الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أخلاق السلف عند الاختلاف
نشر في حريات يوم 25 - 07 - 2011


محمد بن عبدالسلام الأنصاري …
إن من أسباب البغي والظلم والجور؛ عدم الإنصاف مع المخالف؛ واعتبار كل خلاف سبب للقطيعة والهجر والتدابر، وإنزال جميع الخلاف منزلة واحدة، ومحاولة جرِّ بعض ما حدث في تاريخ الإسلام ليكون دليلاً وأصلاً في التعامل مع المخالفين من أهل القبلة خاصة.
والواقع أن في تاريخ السلف من الصفحات المشرقة ما يصلح أن يكون نبراساً في فقه الاختلاف عند حدوثه بين المختلفين.
ولو أمعن الناظر في تلك الحقبة وما حصل فيها من المواقف لاستبان له حقيقة الموقف الصحيح الذي يجب أن يكون عليه المرء عندما يحدث خلاف بينه وبين إخوته.
وتلك المواقف النيرة هي الموافقة للمقاصد الشرعية الآمرة بالتآلف والتراحم الذي يجب أن يكون بين المسلمين جميعاً، والناهية أيضاً عن الفرقة والنزاع لأجل أن لا تذهب ريح المسلمين وتضعف قوتهم.
ولا تعني تلك المواقف عدم الرد على المخالف أو بيان الحق ودحض الباطل، ولكن شتان بين بيان الحق برفق ولين وبين بيان الحق بقصد الإضرار بالمخالف أو إلحاق الأذى به؛ بل ومحاولة إخراجه من دائرة الإسلام لاستباحة عرضه ودمه وماله.
وسنعرض في هذه المقالة صوراً مشرقة من تاريخ السلف عند وقوع الاختلاف بينهم وكيف كان تعاملهم فيما بينهم عند ذلك الاختلاف الحادث، ليستنير بها من شطَّ فهمه أو ضاق ذرعاً عند خلاف المخالف له.
وأول ما نقرأه في التاريخ ذلك الحدث الذي حدث بين الصحابة رضوان الله عليهم حينما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، حيث أخرج البخاري في صحيحه وغيره عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي؛ لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.(1)
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة بينة على ما كان عليه الصحابة الأخيار من احتمال الخلاف الدائر بينهم؛ وسعة صدورهم، وعدم ضيق ذرعهم بخلاف بعضهم بعضاً؛ حيث لم تنقل الروايات أن ذلك الخلاف كان سبباً في بغي بعضهم على بعض أو تعدي بعضهم على بعض.
ومن تلك الصور المشرقة أيضاً ذلك الخلاف الذي حدث بين عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في بعض المسائل على كثرة التشابه بين منهجهما الفقهي؛ حيث أوصل ابن القيم رحمه الله المسائل التي اختلفوا فيها إلى مائة مسألة منها:
أن ابن مسعود كان ينهى عن وضع اليدين على الركب في الركوع ويأمر بالإطباق؛ وخالفه عمر بن الخطاب.
واختلفا أيضاً في الرجل زنا بامرأة ثم تزوجها؛ فيرى ابن مسعود أنهما لا زالا يزنيان حتى ينفصلا؛ وخالفه عمر( 2).
ومع ذلك الاختلاف كان ثناءهما على بعضهما هو الفيصل لذلك النزاع الذي ينم عن صدق المودة والمحبة؛ حيث يقول عمر بن الخطاب عن ابن مسعود: كنيف ملئ فقهاً أو علماً؛ آثرت به أهل القادسية.(3).
ويقول ابن مسعود عن عمر: كان للإسلام حصناً حصيناً؛ يدخل الناس فيه ولا يخرجون، فلما أصيب عمر انثلم الحصن.(4)
ومن الصور المشرقة أيضاً اختلاف الصحابة في توريث الإخوة مع وجود الجد، فكان زيد وعلي وابن مسعود لا يرونه، وأما ابن عباس فيخالفهم ويقول: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً. وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.(5)
ورغم هذا الخلاف فلا يمنع ابن عباس على جلالة قدره أن يتواضع ويأخذ بخطام ناقة زيد ويقول لزيد: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يدك، فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم [تقبيل اليد]. (6)
ولما دفن زيد قال ابن عباس: هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير.(7)
وبمثل تلك الأخلاق العالية تأثر التابعون ممن حمل العلم عن الصحابة الأخيار كأمثال: سعيد بن المسيب الذي يعتبر راوية عمر وحامل فقهه في المدينة، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وطاووس في اليمن، ويحيى بن أبي كثير في اليمامة، والحسن في البصرة، ومكحول في الشام، وعطاء في خراسان، وعلقمة في الكوفة وغيرهم… وهؤلاء كانوا كثيراً ما يمارسون الفتوى والاجتهاد بمشهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تلقوا العلم والفقه عنهم، وتربوا على أيديهم، وتأدبوا بآدابهم، وتأثروا بمناهجهم في الاستنباط، فما خرجوا عن آداب الصحابة في الاختلاف عندما اختلفوا، ولا جاوزوا تلك السيرة، ولعل مما يوضح ذلك الأدب هاتان المناظرتان في الدية.
حيث أخرج الدارمي من طريق الشعبي قال: جاء رجل إلى شريح، فسأله عن دية الأصابع، فقال: في كل أصبع عشرة إبل. فقال الرجل: سبحان الله. هذه وهذه سواء -مشيرا إلى الإبهام والخنصر- فقال شريح: ويحك، إن السنة منعت القياس، اتبع ولا تبتدع. (8)
وأخرج مالك في الموطأ عن ربيعة قال: سألت سعيد بن المسيب. كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: ففي أصبعين؟ قال عشرون. قلت ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون. قلت ففي أربع؟ قال عشرون. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها (أي: ديتها) فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقال ربيعة: بل عالم متثبت. أو جاهل متعلم. قال سعيد: هي السنة يا ابن أخي. (9)
وهكذا سار التابعون عند اختلافهم على نهج ما تركهم عليه الصحابة، فلم يحملهم اختلافهم بغيهم على بعضهم؛ بل حفظوا حقوق الأخوة والرابطة الإيمانية التي تجمعهم.
ومن تلك الصور المشرقة أيضاً ما ذكره المؤرخون الأثبات عن الإمام الليث بن سعد رحمه الله؛ إذ كان يخالف إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله في مسائل؛ فبعث له رسالة تحمل في طياتها أدب جم؛ وخلق رفيع؛ وأخوة صادقة، ومما ورد في تلك الرسالة المطولة:
سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، أما بعد، عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، فقد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم وأتمه بالعون على شكره والزيادة من احسانه، وذكرت نظرك في الكتب التي بعثت بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها خيرًا، فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها، … وأنه بلغك أني أفتى بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم وأنه يحق على الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله ووقع مني بالموقع الذي تحب وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلا أو قال تفصيلا لعلم أهل المدينة الذين مضوا ولا أخذا بفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله….-إلى أن قال- فلا نراه يجوز للأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم حين ذهب العلماء وبقي منهم من لا يشبه من مضى، مع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا بعهده في الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها لكتبت بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ سَعِيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورايتهم يومئذ في الفتيا بن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، فكان من خلاف ربيعة لبعض ما مضى ما عرفت وحضرت، وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سَعِيد وعبيد الله بن عُمَر وكثير بن فرقد وغير كثير ممن هو أسن منه حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه. وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك فكنتما لي موافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الاسلام، ومودة صادقة لأخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له وجزاه بأحسن من عمله.
ثم ذكر من أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة مثل: الجمع ليلة المطر والقضاء بشاهد ويمين ومؤخر الصداق لا يقبض إلا عند الفراق وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء.. وقضايا خلافية أخرى، ثم قال في نهاية الرسالة: (وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي، ورأيي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله.
فانظر أيها المحب إلى هذه الرسالة العبقة وما تحمل من معاني رعاية حرمة الأخوة الإيمانية والعلمية رغم الخلاف؛ تدرك الخلق الرفيع الذي كان يعيشه أولئك الأتباع وتابعيهم رضوان الله عليهم أجمعين.(10).
وثمة صور للأئمة الأعلام تعكس ما نقرره في هذه المقالة، فمن تلك المواقف أيضاً ما قيل لأحمد: إن كان الإمام خرج منه الدم ولم يتوضأ هل يصلي خلفه؟ قال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب.(11)
ويقول الإمام أحمد أيضاً: “لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً”(12)
قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.(13)
ورغم الخلاف الشديد بين أهل الرأي والحديث يقول شعبة عند وفاة أبي حنيفة: “لقد ذهب معه فقه الكوفة، تفضل الله عليه وعلينا برحمته”.(14)
ويقول الشافعي: “الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة”(15)
وصلى الإمام الشافعي الصبح في مسجد أبي حنيفة فلم يقنت ولم يجهر ببسم الله تأدباً مع أبي حنيفة رحمهما الله تعالى.(16)
قال القرطبي: “كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرأون البسملة لا سراً ولا جهراً، وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد” (17)
يقول الذهبي في ترجمة قتادة:”وكان يرى القدر نسأل الله العفو؛ ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك” (18)
ويقول: “ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة” (19)
ويقول الذهبي أيضاً في تعليقه على اختلاف الناس في أبي حامد الغزالي بين مادح وذام: “مازال العلماء يختلفون ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكل منهم معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور” (20)
فهذه الأمثلة من تاريخنا المشرف هو الذي يجب أن يسود بين المسلمين، ويذاع بين شداة الحق وطلبته، لا أن يكون الشقاق والنزاع هو الأصل في كل خلاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي ” الْأَحْكَامِ ” فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ، وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ تَهَاجَرَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ وَلَا أُخُوَّةٌ، وَلَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سَيِّدَا الْمُسْلِمِينَ يَتَنَازَعَانِ فِي أَشْيَاءَ لَا يَقْصِدَانِ إلَّا الْخَيْرَ. (21)
الهوامش
(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الخوف؛ باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماءً؛ حديث رقم (946).
(2)لمزيد في معرفة تلك المسائل يرجع إلى كتاب إعلام الموقعين للإمام ابن القيم [2/237]
(3)الطبقات الكبرى لابن سعد [6/9].
(4)مصنف ابن أبي شيبة [6 /357].
(5)مصنف عبد الرزاق [10 /255].
(6)الطبقات الكبرى لابن سعد [2 /360].
(7)السنن الكبرى للبيهقي. ط المعارف بالهند [6 /211].
(8)سنن الدارمي [1 /77]
(9)موطأ مالك [5 /1261]
(10 )المعرفة والتاريخ للفسوي [1 /687]
(11 ) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية [20/364].
(12 ) سير أعلام النبلاء للذهبي [11/371].
(13 ) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر [51 /302]
(14 ) الانتقاء لابن عبد البر (ص126).
(15)سير أعلام النبلاء [6/403]
(16)طبقات الحنفية [1/433].
(17)الجامع لأحكام القرآن [23/375].
(18)سير أعلام النبلاء [5/271 ].
(19)سير أعلام النبلاء [14/40].
(20)السير [19/322].
(21)مجموع الفتاوى [24 / 173]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.