أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل نحن قوم كافرون !؟ (حُظر عن النشر)
نشر في حريات يوم 27 - 12 - 2010


[email protected]
إذا كنت يا عزيزي القاريء ممن يرتادون المساجد وشهد الناس لهم بالإيمان، أو من المسلمين الذين اكملوا أركان دينهم الخمسة أو حتى بعضاً منها. وحدث أثناء تلك المسيرة القاصدة أن ساقك حظك العاثر أو أقدمت بمحض ارادتك لمشاهدة الشريط الكارثة أو ما سُمي ب (فتاة الفيديو) ثم تحركت غرائزك الإنسانية تلقائياً، وابديت أي نوع من التعاطف مع تلك الفتاة المقهورة، سواء بالتلميح أو التصريح أو حتى بالصمت وإن كان أضعف الإيمان. فاعلم – يا هداك الله – إنك خرجت من المِلة المحمدية ودخلت مِلة الكفر، ويتوجب عليك تبعاً لذلك الاغتسال والتطهر وصلاة ركعتين، ومن ثمّ دخول الإسلام مجدداً إن رغبت في ذلك. هذا بحسب الفتوى التي طيّرها في الهواء الطلق المشير عمر حسن البشير رئيس الجمهورية في مدينة القضارف يوم الجمعة الماضية الموافق 17/12/2010 وذلك في معرض تعليقه على الحدث الذي شغل الناس كافة والسودانيين على وجه الخصوص، وما يزال ينداح دوائر.. ظلت تتسع كلما أشرقت شمس يوم جديد!
واقع الأمر لم يكن ذلك هو التعليق الأول فقد سبقه اثنان من العصبة ذوي البأس، كان أولهما الدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ومسؤول التنظيم في الحزب الحاكم، وذلك في حوار مع قناة الجزيرة يوم 9/12/2010 حين سألته إحدى المتداخلات عن ملابسات القضية؟ فأجابها وفق منهجه الحضاري المعروف في التعامل مع الأشياء وقال: (أخشى لو علمت بجُرمها أن تتمنى لو أنها قُتلت) ثم استطرد بخلاصة مفجعة (إن المرأة المحترمة لا يمكن أن يتم جلدها، وطالما تمّ جلد هذه المرأة فهذا لأنها امرأة غير محترمة) وبالطبع هذا حديث كفيل بتحويل السياط من جسم الفتاة إلى أجسام سامعيه من القراء الكرام! ثمّ أعقبه الدكتور عبد الرحمن الخضر والي ولاية الخرطوم العاصمة، فأكمل تحويل دائرة الشك إلى يقين. جاء ذلك في حوار آخر أجرته معه قناة النيل الأزرق الفضائية يوم 14/12/2010 وكان أكثر جاهزية من سابقه. إذ جاء مدججاً بمعلومات وافية بحسب زعمه، قال إنه طلبها خصيصاً لينوِّر بها السادة المشاهدين، ثم بدأ يتلو حيثيات الجريمة والعقاب كنبيّ بُعث في قوم فاسقين، وقال في فاتحة كتابه: (الشريط الذي تمّ بثه هو في الواقع إقامة لعقوبة حدية صادرة عن قاضٍ مختص) ثمّ زاد بشرحٍ فصلٍ (العقوبة الحدّية أُقيمت لتُطهر من يرتكب الجريمة، وقد رُوعي فيها أن يشهدها طائفة من المؤمنين ويسدل الستار عليها) ثمّ بدا غير عابيء لا بالقذف ولا القذائف، مؤكداً أن الفتاة بائعة هوى محترفة، وأن جميع المواد التي وُجهت لها (متعلقة بأعمال أخلاقية وفاضحة وإدارة الدعارة) وكأني بصوت ينبعث من وراء حجاب يقول لنا: فبأي براهين واليكم تكذبان؟!
تلك نتيجة استسهلها الوالي جزاه الله عنا خير الجزاء.. بالرغم من أن الشريعة الإسلامية نفسها استصعبتها حتى كادت أن تكون كالغول والعنقاء والخل الوفي. ومع ذلك نطق صوت من وراء الحدود مؤازراً ومعضداً ومصدقاً سيدنا الخضر من قبل أن يرتد إليه زعمه. إذ استعار الدكتور خالد المبارك عيني زرقاء اليمامة، وقال لهيئة الاذاعة البريطانية يوم 14/12/2010 إن (الفتاة أدينت مرات عديدة بتهمة ممارسة الدعارة) وحتى ينزل قوله برداً وسلاماً على متلقيه، ادّعى المبارك أن عقوبة الجلد نفسها موجودة في المدارس البريطانية. وبغض النظر عن الافتراء هب أنها موجودة يا سيدي، هل يعني ذلك أنها مقبولة؟ لكن للذين لا يحسنون فك طلاسم البشر، نقول إن المبارك ليس الملحق الإعلامي لنظام العصبة في بريطانيا فحسب، بل عاش فيها مواطناً صالحاً نهل من فيض جامعاتها، ثمّ عاش فيها معارضاً لذات النظام الذي يجتهد الآن في تحسين صورته. وبالتالي فهو يعلم علم اليقين أن دستور وقوانين الإمبراطورية البريطانية وضعت ذاك الفعل الحيواني في مصاف الجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك نحن نعلم أنه لا هذا ولا ذاك يمكن أن يقنع من ارتضى لنفسه لعب دور محامي الشيطان كلما استطاع لذلك سبيلا، فبمثلما أذهل المبارك الإسلامويين بتلك الطاعة العمياء، فقد أذهل العلمانيين أيضاً بسرعة التطبع. ولا غروّ إن أصبح مثلاً للذين اضاعوا عمراً في الكرى ورجعوا القهقرى كما ولدتهم أمهاتهم! ولا عجب إن كان المبارك قد أراق حبراً كثيراً في نقد تلك القوانين سيئة الصيت في زمن مضى، فقد أراق ما هو أعز من الحبر بتبرئة صانيعها في زمن أتى!
بناءً على فتوى التكفير التي طارت عصافيرها في الفضاء الواسع، نستطيع أن نقول إنه من غير صاحب الفتوى والثلاثة المذكورين الذين ساندوه، أن أكثر من عشرين مليوناً من البشر (بحسب التقديرات) وهم الذين شاهدوا شريط الفتاة في الفضائيات والمواقع الإسفيرية، أصبح المسلمون منهم بكل مللهم ونحلهم خارج إطار الديانة الإسلامية، أما غير المسلمين من يهود ونصارى وبوذيين وهندوسيين وكونفوشسيين ولادينين، سواء عليهم تعاطفوا مع الفتاة أو لم يتعاطفوا، فإن هذه الفتوى لن تزيدهم إلا خبالاً. لكن الذي حيرني وبعثرني وأطار النوم من عيني، حال بعض إخوتنا في الإنسانية من الإسلامويين الذين كانوا يدافعون عن مشروع العصبة، وإذا بالفتوى تضعهم ضربة لازب في فسطاط الكفر، وذلك بعد أن أسفروا عن مشاعر التعاطف مع الفتاة واستهجنوا فعل القرون الوسطى. من هؤلاء الكاتب النحرير الدكتور محمد وقيع الله أقال الله عثراته. فبعد أن أخذته العزة بالإثم قبل فترة، وعدّ للملأ أكثر من خمسين سبباً قال إنها كفيلة بأن تطأ العصبة فوق رؤوسنا وتجلس القرفصاء على صدورنا. فإذا بالفتاة المغلوب على أمرها تفتح بصيرته وينكص على عقبيه فيتبرأ مما فعلت عصبته، بل لم يستبشع الفعل كما فعل الكثيرون، ولكنه مضى إلى أبعد من ذلك وأنزل على عصبته سوط عذاب وطالب في مقاله المنشور بموقع سودانيل 14/12/2010 (بضرورة أن تتكاتف الأمة السودانية، وأن تهب وتقف وقفة رجل واحد، لإجبار دولة الإنقاذ على احترام حقوق الإنسان، وإرهابها عن أن تعود إلى اقتراف هذه الممارسات الشائنات، وإرغامها على إنزال اشد العقاب بمن ساموا هذه الفتاة أشد العذاب) وهل في ذلك قسم لذي حجر يا مولاي؟!
لأن ذلك من غرائب سلوك العصبة ذوي البأس، أقول ساورني شك عظيم في صدقية موقف الوقيع الله. إذ حدثني قلبي إن وراء الأكمة ما وراءها. فهل يا ترى قضى صاحبنا وطره من عصبته ولم يعد في حاجة لها؟ أم أنها أوصدت الأبواب في وجهه دون أن ينال منها ما طمح له وتطلع إليه طويلاً؟ لكن دعونا نحسن الظن ونقول إنه داهمه ندم الكسعي بعدما تبين له الرشد من الغي، وإن كان ذلك كذلك فسنحمد الله الذي هداه سواء السبيل، وسندعو الله مخلصين أن تستمر توبته ولا يرتد عنها مرة أخرى. ولكن يظل السؤال قائماً ماذا سيفعل الرجل بعد أن أخرجه مقاله من المِلة المُحمدية بنص الفتوى العُمرية وحشره مع الكفار والزنادقة؟ هل يا ترى سيغتسل ويتطهر ويعود إلى حظيرة العصبة مرتداً؟ أم أنه سيغتسل ويتطهر ويلوذ بكهف الفئة الكافرة تائباً؟ يمثل وقيع الله بمقاله المشار إليه حالة نادرة، فثمة قوم آخرون سدروا في موالاة العصبة ذوي البأس جراء منفعة يصيبونها في دنياهم، ولكن فجأة تكشفت لهم الحُجب وانقشعت أمامهم غيوم الإفك والضلال، فرأوْا الباطل باطلاً فاجتنبوه ورأوا الحق حقاً فاتبعوه!
نحن كما الشريعة علينا بالظاهر، لكن يبدو والله أعلم بالسرائر أن عودة الوعي هذه ستصيب واحداً من غير العصبة ذوي البأس وإن سخّر نفسه لخدمتها باخلاص جبّ تقاعسه في فعل الخير. صاحبنا الآخر اتّخذ موقفاً مماثلاً لموقف وقيع الله، إذ كتب الدكتور محمد إبراهيم الشوش (الرأي العام 21/12/2010) مقالاً تضمن صبغة اعتذارية بعد مقدمة طويلة قال فيها إنه شعر بالإحباط جراء ما شاهده من منظر مؤلم عبّر فيه عن خيبة أمله في من توسم فيهم العكس! ثمّ استبطن السخرية من الفاعل أو كفيله – بمصطلحات لغة العمل عند أهل الخليج الذي يعمل فيه – وقال: (لكن آخرين أحبوا هذا الفعل سرعان ما خيبوا أملي. فقد توالت الاتهامات على الذين انتقدوا هذا الفعل المسيء للإسلام ولسمعة هذا البلد الطيب، واتهموهم بالرغبة في إشاعة الفاحشة وعداء التوجه الإسلامي ولو كان أثر هذا الفعل الوحيد فتح ثغرة لأعداء الإسلام لكان كافياً لدمغه وادانته) بدا الشوش مشوشاً كمن ضربت الحيرة أقطار نفسه، فتساءل وأجاب معاً: (وما الحل؟ لا أدري! ولكني أعرف شيئاً واحداً أن علينا إما معالجة هذه القوانين التي يمكن أن يساءُ فهمها وتطبيقها، أو إذا تعذر ذلك إلغاء كل المؤسسات الإعلامية وتوفير أموال طائلة يذهب جلها هباءً على أية حال. ذلك لإن ممارسة كهذه تفقد السودان كل اصدقائه. وتملك من القوة الإعلامية ما ينسف أي عمل إعلامي إيجابي يمكن أن يتفتق عنه عقل بشر) يبدو لي – والله أعلم – أن الشوش كتب مقاله هذا قبل (فتوى القضارف) وتبعاً لذلك لا داعي للخوض فيما سبق السيف العزل فيه. ومهما يكن من أمر، فوجهة نظره تبدو على نقيض ما توصل له زميله في الضراء الدكتور خالد المبارك أو جوبلز الإنقاذي، بالرغم من أن الاثنين يعملان عند كفيل واحد، وإن كانا معاً يتحريان الكذب حتى كُتبوا عند وسائل الإعلام كذابين!
لأن النوازل لا تأتي فرادى، لم تتوقف (واقعة القضارف) في فتاوى الدين، وإنما شملت فتاوى الدنيا أيضاً. كان البشير النذير قد بشّر مواطنيه بحسم القضية التي ظلوا فيها يصطرعون منذ اعتماد الحدود الإدارية الراهنة للسودان، فقد أناب نفسه عن الأربعين مليون سوداني وحدد لهم مصيرهم بحديث لا يقبل الشك ولا التأويل، إذا قال في خطاب الوعد والوعيد (إذا اختار الجنوب الانفصال سيعدل دستور السودان، وعندها لن يكون هناك مجال للحديث “المدغمس” زي السودان بلد متعدد الديانات والأعراق واللغات، وسيكون الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع والعربية هي اللغة الرسمية) ولولا الأسئلة التي فتحت أبواب جهنم، لقلنا الحمد لله فقد قُضي الأمر الذي فيه تستفيان. فطالما الأمر كذلك فبماذا إذن حكمت العصبة هذا البلد المنكوب منذ أن تسورت حائط السلطة بليل قبل عقدين من الزمن؟ بل بموجب أي قانون جُلدت تلك الفتاة إذا كانت الشريعة لم تُطبق بعد؟ واقع الأمر لو أن العصبة ذوي البأس ادّعت أنها حكمت بشرع الله في العقدين المنصرمين، واعترفت الآن – وفق ما جاء في كلام حادي الركب – إنها لم تطبق الشريعة، فذلك يعني أنها مارست الكذب والخداع وتلك مصيبة، أما إذا قالت إنها كانت تحكم بقوانين الشريعة ماضياً وحاضراً (وفق ما ذكره الوالي عبد الرحمن الخضر في الحديث المشار إليه والذي قال فيه: نعمل بالقانون الجنائي لعام 1991 وما يزال سارياً والمستمد من الشريعة الإسلامية) تكون المصيبة أعظم. ذلك لأنها بموجب هذه القوانين قتلت أرواحاً وسحلت نفوساً وعذبت بشراً وسجنت أناساً وقطعت أرزاق أبرياء، فهل هذا هو الإسلام الذي كرّم الله به عباده؟
من جهة ثانية، لقد كشفت (نازلة القضارف) عن أن ثمة قوم توهموا عكس ما درجت عليه البشرية التي ترى في التعدد الإثني والعرقي والديني والتنوع الثقافي مصدر ثراء للشعوب، وأنه بقادر على إكسابهم قوة ومنعة ووحدة كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا وغيرهم من الدول. لكن المفارقة وفقاً حديث (طويل العمر) أن يُصبح التنوع في الحالة السودانية عبئاً ينبغي التخلص منه. وتبعاً لذلك يكون انفصال الجنوب مناسبة للإحتفاء والفرح، عوضاً عن البكاء ولطم الخدود وشق الجيوب. وبالتالي وفق نظرية النقاء العرقي التي أقرها سعادة المشير للدولة القادمة بعد الانفصال، يكون الباب مفتوحاً لشعوب وقبائل أخرى لمغادرة البيت السوداني والتخلص من هيمنة الإثنية واللغة والديانة الواحدة! تبعاً لكل هذا فإن من خطل الحديث، أن يقال إن الذين تعاطفوا مع الفتاة المجلودة هم (الذين يصطفون خلف فتاة نُفذ في حقها شرع الله يزدادون كل يوم خبلاً على إبالة) أو ب (المعارضين من أجل الخلاعة والتفسخ) مثلما قال دكتور نافع علي نافع (آخر لحظة 19/12/2010) أو أنهم (المعارضة الإسفيرية التي تستخدم سلاح الإنترنت وأنها خائبة ولا رجاء فيها) بمثلما جاء في صحيفة الرائد لسان حال الحزب الحاكم 19/12/2010 بمثل هذه الدرر، لا نشك مطلقاً في أن سيادته شاء أن يضرنا فنفعنا من حيث لا يحتسب!
لا يُعتقد أن الذين تعاطفوا مع قضية فتاة الفيديو ابتداءً، فعلوا ذلك من زاوية إسلامية أو عدم إسلامية القوانين، بقدر ما فعلوا ذلك من منطلق حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية، علماً أن فيهم من يرى أنها ليست بعيدة عن المعايير الإسلامية باسقاط شريعة ما عادت حدودها صالحة لهذا الزمان. ولأن التجربة دلت على أن العصبة ذوي البأس جعلت من هذه القوانين مطية لتحقيق مآرب خاصة لا علاقة لها لا بالدين ولا الدنيا، أصبح من العسير أن يتقبلها الناس على يد جلاوزتها حتى لو جاءت مبرأة من كل عيب. والواقع نحن لهذا السبب واسباب أخر نرفضها وإن جاءت في طبق من ذهب. نقولها بقناعة كاملة إن قوانين قال الشعب فيها كلمته يوم أن أسقط صانعها مرفوضة تماماً. ومعلوم تماماً أن ما تم تطبيقه منذ العام 1983 هي قوانين سبتمبر التي استنزلها الرئيس المخلوع جعفر نميري وصاغتها السيدة بدرية سليمان والنيل أبو قرون وعوض الجيد محمد أحمد، وقد افتقر ثلاثتهم للكفاءة والتأهيل والمعايير الأخلاقية التي تجعلهم ينجزون عملاً كهذا. وعليه فقد بات بما يدع مجالاً للشك أن القانون الجنائي للعام 1991 هو قوانين سبتمبر عينها في طبعتها الإنقاذية، وبالتالي نحن نرفضهما معاً ليس لأننا نرفض شرع الله، ولكن لأننا نخاف على شرع الله من ثعالب الدين والعقائد، ونرفضهما لانعدام دولة المثال في التاريخ الإسلامي، ونرفضهما لأنهما لا يتواءمان مع مكونات القطر السوداني، ونرفضهما لعدم توفر مجتمع الكفاية والعدل، ونرفضهما للانتقائية التي جعلت من الإسلام قوانين حدية وغيبت كامل المنهج، ونرفضهما لأن من طبقها سرق فيهم القوي فتركوه وسرق فيهم الضعيف فأقاموا عليه الحد، نرفضهما لأننا لم نر من هو في مثالية الرسول الكريم ولا في عدل عمر بن الخطاب ولا زهد أبي ذر الغفاري! ثمة سؤال يجيب على هذا التشابك، فليقل لنا المتنطعون ما الذي كسبه الإسلام من هذا الشريط؟ وبمقدورنا أن نؤلف كتاباً في الخسارة التي جناها الإسلام من هذا الشريط؟
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!
حظر الاستاذ عادل الباز رئيس تحرير صحيفة (الأحداث) نشر هذا المقال اليوم الأحد 26/12/2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.