(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا اصطدم هابرماس بالفلاسفة الفرنسيين؟
نشر في حريات يوم 21 - 10 - 2015

ذكرت في مقالة سابقة أنَّ هابرماس اصطدم بفلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال فوكو ودريدا وسواهما حول قضايا أساسيَّة: كمسؤوليَّة العقل الغربي عن الاستعمار والفاشيَّة والنَّازيَّة، واحتقار التَّنوير والدّيمقراطيَّة وحقوق الإنسان واعتبارها مجرَّد سلعة أو واجهة يخفي الغرب الرأسماليُّ خلفها أطماعه وجشعه الَّذي لا يشبع. واتَّهمهم بأنَّهم محافظون شباب أو نيتشويون عدميون وهو تعبير ملطَّف عن الرَّجعيين. ولكنَّه اعتذر مؤخَّرا عن هذا الاتّهام الظَّالم الَّذي صدر عنه تحت تأثير الانفعال. (أنظر عدد مجلَّة "اسبري" المشار إليه في المقال السَّابق). فهم كانوا يعتبرون أنفسهم تقدُّميين بل وتقدُّميين جدًّا لأنَّهم لا ينتمون إلى اليسار فقط وإنّما إلى اليسار المتطرَّف.
انظروا فوكو وديلوز ودريدا مثلا: آخر صرعات اليسار الباريسيّ! أقول ذلك رغم أنَّ ديلوز أكثر جدّيَّة من دريدا وأكثر أهميَّة، وكذلك فوكو بطبيعة الحال..فيما بعد تصالح هابرماس مع دريدا وألَّفا كتابا معا بعد 11 سبتمبر بعنوان: "الفلسفة في زمن الإرهاب". وهو الَّذي نقله الباحث السُّوريّ خلدون النَّبواني إلى اللُّغة العربيَّة وقدَّم له. ولكنَّ الخلافات ظلَّت رازحة بين الرجلين حتَّى بعد هذه المصالحة التَّكتيكيَّة أو الشَّكلانيَّة. فهابرماس يتَّهم دريدا بأنَّه خرج كليًّا على النّطاق الخَّاص بالفلسفة أو بالفكر الفلسفيّ. فلم يعد يهتمُّ بتقديم حجج منطقيَّة لتدعيم وجهة نظره بل وأصبح يستسخفها. ولم يعد يهتمُّ بصلاحيَّة البرهنة العقلانيَّة على رأي مَّا وإنَّما يكتفي بإلقاء الكلام على عواهنه وكأنَّ كلامه فوق كلّ برهنة منطقيَّة أو مناقشة عقلانيَّة. لقد ختم العلم، دريدا، أو هكذا توهّم. والأنكى من ذلك أنَّه أصبح يهتمُّ بالأسلوب الأدبيّ لفلسفته أكثر من أيّ شيء آخر. لقد أصبحت الفلسفة بالنّسبة إليه مجرَّد تنميقات شكليَّة أو حذلقات لفظيَّة مملَّة ومبهمة: أي تعني كلّ شيء ولا تعني أي شيء..باختصار شديد: لقد تحوَّلت الفلسفة لديه إلى أدب ثرثار أو كلام مرسل خارج عن حدّ السَّيطرة. لقد انتفخ دريدا أكثر من اللّزوم حتَّى توهّم بأنَّه أصبح هيدغر أو نيتشه!
هذا من جهة. ومن جهة أخرى فقد كان هابرماس ينوي الانخراط في مناقشة علنيَّة مع ميشيل فوكو عن "كانط والأنوار". ولكنَّ القدر لم يمهل فوكو فمات فجأة في منتصف الطريق وتعذَّر بالتَّالي إجراء هذه المناظرة الكبرى الَّتي كان ينتظرها بفارغ الصبر مثقَّفو أميركا أيضا. لكن يبقى السُّؤال مطروحا: لماذا غضب عليهم هابرماس كلَّ هذا الغضب في ثمانينات القرن الماضي. السَّبب بسيط وهو أنَّ مرجعيته الفلسفيَّة غير مرجعيتهم. فمرجعيته أو قدوته كانطيَّة- هيغليَّة في حين أنَّ مرجعيتهم نيتشويَّة – هيدغريَّة. وهذا ما لا يغفره لهم هابرماس. ففي رأيه أنَّ نيتشه وهيدغر من ألدّ أعداء الحداثة والعقلانيَّة التَّنويريَّة. وبما أنَّه واقع تحت عقدة النَّازيَّة والكارثة الهتلريَّة الَّتي شوَّهت وجه ألمانيا فإنَّه لا يكاد يطيق أحدا يحب نيتشه أو هيدغر. ومعلوم مدى تعلُّق فوكو بنيتشه أو دريدا بهيدغر. معظم أعمال دريدا ليست إلاَّ تعليقات على هامش النَّص الهيدغريّ. وهو نفسه يعترف بأنَّ مصطلح التَّفكيك الَّذي اشتهر به أخذه عن هيدغر. هذا ما قاله لي شخصيًّا في المقابلة الوحيدة الَّتي أجريتها معه أيَّام زمان ونشرتها مجلَّة الفكر العربيّ المعاصر. أمَّا فوكو فقبيل موته بفترة قصيرة أدلى بمقابلة اعترف فيها بأنَّ أكبر تأثير فلسفيّ عليه جاء من جهة هيدغر ونيتشه ولكن هذا الأخير هو الَّذي تغلَّب في نهاية المطاف. وبالتَّالي فمنذ البداية هناك اختلاف أساسي في المرجعيَّة الفلسفيَّة بين هابرماس الألماني الواقع تحت عقدة النَّازيَّة كما ذكرنا وفلاسفة فرنسا المجايلين له والَّذين لا يعانون من هذه العقدة على الإطلاق. ويبدو أنَّ كلّ ما يخصُّ نيتشه وهيدغر يذكره بالكارثة النَّازيَّة. فهل يعتبرهما مسؤولين عن ظهور هتلر؟ هذا ليس مستبعدا. ففيما يخصُّ هيدغر فإنَّه يقول ما يلي في آخر مقابلة أجرتها معه مجلَّة اسبري الفرنسيَّة الَّتي ذكرتها آنفا:
"حتَّى الآن فإنَّ تصوري للدّيمقراطيَّة موروث عن كانط والثَّورة الفرنسيَّة. وقد حاولت في فترة ما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية أن أفهم سبب التَّاريخ المكسور للدّيمقراطيَّة الألمانيَّة والعودة اللاَّمفهومة إلى السُّقوط في هاوية الفاشيَّة. وهكذا تلاحظون أنَّ الجيل الألمانيّ الَّذي أنتمي إليه كان مفعما بالغضب واللاَّثقة بذاته وبهويته الألمانيَّة. وقد رحنا نبحث عن سبب هذه الكارثة. واعتقدنا أنَّها مسجلة في الجينات الغامضة المعادية للعقل والمغروسة في أعماق تراثنا. لم يعد التُّراث الألمانيُّ بعد حصول الكارثة النَّازيَّة بقادر على أن يبقى بمنأى عن النَّقد الجذريّ الصارم. أصبح موضع شكّ أو بين قوسين. وأصبحنا مضطرين لنقده ومساءلته بقسوة. وعرفنا عندئذ أنَّ الدَّرس الأساسيَّ الَّذي نستخلصه من الكارثة الهتلريَّة هو أنَّ تراثنا ينبغي أن يخضع للغربلة النَّقديَّة الصَّارمة. كلُّ شيء فيه ينبغي أن يخضع للتَّحليل العقلانيّ وألاَّ يقبل أيَّ شيء إلاَّ بواسطة محاجات منطقيَّة عقلانيَّة. نعم لقد شعرت عندئذ بأنَّ ذلك هو واجب كلّ مثقَّف ألمانيّ بعد الحرب العالميَّة الثَّانية".(أفتح هنا قوسا وأقول بأنَّ السُّكوت المريب للعديد من المثقَّفين العرب عن الأصوليَّة الإخوانيَّة- السَّلفيَّة- الوهَّابيَّة – التَّكفيريَّة إن لم يكن التَّعاطف معها سرا شيء مزعج ولا يبشر بالخير. فهناك أفعال لم تتجرأ حتَّى النَّازيَّة على ارتكابها..ليت أنَّ هناك تأنيب ضمير عندنا نحن أيضا وليس فقط عند مثقَّف ألمانيّ محترم كهابرماس. ليت محاسبة الذَّات تصبح أيضا جزءا من الثَّقافة العربيَّة وليس فقط الثَّقافة الألمانيَّة. فلا يكفي إلقاء المسؤوليَّة على الآخرين باستمرار..الحقّ ليس دائما على الطليان!..)
ولكن ماذا فعل هيدغر؟ هل تاب؟ هل اعتذر؟ هل راجع موقفه أو تراجع عنه؟ لقد ظلَّ مصرا على موقفه السَّابق، على غيّه وضلاله. فعندما كان هابرماس طالبا في جامعة بون عام 1953 قرأ بالصدفة نصّ هيدغر الشَّهير "مدخل إلى الميتافيزيقا". وهو نصٌّ يعود إلى عام 1935 أي إلى بداية الفترة النَّازيَّة وصعود هتلر ولكنَّه لم ينشر إلاَّ عام 1953، أي بعد عشرين سنة من ذلك التَّاريخ. ولكي يثبت حسن نيته يقول هابرماس بأنَّه كان يشعر في السَّابق بأنَّه وريث روحي لهيدغر. ولكنَّه صعق عندما رأى أنَّ "روح الفاشيَّة" تتحدَّث من خلال هذا النَّص. هذا ما يقوله حرفيًّا في المقابلة الَّتي أجرتها مجلَّة "اسبري" معه مؤخَّرا. وأدرك عندئذ أنَّ هيدغر ظلَّ في أعماقه نازيًّا ولم يشعر بأيّ تأنيب ضمير رغم كلّ ما حصل. ولهذا السَّبب استغرب هابرماس العبادة الشَّخصيَّة الَّتي كان يحظى بها في فرنسا في ذلك الوقت من قبل دريدا وفوكو وعشرات الآخرين. وصدمه موقف المثقَّفين الفرنسيين حقيقة. واستغرب عدم اتّخاذ أيّ مسافة نقديَّة مع فكره ليس فقط في فرنسا وإنَّما في أمريكا أيضا. لم يكن هناك إلاَّ الإعجاب الهائل به والتَّهليل له والوقوع تحت تأثيره المغناطيسيّ. لهذا السَّبب إذن غضب هابرماس على فوكو ودريدا وسواهما..فهوى يرى أنَّ هيدغر مضادٌّ في العمق لفكر التَّنوير والثَّورة الفرنسيَّة. إنَّه يعتقد جازما بأنَّه رجعيٌّ كبير، رجعيٌّ حقيقيٌّ. فلماذا يتعلَّق به إذن مثقَّفون تقدميون بل ويساريون جدًّا كفوكو ودريدا؟ بل ويقول بأنَّه لم يستطع أن يضبط أعصابه فصبَّ عليهما جام غضبه. فقد تألَّم كثيرا لأنَّ مثقفي اليسار الفرنسيّ يتعلَّقون بهيدغر ونيتشه إلى مثل هذا الحدّ.
مناظرة دافوس لعام 1929
لكن لنعد إلى الوراء قليلا: في الواقع أنَّ هيدغر كان قد عبَّر عن اشمئزازه من فلسفة الأنوار منذ ما قبل الحرب العالميَّة الثَّانية عندما خاض مناظرة مشهورة ضدَّ أحد ممثليها الكبار المفكّر الكانطيُّ الألمانيُّ: ارنست كاسيرر. لقد حصلت مناظرة فلسفيَّة ضخمة أكاد أقول مناطحة فلسفيَّة كبرى بين هيدغر النّيتشويّ/وكاسيرر الكانطيّ. ويبدو أنَّ هيدغر انتصر في خاتمتها بالضَّربة القاضية إذا جاز التَّعبير. وكان ذلك إيذانا بصعود القوى الجامحة اللاَّعقلانيَّة في ألمانيا. فهتلر صعد إلى قمَّة السُّلطة عام 1933 أي بعد أربع سنوات فقط من حصول مناظرة دافوس. ربَّما كان ذلك تبسيطا لمناظرة فلسفيَّة من هذا الحجم والعلو الشَّاهق. وهو حتما تبسيط. ولكن لا يمكن إهمال السّياق السّياسيّ والمناخ النَّفسي العام الَّذي جرت فيه تلك المناظرة الكبرى.
ينبغي العلم بأنَّ دافوس، هذه القرية السّويسريَّة السَّاحرة القابعة في رؤوس الجبال والوديان، كانت ملتقى الانتلجنسيا الأوروبيَّة قبل أن تصبح ذلك الملتقى العالمي الضَّخم المنعقد سنويًّا لكبار قادة العالم. وكانت منتجعا للصَّحَّة والعلاج حيث الهواء النَّقي والمياه العذبة..هل نعلم بأنَّ توماس مان كتب روايته الشَّهيرة "الجبل السّحري" في دافوس؟ وهل نعلم بأنَّ ألبرت أنشتاين جاء إليها لكي يلقي محاضرات عن نظريَّة النّسبيَّة وأشياء أخرى؟ وبالتَّالي فالفندق الكبير لدافوس كان ملتقى الشَّخصيات العلميَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة الكبرى. ولذا فليس مستغربا أن تكون المناظرة الفلسفيَّة بين هيدغر/ وكاسيرر قد جرت فيه.
هذا وقد تنادت الصحافة الألمانيَّة والأوروبيَّة من كلّ الجهات لحضور ذلك اليوم المشهود. وقد يدهشنا ذلك الآن إذا ما علمنا أنَّ موضوع المناظرة كان ناشفا ومتقشّفا إلى أقصى الحدود: ميتافيزيقا كانط! من يهمُّه هذا الموضوع العويص؟ بل من يعرف معناه أصلا؟ هل حقًّا يهمُّكم يا معشر الصحفيين مثل هذا الموضوع وأنتم مشغولون بالبحث عن الأخبار المثيرة والسَّبق الصحفي والصرعات والموضات، الخ.. ؟ ولكن يبدو أنَّهم شعروا بأنَّه خلف هذا الموضوع الميتافيزيقي التَّجريدي ظاهريًّا تختبئ قضايا سياسيَّة وفلسفيَّة خطيرة.
يضاف إلى ذلك أنَّ كلا المتصارعين كانا نجمين من نجوم الفكر الألمانيّ آنذاك. فارنست كاسيرر(1874-1945) غير المعروف كثيرا في العالم العربيّ كان سيّدا من أسياد الفكر. وكانت تحيط به هالة من العظمة والمجد نظرا لمكانته الأكاديميَّة العالية في الجامعات الألمانيَّة. ثمَّ نظرا بالأخصّ لمؤلفاته الكبرى المتركزة على قضايا الفيزياء المعاصرة، وفلسفة التَّاريخ، واللُّغة الرَّمزيَّة. وكلُّ فلسفته كانت مرتكزة على القول بأنَّ الإنسان ما هو إلاَّ روح خلاَّقة للرموز من خلال اللُّغة. كان يقول بأنَّ الإنسان حيوان رمزيٌّ قبل كلّ شيء. انظروا كتابه الضَّخم ذي الأجزاء الثَّلاثة: فلسفة الأشكال الرَّمزيَّة. ولكن في ذات الوقت كان كاسيرر كانطيًّا عقلانيًّا. كان يمثّل فلسفة الأنوار في أعلى ذراها تألقا. كان زعيما لمدرسة ماربورغ: وهو تيار فلسفيٌّ يمثّل الكانطيَّة الجديدة. كان كاسيرر من أتباع النَّزعة الإنسانيَّة، ومن أنصار الفلسفة الهادفة إلى تغليب سلطة العقل ولغة المنطق. أمَّا هيدغر فكان نيتشويًّا يتحدَّث بلغة الخيال الجامح والفنّ الصاعق والبراكين المتفجرة. بل وكان يقول بأنَّ الإنسان شاعر قبل أن يكون عالما. وبالتَّالي فالخيال الخلاَّق يسبق المنطق العقلانيَّ الجافَّ ويعلو عليه. بل وتنبأ بانهيار عهد المنطق وبدء عهد جبروت الخيال. ومعلوم أنَّ هيدغر ما كان يحترم العقل الخالص والعلم الفيزيائيَّ والتكنولوجيا كثيرا. كان يقول بأنَّ الإنسان حالم قبل أن يكون مفكّرا وشاعر قبل أن يكون عالما. وهيدغر نفسه كان يكتب أحيانا بلغة شاعريَّة-فلسفيَّة لا تضاهى. ابتدأ كاسير الأكبر سنًّا المناظرة بروح منفتحة، متسامحة، متسائلة. أمَّا هيدغر فردَّ عليه فورا بلغة صارمة، قاطعة، متغطرسة. وربَّما لهذا السَّبب انتصر عليه في ختام المناظرة. وهو انتصار لم يقم منه كاسيرر بسهولة. لقد تأثَّر نفسيًّا وانكسر. نقول ذلك خاصَّة وأنَّ المناظرة جرت أمام نخبة النُّخبة وصفوة الصفوة. والسُّؤال الَّذي يطرح نفسه هنا هو التَّالي: هل يمكن القول –بعد هذه المناظرة- أنَّ عهد العقل المتوازن الرَّصين انتهى وابتدأ عهد الخيال الجنونيّ الجامح الَّذي يصنع المعجزات؟ ربَّما. يكفي أن ننظر إلى هتلر وهو يخطب بكلّ عصبيَّة وهيجان جنوني لكي نتأكَّد من ذلك. كيف استطاع شخص متسكّع في الشَّوارع وعاطل عن العمل أن يستقطب الشَّعب الألمانيّ حوله ويزجَّه في أكبر مغامرة كارثيَّة في التَّاريخ؟ ما هو المغناطيس الجذَّاب الَّذي كان يتمتَّع به هتلر بلا جدال؟ وكيف استطاع مغنطة الشَّعب الألمانيّ بأسره؟ أسئلة لا يمكن تحاشيها. وهل سبقت فلسفة نيتشه وهيدغر صعود هتلر؟ هل مهَّدت لها الطريق؟ سؤال أيضا لا يمكن تحاشيه. وإن كان من الظُّلم أن نختزل فلسفة مفكّر ضخم كهيدغر إلى مجرَّد البعد النَّازي. فأكبر فيلسوف في القرن العشرين كان أعمق من ذلك وأكبر بكثير. ولهذا السَّبب لم يستطع غلاة الصهاينة أن يقضوا عليه حتَّى الآن رغم محاولاتهم المتكررة ورغم الآلة الإعلاميَّة الجبَّارة الَّتي يمتلكونها ويحرّكون خيوطها من وراء السّتار.
أخيرا يمكن القول بأنَّ كليهما، أي كاسيرر وهيدغر، كانا على حقّ. فالتَّصوران اللَّذان قدماهما متكاملان في الواقع لا متعارضان. لماذا؟ لأنَّ الإنسان شخص منقسم على نفسه. إنَّه مشكل في أعماقه من تيار المنطق المتوازن/وتيار الخيال الخلاَّق، من تيار العقل/وتيار الجنون. الإنسان مجنون أيضا أو بحاجة إلى جرعة جنونيَّة معينة وإلاَّ فإنَّه يصبح شخصا مملاًّ تعيسا. الإنسان يرغب بالمعرفة التَّحليليَّة العقلانيَّة للعالم من جهة/ وبالغوص في الخيال الشَّعريّ والمقاربة الفنّيَّة للعالم من جهة أخرى. علَّكم عرفتم لماذا أقول وأكرر القول: بَّأن قلبي مع نيتشه وعقلي مع كانط؟
(منقول).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.