هوامش على دفتر ثورة أكتوبر .. بقلم: عبدالله علقم    مينا مُوحد السعرين!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    “قوى التغيير” تعلن عن برنامج لإسقاط والي نهر النيل    تاور: الوثيقة الدستورية تمثل المرجعية للفترة الانتقالية    "حميدتي ": استطعنا أن نحقق في أسبوع ما عجز عنه النظام البائد في سبع سنوات    "دائرة الأبالسة" تفوز بجائزة الطيب صالح    تراجع كبير في أسعار مواد البناء بسوق السجانة    تراجع كبير في أسعار مواد البناء بسوق السجانة..تعرّف على الأسعار    لماذا شنت تركيا عملية في سوريا؟    البرهان يغادر الى روسيا بالثلاثاء وبوتين بشيد بالعلاقات مع إفريقيا    مشار يغادر جوبا دون اتفاق بشأن المسائل العالقة    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    رئيس وزراء السودان: الحكومة الانتقالية تواجه عقبات وعوائق (متعمدة)    مُتطرف يقتحم جناح محمود محمد طه بمعرض الكتاب الدولي ويُمزق الكتب    حديقة العشاق- توفيق صالح جبريل والكابلي .. بقلم: عبدالله الشقليني    كرتلة عائشة الفلاتية: من يكسب الساعة الجوفيال: محمد عبد الله الريح .. بقلم: د. عبدالله علي إبراهيم    استئناف عمليات الملاحة النهرية بين السودان ودولة جنوب السودان    الشرطة: وفاة مواطن تعرض للضرب أثناء التحري    موضي الهاجري .. ذاكرة اليمن الباذخة .. بقلم: عواطف عبداللطيف    جمارك مطار الخرطوم تضبط ذهباً مُهرباً داخل "علبة دواء" وحذاء سيدة    ولاء البوشي تعلن فتح بلاغٍ في نيابة الفساد ضد عدد من المؤسسات    السلامة على الطرق في السودان .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي    وزير الخارجية الألماني: الغزو التركي لشمال سوريا لا يتوافق مع القانون الدولي    موسكو تدعو واشنطن وأنقرة للتعاون لرفع مستوى الأمن في سوريا    الرئيس الإيراني يهاجم السعودية وإسرائيل        واشنطن تفكر بنقل الرؤوس النووية من قاعدة إنجرليك التركية    إضراب لتجار نيالا بسبب الضرائب    السعودية تطرق أبواب قطاع النفط والكهرباء بالسودان    ابرز عناوين الصحف الرياضية المحلية الصادرة اليوم الاثنين 21 أكتوبر 2019م    مؤتمر صحفي مهم للجنة المنتخبات ظهر الْيَوْم    طبيب المريخ : كشفنا خالي من الإصابات باستثناء الغربال    عبد العزيز بركة ساكن : معرض الخرطوم للكتاب… هل من جديد؟    تاور: الولاة العسكريون عبروا بالبلاد لبر الأمان    "السيادي" يدعو للصبر على الحكومة الانتقالية    تدوين بلاغات في تجاوزات بالمدينة الرياضية    أنا و الوتد و الحمار .. بقلم: د. عمر بادي    لا هلال ولا مريخ ولا منتخب يستحق .. بقلم: كمال الهِدي    "ستموت فى العشرين" يشارك في أيام "قرطاج"    من الإصدارات الجديدة في معرض الخرطوم: كتاب الترابي والصوفية في السودان:    هيئة علماء "الفسوة"! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    قتلى في تشيلي والاحتجاجات تتحدى الطوارئ    محاكمة البشير.. ما خفي أعظم    مهران ماهر : البرنامج الإسعافي للحكومة الانتقالية (منكر) ويجب مقاومته    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    في ضرورة تفعيل آليات مكافحه الغلاء .. بقلم: د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    مصادر: توقف بث قناة (الشروق) على نايل سات    وفاة وإصابة (50) في حادث مروري جنوب الأبيض    وفاة 21 شخصاً وجرح 29 في حادث مروري جنوب الأبيض    حجي جابر يفوز بجائزة كتارا للرواية    إصابات ب"حمى الوادي المتصدع"في نهر النيل    لجان مقاومة: وفاة 8 أشخاص بحمى الشيكونغونيا بكسلا    بيان هام من قوات الدعم السريع يوضح أسباب ودواعى تواجدها في الولايات والخرطوم حتى الان    ايقاف المذيعة...!        استهداف 80 ألفاً بالتحصين ضد الكوليرا بالنيل الأزرق    حملة للتطعيم ضد الحمى الصفراء بالشمالية بالثلاثاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لا بديل من الثورات العربية
نشر في حريات يوم 19 - 08 - 2011

عندما وصلت شرارة ثورات الشعوب العربية إلى سوريا صار، في نظر البعض، ما كان مقبولاً ومأمولاً من قبل في غير بلد، مرفوضاً الآن في البلد الجار والشقيق، وأصبح حراك الشعب موصوفاً بالمؤامرة والعبثية والخيانة والمس بالاستقرار وبمصير الشرق الأوسط ومقاومته وموازينه الاستراتيجية! إضافة إلى تهافت كل هذه المزاعم، لعب بعض الكتبة والإعلاميين على وتر الخوف المتأصل في نفوس الشعوب العربية من الفتنة الطائفية ومن الفوضى. أي أن مدّعي التنوير اليوم، والتثوير في الأمس، لم يأنفوا أن يلعبوا دور المؤسسة الدينية في عهود الانحطاط حين أمرت بطاعة الحاكم مهما بلغ بطشه وظلمه واستبداده!
يطالب هؤلاء بمعرفة البديل مسبقاً، ويشترطون على الشعب شروطهم، وينصّبون أنفسهم قضاة عليه، ويبدو من كونهم يكتفون بالاشتراط بدل المساهمة ممارسة وفكراً في إيجاد البديل وتصويب المطروح أنهم في حقيقة الأمر يحاولون دفع الحشود إلى العودة إلى خنوعها وذلّتها، إلى أن يرضوا هم لها خروجاً ولن يرضوا، وأنهم يرفضون الاحتفاء بشجاعتها وسلميتها وبكسرها حواجز الخوف والتشرذم وبإيمانها بأنها قادرة على صناعة غدها، وهو ما تثبته كل يوم بأروع الصور.
ما يكشفه اشتراط البديل
يرفض هذا البعض ممن يدّعي القيام بمهام التحليل السياسي الخطابَ الأخلاقي الذي يضعهم أمام خيار الوقوف إلى جانب الشعب أو السلطة، القتيل أو القاتل، المطالب بالحرية أو المستبد، بدعوى أن السياسة أمر والأخلاق أمر آخر، ويتذرعون بعقبات تقنية وبمعادلات اقليمية واستراتيجية تحول دون تنفيذ وقف اطلاق النار على المتظاهرين، وتمنع الجيوش من العودة إلى ثكنها والدبابات من توجيه مدافعها إلى عدوها بدل شعبها. والحق إن الموقف الأخلاقي اليوم، مع الشعوب في سوريا وليبيا والبحرين كما في مصر وتونس واليمن والعراق وفلسطين، هو بالضبط موقف سياسي، شأنه شأن الموقف الرافض للخيار الأخلاقي والمتذرع بخزعبلات تكتيكية. فأن يقف المرء إلى صف من يُقتلون لأجل تحرر الشعوب، هو أن يكون مع انهاء الاستبداد القائم الذي أوصل العرب إلى أحط دركات المهانة والضعف والهوان والشقاق سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً وحضارياً. وأن يكون مع بقاء الأنظمة والحكّام، خوفاً من المستقبل المجهول، يساوي الحرص على زرع بذور فتنةٍ أعرض وحربٍ أهليةٍ أشدّ وتخلفٍ أدهى. فالمطالبة بالعثور على بديل من الأنظمة القائمة قبل أن تبدأ الشعوب حراكها، بدعوى الذعر من الفتنة والفوضى والأصولية، موقف يغفل عن مسؤولية الأنظمة القائمة عن إيجاد بذور الحساسيات الطائفية والجماعات الأصولية، ورعايتها، وتقويضها أبنية المجتمع القادرة على تجديد نخبها وتحسين أداء مؤسساتها بشكل سلمي ومدني. إطالة عمر الاستبداد لا تعني سوى المزيد من الرعاية لفوضى مقبلة لا تتأخر أنظمتنا عن اتخاذها ذريعة للاستمرار في بطشها، في دائرة مغلقة رهيبة. كما أن التنديد بإتيان الحشود المسالمة في الأصل لتجاوزات وأعمال عنف، وحتى أعمال قتل، يجوز أن يكون مقبولاً وأن يصير نقداً بنّاءً يصوّب مسار هذا الحراك (وإن كان “محاكمة لجرائم الفجر الذي ينبلج”، بحسب ما كتب فيكتور هوغو) متى بدأ برفض قمع السلطة الوحشي واستخدام الجيوش ضد متظاهرين في شوارع المدن، فالغرضية وحدها تبرر أن يرى المرء القذى في عين خصمه ولا يرى الخشبة في عينه، وأن يتباكى على قلة وإن كان قتلها مداناً من دون أي تردد متناسياً آلاف القتلى والمفقودين والمعتقلين!
كما أن افتراض الحاجة إلى البديل، فضلاً عن تطلّب الكمال فيه، يشيان بغياب الحس التاريخي والمعرفة بتاريخ الثورات الشعبية في العالم، ويكشفان ميلاً ذاتياً إلى العبودية الطوعية، تحت مسميات الطليعة الثورية أو الحزب القائد، وإلى عبادة الأشخاص في آخر الأمر، وينمّان عن خوف شديد من قوى الشعب إذا ما تحرر. فالواقع أن الثورات الشعبية الواسعة في العالم، بخلاف الانقلابات العسكرية أو الحزبية، كانت دوماً تتحرك وفق سيرورة متواصلة ومتغيرة: هل سمع أحد في مطلع أيام الثورة الفرنسية بأيٍّ ممن سيصيرون قيادات الثورة؟ وهل يعرف أحد اليوم قيادات الثورة المصرية أو التونسية ممن سيبرزون غداً؟ تلك الثورة التي غيّرت وجه العالم ووضعت مفاهيم “عصر الأنوار” في لوائح مكتوبة اقتبستها نصف شعوب الأرض؟ بل كم من مرة تغيّرت هذه القيادات في سنوات الثورة التي لم تجر في يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة، بل في عقد ونيف من الزمن تخللتها حروب أهلية وأوروبية وارهاب الدولة أيضاً، إلى أن وضعت مقاليدها في يد الامبراطور نابوليون الأول، مفتتحاً مرحلة جديدة من تقلبات السلطة الفرنسية التي لم تثبت على ديموقراطيتها إلى حين إقامة الجمهورية الثالثة! لم يكن البديل جاهزاً وناجزاً يوم ابتدأ المحامون والمهندسون والأطباء بنصب أنفسهم “جمعية وطنية” في وجه النبلاء والكنيسة، مطالبين بإلغاء امتيازات هؤلاء، مثلما أنه لم يكن برنامج الثورة واضحاً يوم تفاوضت هذه الجمعية مع الملك الذي كان لا يزال حاكماً، بعد عامين على الهجوم على الباستيل، على منحه حق الفيتو على بعض القرارات، ولا كان أكيداً ذلك النظام البديل المطروح يوم قطع رأس لويس السادس عشر! لكن ما جعل هذه الثورة الفرنسية معلماً في تاريخ العالم هو كونها انتهت إلى أن تصير نظاماً جديداً تتوزع فيه السياسة والسيادة والثروة على قطاعات أوسع، وفقاً لمعايير مختلفة جذراً عن النظام القديم القائم على الإرث وحقوق الدم والإسم. في هذا المعنى تتكرر الثورة الفرنسية وتتكرس ويتم احياء وهج الثورات في كل مرة يرى المرء تكراراً لحركة شعب مقموع يتخلى عن حذره وخوفه، ويتعلم من أخطاء الثورات الأخرى بأن يضبط ميول العنف فيه بقيود سلمية التحرك، ويقرر المغامرة بحياته وأمن يومه لأنه رأى في الأفق حلماً بمستقبل أزهى يشارك في صنعه وتقرير مصيره فيه. ألم تكن هذه أسباباً جعلت صدى الثورة في تونس ومصر، وقبلهما الانتفاضة الفلسطينية الأولى، يشمل مشارق الأرض ومغاربها؟
الواقع أيضاً إن المطالبة بالبديل الآن، فيما ثورات الشعوب العربية لا تزال في أول ربيعها ولم تنضج ثمارها بعد، تنبع من تشرب عميق لدى بعض الكتبة والإعلاميين للمفهوم اللينيني للثورة، الذي يتطلب محترفي ثورات وتمردٍ وحزباً طليعياً حديدي التنظيم يُجري انقلابه على النظام القائم بالقوة ويقود الشعب إلى المستقبل المرسوم في برامجه الحزبية. البحث عن البديل هو بحث عن النخبة الأقلوية التي يبزغ من بينها القائد الأمل الصارم الحاسم المهيأ، إما بسبب الأقدار وإما بفضل عبقرية الأفكار المؤسسة للحزب، لأن يغير وجه الأمة. أي إن المطالبة بالبديل الفوري للاستبداد القائم هي في حقيقة الأمر، وعلى افتراض حسن النيات، سعي إلى استبدال طغمة حاكمة بنخبة ضئيلة العدد مهيأة للاستيلاء على السلطة بقيادة فرد لن يتوانى عن فرض صورته على الدولة والبلد! وهل يعكس كل ذلك اقتناعاً سوى أن الشعب خطير إذا ما تحرر، وأن هنالك حاجة إلى من يضمن ألا تنطلق قواه كيفما شاء وألا يفكّ قيده إلا لينتقل إلى قيد جديد، لأنه قد يفاجئنا بما لا نعلم وقد لا نحب إذا ما كان له القرار حقاً؟
هل يجوز، في مثل هذه الأحوال الثورية، أن نتذرع، صادقين أو كاذبين، بالخوف من المجهول كي نبقى في الظلم الذي نعرفه؟ أليس هذا في الأصل جهلاً بمعنى الثورة وتجاهلاً للضرورة التي أتت بها وللسيرورة التي تنظمها؟
ضرورة الثورات لخلق التغيير وإقامة البديل
تتقدم البشرية بفضل ثوراتها على الأوضاع والمفاهيم الموروثة، بفضل ثورات علمية وصناعية وفكرية وتقنية وجنسية واتصالاتية وطبية. إلا أنها أيضاً تتقدم على المستوى السياسي بفضل ثورات الحرية سواء ضد المستعمر والمحتل أو ضد المستبد. فالثورة، التي تنطلق غالباً من مطالب بسيطة يفاقمها تراكمها وإزمانها وعجز الطبقة الحاكمة عن ايجاد الحلول لها فضلاً عن عجزها عن بناء شرعية لحكمها، هي حدث أكيد، غير أن أحداً لا يستطيع التنبؤ به مسبقاً. وفي تعريف الحدث في الفلسفة الحديثة، إنه ما يُخرج سير الزمن عن ايقاعه الرتيب الذاتي إلى احتمالات المفاجأة واللامسبوق. الثورة التي تنطلق بادئ بدءٍ من رفض ظلم موضعي، تتجذر، كما رأينا في الثورات العربية كلها، وتصبح أكثر راديكالية كلما تصلّب الحكّام في وجهها ولجأوا إلى القمع المحض، فتفتح احتمالات المستقبل على مصراعيها، وهي ليست جميعها وردية في طبيعة الحال، إلا أن خروج ضعفاء الشعب في وجه آلات القمع المسلحة يعني أن السكوت على الوضع القائم بات مستحيلاً وأن صرخة الحرية أصبحت أقوى من نداء الخوف وغريزة الحذر، وهو دليل كافٍ على فداحة الوضع التي تحدو بالشعب إلى ركوب مركب المجازفة أملاً بالمستقبل.
في صدد احتمالات الآتي، ينبغي دوماً التذكير بأن مسؤولية الدماء هي دوماً في عنق الحاكم المسلح حتى الأنياب والمحيط نفسه بفرق عسكرية يحكمها الإخوة والأبناء والأصهار، أما مسؤولية المستقبل فهي في يد الشعب الأعزل إلا من اصراره وشجاعته. وإذ يتخوف البعض من تفكك الدولة وتقسيمها أو من حكم الأصولية الإسلامية، فإن عليه أولاً أن يتساءل عما فعلته الأنظمة القائمة بالنسيج الاجتماعي في هذه الدول على مر عقود من الزمن. أي إن كان استمرارها عشرات السنين يجعل احتمال التفكك والتقسيم قائماً، فما سيؤدي إليه استمرارها عقداً آخر إن لم يكن إلى حروب أهلية متطاولة وإلى جعل احتمال التقسيم أكيداً؟ وإن كان خطر الأصولية الإسلامية ماثلاً، فإن على المرء أيضاً أن يتنبه إلى ان القمع العنيف الذي تعرضت له الحركة الإسلامية في الدول العربية هو ما جعلها على هذا القدر من الراديكالية فضلاً عن أن افراغ الأنظمة للحياة السياسية هو ما جعل الدين الهامش الوحيد للاعتراض عليها. بعبارة أخرى، تظل الأصولية خطراً على المجتمع ما دامت تمثل حقاً، وهو ما لا ينكره إلا مكابر، شريحة كبيرة منه وقد سدّت أمامها أفق العمل السياسي واستبدلت بالإعدامات والمعتقلات. إن خروج الحركات الإسلامية إلى النور وانخراطها في عمل سياسي علني ومباح وفي حوارات ونقاشات سياسية ومنافسة اجتماعية مع الحركات غير الدينية في المجتمع، هو الشرط الشارط للخلاص من الأصولية خطراً وتحويلها طرفاً سياسياً منضبطاً في إطار الحياة السياسية، بانتصاراتها وهزائمها، على غرار الديموقراطية المسيحية أو الإسلام التركي. وتلوح تباشير مثل هذا التحول في مصر وتونس، حيث ينتشر وعي جماهيري بأن “الإخوان المسلمين” حزب سياسي، يخطئ ويصيب ويناور، وليسوا حملة الكلمة الالهية، ووعي لدى هذه الجماعة أيضاً بضرورة القبول بمبادئ الانتخابات الديموقراطية وتداول السلطة والإذعان لمتطلبات القوانين الوضعية. وعلى الحركات العلمانية والليبيرالية قبول التنافس في هذا المضمار، فلم تثبت التجربة أن أياً من الأنظمة الحاكمة رعى حركتها أو تفاعل مع مطالبها. من هذا التنافس ستولد حياة سياسية جديدة وحيوية.
لقد قامت الأنظمة العربية ، على مر عشرات السنين، بإفراغ الحياة السياسية من كل معارض محتمل، قتلاً وسحلاً ونفياً، ومن أي نقاش فعلي حول حكمها وخياراتها، مثلما سدّت أفق التطور الإجتماعي أمام شرائح واسعة من شعبها، مجيّرةً منافع السلطة والثروة الوطنية إلى فئات قليلة مقرّبة من المافيا القابعة في رأس السلطة وحوله. فبات من الجليّ أن احتمال انتاج البدلاء وصناعة المعارضة محكوم أولاً بالثورة على هذا الوضع، لا العكس، وبات واضحاً إن البدلاء (مع الإصرار على الجمع) سيخرجون من لهب هذه الثورات تحديداً ومن خلال الشرعية التي ستضفيها عليهم، وسيكتسبون شيئاً فشيئاً مهارات التنظيم الاجتماعي والتحرك السياسي. من خلال المشي، يتعلم الطفل السير، ومن خلال العمل السياسي (الممنوع قبل الثورة) يتعلم صنّاع الثورة أن يصبحوا سياسيين، مسلحين بشرعية أخلاقية أعلى بما لا يقاس من الأنظمة القائمة. وما يتبدى بقوة من سيرورة الثورات العربية حتى الآن أنها، خلافاً للانقلابات العسكرية السابقة، حبلى بالتعددية والكثرة، ما تكشفه دوماً مبادرات التنسيق ولجانه الكثيرة.
كما كتب أحد المدونين المصريين، الناشطين بقوة في ميدان التحرير، فإن الثورة خيال يطارد الواقع ويتفوق عليه في الشارع. انتصار الخيال والجرأة والشجاعة والذكاء في تطوير أساليب العمل الشعبي ضد النظام، هذه هي أدوات الثورة وعلامات نجاحها. أما التسوية السياسية وقبول محاولات الحاكم لشراء شرائح الثورة بالتنازلات فأمر يقرره المتظاهرون، لا المنظّرون، وشرطه الأول أن يتنازل الحاكم عن خطته الأمنية وأن يسمح بالتظاهر الحر من دون أن يتعرض الناس لنيران المسلحين والبلطجية والشبيحة والمرتزقة والجيوش، وبعدها يصبح التفاوض معه ممكناً. إن بقاء الشعوب العربية في الشارع اليوم هو الضمان الوحيد لها كي لا يتم اعتقال ناشطيها من بيوتهم واخفاؤهم إلى الأبد، والضمان الوحيد لأن يتحقق شيء من وعود الحاكم. وهي، في الشوارع والميادين، تتعلم المواطنية، ففي سوريا كما في مصر وتونس، نظف المتظاهرون ساحات تجمعاتهم حين لم يجبرهم الرصاص على اخلائها! وهي الآن تتعلم التضامن ما بين مختلف مكوّنات الشعب، مسيحيين ومسلمين، أبناء عواصم وأبناء الأطراف، أكراداً وعرباً، مثلما تتعلم أيضاً أن التحرر لا يتجزأ، فهو تحرر المرأة التي خرجت إلى الشوارع مستحقة لدورها في العمل الوطني، وهو تحرر الجموع من الخوف ومن الذل، وهو تحرر طاقات الشعب الإبداعية في الفن والسخرية والكتابة. أياً تكن المدة التي قد يتشبث فيها الحاكم بكرسيه، هذه الدروس لن تنسى، وهي أسباب كافية للاحتفاء بالثورات وللثقة بأنها تحد من أخطار المجازفات التي تنطوي عليها كل ثورة بأكثر مما تحدّ الأنظمة القائمة من أخطار الفتن الطائفية والعنف الأعمى!
دور لبنان اليوم
في ظل الاستقطاب السياسي في لبنان اليوم، وقلق طرفي المشهد السياسي مما يحصل في سوريا، لأسباب متناقضة، يبدو مستحيلاً اتخاذ موقف ذي معنى إلى جانب الشعب السوري. وقد ظهر ذلك بوضوح في اللاموقف اللبناني في مجلس الأمن، بالرغم من أن البيان كان منزوع الأسنان كلياً. هل يعفي ذلك الصحافة والإعلام اللبنانيين من المسؤولية، وهل من دور للبنان كوطن في ما يجري اليوم في العالم العربي وفي سوريا على وجه الخصوص؟
يعلم أي متابع للشأن السوري أن كل مثقفي المعارضة السوريين كتبوا وتحصلوا على متابعة معقولة وإمكان للنقاش والحوار على صفحات الصحف اللبنانية، بدءاً من “النهار” بملحقها وصفحاتها وبفضل شهيديها ومسؤوليها الذين أدركوا أن حرية لبنان من حرية سوريا، وأن مستقبل المنطقة مرهون بتحرر شعوبها لا بمواقف أنظمتها، وأدركوا أن تطوير المعارضة السورية لأفكارها، من خلال النقاش والكتابة، هو ما يحمي العمق السوري من فوضى شبيهة بما عاشه العراق.
الكلام اليوم، كما قال المعارض السوري التاريخي رياض الترك، لمن يواجهون بصدورهم العارية دبابات الجيوش وطيرانها، إلا أن المستقبل لن يكون قاتماً لأن المفكرين السوريين بدأوا مبكراً بطرح الأفكار والاقتراحات. أفكارهم، التي كان لها صدى ضئيل في السابق، باتت تملك الآن الفرصة لتتداول على صعيد أوسع. من يتابع بيانات التنسيقيات التي تقود الثورة السورية في الشارع، يدرك أنها تقرأ نتاج هؤلاء المفكرين وتتحاور معهم، وان التفاعلات ما بين هذه الرؤى هي التي ستحدد المستقبل. على الإعلام اللبناني اليوم أن يخرج على صمت السياسيين لكي يشكل المساحة التي تتيح لهذا الحوار أن يستكمل ولهذه البذور أن تنمو، حرصاً على سوريا وحرصاً على لبنان وعلى أن يكون له دور حقيقي في مستقبل المنطقة.
قال ثوري اسباني بعد انتصار فرنكو: “لقد خسرنا كل المعارك، ولكن كانت لنا أجمل الأغنيات”! ذلك إن الثورة الشعبية، حتى وإن نجح القمع في اخمادها موقتاً، كما حصل في بلدان أخرى، تظل تترك أثراً عميقاً في وجدان الشعوب، تعبّر عنه بالأغنيات والفنون. أليس لافتاً أن الأغنية السورية الوحيدة التي وصل صداها إلى الدول العربية الأخرى في العقود الثلاثة الأخيرة حملها صوت ابرهيم قاشوش الأجش وحنجرته الخشنة التي يتواصل أثرها في الناس بعدما تم اقتلاعها؟ ستتواصل الأغاني وقد تتزايد المآسي، إلا أن الشعب هو الوحيد الذي يبقى إلى الأبد، أما الطغيان والاستبداد فإلى زوال قريب. ألم يقل أراغون: “لسنا وحدنا في العالم من يغنّي والمأساة لقاء الأغنيات/ المأساة أن ندرك أننا نؤدي ما علينا وحتى إذا ما سكت الصوت/ فاعلموا أن الكورس العميق يظل دوماً يكمل الجملة المبتورة”؟
نقلاً عن النهار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.