من أهل العلم أنه توفى عقيب حكمه فى بنى قريظة عقيب الخندق, وذلك سنة خمس على الصحيح وحديث الإفك لا شك أنه فى غزوة بنى المصطلق هذه وهى غزوة المريسيع والجمهور عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ست».
ومعنى هذا أن البخارى وَهِمَ فى ذلك، والغريب أنه قد ورد عن عدد من الشراح أن الخندق وقعت بعد وقعة بنى المصطلق وذلك لحل إشكال رواية البخارى, فسبحان الله حتى التاريخ يمكن تغييره لإثبات عدم وقوع البخارى فى خطأ بشرى, بل الحق أن جمهور الأئمة على صواب وأن البخارى ليس على صواب, وأغلب ظنى أن الله أجرى هذا الخطأ على البخارى ليعيده إلى بشريته عند مقدسيه، وليعلم الجميع أنه ما تم على الكمال إلا كتاب الله المعصوم فقط.
2- أخرج البخارى «7517» حديث الإسراء الشهير عن شريك بن عبد الله:» أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم فى المسجد الحرام». وهذا وهم من أوهام البخارى, ورده الكثير من العلماء بدون أن يُتَّهموا أنهم طعنوا فى البخارى, لأن الثابت الذى لا خلاف فيه أن الإسراء لم يكن قبل نزول الوحى على الإطلاق, وكذلك فإن فرض الصلاة كان بعد الوحى بلا شك, حتى إن العلماء عدوا اثنى عشر خطأ فى هذا الحديث الذى أخرجه البخارى, وقال النووى فى شرح مسلم (2/209): «وقد جاء فى رواية شريك فى هذا الحديث فى الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، منها قوله: وذلك قبل أن يوحى إليه، وهو غلط، لم يوافق عليه»، وهذا وهم أخرجه البخارى وذلك ليس تنقصا منه، ولكن لأنه بشر يصيب ويخطئ.
3- أما فى كتاب مسلم فقد أخرج «2501» من حديث عكرمة عن حوار دار بين النبى الكريم وبين أبى سفيان بعد إسلامه بعد الفتح أنه قال للنبى: «عندى أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبى سفيان، أزوجكها», وهو وهم من أوهام مسلم لأن الذى لا يشك فيه عاقل أن النبى تزوج «أم حبيبة بنت أبى سفيان» قبل فتح مكة بعام كامل فكيف يعرض أبو سفيان على النبى الزواج من زوجته, لذا فقد خطَّأ العلماء «مسلما» بدون خوف ولا اضطراب لعلمهم أيضا أنه بشر يصيب ويخطئ, كما جاء فى زاد المعاد (1/107): «فهذا الحديث غلط لا خفاء به قال أبومحمد بن حزم: وهو موضوع بلا شك وقال ابن الجوزى فى هذا الحديث هو وهم من بعض الرواة لا شك فيه». ولو نظرنا قليلا لوجدنا أن أبا محمد بن حزم قال إن الحديث موضوع وليس ضعيفا فقط, ولم ينكر عليه أحد ولم يقل أحد إنه يطعن فى مسلم أو يهدم السُنَّة وذلك لأن الحق أحق أن يتبع.
4- البخارى نفسه رد حديثا فى كتاب مسلم الذى أخرجه «2789»: «خلق الله، عز وجل، التربة يوم السبت» وقال البخارى فى «التاريخ الكبير» (1/413): «إنه لا يرفع للنبى بل هو من كلام كعب الأحبار» وعلل البخارى ذلك بأن أيام خلق الأرض ستة وليست سبعة كما جاء فى الحديث ورد هذا الحديث أيضا «على بن المدينى», ولم يقل أحد أن هؤلاء طعنوا فى مسلم, والجدير بالتأمل أن البخارى رد الحديث دون النظر لإسناده ولكن لمجرد مخالفة المتن -النص- للقرآن الكريم, وهذا ما يؤصل المنهج الذى نسعى إليه, بل إن البخارى اتهم مسلما بطريق غير مباشرة أنه وضع الإسرائيليات فى كتابه.
5- ومسلم نفسه قد تكلم فى مقدمة كتابه عن شرطه فى قبول الرواية, وألمح عن رفضه لشرط البخارى بكلام شديد, يعلمه كل دارس وباحث ومع ذلك لم يقل أحد إن مسلما يطعن فى البخارى ولكنه خلاف علمى لا أكثر, ليس فيه ولا نتاجه جنة ولا نار.
أما السؤال الثانى الذى يطرح نفسه: هل ضَعَّف أو رد أو أعلَّ أحد من العلماء أحاديث فى كتابى البخارى ومسلم؟ والرد: نعم. وذلك كما قلنا ليس تنقصا منهما، ولكن لأن ما اجتهدا فى جمعه قدر استطاعتهما يظل جهدا بشريا لا يصل للكمال أبدا ولا يتصف بالعصمة كما يزعمون, ولذلك فقد أجمع العلماء على صحة أغلب أو جمهور الأحاديث المخرجة فى البخارى ومسلم, ولكن الإجماع على كل حرف فيهما هو إجماع كاذب ادعاه المتأخرون من شيوخ الضلال ونذكر هنا طرفا من هؤلاء العلماء الذين انتقدوا أحاديث فى البخارى ومسلم:
1- العلماء الأوائل: «أحمد بن حنبل – على بن المدينى – الدارقطنى – الشافعى – البخارى (انتقد مسلما كما ذكرنا) – أبوحاتم الرازى – يحيى بن معين – ابن عمار الشهيد – الجيانى – ابن تيمية – ابن القيم – أبو زرعة الرازي – الترمذى – العقيلى -النسائى -أبوبكر الإسماعيلى – وابن مندة البيهقى – أبو الفضل الهروى – وابن الجوزى – ابن حزم – ابن عبد البر – أبو مسعود الدمشقى – الجصاص (الفقيه الشافعى الذى قال عن حديث سحر النبى إنه من وضع الملحدين). كل هؤلاء وغيرهم انتقدوا أحاديث فى البخارى ومسلم, ولم أر من قال إن هؤلاء طعنوا فى البخارى ومسلم ولا من قال إنهم يريدون هدم السُنَّة, بل هو البحث عن الحقيقة والنقد العلمى الذى لا يبتغى غير مرضاة الله وتنقيح ما جاء عن النبى.
2- أما من المعاصرين ومن سبقهم الذين انتقدوا وضعَّفوا أحاديث فى كتابى البخارى ومسلم: «محمد عبده – محمد رشيد رضا – محمد الشنقيطى الجكنى (فى كتابه مجالس مع) – الشيخ محمد الغزالى – ابن عثيمين»، أما الألبانى الذى يلقبونه بمحدث الزمان, فقد ضعَّف أكثر من عشرة أحاديث فى كتاب البخارى, وضعَّف بعض رجال البخارى وكذلك ضعَّف وتعقب الألبانى الكثير مما أخرجه مسلم فى كتابه, ولا أريد أن أفصل فى هذه المسألة أكثر من ذلك, فهل كل هؤلاء طعنوا فى البخارى ومسلم؟ وأرادوا هدم السُنَّة؟ بل منهم من نافح ودافع عن العقل والحرية فى دين الله, وحاول قدر جهده أن ينقح ما لا يُقبل شرعا ولا عقلا مثل: الأستاذ الإمام محمد عبده، والشيخ الجليل محمد رشيد رضا، وشيخ العقل والتنوير الإمام محمد الغزالى رحمهم الله رحمة تليق بجلاله وبما قدموه من خير للإسلام.
أما السؤال الثالث فهو: هل أخرج البخارى ومسلم فى كتابيهما أحاديث متنها منكر واضح النكارة؟ بالتأكيد نعم.. وسأعطى مثالا واحدا على ذلك وكفى به: أخرج البخارى حديثا لا يقبله الشرع ولا يصدقه إلا المجانين من ظاهرى الجنون وهو الحديث الشهير فى البخارى «3849» وهو حديث معلق ومقطوع عن التابعى المخضرم عمرو بن ميمون قال: «رأيت فى الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة، قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم». وهذا الحديث منكر المتن -النص- لا يقبله عاقل ولا حتى مجنون, وقد أنكره على البخارى كثير من العلماء قديما وحديثا, ولكن العجيب أن مقدسى البخارى أخذوا يتنطعون بتكلف ممجوج وأحمق لتصحيح هذه الخرافة بل وصل بهم القول إنهم قالوا «لعل هؤلاء القردة الذين رجموا القردة الزانية كانوا من اليهود الذين مسخهم الله»، والحقيقة أن من مسخه الله على حق هو من يقبل هذا التبرير, ومن أمثلة ذلك الذى لا يُقبل عقلا ولا حتى شرعا ثُلة من أحاديث البخارى ومسلم والتى ردها الكثير من المعاصرين.
إذن.. ماذا نريد القول من كل ذلك؟ نريد أن نؤكد على ما ابتدأنا به المقالة أن كتابى البخارى ومسلم من أجلِّ الكتب فى هذا العلم, ولا شك أنهما يفوقان كل التصانيف الأخرى التى صُنفت، ولكن ذلك لا يغير من بشريتهما شيئا، وأنهما يؤخذ منهما ويرد, وأنهما اجتهدا قدر استطاعة البشر وليس أكثر, لذا فإن مقولة إنهما أصح كتابين بعد القرآن مقولة فيها غلو وتكلف, بل الحق أنه ليس بعد القرآن شىء والأصوب أن نقول إنهما أصح كتابين أُنجزا فى هذا العلم قاطبة ولا يمنع ذلك أن يُظهر الباحثون الضعف فى بعض أحاديثهما وإن كثرت. لذا فقد وجب التأكيد ثانية على عدم الارتباط الشرطى بين تضعيف أحاديث فى كتابى البخارى ومسلم وبين الاتهامات السطحية من هدم للسنة وطعن وتشكيك والتى يطلقها بعض من يدعون أنهم أثريون وعلماء للحديث.
وأخيرا.. فإنه لا عصمة من الخطأ والزلل إلا لكتاب الله العزيز وما عداه فهو اجتهاد بشر له أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ, فالعقلاء الذين يضعون كتابى البخارى ومسلم فى منزلتهما اللائقة يعرفون جيدا أنهما لا يسلمان من البحث العلمى والأكاديمى مع الاعتراف بجليل فضلهما فى جمع ما صح لديهما من أحاديث, أما الذين صنعوا منهما آلهة فوق النقد فأقول لهم إنها آلهة من العجوة, فإذا كانت غيرة الجهلاء على البخارى ومسلم أكثر من غيرتهم على دين الله وكتابه ورسوله فإليهم أقول: فلتتحملوا لأن القادم عليكم أدهى وأمر, ومادامت محاولاتنا لمحو بصمة الجهل من على وجه ديننا الحنيف ودحض سطور الإساءة لنبينا تمثل عذابا لكم.. فأبشركم بأنها رحلة عذاب لا ينتهى.
http://is.gd/NlQT2g


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.