شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المبادرة … أو الفسوق !
نشر في حريات يوم 31 - 01 - 2012


بسم الله الرحمن الرحيم..
ياسر بامسيكا..
من طبيعة التغيير المنشود، ان يكون معبرا عن تطلعات الشعوب، بصورة امينة، غير مشوشة بقذى الخوف من البديل، و ليس مطلوبا منه استهلاك طاقته الابتدائية فى ممحاكات التبرير لجدواه او توقيته او ما يبدو من تعدد مشارب القوى المنخرطة فيه، فكل ذلك معلوم للقاصى و الدانى، و اى محاولة لاعادة اكتشاف عجلة حق غير متطابقى الرؤى، فى الدخول فى أحلاف الفضول العديدة، هى مجرد عملية اعادة، لانتاج ما يعطل التغيير المنشود، ويمثل تجاوزها اولى خطوات الانفكاك مما يفرق الشعوب، سعيا الى ما من شأنه اقتلاع الحقوق الطبيعية، و لا يعقل – و الحال كذلك- التقوقع فى مربع لعن الظلام و التوهم بسرمديته و انتفاء جدوى محاولة تبديده، ما لم تسطع الشمس!، متناسين أن سرمدية الظلام مجرد وهم يغذيه الخوف من اشعال الشموع. وفى الجانب الآخر من معادلة التدافع، تضغط الأنظمة القمعية باتجاه التكريس، للإعتقاد بتوقف حركة التاريخ عندهم، و عبثية محاولة حياكة شكل مختلف عما قسمه الله للناس! و هو شأن له خبراؤه –كل فيما تخصص فيه- و ضاربو طبوله، فى هذه الأنظمة.
تعمل الأنظمة القمعية منذ أن تستولى على السلطة ، بصورة محمومة على استغلال ما يمكن تسميته بالتفكير الاستاتيكى الذى تتميز به مجتمعاتنا المحلية، و هو ضرب من التفكير تشبه بنيته أعراض شلل الاطفال، فالانطلاق من البدايات، المتمثلة فى تطلعات التغيير نحو احترام كرامة المواطنين و حقهم فى التعبير عن المطالبة بحقوقهم” و هو شيئ لا يختلف عليه مواطنان”، يقفز فوق ضرورة المراكمة التدريجية المتأنية لخطوات التغيير – بما فى ذلك نشر الوعى بالتغيير و جدواه- مباشرة الى النتائج الحالمة المتجاوزة لامراض الوضع القائم ، و أعراض حمى البدايات للوضع الجديد فى آن واحد.
و لهذا تكون النتيجة الحتمية للفشل فى “تقدير موضع الخطو”هو الوقوع منذ اللحظة الاولى. و يقابل ذلك موضوعيا، سيادة اليأس، التقوقع فى مربع اللافعل، و الاكتفاء بلعن الظلام، فضلا عن ان الأنظمة القائمة تغذى هذا النوع من التفكير ، عبر التشكيك فى جدوى البدائل و جعل ذلك من قبيل إتيان المستحيل، إضافة الى تنميط اعراض حمى الديقراطيات السابقة، و الطرق المتلاحق بمطرقة الادعاء بانصرافيتها و خمولها، دون ترك أى فرصة للتدبر، و إمعان النظر لاستخلاص الدروس، و التى من أهمها ان حرمان الديمقراطيات من الزمن اللازم لعمل ديناميكياتها و آليات توازنها و امكانيات التصحيح الذاتى الثاوية فى بنيتها، كان هو السبب الذى أصابها بالشلل، وجعلها لقمة سهلة لأولى هجمات الشمولية عليها، بل و الانتكاسة لمرحلة توهم الشعوب بعدم جدوى التغيير.
هذا ما كان من أمر ما لا يجدى إلا استبطانه، جعله هاديا، و المثابرة فى تعميم مفهومه و تجذيره فى مجتمعاتنا، بيد أن مجرد الايمان بجدوى التغيير غير كاف لتحقيقه، إذ لابد أن يستكمل ذلك بالبحث المستمر فى تطوير سبل معالجة العوامل المساعدة لصنع التغيير، و تطويعها بالقراءة المستجدة لمفاهيمنا حول هذه العوامل.
و من شأن ما سبق – استبطان التغيير كضرورة يمكن تحقيقها و رفد عوامل نجاحه - قيادتنا إلى الوعى بالعلامات الفارقة، و التى من شأن التركيز عليها و المثابرة فى استغلال ديناميكياتها، النجاح فى الدفع المستدام لعجلة التغيير، و تتمثل هذه العلامات الفارقة فى :-
1/ الانحياز لتجذير الوعى دون سرعة التغيير
بحيث تستكمل الخطوات التفصيلية لحدوث التغيير، الفترة الكافية لتجذر اسباب فعاليتها فى المجتمع، دونما حرق للمراحل، فكل مرحلة تحرق، تدق اسفينا فى عافية الخطوات اللاحقة، و تقلل من نوعية الوعى المطلوب فى اوساط الشعوب كميا و نوعيا، فالكم يقل بتوفير حرق المراحل لنقاط ضعف فى الوعى بحتمية استصحاب الجميع فى التغيير المنشود، و النوعية يعتريها الضعف بتزايد احتمالات تضعضع الاستدامة، كلما تقدمنا خطوات باتجاه المراحل الاكثر حسما.
2/ الدخول الى ميدان الترويج للحرية بأسلحة اكثر مضاءة
فبنفس القوة التى تحيط بها الأنظمة لمفهوم الحرية، بظلال سالبة، من قبيل الادعاء بكونها نظيرا للفوضى و الانحلال و المطالب العبثية و عدم القدرة على الالتزام، ينبغى انتاج خطاب متماسك، يربط الحرية بتعابير ايجابية تحوز على احترام كل انسان سوى حر، يذكر الجماهير بأن الحرية ليست صرعة صبيانية، بل هى قيمة فضلى من القيم العليا، حثت على المطالبة بها كل الاديان السماوية، بل ان الحرمان منها يؤدى الى سيادة كل المثالب الماثلة اليوم، و التى يعانى منها شعوبنا، من تضييق فى المعاش و تهميش للرأى واقصاء من شئون الحكم و معاملة هى من قبيل معاملة القُصر، و بهذا فان الرهان هو احداث تغيير فى بنية تفكير الجماهير تجاه الصورة المرسومة، بتشويه متعمد لمفهوم الحرية، بجعلها الضامن الوحيد – و لا شيئ غيره – لحدوث التغيير و لجدواه و لاستدامة جدواه، فبدون الحرية لن يكون هناك ضمان لاشتراك الجميع فى صياغة المستقبل، والذى يتضمن بالضرورة ” حق أهل البلاد فى تحديد الطريقة التى يتم عبرها اختيار من يحكمهم و ماذا يحدد اسلوب ادارة معايش الناس و ما الضمان لصون الحق فى الصدع بما هو ضرورى لضمان الحياة الحرة الكريمة” .
لقد كان الإسلام دعوة صريحة واضحة للحرية الإنسانية بمفهومها الشمولي، فشهادة : (أن لا إله إلا الله) نفي صريح لكل أنواع العبودية لغير الله عز وجل :{ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابا من دون الله}[آل عمران: 64] فالناس جميعًا، متساوون في إنسانيتهم وحريتهم، ولا عبودية إلا لله، ولا سيادة لأحد على أحد وإنما السيد هو الله وحده، فهو الذي يستحق الخضوع والطاعة وحده، وقد كرم الله الإنسان فقال :{ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء: 70] وجعل الإنسان خليفته في الأرض :{إني جاعل في الأرض خليفة}[البقرة: 30] .
كما أكد النبي (ص) هذا المعنى في أحاديث كثيرة كما في قوله (السيد الله تبارك وتعالى) ( رواه أحمد وأبو داوود بسند صحيح لبيان أن السيادة المطلقة هي لله، والبشر جميعًا إخوة، لا سيادة لأحد منهم على أحد .
فإن للأمة الحق في اختيار السلطة، ومشاركتها الرأي، وحق عزلها، و نقدها وتقويمها والاعتراض على سياستها، فالحرية السياسية إحدى الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي الإسلامي، وقد تجلت الحرية في أوضح صورها في حياة النبي وعهد الخلفاء الراشدين – رضي الله عنهم – وقد أرسى القرآن مبدأ :{لا إكراه في الدين}[البقرة: 256] فإذا كان الله عز وجل لا يكره عباده على الإيمان به وطاعته، فكيف يتصور أن يكره عباده على الخضوع والطاعة كرهًا لغيره سبحانه ، وهذا معنى كلمة(لا إله إلا الله)، فإن الله وحده هو الذي له الألوهية، ثم الخلق بعد ذلك بشر لا طاعة لأحد على أحد إلا بما كان في طاعة لله عز وجل . ولم يأت أمر من الله بطاعة غيره إلا تبعا لطاعته سبحانه ، بل لقد نهى عن كل طاعة تخالف أمره وجعلها شركا حيث يقول (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ويقول صلى الله عليه وسلم(لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة بالمعروف) رواه البخاري ، ومسلم .
وقال(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) رواه أحمد بإسناد صحيح ، ليؤكد بذلك أن حق السلطة بالطاعة إنما هو منوط بما كان معروفًا أنه طاعة لله، وبهذا سبق الإسلام جميع القوانين في تقييد حق السلطة في الطاعة، وأنها ليست طاعة مطلقة، ولا طاعة لذات السلطة، وأن السلطة تفقد حق الطاعة عندما تأمر بالمنكر أو الظلم، بل ويجب التصدي لها وتقويمها كما قال(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه...) رواه مسلم،وقال(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه) رواه أحمدوهو صحيح ، وقال(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه أحمدوهوصحيح .
وقال أيضًا( سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ؛ فقتله) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وهوكما قال ، وقال(إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم–فقد تودع منها) رواه أحمد وقال الهيثمي (رجاله رجال الصحيح) .وقال (لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) رواه الحاكم وقال : (صحيح الإسناد) وهوكما قال .والأطر هو الرد والثني ، إلى غير ذلك من النصوص العظيمة .
كذلك فإن السلطة مسئولة عن تصرفاتها من قبل الأمة كما جاء في الحديث ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته) رواه البخاري ومسلم .
فالله وحده الذي{لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون}[الأنبياء: 23] أما من سواه فكلهم مسئول عن فعله .
هذا الحق الواضح الجلي لا خلاف بين تيارات الإصلاح حوله ، بل هو أصل أصولهم ، وقد اتفق عليه عقلاء العالم ، وتواضع عليه البشر وجعلوه مفتاح حلول المشاكل كلها…!!
فإن وجدت الحريات وعلى رأسها الحرية السياسية المؤطرة بالشريعة كان للناس من العطاء والإبداع ، والسكينة والسلام ، ما لا يعلمه إلا الله وحده سبحانه.
إن على حركات الإصلاح والإحياء والنهضة أن تدرك ذلك مليا ، وتسعى إليه بدأب وجد حتى تحققه ،
3/ تجاوز حتمية الاستهلال بالاجماع، بتوهمه شرطا ضروريا للبداية العملية للتغيير
فالاستهلال بحسب ذلك هو انخراط غير واعى فى تعديد نقاط الاختلاف، وهو بالتالى تركيز على الثانوى فى مقابل الاساسى، و ذلك خطر بالغ الفتك، لا لقوة كامنة فيه، بل لوقوعه فى زمن لا يزال التغيير فيه وليدا غضا، لم يكتسب بعد قوة مقاومة ظروف البيئة الملوثة التى ولد فيها، فهى تكتم انفاسه قبل اطلاقه لصرخة الميلاد، و تلوث اولى جرعات الحياة التى ترسل اليه بقوة دفع ارادة التغيير الكامنة فى المجتمع الام، فتصيبه بالشلل، ان سلم من الموت.
يخبرنا التاريخ بأن صلح الحديبية و الذى كان سببا فى نجاح باهر للدعوة الاسلامية و دخول الناس فى دين الله افواجا حتى ترجحت كفة المسلمين، ما كان له ان يتم لو أن المسلمين التزموا المماحكة فى تثبيت ما يعتقدون بحتميته (استهلال الوثيقة بالبسملة) فى مقابل انكار قريش لما يتأسس عليه ذلك المطلب، فهذا سهيل بن عمرو مندوب قريش فى “لجنة صياغة” صلح الحديبية يقول “:” لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم” فكتبها سيدناعلي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو” فقال سهيل :” لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيلا بن عمرو”، وبذلك قدر الله لهم تجاوز تللك المحطة فى سبيل الوصول للاتفاق، الذى قيض الله به انتشار الدعوة الاسلامية بين قبائل العرب، حتى أفحمت كثرة المسلمين عند دخول الرسول (ص) لمكة كل مشرك، و لم تعد هناك اى فرصة لمقاومة تلك الجحافل الجرارة، و لعل تواضع الرسول (ص) فى ذللك اليوم حين دخوله مكة و طأطأته لرأسه الشريف خاضعا لله، هو مقابل موضوعى للتعبير عن الشكر على النصر الذى تم بفضل ما لم يكن هناك اجماع عليه حينئذ، بل رأى البعض فيه ذلا و مهانة … فتأمل.
ولكل ما سبق، نقول بان تجاوز الرأى القائل بحتمية الاجماع منذ البداية و جعله مهرا لاستهلال التغيير، هو الوسيلة المثلى لملء اشرعة التغيير و المدخل لعمل ديناميات الوحدة من اجل هدف واحد، تلك الديناميات الكامنة فى متن المخيال الجمعى لشعوبنا، و التى لايقدح شرارتها شيئ مثل توجيه الناس للهدف المشترك، و ترك ما دونه، و ان توهم البعض ان فى تأجيله تقليلا من شأنهم، فسيعلمون بعد حين، ان ذلك هو الكفيل الوحيد لقطف الجميع لثمار التغيير فى آن واحد.
ولان الأنظمة السائدة مطلعة على هذه الثغرة فى بنية العمل العام، فهى تحرص أشد الحرص على استغلالها، بل و تبتكر الخبيث من السبل من اجل الحيلولة دون الوعى بها من قبل الجماهير، فتدبج المقالات الطوال عن “اجتماع المتعوس بخايب الرجا” و بضرب الطبول لاعلان “اصطفاف قوى الشر للقضاء على مكتسبات الامة”، و ماذا قال فلان قبلا عن علان؟ و بماذا ردّ علان على زعم فلان!!!
و كل ذلك هو من قبيل النفث و العقد الشيطانى، الذى تتوسل به هذه الأنظمة الى ديمومة النوم عن داعى الفلاح، الذى لا يراد له ان يسمع، ناهيك ان يلبى، و ان يشتت صداه فلا يبين له اثر، اما ان فشل هذا المسعى، و خرج سهم الثورة من قوسه بالبشارات، و تسطير اقدار الانعتاق، فلا يبقى للوحش الذى يزداد ارتعاد فرائصه سوى محاولة اختطاف الخطفة الاولى، قبل ان ترسل عليه شهب التغيير ، فهو يعلم تمام العلم بان تجاوز الشعب لحمى البدايات، و نجاحه فى المداراة على شمعة التحرك، كفيل بتحقيق النصر و لو بعد حين، و لذلك يسارع بالانقضاض عليها بكل وحشية، مثله مثل اللص الذى ترعبه حركة الطفل الوليد فى مرقده، و يقود ذلك لقمع صغير الاحتجاجات بكل وحشية و دموية، و فض التظاهرات باستعمال مفرط للقوة، و ما كل ذلك الا لان الهلع يصيب اطرافه، بان التغيير فى طريقه لتجاوز صرخة الميلاد، و التى يكفل خروجها تدشين نقطة اللا عودة لسيطرته على محددات صيرورة اقدار الناس.
4/ التأصيل لتضامن مختلفى الاتجاهات الفكرية باعتباره نوعا من احلاف الفضول التى حض الدين عليها
وحلف الفضول هو حلف شارك فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو في سن العشرين (جنبا الى جنب مع غيره من المشركين)، وكان من أمر هذه الهيئة الإصلاحية؛ أن تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان، لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول [ انظر : ابن هشام : 1/134،135].
قال ابن كثير :
وكان حلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب.
وكان سببه أن رجلاً غريبًا قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الغريبُ أهل الفضل في مكة ، فخذله فريق، ونصره الآخر، ثم كان من أمرهم ما ذكرناه، وقد وتحالفوا في ذى القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة، وعلى التأسى في المعاش.ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه مال الغريب، فدفعوها إليه .
وتظل مهمة تغيير الأنظمة الفاسدة أو المستبدة، منوطة بالشعوب، فالشعوب – بكل اطيافها – عليها التحرك فى تكوين احلاف فضولها من اجل رفع الظلم عن نفسها، و الا تحملت تبعة السكوت عن جور الجائرين وظلم الظالمين، الذين تسلقوا إلى سدة الحكم بغير حق، فأظهروا في الأرض الفساد، عند ذلك قال الله عن الشعب المطيع لسلاطين الجور – في قصة فرعون – :
“فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ” [الزخرف54]..
فوصف الشعب الذي خذل أهل الحق – إذ لم يبادر بالرد على الاستخفاف – وساند أئمة الباطل، بالفسوق !
الخرطوم، 29.09.2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.