وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المقاومة المدنية وديناميكيًة الحركات اللاعنفية
نشر في حريات يوم 16 - 09 - 2015

إخفاقنا في إسقاط النظام طوال الفترة الماضية و ما ترتًب عليه لديه أسبابه الموضوعيًة ، تتلخًص تلك الأسباب في أنًنا حتًى اللحظة لم نقم بالفعل الصحيح الذي يخرجنا من محنتنا…، بدءاً من الآن فصاعداً سأركًز كتاباتي على الجانب الذي أغفل أهميته الجميع لسبب أو لأخر….، و حتًى نمتلك المقدرة على أخذ زمام المبادرة ، و حتًى لا يسقط النظام من تلقاء نفسه و ندخل في دوًامة من الفوضى و العنف يكون ضحيًتها المواطن السوداني و ما تبقًى من وطن يؤوينا.. ينبغي على كل النًاشطين امتلاك المعرفة المطلوبة لعمل المقاومة المدنيًة حتًى نتحد جميعاً بمختلف فئاتنا و خلفيًاتنا الثقافيًة و السياسيًة و نقوم بواجبنا بالطريقة الصحيحة… سأتناول من خلال ست مباحث طريقة عمل المقاومة المدنيًة و الديناميكيًة المطلوب إتباعها حتًى نبلغ أهدافنا و نعيد بناء ما خرًبه النظام ، و تحديد دور كل فرد من المجتمع السوداني في التغيير
(1) تمهيد الطريق: الأسس التاريخية والنظرية المقاومة المدنية
في هذا الباب سأنشر خمس مقالات تباعاً من خلالها سنستكشف النظريات الكامنة وراء مصادر قوًة السلطة،شنً الصراع، حجب الولاء والطاعة، العمل اللاعنفي كوسيلة ناجحة للنضال. . كيفية ممارسة العمل اللاعنفي على مر التاريخ، ومعدل نجاحه بالمقارنة مع الصراع العنيف، ودراسة المفاهيم الخاطئة.
(2) مرحلة الإعداد: تحليل ووضع استراتيجيات حركة المقاومة
في هذا الفصل سأنشر سبع مقالات نتناول من خلالها: كيف نستطيع تحليل مشهد الصراع ، الاستماع و التفاكر ووضع الاستراتيجيًات سويًاً، جمع المعلومات التي نحتاجها ، تقديم مجموعة متنوعة من الأدوات التحليلية والمبادئ الإستراتيجية التي تم اعتمادها و استخدامها من قبل الحركات اللاعنفية الناجحة و مكًنتها من بلوغ أهدافها.
(3) حشد: دور القادة والناشطين
ويتناول هذا الفصل في خمس مقالات أساليب القيادة ، و كيفيًة بناء الحركة التغيرية، وهيكلتها… التركيز على أهمية توظيف،وبناء العلاقات، مصادر الدعم ، الأطراف الفاعلة ، دور الطرف الثالث.
(4) مرحلة الفعل: طرق و أساليب النضال الواجب اعتمادها
يستكشف هذا الفصل في أربع مقالات مجموعة واسعة من الأساليب تشكل ترسانة متكاملة. ..شرح طريقة استخدام الوسائل المطلوبة لتحقيق أهداف حملات محدًدة تخدم الخطة الإستراتيجية، والتكيف مع الظروف المتغيرة على الأرض.
(5) الاتصالات: الرسالة الإعلامية و الوسائل الممكن استخدامها و الشرائح المستهدفة:
يتناول هذا الفصل في خمس مقالات طرق الاتصال المختلفة التي ينبغي علينا استخدامها لبلوغ المستهدفين داخليا وخارجيا. سنستعرض تأثير الانترنت و الشروط المطلوبة للاستفادة منه ، دور الأعمال الفنيًة و الإبداعية، المزايا التي توفرها التقنيات الرقمية ، لماذا نحتاج لاستخدام كل من وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية و الحديثة على حد سواء.
(6) الاستدامة: الانتقال من مرحلة المقاومة إلى الممارسة السياسيًة
يتناول هذا المبحث من خلال خمس مقالات الحديث عن الكيفية التي تمكننا من استدامة مكاسب نضالنا وحمايتها ضد المحاولات المحتملة لوقف مسيرة التغيير و التحسب للانتكاسات الممكنة… الطرق الكفيلة بالحفاظ على الرؤية والمثل العليا لحركة التغيير بعد تحقيق أهدافها و عدم السقوط في مصيدة النزاعات و تقاطعات المصالح بعد تحقيق الأهداف الجماعيًة..ضمان بقاء تلك القيم على قيد الحياة بعد مرحلة التحول..
مفهوم المقاومة المدنية : مقدمة، تعريفات، و مصطلحات [1]
المقاومة المدنية، تعرف بالعديد من المسمًيات ، إلاً أنً أصل الاسم الأكثر شيوعاً و استخداماً هو " النضال اللاعنفي"، بعض المصطلحات الشائعة له "العمل اللاعنفي" ، و"سلطة الشعب" ، و غيرها.. تعني جميعها أسلوب شن صراع باستخدام وسائل غير عنيفة نشطة، يمكن تمييزها عن العمل السياسي التقليدي وعن العنف… ليس هناك تعريف واحد للمقاومة المدنية، سنركز هنا على تعريف الدكتور جين شارب أستاذ علم الاجتماع الذي كتب ثلاث مجلدات شهيرة عن سياسة العمل اللاعنفي في عام 1973، والدكتور براين مارتن أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة ولونغونغ في أستراليا.
يختلف العمل اللاعنفي عن الفعل التقليدي بأنًه غير روتيني ، فمثلاً التصويت ، و العمل الوظيفي، المعاملات من بيع وشراء السلع ، العلاقات الاجتماعيًة العاديًة ، هذه كلًها أشياء روتينيًة داخل المجتمع، أمًا العمل اللاعنفي، يتجاوز السلوك الروتيني ويعمل خارج المؤسسات العادية و يتحدى الممارسات التقليدية. فمثلاً، عندما يمتنع العمًال عن العمل أو يرفض موظف المحلًيًة تحصيل الرسوم من ستًات الشًاي و أصحاب المحلاًت، و ينظم الشباب اعتصامات أمام الوزارات، و يرفض المستهلكون الشراء من محلات بعينها، و يقومون بالشراء من أخرى منتقاة ، وإقامة نظم بديلة من الرعاية الاجتماعية، و السخريًة و الامتعاض العلني عن الممارسات السياسية الخرقاء…هذا كلًه يندرج تحت الأعمال الغير روتينيًة أو التقليديًة .
الحدود بين العمل التقليدي اللاعنفي تعتمد كليًاً على الظرف المكاني… فمثلاً من يوزعون منشورات في سويسرا أو كندا يكون عملهم هذا روتينيًاً … فعل الشئ نفسه في بلد آخر مثل السودان قد يعرضك للقتل… نفس الشيء في حالة الإضرابات، التي أصبحت روتينية في البلدان التي تحتكم إلى القانون، و عملاً مثل هذا يتعامل معه على أساس أنًه جزء من السياسة التقليدية؛ أمًا في أماكن أخرى مثل السودان تعد مثل هذه النشاطات محفوفة بالمخاطر الكبيرة و تعرض للقتل و التعذيب و الاعتقال و الفصل من العمل في أبسط حالاتها.
لتلخيص ذلك، العمل اللاعنفي يعني الفعل… على النقيض من الخنوع والاستسلام أو السلبيًة و التسامح الضًار، و التقاعس عن العمل.. ، العمل اللاعنفي يتجاوز العمل التقليدي و الروتيني و ناشطي المقاومة و العمل اللاعنفي في كثير من الأحيان تستخدم القوة العنيفة ضدًهم.
من المهم التمييز بين العمل اللاعنفي كمبدأ (السلميًة) أو اللاعنف كأسلوب حياة و يعني نبذ العنف تحت أي ظرف من الظروف، و بين العمل اللاعنفي البراغماتي و يعني رفض العنف لأسباب إستراتيجية محدًدة و عمليًة.. ليس من حيث المبدأ… الخطوط الفاصلة بين هذين واضحة..، ما نتحدًث عنه هنا العمل اللاعنفي كأسلوب للنضال و ليس أنًنا ضد اللجوء للعنف من حيث المبدأ أو أنً السلميًة هي أسلوب حياتنا.. ، ففي واقعنا الذي نعيش يكون اللجوء للعنف جائزاً من ناحية شرعيًة وأخلاقية، لكن الرؤية الإستراتيجية تحتم علينا عدم اللجوء لهذا الخيار رغم مشروعيًته لأنًه لن يوصلنا لهدفنا (سأتحدث عن هذا بالتفصيل لاحقاً)… في هذا الصدد يقول الباحث الأمريكي "جورج لاكي" مؤسس "التدريب من أجل التغيير" : "معظم الناس الذين ينخرطون في صراعات لاعنيفة ليسوا دعاة سلام، ومعظم دعاة السلام لا ينخرطون في النضال اللاعنفي".
الآثار الجيوسياسيًة والتاريخيًة للمقاومة المدنيًة:
مصطلح جيوسياسيًة يعني " الروابط والعلاقات السببية بين السلطة السياسية والحيز الجغرافي، في شروط محددة."
سأتحدث عن تكتيكات اللاعنف بمزيد من التفصيل لاحقاً،.. بصفة عامًة يمكن تقسيم العمل اللاعنفي إلى (1) إجراءات ضد شيء معيًن مثل الإضرابات، المقاطعة الاجتماعيًة، مقاطعة الانتخابات..، جنبا إلى جنب مع (2) الإجراءات المؤيًدة لفعل معيًن مثل إقامة انتخابات موازية، حملات التأييد لحملات العصيان المدني، إصدار بيان رسمي (منفستو) ، وأشياء من هذا القبيل.
تاريخيًاً المقاومة المدنية والعمل الجماعي اللاعنفي موجودان منذ العصور اليونانية القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد… أقدم التوثيقات عن العصيان المدني عرفت في أعمال " سوفوكليس " في مسرحية أنتيجون ، ابنة الملك أوديب عندما حاولت تأمين عملية دفن لائقة لشقيقها "بولينيس"، حينما رفضت وقتها الانصياع للملك "كريون" الذي رفض تسليمها جثة شقيقها . أصرت أنتيجون و تمسًكت في أنًها تتبع القانون العالي، ولها ضمير و لن تتنازل ، و في النهاية انتحر "كريون" ، هذه القصة تشبه إلى حد كبير قصة "هنري ديفيد ثورو" و كتاباته الشهيرة عن العصيان المدني التي تأثر بها غاندي و مارتن لوثر و نُشرت بعد وفاته و شكًلت حدثا ثوريا مهمًا (في ذاك الزمان).. حيث كان أول من حرّض الناس على العمل بأسلوب العصيان المدني في الولايات المتحدة قبل مئات السنين لانتزاع الحقوق ورفض الظلم ، و طبّق هذا المبدأ شخصيا عندما رفض دفع الضرائب للحكومة.. و منذ ذلك الوقت انتقل العصيان المدني من الأفعال الفردية إلى التحدي و الحركات الجماعية التي كان لها تأثير عميق على الجغرافيا السياسية و غيرت جذريا العلاقة بين الشعوب والدول.
العمل اللاعنفي الجماعي "المقاومة المدنية" استخدم في جميع أنحاء العالم لتحدي السلطة الظالمة،.. وتقديم مصلحة الأغلبيًة… على مر التاريخ الحديث ، حقًقت حركات اللاعنف نتائج ناجحة ووصلت لأهدافها دون استخدام العنف ، و من ذلك الكثير من الأمثلة مثل حركة غاندي لحقوق الأقليات في جنوب أفريقيا والتي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر – لاحقاَ- النضال الجماهيري من أجل استقلال الهند في القرن العشرين ..، حركة الحقوق المدنية الأمريكية في ستينات القرن الماضي…، (ثورة أكتوبر ، وانتفاضة أبريل المجيدة لم تكن حركات لاعنف لأنًها لم يكن مخطًطاً لها) .. الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة الديكتاتورية الشيوعية في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية… النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ "ثورات الغناء" التي جلبت الاستقلال لدول البلطيق. ومن ثمً "الثورات الملونة" في صربيا وجورجيا وأوكرانيا؛ و الانتفاضات ضد الدكتاتوريات في العالم العربي 2011..هذه كلًها حركات نضال لاعنفي .
لماذا فرص نجاح حركات المقاومة المدنية أكبر من العمل العسكري: مناهج البحث العلمي
في كتابها بعنوان لماذا تنجح المقاومة المدنية: المنطق الاستراتيجي للنضال السلمي..الحائز على جائزة مؤسسة وودرو ويلسون ، و جائزة الجمعية الأمريكيًة للعلوم السياسية في العام 2012، و جائزة جامعة لويزفيل عن الأفكار الخلاًقة لتحسين النظام العالمي في العام 2013.. .تقول الدكتورة "ماريا ستيفان" المدربة بالمعهد الأمريكي للسلام: التقيت صديقتي و شريكتي في تأليف الكتاب، الدكتورة إيريكا تشينوويث، في ورشة عمل في ولاية كولورادو… إيريكا تعمل أستاذة العلوم السياسية في جامعة دنفر، و خبيرة في العنف السياسي ، ومنهجيات البحث الكمي.
خلال الورشة، نوقشت الفعاليات التاريخية لحركات المقاومة اللاعنفية، و كانت هنالك العديد من الأسئلة الصعبة عمًا إذا كان باستطاعة حركات النضال اللاعنفي أن تنجح ضد الأنظمة القميئة التي تمتلك المقدرة و لديها الرغبة في استخدام العنف؟ هل هنالك بعض الظروف الموضوعيًة التي تجعل من العمل العسكري ضد الأنظمة الديكتاتوريًة ضرورة و بديلاً عن النضال اللاعنفي؟ تاريخياً: أيهما أكثر نجاحاً في بلوغ الأهداف ؟ هل هي حركات المقاومة العسكريًة أم اللاعنفية؟…
تقول: باستخدام مجموعة واسعة من المصادر، جمعنا بيانات عن 323 من حركات المقاومة العنيفة وغير العنيفة، منذ العام 1900 و حتًى العام 2006… وركزنا على ثلاثة أنواع ممًا نسميه الحركات "المتطرفة". (1) الحملات ضد الأنظمة القائمة (2) ضد الاحتلال الأجنبي (3) حول تقرير المصير أو الانفصال…، حتًى تدرج الحركة المختارة في مجموعة البيانات ، يجب أن لا يقل عدد المشاركين فيها عن ألف ، تم مراعاة المتغيرات المستمرة الخاصًة بالبلدان بما في ذلك نوع النظام، الناتج المحلي الإجمالي، حجم السكان، و التقسيمات العرقية والطائفية، …الخ.
بعد مقارنة هذه الحركات البالغة 323، استنتجنا أن حملات المقاومة اللاعنفية التي حققت أهدافها كاملةً بلغت نسبة 54٪ مقارنة ب 26٪ للحملات المسلحة… ليس ذلك فحسب، ارتفعت معدلات نجاح المقاومة اللاعنفية بشكل كبير منذ 1940 و حتًى 2006. والفعالية النسبية للمقاومة اللاعنفية ازدادت بشكل مضطرد مقارنة مع حركات الكفاح المسلح على مرً الأيًام..، أقلً من 4% من حركات المقاومة العسكريًة الناجحة تحولت للديمقراطيًة خلال خمس سنوات، و أكثر من 50% منها انتهى بها المقام إلى حرب أهليًة خلال عشر سنوات، وأنً الدول التي فشلت فيها حركات المقاومة اللاعنفية تحولت للديمقراطيًة خلال خمس سنوات.
العمل اللاعنفي: ما يميًزه عن العمل السياسي والقانوني:
في المصطلحات الاجتماعيًة السلميًة من المهم التمييز بين العمل اللاعنفي، العمل السياسي، واتخاذ الإجراءات القانونية. العمل اللاعنفي يتم خارج المؤسسات و يحدث خارج الهياكل التقليدية و السياسية ، والآليات القانونية القائمة.
يقول أستاذ علم الاجتماع و الشؤون الدوليًة في جامعة روتجرز "كورت شوك": "ليس كل الأعمال التي ليست عنفا هي نضال غير عنيف" ماذا يعني هذا؟ التصويت مثلاً لا يعتبر ضمن العمل اللاعنفي لأنه وسيلة مؤسسيًة للعمل السياسي. توجيه اتهام أو العمل من خلال نظام العدالة الرسمية أيضا لا يعتبر عمل لاعنفي لأنه وسيلة مؤسسية لعمل قانوني أو قضائي، ولا يعتبر هذا جزءًا من الأساليب غير العنيفة.
غلباً ما ينضم للحركات اللاعنفية و يلجأ لأساليبها في العمل مثل الإضرابات والمقاطعة والاعتصامات والمظاهرات والحصار، والاحتلال غير العنيف، معظم الأفراد الذين سبق و أن شاركوا في حملة عنيفة أو حركة قد حاولت بالفعل تغيير الوضع الراهن باستخدام أساليب مؤسسية من العمل السياسي أو القانوني قبل اللجوء إلى استخدام العمل اللاعنفي الاستراتيجي.
الدكتور "كورت شوك" يميز الأعمال اللاعنفية على أنًها تنطوي على ثلاثة عناصر رئيسية: الأول هو المخاطرة، والثاني أنًها تمثل نوعاً من أشكال الضغط أو الإكراه اللاعنفي، والثالث هو زرع بذور تفجير الخلافية بين المجموعات الداعمة للخصم (خلق انقسامات في صفوف الخصم).
على سبيل المثال، إذا كنت تعيش في الخرطوم حيث تسرب الصرف الصحي و الملوثات المسرطنة في نظام نقل مياه الشرب و كذلك المياه الجوفية.هنا يكون الضرر واقعاً عليك وأفراد عائلتك و مجتمعك حيث جميعكم تصابون بأمراض قاتلة جراء ذلك ، فتقرر أنك بحاجة إلى فعل لتضع حداً هذا الوضع المزري.. فتقرر مخاطبة إدارة المياه ، واطلاعهم على المشكلة، و تطلب منهم معالجة الأمر في أقرب وقت ممكن..لم تحدث استجابة.. فتتقدم بشكوى للمسئولين السياسيين حول سلوك الشركة والآثار على صحة الناس. استلم المسئول المعني شكواك ولكن لا شيء يتغير و تستمر معاناتك ، فإنك قد تضطر إلى القيام بشيء آخر. مثلاً أن تقرر توكيل محامي و اتخاذ إجراءات قانونية ضد شركة المياه.
حتى الآن، طرقت باب العمل السياسي والقانوني. و واجهت بعض المخاطر المتمثلة في الخلاف مع خصمك أو المتحالفين معه ، ولكنك لم تقم بعد بالعمل اللاعنفي لحل مشكلتك. .. ما فعلته هو محاولة الاستفادة من النظم السياسية والقانونية والهياكل القائمة الموجودة في المؤسسات لحل مشكلتك.
جاءت نتيجة الإجراء القانوني ضدًك واستمر التلوث في المياه. عندها لم يكن لديك أي خيار آخر سوى تنظيم الناس في مجتمعك واستخدام العمل اللاعنفي لإجبار الشركة على معالجة هذه المسألة.. ثمً تغيير المسئول السياسي الذي تجاهل مشكلتك و كذلك النظام القانوني الفاسد.
قد تختار بعض الحركات اللاعنفية العمل اللاعنفي جنبا إلى الوسائل السياسية والقانونية التقليدية للعمل… ، بعض أساليب العمل اللاعنفي يجب أن تذهب عمداً ضد الهياكل السياسية والقانونية القائمة… بعض الأعمال اللاعنفية يجب عليها التخريب المتعمد لتلك النظم و الهياكل. ..فالعمل اللاعنفي لدرجة كبيرة يهدف أساساً إلى رفض الانصياع للقوانين.. وكان هذا تحديداً الحال في حركة الحقوق المدنية الأمريكية عندما شن الطلاب الاعتصامات في المتاجر المحلية في ناشفيل. وكانت هذه الاعتصامات محاولة متعمدة لتكسير قوانين الفصل العنصري.
تسمية المقاومة المدنية
في بداية تسعينات القرن الماضي كان هنالك ضابط متقاعد في الجيش الأمريكي اسمه روبرت هيلفي بدأ السفر إلى حدود تايلاند وبورما، وبدأ تقديم وتسهيل عقد الورش التدريبية على النضال اللاعنفي لمجموعة من حوالي 500 شخص كانوا جزءا من جماعات تطالب بالتحول الديمقراطي بعضهم كانوا بالفعل قادة للمقاومة المسلحة ضد الديكتاتورية العسكرية في بورما.
كان هيلفي في بداية الأمر يستخدم مصطلح "النضال اللاعنفي" في ورش التدريب، و كان هنالك نقطة خلاف حول جدوى نجاح العمل اللاعنفي في وجه الديكتاتوريات، خاطبه أحد قادة المقاومة المسلحة غاضباً: "ليس لدي أي مصلحة في القيام بأعمال الجبناء"… فهذا هو مفهومة عن العمل اللاعنفي، حيث أمضى سنوات طويلة من حياته في القتال ضد خصم وحشي، عنيف، وعندما سمع كلمة "اللاعنف"، فورا تصدًى له، لأنًه لم يكن مستعدًاً للاستماع أو النظر جديا في الأفكار التي يجري تقديمها حول النضال اللاعنفي و تبعه الكثيرون.
بعد تلك الحادثة قرر هيلفي استخدام مصطلح "التحدي السياسي" بدلاً عن "اللاعنف"… كانت الأفكار والمبادئ الإستراتيجية و كل شئ آخر هو نفسه ..اللهم إلاً استخدام مصطلح بدلاً عن آخر..، بعد فترة وجيزة من التدريب وقف نفس الزعيم (الذي خاطبه في البداية قائلاً إنه لا يريد أن يعمل "عمل الجبناء") و قال له: " أريد منك أن تعود، نحن في حاجة إلى المزيد من الدورات التدريبية، والحلقات الدراسية، فالسواد الأعظم من الناس يرغبون المشاركة في هذه التدريبات ".
هذا يفيد بأنً المصطلحات التي نستخدمها لوصف هذا الأسلوب من النضال وقعها ليس سواء على كل الناس، فمثلاً الذين عرفوا بطش الديكتاتوريات أمراً معاشاً لفترات طويلة تتبادر إلى ذهنهم أو تتشكل لديهم انطباعات عن أشياء معينة عندما يسمعون كلمة "غير عنيفة". وفي بعض الحالات، على النقيض حيث يكون أثر استخدامها ايجابياً على المتلقين ، و في البعض ربما لم يكن وقعها و الانطباع عنها إيجابياً بما فيه الكفاية… فما يلقى صدىً لدى البعض، لا يتردد صداه لدى الآخرين.. الفكرة نفسها يجب أن تكون قادرة على التكيف، كيف نستخدم المصطلحات المناسبة عن هذا الأسلوب من النضال اعتمادا على الواقع التاريخي و الثقافي الذي نعمل من خلاله… لذلك كل من يتابع هذه المقالات التي سأتناولها عن هذه الدروس ، عليه أن يستعرض الكثير من المصطلحات البديلة المختلفة لوصف النضال اللاعنفي، شريطة أن يكون التغيير في الاسم فقط دون المساس بأي شئ سواه…
المؤسسات الدولية المهتمة بأمر تحسين حياة الشعوب عبر التغيير اللاعنفي عادةً تستخدم مصطلح " اللاعنف" وهو الأكثر قبولا عالميا لوصف هذا الأسلوب من النضال، والسبب في ذلك أنً اثنين من قادة النضال اللاعنفي الأكثر شهرة في العالم، ( مارتن لوثر كينغ والمهاتما غاندي) استخدما نفس المصطلح، فكلمة" اللاعنف " يتردد صداها معهم و يرتبط المصطلح بهؤلاء القادة المبدعين، عندما يسمع الناس كلمة "اللاعنف"، تستحضر العبارة على الفور صورًا لهذه الحركات اللاعنفية الناجحة…لكن في الوقت نفسه، هذه الكلمة التي تضرب بجذورها في تقليد الإيمان بالقضيًة، إذا لم يكن المتلقي مؤمناً بقضيته و عدالتها أو لم يكن راغباً في اللاعنف كوسيلة أخلاقية و يتخذ من العمل اللاعنفي وسيلة نضال ضد عدو مثل الذي أمامنا، فإن مصطلح "اللاعنف" قد لا يتردد صداه بنفس القدر كوننا يحكمنا نظام ضمن الأسوأ عالميًاً إن لم يكن الأسوأ على الإطلاق.
لذلك، يمكننا مثلاً استخدام مصطلحات أخرى مثل " العمل المباشر"، وهذا تستخدمه الجماعات المدافعة عن البيئة والسلام الأخضر، يستخدمون هذا المصطلح كونه يميز ما يفعلونه كحركة مباشرة تعمل في مجال محدد و تتجاوز النظام السياسي و القانوني.
أيضاً "الكفاح الشعبي" مصطلح آخر قوي يعني قوة الشعب، أو "سلطة الشعب" نفس المصطلح استخدم في الفلبين خلال حركة سلطة الشعب التي أطاحت بالدكتاتور ماركوس في العام 1986.
أو مصطلح "النضال الشعبي" لذي بدأ الفلسطينيون استخدامه أثناء الانتفاضة الأولى، حيث كان اللاعنف إستراتيجية لعمل اللجان الشعبية التي كانت تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة المقاومة الاجتماعية، واعتمدوا استخدام مصطلح شعبي مع "نضال"…مصطلح آخر هو ساتياغراها، وهو المصطلح الذي طوًره غاندي و يعني "قوة الحقيقة".
كذلك مصطلح "التعبئة المدنية اللاعنفية" .. يتردد صداه أكثر مع منظمات المجتمع المدني أو مع الأفراد والمنظمات التي تعمل مع منظمات المجتمع المدني.. و مصطلح "الجهاد المدني" الذي كان يتحدث عنه زعيم حزب الأمًة السيد/ الصادق المهدي إلاً أنًه لم يستخدمه قط.
هام: حاليًاً يقدم المعهد الأمريكي للسلام دورة تدريبيًة متقدمة و مجًانيًة لفترة محدودة على موقعه باللغة الانجليزيًة تتحدًث عن المقاومة المدنيًة و طريقة عملها، فرصة الاستفادة منها متاحة للجميع لا تحتاج سوى التسجيل و الانخراط فيها مباشرةً ، من لديه الرغبة يمكنه الدخول و التسجيل على الرابط: https://www.usipglobalcampus.org/civilresistance
مصطفى عمر
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.