تعرف على القناة الناقلة لقرعة الدوري الممتاز    المجلس القومي للتدريب يؤكد أهمية دورات التدريب المهني والتحويلي للعاملين    إستطلاع متلقي لقاحات كورونا بمركز صحي الشعبية ببحري    إستراتيجيات جديدة لترويج لقاح كورونا بولاية الخرطوم    تذمر وسط المواطنين من زيادات أسعار الكهرباء    الطاهر ساتي يكتب.. المفسدون الجُدد..!!    السعودية: غرامة 200 ألف ريال أو السجن وخروج نهائي لهذه الفئة    فولكر بيرتس يتهم المؤتمر الوطني بتنظيم التظاهرات أمام مقر البعثة    صباح محمد الحسن تكتب: الشارع لن ينتظر مجلس الأمن !!    السوباط يعلن تكريم "بوي" بعد أن قرر الاعتزال    رسالة غامضة على واتساب تقود الشرطة إلى مفاجاة صادمة    ندى القلعة تكشف سر اهتمامها بالتراث السوداني    (أنا جنيت بيه) تجمع بين عوضية عذاب ودكتور علي بلدو    أبناء الفنانين في السودان .. نجوم بالوراثة    الجاكومي يحذر من تحول القضايا المطلبية لأهل الشمال إلى سياسية    أصحاب مصانع: زيادة الكهرباء ترفع أسعار المنتجات    تزايد مخيف لحالات كورونا بالخرطوم وأكثر من ألفي إصابة في أسبوع    حركات ترفض دمج القوات    تراجع نشاط السريحة بسوق الدولار "الموزاي"    درجات الحرارة بشقيها الصغرى والعظمى تواصل انخفاضها بالبلاد    إفتتاح مكتبة الاستاذ محمد الحسن الثقافية بكوستي    تعيين لجنة تطبيع لنادي أكوبام حلفا الجديدة    توقف صادر الماشية الحية للسعودية    نجاة فنان من الموت بعد تحطم سيارته    زراعة أكثر من (121) ألف فدان قمح بالشمالية    كشف تفاصيل حول عودة "لي كلارك" و "إسلام جمال" للمريخ    ترباس يطمئن على الموسيقار بشير عباس    تفاصيل جديدة في قضية المخدرات المثيرة للجدل    مزارعو الشمالية يشكون من انعدم السماد    كوريا الشمالية تجري سادس تجربة صاروخية في أقل من شهر    دراسة: كيم كاردشيان تدمّر النساء    اتحاد كرة القدم يزف خبراً سعيداً للجماهير    إبرهيم الأمين: البلاد تعيش حالة اللادولة وليس هنالك حكومة شرعية    اختطاف المدير التنفيذي السابق لمحلية الجنينة بجبل مون    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الخميس" 27 يناير 2022    الانتباهة : تحريك بلاغات ضد وزارة الثروة الحيوانية حول "الهجن"    القون لا عرفناه جابو الغربال لا عرفناه جابو المضمار    من أنتم؟    سلطات مطار الخرطوم تضبط أكثر من 2 كيلو جرام هيروين داخل زراير ملبوسات أفريقية    تبيان توفيق: الي قحط وكلبهم (هاشكو)    لواء ركن (م) طارق ميرغني يكتب: الجاهل عدو نفسه    شاهد بالصورة والفيديو.. فتاة سودانية وزميلها يثيران دهشة الحضور ويشعلان مواقع التواصل الاجتماعي بتقديمهما لرقصة (أبو الحرقص) المثيرة للجدل    إحباط محاولة تهريب كمية كبيرة من (الهيروين) عبر مطار الخرطوم    أول ظهور للمطربة "ندى القلعة" بملابس شتوية يثير موجة من التعليقات    أمريكا تحث رعاياها في أوكرانيا على التفكير في مغادرتها فورًا    ميتا المالكة لفيسبوك تصنع أسرع كمبيوتر في العالم    الصحة الاتحادية:التطعيم من استراتيجيات الصحة للقضاء على كورونا    داعية يرد على سيدة تدعو الله وتلح في الدعاء لطلب الستر لكنها لا ترى إجابة فماذا تفعل؟    البيت الأبيض يكشف عن أول زعيم خليجي يستقبله بايدن    اختفاء ملف الشهيد د. بابكر عبدالحميد    الشرطة تصدر بياناً حول تفاصيل مقتل العميد "بريمة"    بالصور.. بعد غياب لأكثر من 20 عاماً.. شاب سوداني يلتقي بوالده في أدغال الكنغو بعد قطع رحلة شاقة    طه مدثر يكتب: الجانب الإسرائيلي.. نشكر ليك وقفاتك!!    البنتاغون يضع 8500 جندي بحالة تأهب قصوى بسبب الأزمة الأوكرانية    لماذا حذر النبي من النوم وحيدا؟.. ل7 أسباب لا يعرفها الرجال والنساء    الفنان معاذ بن البادية طريح فراش المرض    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موقف المسلمين العرب من الحضارة الغربية
نشر في حريات يوم 19 - 10 - 2010


حسين أحمد أمين:
علاقة معقدة هي علاقة المسلمين بالحضارة الغربية، بدأت بالتحدي ثم اهتزاز الثقة بالنفس ومحاولة تقليدها وانتهت بمحاولة الثورة عليها والبحث عن طريق جديد. فهل يمكن أن يجد المسلمون صيغة صحيحة كي يأخذوا أفضل ما في الحضارة الغربية وأن يستطيعوا النجاة من أزمتها الروحية؟. كانت الانتصارات الحربية والسياسية التي حققها الإسلام في حقبه التاريخية الأولى، قد غرست في نفوس الشعوب الإسلامية شعوراً من الاطمئنان والرضا عن النفس، لم تر معهما حاجة إلى تقليد ما ابتدعه الغرب منذ بداية عصر نهضته من أسلحة وأدوات ونظم وأفكار، كوسيلة للتصدّي لهذا الغرب ذاته. وقد كانت ذكرى هذه الانتصارات الإسلامية هي أيضاً مما جعل الغرب يتردّد طويلا في شأن الانتقال من طور الدفاع إلى طور الهجوم، خشية أن تتكرر هزائمه في الحروب الصليبية المتتالية غير أنه ما أن أحرز الغرب انتصاره الحاسم عام 1683 م على الأتراك العثمانين المهاجمين عند ” فيينا”، حتى بدأ يدرك حقيقة ضعف خصمه، ويتطلع إلى الهجوم المضاد. غير أن هذا الهجوم المضاد تأخر قرابة قرن من الزمان لعدة أسباب منها انشغال الدول الأوربية بتأسيس مستعمرات لها في كل من آسيا والعالم الجديد. فما حلّ عام 1768 م حتى اشتعلت نيران الحرب الروسية التركية التي توالت خلال سنواتها الست الهزائم الساحقة على العثمانين، وبحلول عام 1798 م كانت الحملة الفرنسية على مصر، ثم توالت بعد ذلك هجمات الأوربيين على العالم الإسلامي التي أسفرت عن وقوع جل أقطاره في براثن الاستعمار الغربي. اهتزاز ثقة المسلمين بأنفسهم وقد أزعج المسلمين ما منوا به من هزائم على يد مخالفيهم في الدين. وكان أن بدأت ثقتهم بأنفسهم تهتز. بل إن الاعتزاز بالدين نفسه سرعان ما تأثر هو أيضًا لدى الكثيرين. وكان منهم من لم يفهم الهزيمة الحربية على معناها الدنيوي، وإنما عجب لما أصابه من مذلة والقرآن يقول: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولما حلّ به من هزيمة والقرآن يقول: وكان حقا علينا نصر المؤمنين . ومع ذلك فإنه مما يسرّ لغالبية المسلمين بعد ذلك الإذعان لمختلف مظاهر الحضارة الغربية أمران، الأول: اتخاذ الحضارة الغربية لنفسها إطاراً دنيوياً بحتاً، وإغفال المستعمرين اعتبار الدين بحيث لم يبدُ الأمر في صورة استعباد أهل ملة معينة لأهل ملّة أخرى؟ والثاني: تصديق الغالبية في الأقطار المفتوحة لادعاء الغرب أن حضارته إنما هي حضارة كاملة دائمة، وأن الصورة الدنيوية لها بعد تحررها من ربقة الدين هي الصورة النهائية الناضجة للحضارة بوجه عام، وهي صورة لا يمكن أن يعتورها تدهور أو يصيبها فساد، بل ومن المحتم أن تقود الإنسانية إلى الطريق نحو الوحدة الاجتماعية. وقد أحدث اتصال العرب الوثيق بالمدنية الغربية، وغزو هذه المدنية لبلادهم، أثراً عميقا في طبقة المسلمين المستنيرين، وفي علاقة أفرادها بما توارثته من نظريات وتقاليد دينية، إذ شعروا بحاجة شديدة ملحة إلى التقريب والملاءمة بين هذه النظريات والتقاليد وبين الأحوال الجديدة التي وجدوا أنفسهم فجأة في ظلها. وقد كان من المؤسف حقًا أن تجيء جهود هؤلاء الساعية إلى التوفيق بين الحياة والفكر الإسلاميين وبين مطالب الحضارة الغربية في الوقت الذي تزعزعت فيه ثقتهم بتراثهم بل وبدينهم، ونظروا إلى المستعمرين نظرتهم إلى أنصاف الآلهة. فلم يكن من الغريب إذن أن تغلب على محاولتهم نزعة عقلية هي نزعة أوربية محضة، وأن يتبنّوا قيما كلها أو جلها من قيم الغربيين المستعمرين. فإن كان هؤلاء المفكرون قد انبروا للدفاع عن الإسلام والإشادة به لصدّ الحملات التي شنّها المسيحيون للطعن فيه حتى لا يقف حائلا دون غزو مدنيتهم (وبضائعهم)، فإنما تركز دفاعهم على إزالة وصمة مناقضة تعاليمه للحضارة، وإثبات مرونة الأحكام والأوضاع الإسلامية، وسهولة تشكّلها حتى تطابق حاجات الجنس البشري في كل زمان ومكان.. وقد اكتشف هؤلاء شبها قوياً بين الإسلام ” الحق ” وقيم السلف الصالح، وبين القيم الغربية الحديثة. وكان أذكاهم من دعا إلى التفرقة بين معالم الإسلام الأصلية وبين الزيادات التاريخية التي أضيفت إليه عن طريق الإجماع، والتي يسهل التضحية بها في سبيل حاجات المدنية، ومقتضيات العمران، وذهب إلى أنه لا يقف بين المسلمين وبين النهضة غير حوائل زائفة في إمكانهم إزالتها بإصلاح نظام التعليم، وتطهير الإسلام مما علق به من شوائب عبر القرون، وإعادة صياغة العقيدة الدينية على ضوء الفكر الحديث، والعناية بدراسة العلوم الحديثة وتاريخ أوربا للتوصل إلى معرفة سرّ تقدمها. المصلحون والدعوة إلى التغريب وهكذا أخذ من سمّوا بالمصلحين في كل البلاد الإسلامية يدعون دعوات متشابهة، عمادها أن تأخذ شعوبها من المدنية الغربية ما يناسب، وأن يأخذوا من المدنية الإسلامية ما يناسب.. وكانت خلاصة رأيهم “أن عقدة العقد في موقف المسلمين اليوم هي التوفيق بين المدنية الغربية والمبادئ الإسلامية. غير أن المسلمين لحسن الحظ ليسوا مخيرين بين التمسك بدينهم وبين اعتناق الحضارة الغربية. فخير للعالم الإسلامي اليوم أن يأخذ من المدنية الغربية كل علمها وتجاربها في الصناعة والزراعة والتجارة والطب والهندسة وسائر العلوم، من غير قيد ولا شرط، ثم يحتفظ مع ذلك بروحانيته التي يلوّن بها هذا العلم، فتجعله موجها في البشرية لا لغلو ّفي كسب مال، ولا لإفراط في نعيم، ولا للقوة والغلبة، ولكن للخير العام. وهذا هو المبدأ الذي يضيء للمسلمين الطريق، ويبدّد حيرتهم، ويحل الكثير من مشاكلهم. فدينهم الإسلامي لا يمنعهم أيّ منع من ذلك، بل إن الإسلام حث على طلب العلم ولو في الصين، ولا شيء يمنعهم من ذلك إلا تمسكهم بالتقاليد الموروثة، وتقديسهم للعادات المألوفة، ودينهم براء من ذلك… وإنما بزّت أوربا الشرق المسلم في مضمار الحضارة لا لأنها مسيحية، وإنما لعنايتها بتطوير العلوم وإهمال المسلمين لها. وليس في الإقبال على التعليم من الغرب من بأس، ولا هو مدعاة للخجل، فإنما كان الفضل في نهضة العلوم في أوربا راجعًا إلى استفادتها من النقل عن المسلمين الذين عنوا بالحفاظ على تراث الإغريق وتطويره وتنميته “. هكذا كانت دعوة هؤلاء “المصلحين “. وهي دعوة أيدها المستعمرون وأبهجتهم، خاصة إن صدرت عن رجال الدين البارزين من أمثال الشيخ محمد عبده، إذ رأوها في مجملها دعوة مقنعة إلى التغريب. والذي نتج عن هذه الدعوة هو ما كان متوقعاً منها ؛ فتحت الباب على مصراعيه أمام الاقتباس من مدنية الغرب دون حرج، في حين أغفل الشطر الثاني وكأنما لم يورده الدعاة إلا من قبيل التمويه والنفاق وتسهيل الأمر. وإنه لمن الشائق حقًا أن نقرأ في العدد الأول من مجلة “العروة الوثقى ” تحديدًا لأهداف المجلة، ومن بينها ” 0000 3- الدعوة إلى التمسك بمبادئ السلف المماثلة في واقع الحال لمبادئ الدول الأجنبية القوية المتقدمة!”. فهنا إذن إحساس بتفوق الغرب، وإدراك لضرورة الدفاع، واعتراف بصحة الأسس التي تقوم عليها حضارة الدول الأوربية تضمّنته الإشارة إلى الشبه بينها وبين مبادئ الإسلام، وهو أكثر صنوف الإطراء والمديح إخلاصًا. وقد شكا المبشرون المسيحيون من أن هؤلاء المصلحين الإسلامين إنما يتبنّون الأفكار والقيم المسيحية، ويسعون إلى تشييد صرح إسلام جديد “مسيحي “. غير أن الواقع أنهم لم يتبنوا القيم المسيحية، وانما نسبوا إلى الإسلام القيم الليبرالية الإنسانية البورجوازية التي عمّت أوربا خلال القرن التاسع عشر، وهي قيم غير مشتقة عن المسيحية. نحن وأزمة الغرب الروحية فإن كان الطابع الدنيوي للحضارة الغربية ردّ فعل لأهوال الخلافات الدينية في العصور الوسطى، فقد كان من المحتم أن تحدث في الغرب، إن عاجلاً أو آجلاً، حركة مضادة لهذا الطابع. وقد بدأت هذه الحركة المضادة في التبلور في الخفاء في الوقت الذي كان سائر العالم- ومنه الأقطار العربية- ينهل فيه من الحضارة الغربية نهلاً، ويتخلى عن تراثه الثقافي وعن تقاليده ودينه. وكانت المأساة المضحكة أنه في اللحظة التي تم فيها تبني الشعوب غير الغربية لحضارة الغرب الدنيوية، وجدت هذه الشعوب نفسها قد وقعت في شباك أزمة الغرب الروحية التي انتابته فجأة في القرن العشرين، والتي كان لها صداها في مختلف بقاع العالم. فمنذ نشوب الحرب العالمية الأولى، بدأ الغربيون أنفسهم يدركون أن حضارتهم الدنيوية الحديثة ليست بالكاملة على الإطلاق كما خالوها في البداية، وأنها أبعد ما تكون عن الحصانة ضد الانهيار وضد عنيف الأزمات. وقد كان الأمر في الواقع مؤسفا بالنسبة للشعوب غير الغربية أكثر منه بالنسبة لشعوب الغرب. فقد وجدت الأولى نفسها معلّقة بين تراث ودين وتقاليد قد هجرتها وفقدت ثقتها فيها، وحضارة غربية لم تملك بعد ناصيتها، ولم تكد تبلغ يدها الثمرة حتى بدت تلك الثمرة معيبة فاسدة. وكان أن نتج عن هذا شعور حاد بالمرارة تجاه الغرب، وحدوث انفصام في المجتمع وفي نفوس الأفراد لّما يلتئم.. وقد علمنا التاريخ أنه في المجتمعات التي تمر بهرّات عنيفة، أو تطورات ضخمة متلاحقة، كثيراً ما تظهر جماعات دينية انعزالية تميل إلى أن تغلق الأبواب على نفسها في عالم خاص بها، وتقلل إلى أقصى حد ممكن من صلاتها وعلاقتها ببقية العالم. وقد ظهرت مثل هذه الجماعات بين كل من اليهود والمسيحين والمسلمين. وربما بين غيرهم من أتباع الديانات الأخرى. فمن بين أبرز الأمثلة التاريخية على رفض التكيف وفق الأحوال الجديدة، موقف الفريسيين اليهود من غير اليهود، إذ وضعوا القواعد المفصّلة الصارمة التي تكفل تجنب كل صلة بمن هوليس يهوديا وذلك حين كانت الهيلينية تهدد بابتلاع الديانة اليهودية واستئصالها من الوجود. كذلك ظهرت في بقاع كثيرة من العالم المسيحي، خاصة منذ منتصف القرن التاسع عشر، جماعات (أشهرها جماعة شهود يهوه)، أفرادها من المسيحيين الأتقياء الذين وجدوا من الصعب أن يوفّقوا بين الاكتشافات الحديثة في علوم الفلك والطبيعة والكيمياء والنظريات المتعلقة بتاريخ الأرض وظهور الحياة فيها، وبين مفهومهم التقليدي عن الكتاب المقدس. وكان أن وجهوا همهم الاكبر إلى تجنب الاتصال بالتيارات العلمية والفكرية التي سادت مجتمعهم، ورأوا أنه لابدّ من أجل حماية عقيدتهم من عزلة صارمة وسط مجتمع لابد أن تؤدي به ثقافته وأنماط عيشه إلى الكفر. وكانت النتيجة أن قبلت هذه الجماعات وضع الأقليات في مجتمع أفراده على دينها نفسه في الظاهر على الأقل. وقد كان هذا هو ما حدث أيضاً في العالم الإسلامي مع بداية الثلاثينيات من هذا القرن، حين بدأت تظهر جماعات إسلامية دعوتها شديدة الاختلاف عن دعوة المصلحين الإسلاميين من أتباع محمد عبده، بل ورأت في هؤلاء “المصلحين” شبها قويا بدعاة التغريب إذ هم لم يطعنوا في قيم الغرب وإنما انتحلوها للإسلام، فلم يقدموا بفعلهم هذا بديلا حقيقيا لأمتهم. وقد ذهبت هذه الجماعات الجديدة، بدءا بجماعة الإخوان المسلمين، إلى أن الإسلام بمفرده قادر على التصدي لكل تفاصيل مظاهر حياة الفرد والمجتمع دون حاجة إلى اقتباس من حضارات وأنظمة أجنبية. ومع ذلك، ورغم هذا الإصرار منهم على شمولية الإسلام وتفرّده، وتميز كل نظمه ومفاهيمه عن كل النظم والمفاهيم الغربية، لم يفلحوا إلا في إبراز حفنة من النقاط والقضايا، ركزوا عليها وألحفوا في تكرارها إلى حد الإملال، دون أن يتجاوزوها إلى غيرها إلا في النادر. وأعني بهذه النقاط: موضوع الربا وفائدة البنوك، وسفور المرأة وتحديد النسل، والحدود، وكراهة العلمانية والعقلانية، والنفور من استخدام سبل البحث العلمي والمنهج التاريخي في مجال الإسلاميات. الجماعات الانعزالية والمعرفة ثم عيب خطير آخر يتمثل في مفهوم أفراد هذه الجماعات عن المعرفة. فهي عند المجتمعات المّتسمة بالحيوية والتحضر تعني استخدام المعروف في إماطة اللثام عن المجهول. أما عند هؤلاء فهي لا تعني أكثر من تجميع المعلومات. والمعلومات في رأيهم ليست بالمتطورة، النسبية، القابلة للاتساع، بل هي ثابتة خالدة. وقد نجم عن هذا المفهوم ثلاث عواقب: الأولى: أن المعرفة عندهم لم تعد عنصراً ديناميكيا في الفكر، بل كتلة جامدة، مما أسهم في قهر كل نشاط فكري حرّ بدعوى مخالفته لأحكام السلف. والثانية: أن اعتبار المعرفة دائرة مغلقة ثابتة يجعل من المحال اطراح شيء من المعارف المقبولة متى ثبت خطؤها أو عدم مسايرتها لأحوال
العصر، ويجعل من الصعب تقبّل المعارف الجديدة ما لم تجد لها سنداً في فكر الأقدمين. والثالثة: أن صار سبيل اكتساب المعرفة هو تجميعها من كتب الأسلاف، أو الكتب الحديثة القائمة على كتب الأسلاف، لا التحليل والاستنباط والتجربة والفكر الحر. وكلها عواقب خلقت عند غير المسلمين اقتناعًا بأنه لا يمكن للإسلام أن يكون له مستقبل ما دام عاجزاً عن مسايرة التطور. قصور الرد الإسلامي لقد أصاب الأفغاني ومحمد عبده وأتباعهما في بيانهم لضرورة إعادة تفسير الإسلام تفسيراً يوائم احتياجات العمر الحديث والمجتمع المتغير. غير أن موقفهم الدفاعي والاعتذاري تجاه الحضارة الغربية حال دون تقديمهم لمثل هذا التفسير الشمولي، ومال بهم إلى الاقتصار في فكرهم على التصدي لقضية هنا وقضية هناك من القضايا التي تشغل الأذهان في الغرب، مثل الديموقراطية ووضع المرأة، وذلك من قبيل الرغبة في الرد على خصوم الإسلام في الغرب، أو الأخذ بمشورة الأصدقاء الناصحين في الغرب أيضًا. وقد كان أنصار التيارات الإسلامية الجديدة على حق في انتقاداتهم للموقف “التغريبي ” لدى هؤلاء المصلحين التوفيقيين. غير أن أنصار هذه التيارات، باندفاعهم في الاتجاه المضاد، وقعوا في خطأ مماثل. إذ بينما ركز الأولون على نفي أن تكون فائدة البنوك من الربا المحرم، ونفي أن يكون الإسلام قد انتقص من حقوق المرأة، وحدّ من دورها الاجتماعي، والإصرار على أن الشورى الإسلامية هي بعينها ديموقراطية الغرب السياسية، وعلى اهتمام الإسلام بالدعوة إلى تنمية العلوم وتحصيلها؛ أو بعبارة أخرى: بينما ركز الأولون علي بيان اتفاق الإسلام مع المقومات الإيجابية للحضارة الغربية، اتجهت الجماعات الإسلامية الجديدة إلى انتقاء قضايا محدودة للغاية لإثبات تميز الإسلام واختلافه عن المفاهيم والقيم الغربية، كضرورة عودة النساء إلى الحجاب، وضرورة تأسيس بنوك إسلامية لا فائدة فيها، وضرورة إقامة الحدود الشرعية كقطع يد السارق وجلد الزاني وشارب الخمر، والتفرقة في المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة. أما فيما عدا هذا من مسائل اقتصادية واجتماعية وسياسية بالغة الحيوية والأهمية، فلا يكاد يكون ثمة علاج أو برنامج أو فكر. وهو ما يقودنا إلى نتيجة مهمة: هي أن فكر الجماعات الإسلامية الجديدة ليس أقل انشغالا بالغرب من فكر المصلحين التوفيقين. ولكن الأفغاني ومحمد عبده وتلامذتهما انشغلوا به على نحو إيجابي، في حين انشغلت به الجماعات الجديدة على نحو سلبي. من أجل استجابة صحيحة قلة قليلة فحسب من المفكرين الإسلامين المحدثين رأت الحل الأمثل في الإقدام على دراسة موضوعية هادئة للأفكار والنظم الغربية من أجل تحديد طبيعة الاستجابة الصحية الواجب على المسلمين أن يتبنّوها إزاء الضغوط الغربية المختلفة على مجتمعهم. فإن كان في الحضارة الغربية من العناصر ما هو فاسد مفسد، فالكثير من الأفكار والنظريات التي ورثناها عن أسلافنا المسلمين هو أيضاً فاسد مفسد. وما لم نتصدّ بالدراسة لتراثنا وتقاليدنا هي الأخرى بالموضوعية نفسها والهدوء والمعايير العلمية والحرص على تجنّب الآراء التحكمية، فما من أمل يبقى في قدرتنا على مواجهة التحديات المعاصرة. كما أنه ما لم نول اهتمامًا بما يمكن للدين أن يحققه لخير الإنسان الاجتماعي والاقتصادي مماثلاً لاهتمامنا بما يمكن للإنسان أن يفعله من أجل تمجيد الخالق، فما من أمل يبقى في قدرة الإنسان على حل المعضلات. غير أنه حتى هذه القلة القليلة المتعقلة نراها اليوم في انحسار. فتفاقم مشكلات المجتمع العربي، وتعاظم المد الفكري والحضاري الغربي، يميلان بالبعض إلى هجر الاعتدال وفقد الثقة بجدواه، والتعاطف مع التطرف باعتباره السبيل العلمي الأوحد إلى مواجهة الأخطار التي تهدّد بابتلاع هوّيتنا، واستفظاع بهاظة الثمن الاجتماعي والنفسي الذي لابدّ من دفعه إن نحن أردنا اللحاق بركب الغرب في مضمار التقدم. أضف إلى ذلك أن انتشار تأثير الجماعات الإسلامية المتطرفة في صفوف الجماهير العريضة، وازدياد فرص استيلائها على الحكم، على نحو ما حدث في إيران، خلال سنوات قلائل، دفعا بعض الانتهازين من المفكرين إلى التضحية باستنارته، والتعبير عن تعاطفه واتفاقه في الرأى مع فكر تلك الجماعات، من أجل ضمان الرضا والشعبية، أو الاستفادة المالية من حكومات دول عربية غنية تنفق بسخاء على وسائل نشر ذلك الفكر. هذا إلى أن ميل السلفيين إلى الدخول في تنظيمات تجمع شتاتهم، وتنسق خطاهم، وميل المجددين المستنيرين، شأن المصلحين التوفيقين قبلهم، إلى العمل فرادى، لا يصبرون على تنظيم، يزيد من فرص نيل الأولين دون الآخرين لأغراضهم. مامن شك في أن مستقبل الأمة يتوقف بصفة أساسية على قدراتها على التوصل إلى مفهوم إيجابي يساعدها على مواجهة التوترات الناجمة عن تغييرات هائلة طرأت على المجتمع العربي في القرنين الماضيين، والتغلب على القوى المخربة التي تدفع المجتمع دفعا إلى المزيد من التفكك والتحلل. كذلك فإنه ما من شك عندي في أن جميع الحلول التي طرحت في مجتمعنا خلال المائة سنة الأخيرة، معيبة قاصرة: فالمحافظون الرافضون لكل تجديد ولكل مساس بالأفكار والمعتقدات الموروثة، قد فقدوا صلتهم بالعصر واحتياجاته، ولم تعد حججهم بالقادرة على إقناع المثقفين، وهي التي يصوغونها دوما في قوالب فكرية شكلية تستند استنادًا كاملاً إلى أقوال السلف، مما لا يمكن أن يتجاوب المحدثون معه. بل إنه حتى اللغة التي يستخدمونها توحي على الفور بخلو جعبتهم من رسالة لعصرنا الذي نعيش فيه. ففكرهم تستغرقه التكاليف الشرعية. وما من أحد منهم حاول أن يوجه الإسلام في قنوات خلاقة، ولكنهم قيدوه بنظرة رومانسية درامية لتاريخه، أساسها انتقاء تحكمي للمادة واستبعاد لكل ما ينقض الصورة التي يفضّلون أن تكون الأحداث في الماضي قد تمت عليها. وهم بهذا أغلقوا الباب في وجه أهم عامل كان بوسعه أن يحفظ على الفكر الإسلامي مرونته، ويحول دون تعفّن العقائد ألا وهو المنهج التاريخي العلمي الذي ابتدعه الغرب، والنظرة التاريخية إلى الأمور. وأما المصلحون الإسلاميون التوفيقيون فموقفهم في جوهره مشابه كما قلنا لموقف دعاة التغريب العلمانيين، وبالتالي فإنهم لم يطرحوا بديلاً حقيقاً للقيم الغربية. فإن كان دعاة التغريب قد أعلنوا أن “القيم الغربية هي القيم المثلى فلنتبّناها”، فإن المصلحين التوفيقيين قد أعلنوا أن ” القيم الغربية شبيهة بالقيم الإسلامية فلنتبنّاها” ! وقد ظل هؤلاء دوما يلهثون في عدوهم وراء التغريبيين كي يبرروا كل جديد، ولكي يوجدوا الأسس الدينية لتبني المفاهيم الغربية. فإن كان العلمانيون قد نادوا بأن العلم والعقل هما مفتاحا التقدم والحضارة، فقد تركوا للمصلحين الإسلاميين مهمة إثبات أن الإسلام يقر هذا الموقف. وأما عن دعاة التغريب والعلمانية، فإنهم مع كل تحمسهم للديموقراطية والمساواة وغيرهما من المفاهيم الغربية، لم يكن بوسعهم قط الادعاء بأنهم يعبرون عن إرادة الشعب، وإنا أفصح لسان حالهم عن أنهم إنما يسعون للصالح العام باعتبارهم الصفوة، وأنهم أدرى من الشعب باحتياجات الشعب ومصلحته. فهم صفوة حسنة النية. غير أنهم دائماً صفوة، مباينة للجماهير في عقائدها وطريقة تفكيرها. صحيح أن المفهوم العلماني والاتجاه إلى محاكاة الغربيين كانا قد انتشرا في صفوف الجماهير من جراء التعليم المدني، ووسائل الاتصال والإعلام المتزايدة، والتصنيع والحياة في المدن، وأنماط الاقتصاد وغيره، وأن تأثير الفرنجة إنما كان ضخما بقدر ما كان الفراغ في الساحة الفكرية العربية ضخما. غير أن الثابت الواضح الآن أن الولاء الأول لدى الجانب الأعظم من الجماهير في العالم العربي هو للإسلام دون غيره، وأن الفكر الإسلامي لا يزال له بعد أربعة عشر قرنا سلطان عليها تصعب زعزعته. وقد كان المسلمون الأوائل إبان ازدهار حضارتهم ينهلون نهلاً من منابع الحضارات والثقافات غير الإسلامية، دون تحرّج أو تحفظ أو حيرة أو قلق. فقد كانت الثقة بالنفس تعمر صدور هؤلاء وهم الفاتحون السادة. أما وقد وقع المسلمون في براثن استعمار الفرنجة وباتوا يعانون من الهيمنة الاقتصادية والسياسية للغرب على أقطارهم، فقد فقدوا هذه الثقة، وصاروا يرون في كل اقتباس من نظم الفرنجة مكيدة للإسلام وفخًا، واقتباسًا معاديًا للدين. والواقع أنه لولا هذا الخلل النفسي، وهذا الارتياب المرضي، وفقدان الثقة، لكان للإسلام المعاصر، في زعمنا، شأن آخر. ///////////////// كيف تستمر الخرافات الدينية في عصر العلم حسين أحمد أمين [email protected] الحوار المتمدن – العدد: 3027 – 2010 / 6 / 7 المحور: العلمانية , الدين , الاسلام السياسي راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع Bookmark and Share يظن الكثير من اللادينين على غير الحقيقة أن السبب الحقيقي لاستمرار خرافات وأساطير الأديان هو تراكم المورثات الدينية والعادات والتقاليد البالية من جيل لجيل وهذا ما يفسر بقاء الابن على ما وجد عليه آبائه ولكن وان كان هذا من أسباب بقاء الدين بالفعل ولكنه لا يعدو إلا تعريفا للماء بالماء فكثير من المورثات الاجتماعية والثقافية سقطت بتطور العلم والحياة الحديثة حتى عند أقل الناس حظا بالتعليم وأكثرهم جهلا بحداثة العصر حتى تلك الخرافات التي ارتبطت بالأديان ارتباطا وثيقا مثل الارتباط بين الحمى والاوراح الشريرة والشياطين والجن بل إن معتنقي الأديان سارعوا بالفصل بين هذه الخرافات وبين الدين ذاته إذا لماذا زالت تلك الخرافات وبقى الدين متوجا على عرشها إن الإجابة على هذا السؤال قد تبدو بسيطة إذا ما نظرنا إلى المنظومة الدينية من الداخل من حيث انتقال الأديان من جيل إلى جيل كما وضحنا سلفا أو الخوف من الجحيم ولكن ذلك لا يعدو كما قلنا سابقا تفسير للماء بالماء فانه من المستحيل أن يكون الخوف وحده صانع للخرافة فعلى سبيل المثال مهما بلغت فظاعة الجحيم في الميثولوجيات البابلية فإن ذلك لن يكون دافعا لإيمان المسلم الحالي بالأساطير البابلية القديمة ولذا فعلينا أن نلقى نظرة حول هذا الموضوع من خارج المنظومة الدينية بمعنى أخر أن نبحث عن صاحب المصلحة الذي استخدم كل وسائل التضليل والتلاعب والخداع العقلي لكي تستمر المنظومة الدينية كما هي . لكي نستطيع الوقوف على ذلك فعلينا أن ننظر نظرة استقصائية بعيده إلى التاريخ حيث انتقال المجتمع من الفردية إلى عصر المجتمعات المنظمة وقد اختلفت النظريات والدراسات التاريخية التي تناولت تلك المرحلة ما بين نظريات القوة والاحتلال أو نظرية تطور الأسرة أو نظرية الإرادة المباشرة التي تعد نظرية العقد الاجتماعي أفضل تجلياتها , وعلى أي حال فأن جميع النظريات قد اشتركت في أن السلطة كانت دائما تؤوول للأقوى وقد اتخذت السلطة في البداية شكلا عادلا أو على الأقل بشكل نسبي ومع مرور الوقت و مع ترسخ فكرة السلطة المتمثلة في الحاكمين والصفوة الملتفين حولهم ورغبتها في التمتع بالمزيد من الموارد الطبيعية على حساب المحكومين لجأت السلطة إلى قمع أفرادها وتسخيرهم لخدمتها و الاستفادة بحاصل إنتاجهم مع التهديد بالقتل للخارجون عن القطيع ولكن مع التناسل وتزايد عدد القاعدة العريضة المضطهدة من المحكومين ومخاوف السلطة من انقلابهم عليها كان يجب على السلطة إن تلجأ للأساليب جديدة للسيطرة على المحكومين بديله للقهر ولذا فقد ابتدعت السلطة أساليب جديدة تحل بديلة للقهر ولو بشكل جزئي وكان الدين أهم تلك الوسائل على الإطلاق ( يجادل المتدينين في أن الدين كان سابقا لمرحلة الانتقال من الفردية إلى القبائل المنظمة وهذا أمر غير صحيح على الإطلاق فالدين ارتبط برؤية بدائية للوعي الجماعي لجماعة من الناس تربطهم علاقات اجتماعية وثقافية بعضهم البعض وذلك يبرز في أن كان له قبيلة دينها و ألهتها الخاصة وكان إعلان الفرد باعتناقه ديانة أخرى هو إعلان منه بالانضمام إلى قبيلة الدين الجديد الذي اعتنقه وفي حالة اتحاد العشائر أو القبائل كان الكهنة من القبليتين يعملون على التزواج بين آلهة القبيلتين أو التوحيد بين الديانتين بأي صورة أخرى ) ومع تزايد أهمية الدين في السيطرة على المحكومين تزايدت أهمية الكهنة ومع الوقت استطاع هولاء الكهنة المشاركة في السلطة والحكم بل وكلما اتجهت الدولة إلى الثيوقراطية تزايدت معها سلطة رجال الدين حتى نصل إلى
الدولة الثيوقراطية وفيها رجل الدين يعد على رأس هرم السلطة وقد نجحت السلطة السياسية بمساعدة السلطة الدينية في نقل وهم الأديان من جيل إلى جيل باستخدام الحيل تلو الأخرى وكلما تقدم العلم كلما ازدادت الحيل خبثا وتطورا لبقاء الدين والآن عزيزي المؤمن ما هي الحيل التي تستخدمها السلطة للسيطرة على عقلك ودفعك للإيمان بالخرافة في عصر لم يعد فيه مكان إلا للعلم والمعرفة . اليك الدليل الكامل , 1. فرض سياج قوي على الواقع الكاذب الذي تخلقه الحكومة في إذهان محكوميها من المعلوم ان فكرة التضليل بالعقول تعني فرض واقع كاذب في اذهان المحكومين ونجاح هذا التضليل يعتمد على إيمانهم بأن تلك الأشياء الزائفة هي الواقع الطبيعي والرؤية الحقيقة للأمور ولقد نجحت وسائل الإعلام الإسلامي في الثمانينات والتسعينات وأوائل الألفية الجديدة في تثبيت تلك الصورة إعلاميا عن طريق نشر صورة وأخبار ملفقة حول المعجزات الإسلامية لتثبيت قلوب المؤمنين على إسلامهم أتذكر منها هذا الملصق الذي انتشر في المساجد حول الأشجار التي نبتت على شكل لا إله إلا الله محمد رسول الله في أحدى الحدائق الألمانية والتي ظلت ملازمة لحوائط المساجد فترة طويلة ومازالت حتى الآن في بعض المساجد الصغيرة وغيرها من الصور للنباتات الحيوانات التي رشمت عليها الشهادة الإسلامية لم يتوقف الأمر عند فبركة الصور بل أيضا فبركة القصص ونسج الأساطير حول الشخصيات العامة أشهرها ما قيل عن قصة إسلام نيل ارمسترونج الرائد الفضائي الشهير وما نسج حوله من أساطير عن سماعة للأذان فوق سطح القمر وإعلان إسلامه عقب سماع الأذان أثناء زيارته لأحد البلاد الإسلامية وهذا ما جعله يطرد من وكالة الفضاء الأمريكية الغريب أن مع تطور وسائل الاتصال وإمكانية التأكد بسهولة من زيف تلك الصور والقصص كان المزيفون للعقول اول ما أن الصقوا تهمة التزوير للأعداء الإسلام حتى ينالوا منه وكأن أعداء الإسلام هم أيضا من تأمروا لكي تظل الأسطورة موجودة طيلة هذا الوقت !!! ولم تكتفي وسائل فرض التزييف كحالة واقعة عند هذا الحد بل قامت الحكومات البتروليه بضخ أموال هائلة لإغراء الفنانات وحثهم على الاعتزال ودفع الأموال الهائلة للتبشير بالإسلام في الدول الفقيرة ولدى المحتاجين وسرد قصص أسطورية خلابة حول إسلامهم حتى عن هواء الناس الذين دخلوا الإسلام بمحض إرادتهم وليس عن طريق الإغراءات المادية والمعنوية وفوق كل ذلك الأموال الهائلة التي ضختها المملكة السعودية في جلب العلماء من مختلف أنحاء العالم للحديث عما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن وسيلة أخرى يستخدمها المزيفون لخداع المحكومين وهي مشاركة المثقفين والعلماء المستفيدين من نظام الدولة في الطقوس الدينية والحديث عن إسلامهم في وسائل الإعلام المختلفة مما يضفي الإحساس بالاطمئنان لدى المؤمن الساذج عديم الثقافة , أما الوسيلة الأخطر فهي التنوع المعرفي الوهمي حيث تشجع السلطة المزيفة على التنوير ولكن من خلال المنظومة الدينية فيلجأ التنويريين إلى طريق تأويل النصوص لكي تكون صالحة للعصر وهنا يجد المحكوم أمام خيارات متعدده ولكنها كلها خيارات داخل المنظومة الدينية فنجد المسلم المتدين يختار دائما المنهج الأقرب الى جمود النص او التصريف الحقيقي للإسلام اما المسلم النفعي فيختار المنهج الذي يناسبه ويتلائم معه واذا اختار المنهج المؤول فتجده مع التقدم في السن يعود تدريجيا الى المنهج الجامد . ذكرنا بعض الوسائل التي تستخدمها السلطة لمحاولة تزييف الواقع وإيهام الناس بواقعيته ولكن كيف تطلى الحكومات هذه الوسائل على المحكومين خاصة إذا فقدت ثقتها لدى الشعب يجب على تلك الحكومات ان تعهد بتلك المهمة إلى أولي الثقة لدى المجتمع او من لا يتشكك المجتمع في نزاهتهم او حيادهم وفي حالة فرض المنظومة الدينية فان الحكومة تستخدم وسيلتين الأولى غير مباشرة وهي التعليم والثانية مباشرة وهي رجال الدين أما الأولى فتعهد الحكومات على إضعافها وقصرها على إعداد المتعلمين الى سوق العمل بشكل يكفي سير العملية الإنتاجية في البلاد وبالطبع تستبعد كل النظريات التي تخالف عملية الخلق والدين من الدراسة كما تعمل على تكريس دراسة الدين والتعليم الديني في المجتمع . واما الثانية فتسعى الدولة الى تقوية مراكزهم عند المحكومين و كذلك تعهد الى نسج الأساطير والكرامات حولهم كما انها قد تدفعهم للصراع معها حتى يكتسبوا ثقة الناس بشكل اكبر مثلما حدث في قضية منح جائزة الدولة التقديرية لسيد القمني وبالتالي تتولد الثقة لدي المحكومين بنزاهة رجال الدين وعدم تبعيتهم للجهة الحاكمة ولذا فلا عجب ان تجد المسلم او المسيحي في مصر يستشير رجل الدين في أدق أمور حياته 2.إستماله الأغلبية الدينية على حساب الأقليات الاسلام هو دين الدولة والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع لم تكن المادة الثانية من الدستور المصري اسلوبا جديدا في استمالة الأغلبية الدينية او العرقية في التصويت على قاونين تحافظ على السلطة والياتها ثم تعمل فيما بعد في الغالب ضد المصالح الحقيقة لهذه الأغلبية وبالطبع في قمع الأقليات التي قد تهدد المنظومة المضلله بإسم حماية دين الأغلبية من العبث 3.تزيين الأساطير الدينية : على سبيل المثال اذا أردت بناء مصنع ما لبناء السيارات في منطقة ما فكيف تستطيع إقناع أهل تلك المنطقة ببناء المصنع كيف تستطيع تحويل أنظار أهل تلك المنطقة عن الإخطار الصحية الناجمة عن بناء المصنع في محيط سكنهم؟ ببساطة ستقوم بالتركيز على الفوائد التي ستعود على اهل المنطقة من المصنع مع وضع إعلانات جذابة وبراقة للسيارات الحديثة مع وعود لاهالي المنطقة بامتيازات البيع والأسعار المخفضه لكي يتم تضليلهم واعمائهم تماما عن الاضرار الناتجة من بناء المصنع هذا تماما ما يفعله رجال الدين مع أتباعهم من إغراءات في الدنيا مثل حلاوة الإيمان وفتح باب الرزق كذلك تأثيرات رجال السياسية والإعلام في إيجاد المشهيات من الأطعمة و العادات لكي تصاحب الطقوس الدينية ولا ننسى بالطبع الاغراء الديني بالجنات ونعيمها واللعب على الصورة التي كان الإنسان يتمنى ان يحياها في الدنيا الامر الأن لم يعد يقتصر على الدين فقط بل على رجال الدين أيضا او الظاهرة التى تسمى بالدعاة الجدد وهي على عكس ما يرى بعض المتفائلين بهم بأنهم صورة مخففه للدين قد تكون مفيدة للمجتمع وواقيه للشاب من الوقوع في براثن السلف , ولكن الواقع غير ذلك تماما فهي صورة لنشر للإسلام في ابشع صوره (ما يسمى بالإسلام السلفي ) بشكل أفقي والدليل نجاحهم في جلب الشباب الغير متدين إليهم الذي قد يتجه الى السلفية التامة فيما بعد ولم يحدث العكس في جذب الشباب السلفي إليهم ولولاهم ( هم والمؤولون بشكل عام )لكانت الخرافة محاصرة وتهم التخلف صريحة بدلا من خداع المترددين 4.إشغال وقت العامة بإنتاج الأفلام والكتب والأغاني وغيرها من الوان الترفية التافهة التي تسفه العقل ولا تدفعه للتفكير وتعوده على التحجر الفكري والراحة المخية ولا تظن عزيزي المؤمن انه من قبيل المصادفة ان يكون منتجوا قنوات الاغاني والمسلسلات والافلام هم انفسهم من ينتجون القنوات الدينية فتلك القنوات تعزز بقوه وجود القنوات الدينية فمن جانب هي تترك مجالا فسيحا للشيوخ ان يسفسطوا في الحديث عن أضرارها وفضل تجنبها ومن جانب اخر فهي ترسخ عقيدة الحرب مع الشهوه –الشيطان او ما يسمى بجهاد النفس واخيرا فهي ملاذ جيد لتسفية العقول عندما يشعر المتدين بالملل من القنوات الدينية 5-وضع تصور ذاتي خاطئ عن الانسان الإنسان فطر على الدين , المرأة لعوبة بطبعها وخلقت من ضلع اعوج وغيرها من تلك التصورات التي تدفع المحكومين للتصرف على أساس فهمهم التضليلي لانفسهم عبر تلك التصورات المضللة وليس التصرف المبني على سلوك الإنسان العادي في نفس المواقف وبعد فرض تلك الحالة الزائفة على الفرد لم يعد يتبقى له الا مجموعة من الأساطير- أي اساطير -مهما بلغ سخفها مع محاولة ردعه وتهديده اذا خرج عنها بالعذاب الأبدي بعدها سيسلم المتدين عقله بكل رضا وسعادة الى المتلاعبون به ويستمر الدين في عهد لم يعد له فيه أي مكان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.