توقعات بتأجيل الحوار حول الوثيقة الدستورية للأسبوع المقبل    تركيا تزيد منحة العلاج المجاني للسودان    سياسيون :موقف الشيوعي من الاتفاق وصمة عار فى جبين الحزب    حرب الطائرات المسيّرة في سماء الخليج... الرواية الإيرانية عن 3 مواجهات    سلامة الرعايا السودانيين باليونان من زلزال أثينا    ستة آلاف و700 طالب وطالبة يجلسون لامتحانات "المعادلة"    توزيع مواد إيوائية وغذائية لمتضرري السيول بالكومة    الدولار الأمريكي يستقر أمام الدينار عند 303ر0    أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه اليوم الأحد    البحر الأحمر تدشن خط مياه توقف لسبع سنوات    التونسي شهاب الدين بن فرج يتوشج بالازرق    وفد الاتحاد العربي يصل صباح اليوم لتوقيع عقد مشاركة قمة السودان عربيا    الأندية السودانية تترقب اليوم سحب قرعة دوري الابطال والكونفدرالية    دعوة لعقد شراكة بين الجمعيات التعاونية والبنوك    توقيع مذكرة تعاون اقتصادي بين باكستان وفرنسا    مقتل شرطي وإصابة شرطيين ومواطن في اشتباكات بالقضارف    ورشة حول صناعة العرض السينمائي    سلامة الرعايا السودانيين باليونان من زلزال أثينا    القمةتوقع على المشاركة في البطولة العربية الخميس    جنوب كردفان تدشن الكرة النسوية    موفق يدعو لاتاحة المنصات للمادحين الشباب    الخرطوم تتوج بكأس بطولة الجمهورية للتايكندو    "الصناعة" تشرع في مراجعة المؤسسات والاتحادات التعاونية    ترامب يسمح لوسطاء وأصدقاء بالتفاوض مع إيران    الحوثيون يعلنون شن هجمات على قاعدة الملك خالد السعودية    كابتن أمين زكي.. الكرة والفن تحتفيان بالتنوع الذي تقاومه السياسة .. بقلم: ياسر عرمان    الشاعر عالم عباس و حرب البسوس الشعرية .. بقلم: عبد الله الشقليني    فتاة تسدد (9) طعنات الي حبيبها بعد زواجه    أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه اليوم السبت    والي الجزيرة يقف على أداء الإذاعة والتلفزيون    السفير عبدالله: السودانيون باثينا بخير    يوروستات:ارتفاع متوسط معدل الدين العام بمنطقة اليورو    النفط يرتفع بعد تدمير طائرة مسيرة إيرانية    وردة الصباح .. بقلم: مأمون الباقر    منع المذيعة ...!    تفاصيل قضية سيدة وقفت (شماعة)    تحسن نظام حفظ وتعبئة المواد الغذائية    عودة ملكية مصنع البصل بكسلا لحكومة الولاية    خبير إستراتيجي    الدعم السريع تضبط وقود ودقيق مهرب بولاية الخرطوم    أسعار خراف الأضاحي 6 آلاف إلى 8.5 آلاف جنيه    استقرار جرام الذهب بأسواق الخرطوم    خبراء: إعلاء شأن الثقافة والفنون يحقق الأمن والاستقرار    50 طبيباً يشاركون في فصل توأم ملتصق    البحث في قاع الذاكرة .. بقلم: الطيب الزين    شرطة القضارف تسترد عدداً من المسروقات    النيابة تتحرى في 20 بلاغاً ضد جهات مختلفة بمطار الخرطوم    معاناة الأطفال من القلق والوسواس يدفعهم للانتحار    افتتاح مركز أم روابة لغسيل وجراحة الكلى    "الدعم السريع" تضبط خلية لتزوير العملة    توقيف تشكيل إجرامي بحوزته مسروقات بمليون جنيه    دراسة مثيرة.. أكل الحشرات "يحميك" من أحد أخطر أمراض العصر!    انخفاض بمعدل الثلث في وفيات الأيدز    الاستفتاء الشعبي كأسلوب ديموقراطى لحل الخلافات السياسية: نحو ديمقراطيه مباشرة .. بقلم: د. صبري محمد خليل    حزب التحرير يطالب بتسليمه السلطةلإقامةالخلافةالراشدة    الرويبضة الطيب مصطفى: الإقصاء في الإسلام .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ماذا تعلّمنا وأين نحن؟ .. بقلم: د. عبد المنعم عبد الباقي علي    العلمانية والأسئلة البسيطة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نماذج من أشكال الخطاب حول الحداثة في السياق العربي الإسلامي..بقلم : د. جمال الدين بن عبد الجليل
نشر في حريات يوم 06 - 02 - 2012


د. جمال الدين بن عبد الجليل..
باحث / فيينا النمسا
يقدم د. الزواوي بغورة، أستاذ الفلسفة بجامعة منتوري بقسطنطينة، المشروع العلمي والفكري للمفكر الجزائري محمد أركون، والأستاذ السابق لتاريخ الفكر الإسلامي بالسوربون، على أنه “مشروع حداثة وتحديث في الوقت نفسه. حداثة لأنه يستخدم منجزات الحداثة الغربية وخاصة على مستوى المناهج وطرائق البحث والتحليل، وتحديث للفكر العربي الإسلامي بعد كل ما عرفه من ضعف وانحطاط. ولقد أطلق أركون على مشروعه العلمي اسم (الإسلاميات التطبيقية) في مقابل الإسلاميات الكلاسيكية، وذلك من أجل نقد العقل الإسلامي في مختلف أشكاله.
يبرز اسم محمد أركون إذن في ساحة الفكر العربي المعاصر بشكل قلق ومثير للجدل؛ بوصفه أحد أصحاب المشاريع الفكرية ذات الهاجس النقدي، التي تروم تقديم قراءات جديدة للتراث الإسلامي بنصوصه المختلفة، إلى جانب أسماء كثيرة كمحمد عابد الجابري، وحسن حنفي، وهشام جعيط، وعبد الله العروي وطيب تيزيني، وغيرهم.. وتتشكل الملامح الكبرى لمشروعه الفكري داخل مايسميه: “الإسلاميات التطبيقية”، والتي تهدف إلى إحداث قطيعة جذرية مع الدراسات الإسلامية التقليدية التي تطبعها الرؤية السكونية؛ بحيث لم تستطع الارتقاء إلى مستوى التجاوب مع أسئلة العقل النقدي، وذلك بالاعتماد على مجموعة من المناهج والأدوات المنتجة في إطار التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية في الغرب، وخصوصاً المنهج (التفكيكي الحفري) بمفهومه الفوكوي (نسبة إلى ميشال فوكو) كأساس للقراءة النقدية للتراث.
فماذا يقصد أركون بالإسلاميات التطبيقية مقارنة بالإسلاميات التقليدية؟ وما هو مفهومه للعقل الإسلامي؟ وما هو منهجه في دراسة مسائل التراث والحداثة وما يرتبط بها؟ سنحاول إذن من خلال هذا العرض الموجز الإجابة عن هذه الأسئلة إجمالاً وتوضحيها قدر ما يسمح به المجال.
تتكون “الإسلاميات التطبيقية” حسب أركون، من ممارسات علمية متعددة الاختصاصات بقصد بحث موضوعها من جميع الجوانب وتتلخص أهم مهامها في قضيتين أساسيتين. دراسة التراث من ناحية ودراسة الحجداثة من ناحية أخرى، حيث أن أركون يرى “أن الحالة الراهنة للبلدان العربية والإسلامية تتميز بنقص في التمثل أو الدمج ما بين موقف ماضوي همه المطالبة بالأصالة العربية الإسلامية، ثم الانفتاح على الحداثة المادية المنقطعة عن الحداثة الثقافية” . ويقدم أركون الإسلاميات التطبيقية كمقابل للإسلاميات الكلاسيكية التي يعتبرها مرادفاً للاستشراق الذي يعني عنده “خطاباً غربياً حول الإسلام”، حيث تنحصر اهتمامات هذا الخطاب وممارساته في دراسة كتابات الفقهاء الكلاسيكية، وحيث يتميز الإسلام المدروس من خلالها ب”الامتياز المعترف به ضمنياً، للتضامن العنيد ما بين الدولة والكتابة والثقافة الأكاديمية ثم الدين الرسمي”
يرى محمد أركون أنه من الحيوي بالنسبة إلى الإسلام المعاصر أن يستبدل استغلال الماضي إيديولوجياً (أي التراث أو الإرث الثقافي والديني للإسلام) بتعقل واستيعاب دقيقين لما يقدمه الفكر الحديث من مقدمات وآليات منهجية علمية، في التعاطي مع الأسئلة الصارة والمطروحة على هذا الماضي في صيرورة تعقلية له دون تحميله قدسية تعيق صيرورة التعقل هذه. ومن ثم كذلك إدراك تمفصلات منظومة الميتافيزيقيا الإسلامية في تشكلها وبناها. إدراكاً يتجاوز التلقينية التسليمية، ويتيح المجال للمقارنة والمراجعة والنقد ضمن سياق أفق تأسسها التاريخي. فرغبة العديد من المسلمين في استدراك ما فات من خذلان تاريخي أصاب الأمة، ومن أجل دعم هذا الطموح المسكوني، يقع الاكتفاء باستراتيجية سياسية وبالعودة إلى الوعد الإلهي وإلى الإشكالات التي يثيرها اللاهوتيون والمناقشون الكلاسيكيون وإلى الأمجاد المتراكمة في الماضي وإلى استكمال العقيدة الإسلامية. هذا التصرف الشائع جداً يبعد عن الهدف، حسب رأي أركون، لأنه يكرس عزلة الفكر الإسلامي بالنسبة إلى الفكر العلمي القائم، حيث أن جغرافية الإدريسي ليست مثل جغرافيتنا، وكيمياء جابر بن حيان ليست كيمياءنا، وطب ابن سينا وابن النفيس وفلسفة ابن رشد …الخ، لم يعد له علائق ضرورية بما عندنا. والنظريات النحوية عند ابن جنيّ وأناسه، وسيكولوجية الغزالي ما تزال ذات أهمية تاريخية فقط، وأخطر من ذلك أن فكرة الحقيقة الدينية لم تعد تفرض نفسها بنفس الإجماع ونفس القوة الضاغطة كما كان الحال في الإسلام الكلاسيكي. فالتعامل الإسقاطي مع مجموع البنى المعرفية والمفاهيمية المنتجة ضمن سياق التاريخ العربي الإسلامي يسئ إلى عملية فهمنا وتحديد علاقتنا بهذا التاريخ من جهة أخرى. لا يقصد أركون طبعاً التخلي عن نتاجات الفكر العربي الإسلامي وتجاهلها وعدم الإلتفات إليها. وإنما يدعو إلى تفهمها بما هي نتاج معبّر في الآن نفسه عن السياق التاريخي وعن البنى العقلية والاجتماعية التي انتجت فيها.
ينطلق أركون إذن، من منظور نقدي قائم كما يتبين على تصور معين للتراث الإسلامي ونتاجه الفكري، فمشروعه يرمي إلى “إعادة كتابة جديدة لكل تاريخ الفكر الإسلامي والعربي” . والمقصد الأساسي لهذه العملية هو تتبع المساحات الخفية التي ظلت بعيدة عن مجال النقد والتفكير، وكل ما يدخل ضمن دائرة “اللا مفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه”، حيث يقول: “إن معظم الأسئلة التي ينبغي طرحها على التراث تدخل في دائرة “اللا مفكر فيه” أو “المستحيل التفكير فيه”. هذا يعني أن السؤال المطروح ليس هو: ماهي الأشياء والموضوعات التي فكر فيها الفكر العربي الإسلامي، وهل فكر بشكل جدي وصحيح أم لا؟ وإنما هو؛ ماهي الأشياء التي لم يفكر فيها حتى الآن؟ وماهي الموضوعات التي لم يطرقها؟”. أي أن سلطة الهاجس النقدي بمفهومه الشمولي هي التي تؤسس مفاهيم الخطاب الأركوني وتصوغ طروحاته في شكل أسئلة لا تقدم لها غالباً إجابات واضحة ومحددة. لذلك تبدو النزعة القلقة والإشكالية والرغبة في اختراق وإبراز المسكوت عنه والمغيب والممنوع سمة واضحة في التناول الأركوني، حيث يطالب بصراحة بأنه ينبغي للتراث الكلي أن يتعرض لتفحص أركيولوجي صبور وعميق من أجل العثور على أجزائه المجهضة والمستبعدة والمحتقرة، وإعادة كتابة تاريخها أو تركيبها إذا أمكن، وليس فقط من أجل التركيز على صيغه الثابتة أو اتجاهاته الراسخة المرتبطة إلى حد كبير بالدولة الرسمية والدين الرسمي. فهو يعمل على “خرق الممنوعات وانتهاك المحرمات” التي “أقصت كل الأسئلة التي كانت قد طرحت في المرحلة الأولية والبدائية للإسلام، ثم سكرت وأغلقت عليها” .
لعله من خلال مثال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد المتوفي في 595م ه / 1198م، تتبدى بعض ملامح صورة هذه الأطروحة أكثر جلاء، حيث يرى أركون أن مكانة ابن رشد ودوره في تكوين الفكر الإسلامي أمر يكتسي درجة بالغة من الأهمية، حيث أنه كسائر المفكرين جمع بين العلوم النقلية والعقلية، حيث كان مجال الفكر في هذا الإطار الإسلامي والعربي واسعاً جداً، واختلاف التيارات العديدة في مواقفها تجاه قضية المعرفة يعتبر الأساس والمنطلق الذي الذي تترتب عليه المواقف تجاه الظاهرة الدينية في فهمها وتفسيرها وتطبيقاتها في الحياة الاجتماعية. والسؤال ماذا حصل لابن رشد بعد وفاته؟ ماذا حصل لفكره ومؤلفاته؟
لقد هاجمه الفقهاء حتى في حياته ورفضوا كتبه وجعلوا من ابن رشد فيلسوفاً فقط، ونسوا أنه كان قاضي القضاة وله كتب في الاجتهاد الفقهي الإسلامي المالكي. نسوا هذا الجانب وألحوا فقط أنه مارس الفلسفة ومال إليها، إلى حد لم تقبله ذهنية الفقهاء آنذاك. إذن هذا المفكر، هذا الرجل المسلم صادره النسيان … لذا علينا أن نؤرخ للنسيان وليس فقط لما بقي لدينا ونقرأه. ماذا يعني النسيان؟ إنه يدل على صراع اجتماعي داخل المجتمع، والصراع هذا ليس طبقياً كما شهدناه مع الشيوعية، بل هو صراع حول الأفكار، حول المواقف العقلية إزاء قضية المعرفة. وهو صراع مهم جداً لأنه يؤثر ويقرر مصير العقل والمعرفة. لذلك ينبغي أن نهتم بالأسباب الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي جعلت المجتمعات الإسلامية العربية تهمش الفلسفة عامة، ثم تزيلها من المجال الفكري الإسلامي، حتى أمسينا نهتم فقط بما ورثناه في العلوم النقلية الدينية (التقليد)، وأهملنا الجانب الآخر إلى يومنا هذا. الفلسفة في القرون الوسطى لم تكن تعني فقط التفكير الفلسفي، بل تعني التفكير العلمي بصفة عامة، وقد شملت مؤلفات أرسطو كل العلوم وليس الميتافيزيقا أو المنطق أو علم الأخلاق فحسب. إذن التفكير الفلسفي هو الذي جعل الفكر في نطاق الحكم الإسلامي في القرون الوسطى والعهد الكلاسيكي يتقدم على النحو الذي تقدم فيه ويكتشف أشياء علمية.. إذن ثمة نقطة مهمة هي النسيان .. أن تقاوم وأن نؤرخ له لا كمؤرخين فحسب بل كسوسيولوجيا، وهذا فرع من التاريخ، فالتاريخ يفرض علينا ايدولوجيا الكفاح. لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بإعطاء جوانب الكفاح كل الأهمية وننسى البحث والنقد” .
والتراث المطلوب البحث فيه وتناوله بمنهج حفري نقدي هو عند أركون مجموعة متراكمة ومتلاحقة من العصور والحقب الزمنية، حيث أنه هذه القرون الممتدة متراكمة بعضها فوق البعض الآخر كطبقات الأرض الجيولوجية أو الأركيولوجية. وللتوصل إلى الطبقات العميقة أي القرون التأسيسية الأولى والوسطى، لا بد لمؤرخ الفكر كما يقول فوكو أن يكون أركيولوجي الفكر. إذن فالتراث حسب هذه الرؤية هو بنية تراكمية تشكلت عبر أجيال متلاحقة، وتتكون من مزيج من المعارف المتداخلة مما يقتضي قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية.
يحرص أركون في قراءته النقدية على إبراز الطابع المنهجي، أكثر من حرصه الوقوف على نتائج وخلاصات نهائية، وهو يعبر عن ذلك صراحة ولا يخفيه، حيث يقول: “سوف أكتفي بالتنصيص على بعض المبادئ الحادة والقاطعة بهدف إثارة الاعتراضات والتحفظات، ومن ثم التفكير والمناقشة النقدية، أكثر مما تهدف إلى تقديم نتائج وإجابات جاهزة” . فمنهج أركون في دراسته للفكر الإسلامي وتراثه وإن كان في شكله العام منهجاً حفرياً تفكيكياً، إلاّ أنه يوظف مجموعة من الأدوات ويستخدم جملة من المناهج تعبر في مجملها عما أنتجه الفكر المعاصر وما ابتكره العقل الغربي. وهو يؤكد باستمرار على ضرورة التسلح بالأدوات المنهجية التي تبلورت منذ خمسينات القرن العشرين في مجال العلوم الإنسانية بشتى فروعها من التاريخ واللسانيات والأنثربولوجيا وعلم النفس بجميع مدارسه وعلم الأديان المقارن والسيمولوجيا ثم الابستمولوجيا والفلسفة. فخطاب أركون مسكون بهاجس التغيير والرغبة في تجديد آليات الفكر الإسلامي، وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة، حيث يقول: “ينبغي علينا إعادة تشكيل علم الربوبية وعلم ثيولوجيا الوحي وعلم ثيولوجيا التاريخ وثيولوجيا الأخلاق وفلسفة القانون.. الخ ولكي ننجز كل هذا العمل بشكل مرض نحتاج أولاً إلى تشكيل علم لسانيات حديث للغة عربية، وتشكيل نظرية متماسكة للتأويل وتشكيل علم سيميائيات الخطاب الديني، ثم تشكيل نظرية للرمز واثربولوجيا سياسية، مع نظرية متكاملة عن المشروعية العليا والسلطات التنفيذية والديالكتيك الذي يربط بينهما. كل هذا نحتاجه وكل هذا لا يزال ينقصنا في الساحة الإسلامية وفي الناحية العربية. وهذا يشكل بحد ذاته برنامجاً ضخماً لمن يريد أن يعيد التفكير في الإسلام بالمعنى الجذري الاستراتيجي للكلمة” .
وفي تناوله لتمظهرات العقل الإسلامي وتركيبته الداخلية وكيفية نشأته وطرائق اشتغاله في التاريخ والمجتمع من خلال دراسته التحليلية لرسالة الشافعي، خلص أركون إلى أن العقل الإسلامي الكلاسيكي تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة، ثم تحول فيما بعد إلى عقل إسلامي أرثوذكسي صلب ومغلق على ذاته . وينتهي أركون من ذلك إلى أن الفكر العربي الإسلامي لا يمكنه الانفتاح على العقلانية الحديثة بشكل فعلي ودائم وناجح إلاّ بتفكيك مفهوم “الدوغمائية” و”الأرثوذكسية” الخاصين بتراثه هو بالذات. وما دام المؤمن سجين نظام الإيمان الدوغمائي، وما دام الإيمان الأرثوذكسي سجين المقولات الميثولوجية القروسطية، وغير قادر على فتح كوة أو ثغرة على الخارج، أي على العقلانية العلمية والفكر التاريخي، فسوف يبقى مراوحاً بمكانه. وهكذا فإن هذه الممايزة بين شكلين من أشكال المعرفة التي يتقاطع فيها الأسطوري بالعقلاني بطريقة تنافسية، يسوغ أي انزياح نقدي في اتجاه تحطيم أحد الشكلين لصالح الآخر، وما دام أن العقلانية تبقى هي الخيار الوحيد أمام الفكر الإسلامي لتحقيق انطلاقته، فلا بديل سوى تحطيم أساسيات المعرفة الأسطورية داخل بنيته وتنقيته منها.
يسعى أركون من خلال عرضه لثوابت ومحددات العقل الإسلامي التي تشكلت منها بنية النظام المعرفي داخل بناء الثقافة الإسلامية، إلى تحديد خصائص هذه الأخيرة من خلال إبراز مجموعة الثنائيات المتضادة التي تقوم عليها: الأسطورة / التاريخ، الإيمان / الكفر، العقل / الوحي، التعالي / التاريخية.. وذلك من أجل إعطاء تفسير لما يسببه “الإبستيمي الإسلامي”، وأساس هذا التحديد رفض الطابع التقديسي، ومن ثم تجاوزه بوصفه خطاباً ومنظومة قيم، إضافة إلى تقديم تصور جديد للعلاقة بين المنظومات الفكرية التي تشكلت تاريخياً داخله. فأركون لا يميز بين السنة والشيعة رغم ما بينهما من اختلاف، لأنهما بكل بساطة يستخدمان نفس المبادئ والقواعد والآليات، أي أنهما يعتمدان نفس النظام المعرفي ونفس العقلية الدوغمائية ونفس المفهوم الأحادي للحقيقة، ونفس استراتيجية الرفض التي تبديها كل فرقة إزاء الأخرى .
وإذا كانت المشكلة مع التراث عند أركون، أنه لا توجد حدود واضحة بين “الميثوس واللوغوس” فمن الطبيعي أن تتوجه إرادته في تفكيك هذا التراث إلى محاولة كشف هذه الحدود، انطلاقاً من إعادة إنتاج آليات نقدية تستجيب للتطورات المعرفية التي يشهدها هذا العصر، يكون هدفها الأساسي هو تحرير العقل الإسلامي من الأساطير التي تشوبه. ويبقى هذا الهاجس التحريري طاغياً على التصور العام للمشرووع الأركوني باعتباره “استراتيجية معرفية للفتح والتحرير” أي “فتح العقليات المغلقة وتحريرها” لذلك لا يتواني ولا يفتر محمد أركون عن التبشير باليوم الذي تنتصر فيه الحداثة الفكرية، حيث يتم الخروج من الحالة الثبوتية التي وصل إليها الإسلام بعد تحوله إلى أرثوذكسية، أي “من طاقة تغييرية انبثاقية إلى تصور ثابت وثبوتي للحقيقة”.
ويعمد أركون إلى اختراع مصطلح الأنسنة وهو يميز بين الأنسنة والنزعة الإنسانية، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه يمكن التمييز بين نمطين من النزعة الإنسانية: الأولى ذات المحتوى الديني، وتقوم محوريتها على (الله)، وهي تحترم الإنسان وترفع شأنه بمقدار ما يطيع الأوامر الإلهية ويتقيد بالشعائر والطقوس، وهناك النزعة الإنسانية ذات المحتوى الفلسفي، وهي تعطي الإنسان حرية كاملة انطلاقاً من كونه إنساناً فقط والاعتقاد باستقلاليته عن القدرة الفوقية. يدافع أركون عن الأنسنة المحضة المتحررة من المرجعيات الدينية واللاهوتية والأيديولوجية، أنسنة متمركزة على مسؤولية الإنسان عما يقول به ويقرره ويقتاد به، داخل النطاق السياسي الديمقراطي، وتحت رعاية دولة الحق والقانون، إنسانية أكثر حرمة وقداسة من المبادئ والأفكار التي تحولت إلى سجون وجدران تحجبه عن الحقيقة، وتحول دون الاتصال الفعال والحوار مع الآخر. إن الفكر الحديث الذي أفرز العديد من النزعات الإنسانية واللاإنسانية بنفس الوقت، يظل مركزياً اوروبياً، إلى حد بعيد، وهو موجه باستمرار باتجاه الهيمنة والاستغلال ويقوم على التمييز العنصري ضد الآخر الممثل بالعالم الثالث المتخلف الذي يحتل مساحة واسعة من العالم (آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية)، إن هذا الفكر مسؤول عن العديد من الممارسات اللاأخلاقية في القرنين الماضيين (الاستعمار، تجارة الرقيق، اغتصاب فلسطين، حرب فيتنام، حصار العراق..)، والعولمة الجارية حالياً لا تفرض نفسها كتجاوز تاريخي للحداثة بقدر ما تفرض نفسها في أبعادها السلطوية والاقتصادية. لقد فرضت العولمة أبعاداً جديدة يجب الالتفات إليها، فذلك يفرض الانتقال من مرحلة الدولة القومية المدافعة عن الأنانيات القومية المقدسة، إلى مرحلة العولمة الشاملة بما تعنيه من انفتاح العالم كله على الفضاءات الواسعة والموسعة للمواطنة، ويتطلب ذلك مراجعات ضعبة وقاسية للقيم المحلية وللتراثات الدينية العتيقة والتراثات الفئوية والقومية. ويفسر ذلك الانقسامات والمواجهات العنيفة والصاخبة والمغامرات التي تقدم عليها الأمم والمجتمعات.
ويؤكد أركون أن تنشيط قضية الأنسنة أصبح أمراً ضرورياً وملحاً داخل السياقات العربية والإسلامية، ويعمل في سياق توضيح هذه القضية على تفكيك الخطاب الأسلاموي المعاصر من الداخل، وهو خطاب لا يقل تبجحاً وغروراً وحباً للتسلط من الخطاب الغربي. إن التحليل التفكيكي للخطاب الإسلاموي المعاصر، يظهر لنا شيئاً ينبغي الالتفات إلى أهمية الدور الذي يؤديه، وهو تلك العلاقة الثلاثية المترابطة، (العنف التقديس الحقيقة). إن اهمال البعد التاريخي للنصوص، والتركيز على الأسطوري يعمل على تقليص البعد الإنساني في الإسلام، وتحويله إلى إطار شمولي لا يعترف بالاختلاف، فالخطاب الإسلاموي المعاصر يقوم على إهدار البعد التاريخي، والجاهلية تحولت من مرحلة تاريخية إلى موقف فكري قابل للتكرار وفق نظرية الحاكمية والخضوع لحكم الله النصوص مقابل حكم البشر، ناسياً أن النصوص لا تستغنى عن البشر، ولا تفصح بدلالتها ومعانيها. والسلطة الوحيدة القادرة على ذلك والمحتكرة لحق الفهم والتأويل هي رجال الدين طبعاً، مما يؤدي لتشكيل بنية معينة يمكن نعتها بالكهنوت وهذا يناقض ظاهر مبدأ الحاكمية التي تعني بحياة الإنسان ومصيره، كما يحاول البعض تقديمه. فالإسلام الأصولي المعاصر يعمل كقوة معارضة، ورفض تاريخي في وجه القوى التي تحسم مصير الحداثة وتوجهاتها، ولكنه يعاني من البطالة والجمود في نفس الوقت، فنحن الآن نعيش مرحلة انتقال تاريخية، أي الانتقال من مرحلة الدولة القومية مع انحرافاتها المعروفة باتجاه العولمة الشاملة، والانفتاح على فضائات واسعة تتجاوز الحدود والحوائج، ولكي نتخلص من هذا الجمود علينا التخلص من برامج التعليم المتخلفة والمؤدلجة أكثر من اللازم، والتي تحوي على أحكام مسبقة عديدة، إذ أن مرحلة التنوير هذه قد حصلت في أوروبا من حوالي قرنين، وهي لا تزال تنتظر أن تحصل في عالمنا العربي والإسلامي، والمسلمون لن يستطيعوا إلى الأبد تحاشي المهمة العسيرة التالية والتي يعتبرها أركون حتمية، وهي تحليل النصوص التأسيسية على ضوء العلم المعاصر، بل وتفكيكها من الداخل بكل منهجية وأمانة علمية. يدعو الموقف الإنساني إلى التمييز الدقيق بين السمات الخاصة للظاهرة الدينية المحضة وبين الوظائف الأخرى المحددة لها في جميع الأديان. وهذا يؤدي إلى تصور معين للدين، ويبدأ ذلك بإعادة تحديد وتعريف النصوص التأسيسية، حيث يفرق أركون هنا في مفهوم النص بين القرآن والحديث وبين الخطابات المتفرعة عنها كالفقه والتشريع والتفسير.. وهذا التمييز مفيد ومهم حسب أركون من أجل القيام بتأويل إنساني أو فلسفي للنصوص. ويرى أركون أن الإصلاح يبدأ بإعادة المناظرات والحوارات بمشاركة كل الناس وتوفير وسائل التربية الإنسانية ومناهجها وبرامجها وفرض التثقيف والتفاعل المبدع مع جميع الثقافات الأخرى وفنونها، دون تفضيل ثقافة رسمية أو عزل ثقافات شعبية شفاهية، فعندما يفرض العنف نفسه حلاً وحيداً وأخيراً، فإن الموقف الإنساني يتبخر ويصبح زهيداً لا أهمية له، لأنه يتموضع عندئذ غصباً عنه داخل منظور الأمد الطويل، مفضلاً المراهنة على العمل التربوي والتثقيفي الصبور.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل وجد في العالم العربي والإسلامي “أنسنة” مشابهة لتلك التي ظهرت في عصر النهضة الأوروبية؟ متى وكيف انبثق الموقف الإنساني في السياق الإسلامي؟ وفي أي الأوساط الاجتماعية انبثق؟ ولماذا وكيف تراجعت هذه النزعة الإنسانية حتى انقرضت أخيراً في المجتمعات الإسلامية المعاصرة؟
يطرح محمد أركون هذه التساؤلات ويسعى لتقديم إجابة عنها في مؤلف له يحمل عنوان: “الإسلام والأنسنة.. معارك من أجل الأنسنة في السياق الإسلامي”، حيث يشير فيه إلى أهم المراجع والدراسات التي تناولت هذه القضية، وهي في أبرزها: كتاب “نهضة الإسلام” لآدم ميتز وهو مستشرق ألماني، وقد صدر الكتاب عام 1922م وترجم إلى العربية عام 1967م تحت عنوان “الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري: عصر النهضة في الإسلام” وكتاب جورج مقدسي “سيطرة الفلسفة الإنسانية في فترة الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي، مع ذكر خاص للسكولاستيكية أو المدرسانية التكرارية”. وقد صدر عن جامعة أدنبرا عام 1990م، وكتاب روا موتاهيدي “الولاء والزعامة في المجتمع الإسلامي الأولي”، وقد صدر عام 1980م، وكتاب أندريه ميكيل “الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي حتى منتصف القرن الحادي عشر”، وصدرت الطبعة الثانية منه في باريس عام 1976م، وكتاب جويل كريمر “دور الفلسفة الإنسانية في نهضة الإسلام، والانبعاث الثقافي خلال العصر البويهي”، وصدرت الطبعة الثانية منه في باريس عام 1986م. وكتب محمد أركون: “النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي” و”التفكير في الإسلام اليوم”، و”قراءات في القرآن”، و”الإسلام مقاربة نقدية” و”الفكر الأصولي أمام استحالة التأصيل”.
يرى أركون أن بذور القطيعة الابستمولوجية للحداثة، ابتدأت لدى العرب المسلمين في القرنين الثالث والرابع الهجري، ويعتقد أن شخصيات كبرى مثل الجاحظ ومسكويه والتوحيدي والمعري وابن رشد وغيرهم، كانوا تنويريين بقاييس عصرهم. حيث أن مؤلفات التوحيدي المتوفي 414ه وبالذات كتابيه (الهوامل والشوامل الامتاع والمؤانسة) تتخذ أهمية نموذجية على هذا الصعيد، فهي تعبر عن هموم كل الجيل الذي تلا الفارابي وانتهى بابن سينا، فقد صرح التوحيدي بكل وضوح (بأن الإنسان أشكل عليه الإنسان)، والواقع أن كتاباته تشكل مثالاً ساطعاً على تلك النزعة الإنسانية المتمركزة حول الدين، دون أن تتراجع عن البعد العقلاني للإنسان. فجميع مؤلفات التوحيدي تحتوي على صرخة احتجاجية قوية ضد النزعة الإنسانية للمتأدبين والأغنياء أي النزعة المفرغة من مضمونها العملي، والمقتصرة على طبقة واحدة قليلة العدد فهي نزعة إنسانية نخبوية ضيقة.
أما مسكويه فقد كانت حياته جهداً مستمراً من أجل إقامة التوافق بين سلوك، والمبادئ الأخلاقية التي قطعها على نفسه. ويعتقد أركون أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تعاني من قطيعتين: الأولى مع الفترة المبدعة من تراثها، والتي تنتهي بموت ابن رشد، والثانية مع الحداثة الأوروبية المتواصلة منذ القرن السادس عشر حتى الآن. يقدم محمد أركون تصوراً للتراث الإسلامي والحداثة يستحق التوقف عنده وضرورة التأمل فيه من خلال مشروعه الطموح الذي بدأ به منذ ما يزيد عن ربع قرن ومؤلفاته العديدة في نقد العقل العربي الإسلامي بالمعنى الفلسفي لكلمة نقد والقائم على ضرورة تأسيس فضاء مشترك للتضامن الفكري والثقافي للحوار بين القوميات والمذاهب والأديان.
يبقى هذا النموذج الأركوني من أشكال الخطاب المتعاطي مع قضايا وإشكاليات الحداثة ضمن السياق العربي الإسلامي، ذا تشعبات لا يتسع المجال ضمن هذا العرض المختصر لتناولها وتقديمها، إلا أنه يطرح أسئلة وإشكالات على قدر من الأهمية تستدعي مزيداً من الالتفات والتعمق وإعادة الطرح والإشكال عليها طبعاً، غير أن القدر الأدنى المتفق عليه والمنطلق منه هو رفض واسقاط الادعاء القائم على إمكانية اختزال الحداثة في تعريف وتحديد العلاقة بها في مجرد التوقف عند علاقة استعمالية لنتاجاتها التقنية والمادية. فالحداثة منظومة متكاملة متداخلة ومركبة في علاقاتها الداخلية، تمثل الحداثة الثقافية والمعرفية فيها أساساً هاماً وجانباً مهماً تقوم عليه ولا يستقيم بنيانها بدونه، غير أنها تتميز أيضاً بخصوصية تاريخية تحتم وجودها ولا تلغي ضرورتها.
المصادر والهوامش:


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.