الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أوراق بنما : التداعيات الديمقراطية غير المؤكدة
نشر في حريات يوم 03 - 08 - 2016


القدرة الديمقراطية للتسريبات:
جاءت التسريبات الضخمة التى يشار إليها باسم «وثائق بنما» 1 لتشكل صورة مصغرة من قدرة الديمقراطية فى مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبعد ظهور ثورات «الربيع العربى» وحركة «احتلوا وول ستريت»، التى فُسرت على نطاق واسع على أنها تعبر عن إمكانية الحشد الديمقراطى والتعبير عن الرأى من خلال وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، توضح تسريبات بنما أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لها دور أيضا فى المساءلة الديمقراطية.
وتكشف تسريبات وثائق بنما عن الأنشطة الغامضة لعدد هائل من الأشخاص والمؤسسات من جميع أنحاء العالم، بداية من (والد) رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون، والسيدة الأولى لاسكتلندا، إلى عائلة رئيس الوزراء الباكستانى، نواز شريف، ومن البنك الألمانى «دويتشه بنك» إلى اللجنة المركزية للحزب الحاكم فى الصين، ومن شركات عسكرية خاصة إلى كارتلات المخدرات فى المكسيك، وبالتالى ليس من المستغرب أن تحظى تلك التسريبات بهذا الاهتمام.
وقد أنشأ الاتحاد الدولى للصحفيين الاستقصائيين على موقعه على الإنترنت صفحة خاصة لتلقى التسريبات عنوانها «ارسل تسريبات إلينا»، وامتدح فيها الأشخاص الذين يبّلغون عن وقائع فساد (أو من يطلق عليهم اسم مطلقو العصافير «المبلغين عن الفساد والتجاوزاتwhistle-blowers) كأبطال ثوريين فى الديمقراطية الحديثة، التى تتخذ بصفة متزايدة شكلا معاديا للديمقراطية التقليدية، حيث يساهم الشعب Demosفى فضح أصحاب النفوذ والأقوياء، والاعتراض عليهم، وكذلك مساءلتهم.
وفى حالة تسريبات وثائق بنما، تعد هذه القدرة الديمقراطية (democraticpotential) غير مسبوقة، من حيث الحجم والنطاق. وقد ظهرت لتساعدنا فى النظر إلى ما يتدفق من الشقوق التى حدثت فى الدروع التى تحمى أقوياء ذلك العالم من أن يُفضح أمرهم، وبالتالى الحصول على فرصة لاستراق النظر داخل عالم هؤلاء الأقوياء. إزاء هذه الحالة، من السهل جدا أن يتم تبنى شكل من أشكال رومانسية شبكة المعلومات web-romanticism بافتراض أن القدرات الديمقراطية المتعلقة بسياسة الإنترنت Internetpoliticsيمكن بشكل ما ترجمتها إلى مزيد من النتائج السياسية الديمقراطية. ويذكرنا مصير حركات "الربيع العربى» وحركة "احتلوا" (وول ستريت) بأن هناك فجوة متسعة بين القدرات المحتملة للسياسة الديمقراطية وبين تحقيقها.
ينطبق هذا الأمر على القدرة الديمقراطية للتسريبات، فمن المرجح أن القدرة الديمقراطية الهائلة للتسريبات سوف تعزز قدرات تلك القوى والسلطات ذاتها، التى تَعْد تلك التسريبات ظاهريا بتحجيمها. ويناقش المقال واحدا من الأسباب الرئيسية لهذه المعضلة، وهو المنطق التجارى للإنترنت، وبالتالى سياسة الإنترنت Internetpoliticsوالتى تجعل الأقوياء وأصحاب النفوذ يزدادون قوة. ولا ينفى ذلك وجود أسباب أخرى 2.
هل تعزز التسريبات القوى القائمة بالفعل؟
إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تقدمها شركات، ويتم تنظيم عملها فى إطار السوق. وتعد أكبر شركات تقديم خدمات الإنترنت شركات خاصة، بالإضافة إلى العديد من الشركات الأخرى الصغيرة التى تقدم خدمات مرتبطة باستخدام الإنترنت، بما فى ذلك شركات صناعة الأجهزة، ونظم التشغيل، والبرامج، وبرامج الحماية، والتدريب، والصناعات الثانوية المرتبطة بمجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبالتالى، تتمثل سيطرة السوق على ذلك القطاع فى أنه عندما تجتهد السلطات الحكومية لبسط نفوذها إلى مواقع الإنترنت، من خلال خلق ما يعرف باسم «السيادة السيبرانية» Cybersovereignty (أى السيادة على الإنترنت) – والذى تسعى اليه بسبب الأهمية المتزايدة للإنترنت – فإن تلك السلطات تقوم بذلك من خلال الدخول إلى عالم الأسواق، والتعاون مع كبار اللاعبين فى تلك الأسواق، لأن النفوذ السياسى على الإنترنت يمكن أن يتلاشى إذا لم تكن هناك مثل هذه السيادة. (Nye2014, DunnCavelty2015)
ويترتب على تلك الدينامية عواقب بعيدة المدى بالنسبة لسياسة التسريبات politicsofleaks، فهو يشكل ماهية التسريب، ونوع السياسة التى يمكن لتلك التسريبات أن تكون جزءا منها. وفى واقع الأمر، فإن الشركات التى تلعب دورا رئيسيا على الإنترنت، تعيش وتنتعش على المعلومات التى تنتجها العمالة الرقمية DigitalLabourالثابتة فى جميع أنحاء العالم.
فعندما نقوم بالقراءة، أو الضغط على وصلات للإنترنت، أو نعجب ببعض الصفحات أو الموضوعات، أو نكتب شيئا، أو نشترى عبر الإنترنت، فنحن بهذا ننتج كماً ضخماً من المعلومات، وننتج بالتالى إشارات معينة ونترك أثرا لها على الإنترنت، ومثل هذه البيانات التى ننتجها يتم بيعها وشراؤها، من خلال شروط نوافق جميعا عليها، من خلال الضغط على زر «موافق» على الشروط وقواعد الاستخدام.
ونحن نقوم بذلك بشكل روتينى لأن ذلك شرطا من شروط ممارسة أغلب الأنشطة على الإنترنت. وقد أصبحت مثل تلك البيانات والمعلومات عاملا جوهريا ليس فقط فى تحليل ممارسات المستخدمين المتعلقة بالماضى والحاضر، وأنماط السلوك، ولكن أيضا فى تشكيل تلك التوجهات والسلوكيات فى المستقبل.
وهناك رموز رقمية وخوارزميات (مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة) لتحليل تلك المعلومات من أجل تحديد نوع الصفحات التى ينبغى أن نراها من خلال محركات البحث، ونوع الإعلانات التى تظهر أمامنا فى صورة محتوى مقدم برعاية مؤسسة ما. فما نراه على الإنترنت، وما نعرفه من خلاله، وما نقوم به من أنشطة عبر مواقعه وحتى خارج نطاقه يجرى تشكيله وصياغته وفقا لهذه العملية. بل إنه من غير المبالغة القول إن هوياتنا ذاته++ا يتم تشكيلها جزئيا فى سياقها. (Thrift2011, Hansen2015) فما يجرى بيعه وشراؤه بكفاءة على الإنترنت، عن طريق الشركات التى تقدم خدماتها عليه، هو أجزاء من تلك العملية، وبالتالى توجد إمكانية للعبث بتلك المعلومات والبيانات.
ولذا، لماذا تصبح هذه القصة الشائعة بشأن دور الشركات التجارية على الإنترنت، ذات أهمية بالنسبة للقدرة الديمقراطية للتسريبات؟ إن المعلومات المتعلقة بالإشارات Signalsوخيوط التعقب Tracesالتى تنتجها هذه العمالة الرقمية (من المستخدمين)، وإمكانية التأثير عليها فى المستقبل، تعد تسريبا ضخما فى حد ذاتها، وفجوة كبيرة، وليس مجرد شق فى الدرع الذى يحمى الأشخاص العاديين من أن يكونوا فريسة للاستغلال أو للخداع، أو من أن يتم استيعابهم فى دوائر المنطق التجارى المتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ولهذا التسريب الضخم للمعلومات آثار عميقة. ويعود ذلك جزئيا لسبب واضح جدا، وهو أن الأقوياء فقط هم من يملكون الموارد الضرورية للوصول إليه، وبالتالى لديهم القدرة على العمل من خلال تلك المعلومات التى تتدفق من خلال ذلك التسريب بطرق تناسب مصالحهم.
ويستطيع هؤلاء أن يدفعوا مقابل صياغة القواعد التى تمكنهم من الوصول إلى ذلك التسريب الضخم. وبشكل أكثر خفى، تعطى تلك الخوارزميات للتسريبات شكلها وصيغتها. فهم يصنفون، ويقسمون، ويرصدون، ويقدمون تلك المعلومات التى تتدفق، من خلال تلك الأكواد الرقمية. وهم يقومون بذلك، من خلال تحليل وتعلم كل ما يتعلق بالعمالة الرقمية DigitalLabour(من المستخدمين). ولأن تلك «العمالة» تعكس بالضرورة الأوضاع الاجتماعية والسلوكيات المرتبطة بها، ستقوم تلك الخوارزميات أو الأكواد الرقمية بضبط تلك المعلومات وإعادة إنتاجها، من خلال البيانات والمعلومات المتاحة. وهذا بدوره يغذى ما يتعلق بالعمالة الرقمية؛ من حيث نوع القراءة التى تتم على الإنترنت، والمفاتيح التى نضغط عليها، والأشياء التى نشتريها عبر الإنترنت، والأشخاص الذين نسجل إعجابنا بصفحاتهم، وهى أشياء تعتمد على كيفية ترتيب موقع جوجل لتلك المواقع والصفحات التى تظهر أمامنا، عندما نقوم بعمليات بحث على الإنترنت، والإعلانات التى تعرض علينا.3
وبالتالى ليس من قبيل المبالغة القول إن الطريقة التى تشكل بها الخوارزميات هذه التسريبات الروتينية، تلعب دورا فى تعظيم الفوارق التقليدية، بما فى ذلك تلك الفوارق المتعلقة بالوضع الاجتماعى، والعنصر، والنوع، والدين. وكما يقول الكاتب دومينيك كاردون فى كتابه الصادر بالفرنسية فى 2015 بعنوان (ما حلم الخوارزميات: حياتنا فى عصر البيانات الضخمة): "بطريقة متحفظة جدا، تعيد الحسابات الرقمية صياغة الترتيب الاجتماعى للمستخدمين، من خلال إضافة أحكامها الخاصة إلى الفوارق الموجودة فى المجتمع: فهؤلاء الذين لا يحظون برؤية جيدة على الإنترنت، سوف يتلقون خدمات أسوأ، وتقييمهم سيكون أسوأ". (Cardon2015)
أى أنه من المهم أن نعترف بأنه إلى جانب التسريبات المدهشة، مثل وثائق بنما، هناك تسريبات أخرى معتادة، والتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من وظيفة شبكة الإنترنت. ومن خلال البقاء صامتين بشأن الآثار المحافظة لتلك التسريبات الروتينية، سيكون النقاش بشأن القدرة الديمقراطية للتسريبات غير مكتمل. والأهم من ذلك، أن هذا الصمت يزيد من تقبل فكرة التسريبات الروتينية وجعلها تبدو كأمر طبيعى، وتحويل كل الانتباه إلى الأعمال «الثورية» للأبطال الذين يقدمون تسريبات مذهلة. فى نفس الوقت يتم التغاضى عن أو نسيان هذه العملية الروتينية التى يمكنها من خلال العمل التقنى الذى تقوم به البنية التحيتة التجارية للإنترنت، أن تفرز تسريبات متواصلة.
ويظهر هذا التباين فى المفردات اللغوية التى نستخدمها؛ فنحن نطلق لفظ تسريبات، عندما يتعلق الأمر بذلك النوع المدهش والمثير للانتباه من المعلومات التى تخص الأغنياء. لكن عندما يتعلق الأمر بالفقراء، وأصحاب البشرة السوداء، أو غيرهم من المهمشين، فإن ذلك يعد أمرا آخر لا يتطرق إليه الحديث أساسا. فنجد أن شخصيات بارزة، مثل إدوارد سنودن، وجوليان أسانغ، وجون دوز، تأخذ شهرة وأضواءً أكثر من تلك الخوارزميات «العادية» التى تحلل معلوماتنا باستمرار. لكن بالنسبة لسياسة الديمقراطية democraticpolitics، فإن مصير الجماهير، وقدرتها السياسية، واستراتيجياتها، وإمكاناتها، وطموحاتها، ليس أمرا هامشيا، وبالتالى يكون الاهتمام المتزايد بتلك التسريبات مبررا، بل ومطلوبا.
و التسريبات «المذهلة» تعوق هذا الاهتمام، من خلال احتكارها للأضواء طوال الوقت. فهى تجرد التسريبات المتواضعة الأخرى من اسمها، ومن موقفها، ومكانها وسط الجمهور. وقد تنتهى تلك التسريبات «المذهلة»، مثل تسريبات وثائق بنما، إلى وضع يرسخ وجود السلطات القائمة بسهولة، بدلا من أن يحاسبها أو يفضحها بطريقة ديمقراطية.
يؤدى المنطق التجارى لآليات عمل وحوكمة الإنترنت إلى تقليص التأثيرات الديمقراطية للتسريبات من خلال وسيلة أخرى هى «تسويق» التهديد بالتسريب والاختراق المعلوماتى، بحيث تصبح الحماية المناسبة ضد التسريبات شيئا يمكن بيعه (من خلال برامج الحماية الإلكترونية). وإضافة إلى حماية علاقات القوة القائمة، يمكن للتسريبات أيضا أن تفضى إلى تعزيز عدم المساواة وأوجه الظلم القائمة، والتى تنتجها ديمقراطيات الإنترنت.
وتشير جولة فى مجال التسويق لأمن الإنترنت، فى معرض «الأمن ومكافحة الإرهاب» (SecurityandCounterTerrorExpo) الذى أقيم فى شهر أبريل 2016، إلى المدى الذى بلغه استيعاب وتوظيف التسريبات فى المنطق التجارى للإنترنت. فقد كان الحديث عن التهديد الذى تشكله التسريبات يملأ أرجاء المكان. وكانت تسريبات وثائق بنما على وجه الخصوص تشغل أذهان الزائرين ومنظمى المعرض على حد سواء، وبالتالى كانت محل نقاش فى الأحاديث الجانبية بشكل سرى. وكان مقدمو العروض وأعضاء فرق التسويق يشيرون إليها خلال عروضهم التقديمية، وكانت منتجاتهم فى الغالب توضع فى إطار أنها جزء من الاستراتيجيات الضرورية لضمان الحماية من خطر التسريبات. وتنوعت طبيعة تلك المنتجات بشكل كبير، لتشمل نظم التشفير، ونظم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتكاملة التى تحد من مخاطر تسريب البيانات، من خلال وجود سيطرة مركزية على نظم البيانات (مثلا فى فندق، أو مطار، أو مدرسة، وغيرها من الأماكن)، ونظم الإدارة التى صممت للتعرف على أى موظف يخترق الأجهزة للوصول إلى البيانات لتسريبها، وكذلك نظم لحظر دخول أى شخص من خارج المؤسسة.
ويتحدث موظفو التسويق بوضوح عن تلبية مطالب قائمة بالفعل، وكانت شركات ومنظمات قوية أخرى تستثمر بكثافة فى ذلك المجال، وفقا للكثير من زوار المعرض الذين قاموا بشرح ذلك لكاتبة هذه السطور. وكانت النتيجة هى أن معظم الحضور فى ذلك المعرض كانوا مهتمين بشكل أو بآخر بقضية التسريبات. وبلغ من درجة سيطرة الاهتمام بمسألة التسريبات، وجود شركة تتخصص فى إنشاء جدران لحماية البيانات، حيث شرحت موظفة المبيعات أن 80 % على الأقل من عمل الشركة حاليا يتركز فى إنشاء تلك الجدران لحماية الخوادم، وقواعد البيانات من أى اختراق. وأضافت: "نحن نقيم جدرانا حول نظم التخزين السحابية"، والهدف منها هو الحماية من حدوث أية تسريبات غير مرغوب فيها. (Leander 2016)
إن انتشار المنتجات والخدمات المصممة لاستباق ومنع حدوث تسريبات، لايرتب تأثيرات ذات طابع محافظ، تجاه أوجه الظلم وعدم المساواة القائمة بالفعل فحسب، ولكنه يؤدى عمليا إلى تكريث تلك الفوارق. فتلك المنتجات ليست متاحة للجميع، ولا يتم إنتاجها كسلع عامة لضمان إنترنت آمن وبلا تسريبات لجميع المواطنين. لكنها منتجات تصدر للعملاء الذين يمكنهم أن يدفعوا الأموال، وسيفعلون، من أجل حماية أنفسهم من خطر التسريبات. وهذا يعنى فى المقام الأول الأقوياء والأغنياء، والشركات، والمؤسسات الحكومية، والشخصيات والمنظمات الذين فضحتهم تسريبات وثاق بنما. وفى الحقيقة، كانت الإشارة الدائمة فى ذلك المعرض إلى مخاطر حدوث تسريبات جديدة بقوة تسريبات بنما، فى سياق الحديث عن الأمن ومكافحة الإرهاب، تهدف إلى جذب الأقوياء وأصحاب النفوذ الذين يريدون أن يحموا أنفسهم من مخاطر التعرض للفضيحة الناتجة عن التسريبات. وبينما لا يوجد هناك ضمان أن المنتجات والخدمات العديدة التى تهدف لمكافحة تسريب المعلومات سوف تقيم درعا حصينة تحمى أصحابها تماما من تلك المخاطر، ربما يكون من المرجح أن يجعلهم ذلك أكثر عرضة لتلك المخاطر.
وبالتالى، وبعد أن أصبحت التسريبات جزءا من المنطق التجارى لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإنها الآن تنتج طبقة وقائية جديدة يمكن إضافتها إلى الدرع الواقية الفعالة والموجودة فى الواقع ليحمى الأقوياء من مخاطر تسريب أنشطتهم.
إن القدرة الديمقراطية لتسريبات وثائق بنما التى وعدت بكشف أصحاب القوة والنفوذ، وإتاحة الفرصة لمساءلتهم ومعاملتهم، وفقا لمبدأ المساواة، لم تتحقق بشكل قاطع، بل كان لها أثر عكسى، فقد جعلت الأمر أكثر صعوبة لكشف الأقوياء وأصحاب النفوذ الذين يبحثون دائما عما يمكن أن يزيد من حمايتهم. .
دفاعًا عن القدرة الديمقراطية للتسريبات:
إن تسريبات بنما والتسريبات بشكل عام لديها قدرة ديمقراطية هائلة، لكن كما أوضح الطرح آنف الذكر، فإن تلك القدرة لا يمكن ترجمتها بالضرورة إلى سياسات أكثر ديمقراطية، بل ربما على العكس تماما، فإن التسريبات عرضة لتكريس وتعزيز القوى الموجودة. وقد اقتفيت أثر سبب واحد لذلك، وهو حقيقة أن التسريبات تحدث فى سياق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التجارية. وهذا لا يلمح إلى أن التسريبات غير مهمة وذات نتائج عكسية بشكل حتمى بالنسبة للسياسة الديمقراطية democraticpolitics، لكن ما يؤكد عليه هذا الطرح هو سذاجة التفكير فى تلك التسريبات على أنها أمر فارق لصالح سياسة الديمقراطية القائمة على الإنترنت.
فهذا الطرح يؤكد مثلما هو الحال بالنسبة لأية ممارسة سياسية أن معنى التسريبات، وقدرتها على تحقيق «وعدها» الديمقراطى، مرهون بالسياق وعلاقات القوة التى يتم ترسيخها أو إعادة إنتاجها. بعبارة أخرى، فإن مناقشة التأثيرات الديمقراطية للتسريبات تستدعى التخلى عن الافتراضات السطحية وأن نشرع فى حوار أكثر جدية.
الهوامش:
1 – تعد وثائق بنما أكبر تسريب غير مسبوق لنحو 11٫5 مليون وثيقة من قاعدة بيانات رابع أكبر شركة قانونية للاستثمار بنظام الأوفشور، وهى شركة موساك فونسيكا. وقد سربت تلك الوثائق من مصدر مجهول إلى صحيفة «زود دويتشه تسايتونج» الألمانية، والتى بدورها شاركتها مع الاتحاد الدولى للصحفيين الاستقصائيين، ثم قام الاتحاد بعمل شبكة كبرى لفحص تلك الوثائق مع عدد من المؤسسات الصحفية الكبرى، مثل الجارديان، وبى بى سى، وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة الجارديان نفسها.
2 – انظر على وجه الخصوص كتاب (كاردون 2015) وكتاب (دين 2013)، وكتاب (هاركورت 2015)، ودراسة ميتشيل، وهاركورت، وتوزنج لعام 2013، ودراسة كل من كونستمان وستين لعام 2015)، والموجودة بالتفصيل فى قائمة المصادر فى نهاية المقال.
3 – لمزيد من التحليل المفصل لعمل الخوارزميات، انظر إلى الصفحة التى تحمل عنوان «قائمة بدراسات الخوارزميات الأساسية)، وهى مفيدة للغاية، ويمكن الوصول إليها من خلال هذا الرابط: www.socialmediacollective.org/reading-lists/critical-algorithm-studies
(نقلاً عن مجلة الديمقراطية).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.