مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نبيل اديب : إستقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية
نشر في حريات يوم 04 - 08 - 2015


إستقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية
نبيل اديب عبدالله المحامى
مصطلح النائب العام يستخدم بمعاني مختلفة من نظام قانوني لآخر و من دولة لأخرى، وأحيانا من عهد لآخر في نفس الدولة، ولكن مهامه موجودة في كل الأنظمة ويقتصر الخلاف بينها حول ما إذا كان يتولاها جميعا منصب واحد أو تتقسم بين أكثر من منصب. المهمة الأساسية للنائب العام في مختلف الأنظمة هو كونه المستشار القانوني للدولة، وبالتالي فمهامه شبيهة بمهام المحامي الخاص مع موكله، ولكن طبيعة عملهما تختلف بإختلاف طبيعة مصلحة الدولة والتي تختلط بالمصلحة العامة، عن مصالح الأفراد أو الكيانات الخاصة وهي مصالح خاصة فحسب.
وضع النائب العام كمستشار قانوني للدولة يفرض عليه أداء مهمتين رئيسيتين. أولها تقديم النصح القانوني للدولة، ولأجهزتها المختلفة، وهو ما تحتاجه تلك الأجهزة في تعاملها مع بعضها البعض، وأيضاً في تعاملها مع الأفراد، والكيانات الخاصة، سواء كان ذلك التعامل بصفتها سلطة عامة أو بصفتها شخص من أشخاص القانون الخاص. ويقوم النائب العام أيضاً بتقديم النصح القانوني للحكومة، بإعتبارها السلطة السياسية التي تشرف على إدارة أجهزة الدولة المختلفة، وتنفذ سياساتها عن طريق تلك الأجهزة. والمهمة الثانية للنائب العام هي أن يتولي تمثيل أجهزة الدولة امام القضاء. تتصل المهمتان اللتان يؤديهما النائب العام بفروع مختلفة من القانون: الفرع الأول يشمل القوانين العقابية وأهمها القانون الجنائي، وهي أعباء يؤديها في العادة مكتب المدعى العام، أو مدير الدعاوي الجنائية، وهو مكتب يختص بتوجيه الإتهام في الدعاوي الجنائية. وهذا يشمل فتح الدعوى الجنائية، والإشراف على التحري، وتوجيه الإتهام توطئة لتحويل الدعوى الجنائية للمحكمة، أو شطبها إذا تبين له أنه لا أساس لتوجيه التهمة فيها، أو أنه لا مصلحة للدولة في السير فيها. والفرع الثاني يشمل القوانين غير العقابية وهي وظيفة يؤديها مكتب المحامي العام بتقديم النصح لأجهزة الدولة المختلفة والمتصلة بالقوانين الإدارية والمدنية، و يمثل الأجهزة الحكومية المختلفة أمام القضاء الإداري والمدني. وغالباً ما يتم تعيين شخص لتولي الإشراف على القسم الجنائي بإسم المدعي العام، وآخر لتولي الإشراف على القسم المدني بإسم المحامي العام، على أن يخضعا في ممارستها لمهامهما للنائب العام، إضافة لإدارة مستقلة تتبع النائب العام مباشرة متخصصة في الشؤون الدستورية. ولكن هنالك مهمة أخرى مختلفة عن تلك المهمتين، ولكنها لصيقة بها، وهي الإشراف الإداري والمالي على الأجهزة العدلية لضمان تمكينها من أداء مهامها. وهذه المهمة الأخيرة هي جزء من مهام الحكومة يتوجب عليها القيام بها ضمن واجباتها في إدارة جهاز الدولة، وبالتالي فإن بعض الدول والأنظمة القانونية تفصل بين هذه المهمة بإعتبارها من مهام السلطة التنفيذية وتوكلها لوزير سياسي ضمن الطاقم الحكومي غالباً ما يطلق عليه وزير العدل، وبين عمل النائب العام كمستشار قانوني للدولة بإعتباره عملاً مكملاً لعمل الأجهزة العدلية للدولة التابعة للسلطة القضائية وتتركه لمنصب مستقل عن السلطة التنفيذية . عندما يتحدث القانونيون عن إستقلال النائب العام فإنهم يقصدون بشكل خاص النائب العام وليس وزير العدل، وبشكل أكثر خصوصية المدعي العام. والمسألة بهذا الشكل لاتعرض نفسها بنفس الشكل في الانظمة القانونية المختلفة ففي حين تجمع أغلبها بين المنصبين، فإن الدول التي تأخذ بذلك تفصل عادة بين المنصبين، فيكون تعيين وزير العدل تعييناً سياسياً بجعله عضواً في مجلس الوزراء، ويكون مسؤولاً إدارياً عن الأجهزة العدلية لتنفيذ مهام الحكومة من حيث توفير الإمكانيات المادية والبشرية لضمان سير العمل القضائي وإستقلاله، دون أن يتدخل في إختصاصها القضائي، في حين يرأس النائب العام الجهاز الفني بإعتباره المستشار القانوني للدولة وممثلها في الدعاوي المدنية والجنائية.
دور النائب العام في تغليب مصلحة الدولة على مصلحة الحكومة
إختصاصات النائب العام كناصح للحكومة وكممثل لها أمام القضاء العادي بفرعيه المدني والجنائي والقضاء الدستوري في الأنظمة التي تفصل بينهما، يجعله المشرف على التحقيق الجنائي وصاحب السلطة في إبتدار الدعوى الجنائية والإشراف عليها مما يجعل إستقلاله عن السلطة التنفيذية في كل هذه الوظائف لا يمكن المبالغة في أهميته. من ناحية القوانين المدنية والتي تخضع لها الدولة في معاملاتها مع الأفراد خارج إطار عملها كسلطة عامة، فإن على النائب العام أن يضمن أن بحث الدولة عن حماية مصالحها المادية، والتي تتمثل في عدم تحمل أعباء مالية أو فقدان ممتلكات مادية لا يجب أن يؤثر سلباً على مصالحها كدولة وما تتطلبه من عدم مخالفة القانون، وحماية حقوق المواطنين المدنية. ولذلك فإن النائب العام يفترض فيه وهو يقوم بهذا الدور كممثل للحكومة في مجال القانون المدني أن يكون مستقلاً عن السلطة التفيذية بعيداً عن رقابة الإدارات المالية، حتى يقوم بإقرار حكم القانون حتى ولو كان ذلك يؤدي إلى أن يضع على عاتق السلطة التي يمثلها أعباء مالية. أضف لذلك أن دوره كممثل للحكومة في المسائل الإدارية يجب أن لا يحول بينه وبين صيانة مصلحة الدولة في عدم المساس بالحريات الدستورية لمواطنيها.
الأهمية الخاصة لإختصاص النائب العام بإدارة الدعوى الجنائية
ولكن ذلك الإستقلال يكتسب أهمية قصوى بالنسبة لإختصاص النائب العام بإدارة الدعوى الجنائية، وذلك لأن الإتهام الجنائي من جهة تتولى الخصومة فيه الدولة بإعتباره تعدي على النظام العام، وعلى مصالح الدولة في السلام العام، ولكنه في نفس الوقت بطبيعته يشمل إجراءات تمس حريات المواطنين وأمنهم في مواجهة الدولة، ولذلك فإن إستقلال الجهة التي تتولى الإتهام الجنائي عن السلطة التنفيذية مهم لحماية الحريات الدستورية للمواطنين. كما ويزداد الأمر أهمية بالنسبة لما يمكن أن تقود إليه مصالح الحكومة السياسية الضيقة لإستخدام سلطة الإتهام الجنائي بشكل يضر بالنظام الديمقراطي ككل حين تتدخل الأهواء السياسية في توجيه الإتهام أو شطبه.
في المملكة المتحدة يعتبر دور النيابة العامة في ملاحقة الجريمة مستمد من الامتيازات الملكية . في R. v. Wilkes ذكر رئيس القضاء ويلموت: دستورنا، عهد للملك بسلطة الادعاء في جميع الجرائم التي تعكر صفو السلام والنظام في المجتمع. الدعاوي التي يقدمها المدعي العام هي بكل تأكيد دعاويه ، لأنها هي التعبير المباشر عن إرادته ورغبته. يلاحظ أنه وفقاً لذلك فإن جميع القرارات الخاصة بملاحقة إتهام ما أو إنهاء إجراءاته أو تقديم إستئناف بشأنه، يجب أن تتخذ وفقا للمعايير القانونية المقررة. ينبع من هذا الإفتراض مبدآن هامان: الأول، أن قرارات النيابة العامة يجوز لها أن تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة، ولكن يجب ألا تتضمن أي اعتبار للآثار السياسية التي قد تترتب على القرار. والثاني أنه لا يجوز لأي مصلحة أو وكالة حكومية، أو وزير أن يوجه بمتابعة أو وقف إجراءات أو ترك إتهام معين، أو التقدم بإستئناف بخصوصها. هذه القرارات يجب أن يتخذها فقط النائب العام (و مستشاريه/ها). ويجب اعتبار النائب العام لهذه الأغراض موظف مستقل، يمارس مسؤولياته بطريقة شبه قضائية، مماثلة لما يتخذه القاضي من قرارات.
والقول بأن قرار النائب العام الذي يتخذه فيما يتعلق بالإجراءات المتصلة بالإتهامات الجنائية هو قرار مستقل لا يعني بالضرورة أنها قرارات متجردة من الإعتبارات السياسية، بل يعني وبشكل قاطع أنها مستقلة عن الإعتبارات الحزبية. كذلك فإن إستقلال النيابة عن الحكومة لايعني أنه لاصلة لها بمصلحة الدولة، لأن الدولة هي صاحبة المصلحة في الإتهام، وبالتالي فإن تمثيل النائب العام للإتهام يجب أن يكون وفق مصالح الدولة . التفرقة بين الدولة والحكومة يجب أن تكون دائماً واضحة بالنسبة للنائب العام، وأيضاً بالنسبة لزملائه من الوزراء وأعضاء الهيئة التنفيذية، والذين يتشاور معهم بقصد إستيضاح مصالح الدولة في المسألة موضوع الإتهام . في عام 1925 قال Viscount Simon النائب العام لإنجلترا مايلي " اعتقد أن واجبات النائب العام تتطلب أن يرفض تماماً تلقي أي تعليمات بفتح الدعوى الجنائية سواء أكانت صادرة من رئيس الوزراء، أو المجلس، أو أي شخص آخر. الواجب الأول على عاتق النائب العام هو أن يتأكد أنه لن يواجه أي شخص الإتهام بكل جلال القانون مالم يكن النائب العام راضياً عن أن هنالك سبب للدعوى في مواجهته . لايجب أن يخضع النائب العام في ذلك لأي أوامر من أي شخص."
الإعتبارات السياسية في قرارات الإتهام الجنائي
وقد كان أفضل وصف للعلاقة الصحيحة بين النائب العام وزملائه في مجلس الوزراء هو ما ذكره النائب العام لانجلترا، السير هارتلي شوكروس (والذي أصبح فيما بعد اللورد شوكروس) في عام 1951:
"أعتقد أنه يتوجب على النائب العام، حين يكون بصدد أن يقررر ما إذا كان عليه أن يأذن بالإتهام، أو لا يفعل ذلك، أن يلم بكل الحقائق ذات الصلة، بما في ذلك على سبيل المثال، الأثر الذي سيحدثه الإتهام، سواء نجح أو فشل على معنويات المواطنين والنظام العام، و كل الإعتبارات الأخرى التي تؤثر على السياسة العامة.
من أجل ذلك يجوز له، على الرغم من أنني لا أعتقد أنه ملزم بذلك، التشاور مع أي من زملائه في الحكومة. و كما قال لورد سيمون و في بعض الحالات يكون أحمقاً إذا لم يفعل. من ناحية أخرى، تقتصر المساعدة من زملائه على إبلاغه باعتبارات معينة، قد تؤثر على قراره الخاص، ولا يشمل ذلك، و لا يجب أن يشمل ما عليه أن يقرره. المسؤولية عن القرار في نهاية المطاف تقع على عاتق النائب العام، و لا ينبغي أن يوضع تحت أي ضغط من قبل زملائه في هذه المسألة.
ولا يجوز بطبيعة الحال، للنائب العام تحويل مسؤوليته عن اتخاذ القرار لزملائه. إذا نشأت اعتبارات سياسية، بالمعنى الواسع الذي أشرت له، تؤثر على الحكومة بصورة مجردة، فإن النائب العام، ، هو الشخص الوحيد الذي يقيِّم هذه الاعتبارات بإستخدام عقليته القضائية" وهو ما أصبح معروفاً بإسم مبدأ شوكروس.
سلطة تعيين وفصل وكلاء النيابة
فى أمريكا والتى يقوم نظامها الدستورى على الرقابة المتبادلة بين السلطات، يعين رئيس الجمهورية وكلاء النيابة و يعزلهم أيضاً. ولكن تعيينه هذا يخضع لموافقة الكونجرس، والذي يمكنه أن يرفض التعيين، بعد سماع يقوم فيه بإستجواب المرشح للتعيين حول مؤهلاته وأراءه القانونية. ويجوز للنائب العام لحين الحصول على موافقة الكونجرس على مرشح الرئيس لوظيفة وكيل النيابة، أن يعين وكيل نيابة مؤقت، تنتهي ولايته بعد 120 يوم من تعيينه. إذا لم يوافق الكونجرس على مرشح الرئيس فى الفترة المذكورة، تقوم المحكمة الفدرالية الجزئية التي يقع التعيين في إختصاصها بتعيين وكيل نيابة مؤقت . وقد حاولت الإدارة الأمريكية إبان ولاية بوش أن تعدل القانون لتلغى فترة ال 120 يوماً. ولما كان ذلك يُمكِّن النائب العام وهو عضو في مجلس الوزراء، وجزء من السلطة التنفيذية، أن يعين من يشاء بدون قيد زمني، فقد أسقط مجلس الشيوخ هذا الإقتراح بأغلبية 94 إلى 3 ومجلس النواب بأغلبية 329 إلى 78 وهذا يوضح رفض المجلسين لترك المسألة في يد الجهاز التنفيذي بعيداً عن مراقبة الجهاز التشريعي.
سلطة فصل وكلاء النيابة في الولايات المتحدة يستقل بها رئيس الجمهورية، و يمكنه من الناحية القانونية البحتة أن يفصل من يشاء. ولكنه لا يقرر ذلك لمصلحة حزبية، بل بسبب أنه يعتقد أن ذلك يخدم المصحلة العامة، حتى ولو أخطأ في تقديره للمصلحة العامة. ومن المؤكد أن فصل وكيل النيابة بغرض عرقلة تحقيق في قضية، أو إنتقاماً منه لما إتخذه من إجراءات في دعوى بعينها ،هو خرق لواجب الرئيس في تنفيذ القانون وفقاً للدستور، لما في ذلك من إفساد لإجراءات الحكم.
لذلك فقد قامت الدنيا ولم تقعد بعد في أمريكا، عندما ثار الشك في أن طرد ثمانية من وكلاء النيابة بواسطة الإدارة الأمريكية في ديسمبر 2006م ،كان بسبب أنهم لم يقوموا بمولاة الإتهام ضد بعض الديمقراطيين قبل إنتخابات نصف المدة، أو لأنهم لاحقوا جمهوريين في تلك الفترة. وقد أدى إكتشاف وقائع تؤكد ذلك لسقوط من ثبت تورطهم في هذه المسألة، أهمهم النائب العام جونزاليس نفسه الذي إضطر للإستقالة رغم تمتعه بحماية الرئيس.
إستقلال القرار لا يعني عدم الخضوع للرقابة المهنية
وإستقلال النائب العام يعني بالضرورة إستقلال وكلاء النيابة فيما يصدرون من قرارات وأوامر في حدود إختصاصاتهم الإتهامية، ولكن ذلك لايعني عدم خضوعهم لواجباتهم المهنية بإعتبارهم محامين في الأصل هذا يقودنا إلى سابقة كريجر ضد جمعية القانون KRIEGERV.LAW SOCIETY وتتلخص وقائع تلك الدعوى في انه في عام 1993 أتهم المدعو دوجلاس ورد بإرتكاب جريمة قتل وكان ممثل الإتهام هو كريجر وهو بحسب القانون عضواً في جمعية القانون الخاصة بولاية البرتا . كانت نظرية الإتهام قائمة على أن المجني عليه هاجم المتهم وطعنه بسكين مما أحدث به جرحا وأن المتهم في وقت لاحق وجه طعنة قاتلة للمجني عليه أثناء نومه .
أخطر كريجر محامي الدفاع أن نتائج فحص ال DNA والفحوصات البيولوجية الاخرى التي أُجريت لن تكون مكتملة لدى السماع المبدئي الذي كان مقرراً له أن يبدأ بعد أسبوع من تلك المحادثة. بعد اليوم الأول من السماع المبدئي عرف محامي الدفاع أن نتائج الفحوصات، والتي كانت من شأنها مساعدة الدفاع في دعواه، كانت معروفة لكريجر قبل عشرة أيام من المحادثة التي جرت بينهما . قدم محامي الدفاع شكوى لمكتب المدعي العام حيث أفاد كريجر في التحقيق معه أنه كان في إنتظار تأكيد نتائج الكشف وقت المحادثة. توصل التحقيق الداخلي في مكتب المدعى العام لتوجيه اللوم لكريجر وإبعاده عن الدعوى . بعد ستة أشهر من ذلك تقدم المتهم بنفسه بشكوى لجمعية القانون لأنه لم يكن مقتنعاً بكفاية ما إتخذه المكتب من إجراءات في مواجهة كريجر . قبل أن تبدأ الجمعية في التحقيق لجأ كريجر للمحكمة بغرض إصدار قرار بأن الجمعية ليست لديها سلطة في مراجعة ممارسة وكيل نيابة لسلطته التقديرية كممثل للإتهام .
قررت المحكمة أن جمعية القانون تتمتع بسلطة مراجعة مايأخذه وكيل النيابة من قرارات، متى ماخالفت قواعد السلوك المهني، وذلك لأن هذا لايؤثر على المبدأ الدستوري القاضي بإستقلال النائب العام من أي تأثير ذي طبيعة حزبية، فيما يتعلق بسلطاته في بدء الإتهام الجنائي وفي السير فيه، وإنهائه.
Krieger v Law Society (Alberta), 2002 SCC 65, [2002] 2 SCR 372
وهذه الدعوى بالغة الأهمية بالنسبة لما تكشفه من قصور القانون السوداني بالنسبة لعمل وكلاء النيابة وبالنسبة لحق الدفاع . فمن حيث عمل وكلاء النيابة فالواضح أنه ليس هنالك هيئة مهنية تراقب سلوكهم، وتحدد لهم قواعد ذلك السلوك، فالقانون الذي نظم ذلك بالنسبة للمحامين لم ينظمه بالنسبة لوكلاء النيابة، ومستشاري وزارة العدل الآخرين، وهذه مسألة يجب أن يشملها أي إصلاح مؤسسي بالنسبة لعمل النائب العام .
من الناحية الأخرى فإن حق المتهم في الكشف عن الأدلة التي لدى الإتهام، هو حق دستوري متعلق بالحق في المحاكمة العادلة وهو مايفتقده المتهمون في السودان بشكل كامل.
نقف عند هذا الحد ونعود لمناقشة الجوانب الأخرى من الموضوع في الأسبوع المقبل بإذن الله.
نبيل أديب عبدالله
المحامي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.