الفيضانات شردت 200 إلف طفل بجنوب السودان    استنباط أنواع جديدة من القمح تلائم الأجواء السودانية    "السودانية الإثيوبية" تبحث تأمين الحدود والقوات المشتركة    توافق علي ملء بحيرة سد النهضة خلال 7 سنوات    غندور: لو توفرت أموال قارون للحكومة لن تجاوز التحديات    تحالف المحامين الديمقراطيين: قرار وشيك بحل النقابات    أمجد فريد: المؤسسة العسكرية هي المتهم الأول في فض الاعتصام    اتجاه لرفع دعاوي قضائية ضد المخلوع، غندور وعبدالرحيم حمدي    رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية وتحويله لدعم مالي للفقراء .. بقلم: محمد المعتصم حسين    اتحادنقابات العمال يؤكد دعمه لملف الدين الخارجي    وزير النفط: العمل بحقل بليلة لم يتوقف    البدوي: برنامج (الانتقالية) يركز على الانتقال الى التنمية الاقتصادية الشاملة    مشروعات طاقة روسية بنهر النيل    توتر في حقل نفطي بغرب السودان بعد احتجاجات للأهالي    مشروع الجزيرة : الماضي الزاهر والحاضر البائس والمستقبل المجهول (4) الأخيرة .. بقلم: صلاح الباشا    فانوس ديوجين السودانى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    السودان جمال لم تره من قبل (الخرطوم) .. بقلم: د. طبيب عبد المنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة    السودان يستعيد توازنه برباعية في ساو تومي    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    ذَاتُ البُرُوجِ (مَالِيزِيَا) .. شِعْر: د. خالد عثمان يوسف    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    كلنا أولتراس .. بقلم: كمال الهِدي    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    أميركا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    الحكومة السودانية تعلن دعمها لاستقرار اليمن وترحب باتفاق الرياض    87 ملف تغول على ميادين بالخرطوم أمام القضاء    ترحيب دولي وعربي وخليجي واسع ب"اتفاق الرياض"    البرهان : السودان أطلق أول قمر صناعي لأغراض عسكرية واقتصادية    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    الشرطة تلقي القبض على منفذي جريمة مول الإحسان ببحري    فك طلاسم جريمة "مول الإحسان" والقبض على الجناة    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حوار فلسفي مع الأستاذ الباحث عبد الغني بارة..بقلم : نور الدين علوش
نشر في حريات يوم 26 - 01 - 2012


نور الدين علوش..
تحية طيبة لكم نريد ان نعرف من هو الدكتور عبد الغني بارة؟
أشكر لك بدايةً دعوتك الكريمة لإجراء هذا الحوار، فما أحوجَ ثقافتنا إلى إبدال حواري يمارس فيه الإنسان أدبيات التواصل مع ذاته ومع الآخرين من حوله ضمن فضاء عمومي يرنو إلى الكلّية/ الكونية، ومن ثمّ بلوغ الفضيلة، بما هي سلوك وممارسة يرجو كلّ منّا معانقتها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، أو بالأحرى القول إنّ الإنسان بوصفه ذاتًا/آخر يعمل عبر وسيط اللّغة إلى تشييد كينونته في هذا العالم حوارًا/تساؤلاً/ إنصاتًا، بما هو ذاتٌ للحوار الغيري، المتحوّل عن ذاته كلّ حين، لأنّه ببساطة حوار الغريب للغريب. فهذا العالم هو سكنى الغرباء بامتياز. ف”أنْ تكون ذاتك هو أن تكون غيرَك أنْ تتحوّل تتغيّرعمّا أنت عليه”… هذا بإيجاز هو عبد الغني بارة وقد أضحى آخر، تخليًا/ نسيانًا/ تجاوزًا/ ترحّلاً. أرجو أن تعذرني أخي الفاضل عن هذا التقديم. إذًا، هذا المقَدَّمُ هو “ذات عبد الغني” من منظور هرمينوطيقي/تفكيكي، أو كيف أكتبني/ أعرفني بوصفي موضوعًا/آخر أخرج من رحم اللّغة نطفةً مخلّقةً وغير مخلّقة خلقًا آخرَ. عبد الغني بارة أستاذ مدارس النقد المعاصر بقسم اللّغة والأدب العربي، كلّية الآداب واللّغات جامعة فرحات عبّاس سطيف/ الجزائر، حاصل على ماجستير ودكتوراه في مناهج النقد المعاصر وقضاياه. يهتم بقضايا النقّد والفلسفة والفكر، له مقالات منشورة في مجلاّت عربية محكّمة (مجلة فصول في النقد المصرية، كتابات معاصرة، الموقف الأدبي، آداب عالمية، الفكر العربي المعاصر). شارك في عديد الندوات والمؤتمرات الدولية داخل الجزائر وخارجها، صدر له عن الهيئة المصرية العامّة للكتاب سنة 2005 “إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر مقاربة حوارية”، وعن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف سنة 2008 “الهرمينوطيقا والفلسفة نحو مشروع عقل تأويلي”. يدير مختبر “مناهج النقد المعاصر وقضايا تحليل الخطاب”، ويرأس مشروع بحث في مجال العلوم الإنسانية، تخصّص فلسفة عن”فعل الفهم نحو مشروع فلسفة للفعل”، وله مشاريع تنتظر الطبع منها : “زمانية العشق أو ذاتُ العشق خيانةً”، “في إجرائية الخطاب النقدي وطابعه الكلّي نحو مشروع نقد مفهومي”، “النصّ ودينامية الفهم في هرمينوطيقا الذات”. هذا، ويشرف على مشاريع بحث في الماجستير والدكتوراه في المسار نفسه.
*باعتبارك من الباحثين في الفكر الفلسفي ما هو رأيك في المشاريع الفلسفية المطروحة (الجابري وأركون وطه عبد الرحمن..)؟
إنّ المتأمّل لهذه المشاريع الفكرية يجد نفسه أمام كائنات معرفية بامتياز، أسهمت في تشييد أدبيات التفكير داخل الثقافة العربية الإسلامية الحديثة على نحو كلّي ؛ إذ يتعذّر على أيّ بحث الولوج على عالم هؤلاء بعيدًا عن رؤية كلّية يتقصّى فيها مشاريعهم، باعتبارها حاملةً لفكرة مركزية أو عقد دلالي ناظم يجري إليه المشروع برمته. ولعلّ هذا ما يحمل على القول إنّ هؤلاء المفكرين لمّا يتلقفهم وعيٌ قرائي، ونصوصهم لمّا تُكتب. فالجابري، أو صاحب نقد العقل العربي، قدّم للفكر العربي المعاصر، بوساطة المقاربة الإبستيمولوجية ذات المنحى الفوكوي، رؤيةً كلّيةً لأنظمة العقل التراثي العربي الإسلامي، وهو إنْ جانبَ الصواب مشوّهًا الأصل المرجعي الفوكوي حسب منتقديه(طرابيشي وطه عبد الرحمن)، مبضّعًا العقل العربي إلى عقول ثلاثة : بياني/ برهاني/ عرفاني، منتصرًا للعقل البرهاني، فإنّه، مع ذلك كلّه، أقام دعامات التفكير الإبستيمي، وقدّم بدائل إجرائية جديدة لقراءة وفهم التراث العربي الإسلامي، ليس هذا فحسب، بل إنّ الرجل، من خلال أطروحته، “مدخل إلى القرآن الكريم، وفهم القرآن الحكيم” فتح الأفق مجددًا أمام القارئ لفهم الخطاب القرآني من منظور التاريخية الجديدة. ويكفيه فخرًا أنّ عديد الدارسين والباحثين أُسروا داخل أسوار نصوصه سنوات، حفرًا وتأويلاً، على غرار مقاربة جورج طرابيشي “نقد نقد العقل العربي” التي بقيت ما يقارب الأربع عشرة سنة دون أن تصل إلى القبض على حقيقة مداخل المقاربة الجابرية. أو قل إنّ قصارى ما قام به طرابيشي وغيره هو كتابة نصّ فوق نص الجابري، فهمًا وتأويلاً، وهم مع ذلك لم يدركوا إلاّ ما شاء لهم نصّ الجابري. وهو حال مشروع المفكر الجزائري محمد أركون صاحب “نقد العقل الإسلامي”؛ إذ إنّ مشروعه ما يزال مستعصيًا على الدارسين، نظرًا لتشابك منظومته المفهومية وجهازه المصطلحي، ففي غياب الوعي بهذا التداخل بين التخصصات المعرفية التي يتكئ عليها مشروع أركون يتعذّر على الباحثين الوقوف على مداخل خطابه ففهمه وتأويله بعدئذٍ. ولعلّ ما يتميّز به المشروع الأركوني هو دعوته إلى تأسيس إسلاميات تطبيقية تكون بديلاً عن الإسلاميات الكلاسيكية. هذا، ويستمد هذا الخطاب أصالته وخصوصيته من خلال توسّله بآليات إجرائية متعدّدة الاختصاصات(الأنثروبولوجيا، اللسانيات، السيميائية، التفكيك، الهرمينوطيقا، تاريخ الأديان) في قراءة العقل الديني الإسلامي. فالرجل على مدار ثلاثة عقود من الزمن ظلّ يبحث عن معالم جديدة، متوسّلاً بعدّة إجرائية مغايرة، لفك إسار العقل العربي الإسلامي وإنقاذه من غفوته وسياجه الدوغمائي في آن، فهو مشروع مارس النقد الجذري على نحو كلّي بامتياز، وعمل على إعادة الاعتبار للمشاريع المزاحة التي صادرها أهل زمانها وتنكر لها أهل هذا الزمان، تحاملاً وتجاهلاً. قد يُقال إنّ طموح مشروعه أكبر من يقوم به منفردًا، وهو لا يعدو أن قام بالوقوف على إشكالية العقل الإسلامي من منظور هيكلي عام دون الولوج إلى الجزئيات أو الحفر في جهة بعينها والإحاطة بها من كلّ الجوانب، ولكن حسبه أنّه وضع لمن سيأتي بعده من الأجيال هذه الأسس والمبادئ، عسى أن يتلقفها وعي منهجي يفتح بها مدائن هذا العقل ويشيّد إبداله القرائي المغاير في الفهم والتأويل. أمّا المفكر المغربي طه عبد الرحمن فهو أحد أبرز الدارسين الذين عملوا على تقديم رؤية معاصرة للعقل العربي الإسلامي من داخل العقل نفسه، إيمانًا منه بأنّ الأوائل من علمائنا كانوا يملكون جهازًا مفهوميًا أسعفهم في إقامة دعائم الثقافة العربية الإسلامية بوصفها ثقافة مركزية (أي ثقافة منتِجة للمعرفة)، وهو ما حاول إثباته في “مقدمة في أصول الحوار وعلم الكلام”. وهو، عبر هذا التصوّر الإجرائي، يسعى إلى قراءة مشروع العقل الغربي، نقدًا لأنساقه المعرفية وتبديد أوهامه الميتافيزيقية والدينية ذات المنحى المركزي/ المتعالي. ولعلّ دراساته المتعدّدة في هذا المجال (تجديد المنهج في تقويم التراث، فقه الفلسفة، القول الفلسفي (كتاب المفهوم والتأثيل)، سؤال الأخلاق، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري ، روح الحداثة) أبين دليل على هذا المنحى، فهو يعتقد بأن الثقافة الإسلامية القديمة أقامت رؤيتها للعالم على دعامة الأخلاق، وهو ما يتعيّن علينا فعله لتشييد نموذجنا الحضاري وتجديده لمواجهة تناقضات الحداثة الغربية ومخاطرها علينا. وهذا الإبدال الأخلاقي المعوَّل عليه يعمل بوساطة إجرائية تداولية/حوارية تفعّل العقل وتجعله عمليًا، فعلاً وممارسة. هذا، وعلى الجملة، يمكن القول إنّ مفكرينا، وإنْ اختلفت معاولهم وتباينت آليات التفكير لديهم، فإنّهم سعوا، بما قدّموه، إلى تبديد الأوهام الأسطورية التي علقت بالعقل العربي الإسلامي ردحًا من الزمن، قد لا ندّعي بأننا نقف على أبواب نهضة فكرية، فهذا أمر يعزّ طلبه في الوقت الحالي، بيدَ أنّ هذه المشاريع ستكون، بلا مواربة، صرحًا معرفيًا، يقبل الإضافة والتعديل لمن سيأتي من المفكرين في القرون الموالية، لأنّهم، أي مفكروا عصرنا، أسهموا في تحرير الأجيال من ميتافيزيقا العقل الوثوقي، وفتحوا الباب على مصراعيه أمام نمط جديد من الكتابة الفلسفية…
هناك الكثير من المفكرين العرب يهتمون بفلاسفة الاختلاف. أين موقع فلاسفة الحداثة في المشهد الفلسفي العربي أمثال هابرماس؟
لا ريبَ أنّ الاهتمام بفلاسفة الاختلاف (دريدا، فوكو، دولوز، ليوتار…) نال عناية الباحثين العرب، بيدَ أنّ هذا لم يحجب عنهم الالتفات إلى الفلاسفة الذين نقدوا خطاب فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، ربّما حظي هؤلاء الفلاسفة دون غيرهم بالاهتمام في الساحة عندنا لأنّهم وجهوا نقدًا لاذعًا للمركزية الغربية واهتموا بالآخر/ الشرق/ الهامش، بما هو ذات لا تقلّ قدرًا عن الذات الغربية (بول ريكور: الذات عينها بما هي آخر مسارات الاعتراف)، ومن ثمّ إشاعة فلسفة الاختلاف والغيرية، بل إنّ دريدا في دراساته الأخيرة شدّد، بالإضافة إلى ذلك، على القراءة الحمْلية، بما هي تنزيل للآخر في فضاء الذات، حملاً/ تحمّلاً/ تضحيةً/معرفةً/اعترافًا. هذا، والمتأمل في فلسفة هابرماس، بوصفه أحد أبرز ممثلي النظرية النقدية (مدرسة فرنكفورت) مع زميله كارل أتو آبل، يجد أنّها حاملة لنقد أخلاقي لفلسفة الحداثة وما بعدها، ظنًّا منه أنّ هؤلاء الفلاسفة انزاحوا بالعقل الغربي عن مساره وأدخلوه في غياهب العدمية والتيهان والجنون. وهابرماس، وإنْ كان مناهضًا لهذه الفلسفة (يُنظر كتابه : الخطاب الفلسفي للحداثة)، فإنّه لم يتردّد في إعادة بعث الجدل بين العقل الأداتي واللاعقل عبر ما أسماه بالعقل التواصلي، بما هو صيغة جديدة تتيح للعقلانية الغربية استعادة عافيتها والتواصل والحوار فيما بينها من الداخل، وتكون الإطيقا هي الوسيط أو الفعل الذي يضمن عمل هذا العقل ويخرج به من متاهات العدمية. فالعقل التواصلي، بما هو كذلك، لا يعدو أن يكون عقلاً كلّيًا يسعى إلى تشييد أدبيات التواصل داخل الفضاء العمومي، بحثًا عن إنسان حواري/تواصلي، يقدّر الآخر ويحترمه. فهذه الفلسفة، وإنْ كانت تدعو إلى الحوار/ التواصل/ المثاقفة)، فإنّها تخفي الطابع الكلياني/ الشمولي/ الوثوقي الذي ما فتئت المركزية الغربية تنادي به، متسترة وراء شعارات زائفة (حوار الحضارات، المثاقفة، التواصل) كشف تناقضاتها الفعل أو التطبيق. لكن ما لا يمكن نكرانه أنّ مشروع هذا الفيلسوف يحظى بالاهتمام في المجال الأكاديمي على نحو واسع، ترجمةً وتأليفًا، لأنّه، في تصوّري، وإنْ كان وفيًّا للمركزية الغربية، فإنّه يعمل على إشاعة نموذج أخلاقي كفيل بإعادة توجيه البشرية نحو ما يجمعها، أي المشترك الإنساني، الذي قد يضمن تحقيق ما أسماه كانط من قبل مشروع السلم الدائمة…
* بدأت الانتاجات الفلسفية في الجزائر تزدهر , لماذا تأخرت الكتابات الفلسفية بالجزائر مقارنة بالمغرب وتونس؟
يمكن القول إنّ كلاًّ من المغرب وتونس أدركتا منذ وقت مبكّر ما لقيمة مراكز البحث في إنتاج المعرفة من دور في تشكيل الوعي بالكتابة الفلسفية، وهو ما افتقرت إليه الجزائر من قبل، فالجامعة الجزائرية لم تعنى بمجال العلوم الإنسانية إلاّ في العقدين الأخيرين، ومنها الفلسفة. فطبيعي أن تتأخر الكتابة في هذا المجال. وما هذه النهضة التي تراها اليوم إلاّ ثمرة هذا الاهتمام. والأمر، في الحقيقة، لا يقتصر على الجزائر دون غيرها من البلاد العربية كما يبدو، لأنّ العبرة ليس في التأليف أو النشر بقدر ما تكمن في نوعية الكتاب المقدّم وكذا الغايات التي يرجى تحقيقها فيما بعد. فالفلسفة ردّة مستديمة على الأحادية والوثوقية، وبحث مستمر عن الحقيقة، لا لمعانقتها بل لتكثيرها وتشتيتها حتّى تتوالد وتتناسل وتتعدّد على نحو غيري. فهي، أي الفلسفة، فن الدهشة والشك والتشويش كما يقول فلاسفة الاختلاف. فلا سبيل لخروج الإنسان من التقصير الذي أذنبه في حقّ نفسه من التنوير كما يقول كانط. فهذا، فيما أحسب، هو رهان البحث الفلسفي، أمّا أن نراكم المعرفة، بما هي تاريخ أو سلسلة متلاحقة، بعيدًا عن المنهجية أو الوعي الإجرائي الذي يجعلنا نعيد ترهين الأفكار، فهمًا وتأويلاً، ضمن آفاق توقعنا في الزمن الراهن، زمن الوعي التأويلي، هو ما يجعل هذه الدراسات مجرّدة من أصالتها ومشروعية كينونتها والإسهام في التحوّل والتغيير. فالفلسفة، ستكون في خطر، إذا لم تقدم بديلها من داخل نسقها، أي منطقها الخاص، منطق علوم الفكر، ومن التفكير على نحو مختلف، لأنّها، أي الفلسفة ومعها الفيلسوف مطالبة بتغيير نظرتنا في طريقة التفكير وفضح الأوهام، حتّى لا نكون ضحايا انغلاقنا على ذواتنا وآرائنا النهائية. علينا أن نتعلم فن التخليّ عنّ ذواتنا صدمةً/عنفًا/نسيانًا حتّى نتيح للغريب فينا أن يسرد هويتنا الضائعة، بما هي تاريخ هذه الذات الآخر، حيث للفهم/التأويل نصيب…
* كما تعرف فقدت الساحة العربية والمغربية الكثير من رموز البحث الجامعي في مجال الفلسفة : محمد عابد الجابري، محمد أركون،فؤاد زكرياء،عبد الرحمان بدوي،لكن هناك من الباحثين الشباب من يحاول أن يكمل المسير، وهل من تفاؤل بمستقبل البحث الفلسفي؟
أكيد، وهذا ما حاولت إقراره سلفًا وأنا بصدد الحديث عن مفكرينا، فلا يخلو عصر أو زمن من عالم أو مفكر، ولك في عديد الأسماء ما يرفد ذلك ويعضده، أذكر منها تمثيلاً لا حصرًا، سالم يفوت، محمد المصباحي، عبد السلام بنعبد العالي، محمد سبيلا، محمد أندلسي من المغرب، الزواوي بغورة، أحمد يوسف، محمد شوقي الزين، عمر مهيبل، جمال مفرج، محمد جديدي، كمال بومنير، عبد القادر بودومة، عمارة الناصر، عبد الرزاق بلعقروز من الجزائر، أبو يعرب المرزوقي، محمد محجوب، فتحي المسكيني، فتحي أنقزو، وحيد السعفي، يوسف بن أحمد، محمد بوهلال من تونس، والسيّد ولد اباه من موريتانيا، وغيرها في عالمنا العربي تسير على خطى الأوائل، تحصيلاً وتفكيرًا ونقلاً وترجمةً وإنتاجًا، ولو اختلافًا وغيريةً. أتصوّر أنّ هذا الجيل من الباحثين يملك أن يعيد للبحث الفلسفي وهجه من جديد. علينا أن نحصّل المعرفة أوّلاً، ولا يكون ذلك إلاّ بإعادة البعثات إلى الخارج في إطار المؤسسة (الجامعات، مراكز البحوث) لمواكبة جديد المعرفة لدى الآخر/الغرب، فتمثّل المناهج بمقولاتها ومصطلحاتها ومفاهيمهمها، نقلاً وترجمةً ثانيًا، فالإبداع والتجاوز، تأليفًا وكتابة على نحو غيري ثالثًا، وإعادة ترهين المعرفة التراثية بوساطة هذه المناهج والمفاهيم في الحاضرفي الآن نفسه. حينئذٍ يمكن الحديث عن مشروع فلسفي عربي له خصوصيته. ومن ثمّ الانخراط في هذا العالم وكتابة ذات المستقبل…
*س: هناك الكثير من مراكز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، في المقابل لا نجد مراكز مختصة في الفلسفة. إلى ما ذا تعزو في نظرك هذا الغياب؟
هذا الغياب، في تصوري، ليس غريبًا في البلاد العربية، لأنّ ثقافتنا، الشعبية منها والعالِمة، تحمل في لاوعيها نموذج النبي (لا نبيّ بعدي)، ومن ثمّ فأي مبدع فيلسوفًا كان أو شاعرًا فهو نبيّ كذاب أو متنبئ، وقد قالها الفارابي قديمًا : إنّ العرب كانت تحدّق في وجهه بعيون لا ترى إلاّ النبيّ، بل حتّى في الثقافة الغربية القديمة (صراع رجال الدين مع العلماء)، فحسب نيتشه الفيلسوف هو المثال السيئ لعصره. فالمتفلسف لديهم هو نموذج للضلال والكفر والإلحاد. ولعلّ هذا ما جعل معظم أبنائنا يتجنبون دراسة الفلسفة في الجامعة بأي شكل من الأشكال، خشية الوقوع في المحظور. والقليل منهم الذي تخصص في الفلسفة، مكرهًا، قدّم صورة شائهة عن الفلسفة، اختزلها في قضايا المنطق والما ورائيات بعيدًا عن تعلّم التفكير داخل الفلسفة من خلال تاريخها أو أعلامها. هذا لا يعني أنّ الحال باقٍ على ما هو عليه، بل تشجع الجامعات اليوم، من خلال برامج ومشاريع بحث لإنشاء مختبرات في مجال الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية. لذا، أعتقد أنّ ما يعوزنا ليس إنشاء هذه المراكز أو المختبرات بقدر ما نفتقد للباحثين المتخصصين الذين يشتغلون في إطار المؤسسة. فما يقدّمه هؤلاء اليوم لا يعدو أن يكون جهدًا فرديًا يفتقد للتأسيس أو التأصيل الذي يجعل ثقافتنا تشيّد نموذجها الحضاري وحداثتها الخاصّة. فمعظم المشاريع الفلسفية الكبرى عند الآخر/الغرب تخلّقت في رحم التاريخ الفلسفي، أي لا تفكير خارج الفلسفة نفسها بما هي كذلك، ضمن إطار كلّي، ولو ضمن حلقة نزاع التأويلات لكتابة تاريخ آخر للفلسفة. حريّ بهذه المراكز أن تعمل على تأسيس درس مصطلحي/مفهومي، وبدل أن تلقّن وتعلّم الفلسفة، تركز على تكوين المصطلحي/الفيلسوف الذي يجتهد داخل منظومة معرفية لإرساء نموذج فلسفي إبداعي يستمدّ طاقته من نسقه المتعدّد الذي شكّله الوعي…


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.